الحافز النقدي: عن التعليم واقتصاديات الوقت

 

تقوم الفلسفة الرئيسية لاقتصاد السوق على منطق التسليع والتسعير، فلكي يتحول الشيء إلى سلعة لا بدَّ أن يكون له سعرٌ أولاً. يرى الفيلسوف الأمريكي مايكل ساندل في كتابه ما الذي لا تستطيع النقود أن تشتريه: الحدود الأخلاقية للأسواق، أن تلك الفلسفة بدأت تتغلغل في كافة نواحي حياتنا، حتى تلك التي كانت خارج نطاق سيطرة التسليع والحافز النقدي.

أحد تلك النواحي التي تغلغل فيها منطق التسعير والتسليع هو التعليم والقراءة وغيرها من مصادر التزوّد بالمعرفة. في بعض الولايات الأمريكية تم إقرار برنامجين، أحدهما يقوم على تحفيز الأطفال على القراءة من خلال منح الطفل 2 دولار لكل كتاب، وفي البرنامج الآخر يتم منح الطلبة مقابلاً مادياً نظير الدرجة التي يحصلون عليها في المواد الدراسية، وكلما زادت الدرجة كلما زاد المقابل المادي. ذكّرتني تلك الأمثلة بالدعم النقدي المشروط الذي تبنته الحكومة المصرية في عام 2015 تحت مسمى برنامج «تكافل»، والذي يشترط على الأُسَر إرسال أبنائها إلى المدارس ومتابعة وضعهم الصحي كشرط أساسي لضمان استمرارية الحصول على التحويل النقدي من جانب الحكومة.

في كل الحالات السابقة يشوّه الحافزُ النقدي الحافزَ والدافعَ الرئيسي من وراء القراءة أو فعل التعلّم. فبدل أن يكون دافع الطفل من وراء القراءة هو حبّ الاطلاع والمعرفة، يصبح الدافع هو الحصول على بعض الدولارات. وبدل أن يكون دافع الآباء لإرسال أبنائهم إلى المدرسة أو الوحدة الصحية هو رغبتهم الأصيلة في تعليم أبنائهم والاهتمام بصحتهم، يصبح الحافز النقدي هو المحرّك.

في حالة البرنامج المتعلق بإعطاء مقابل مادي عن كل كتاب يقرأه الطفل، كانت النتيجة أن الأطفال أصبحوا يقرأون كتباً أكثر بالفعل، لكنها كتبٌ أصغر. في بعض دول أمريكا اللاتينية، التي شهدت الظهور الأول لبرامج الدعم النقدي المشروط، تمت ملاحظة أن المدرّسين يميلون إلى إنجاح الأطفال حتى لا تفقد الأسرة التحويل النقدي في حالة رسوبهم، كما تمت ملاحظة أن الأُسَر في بعض الحالات كانت تقوم بتغذية أطفالها بصورة أكثر من اللازم قبل توقيع الكشف المتعلق بقياس وزن الأطفال. نظراً لذلك التغلغل للحافز النقدي، يصبح الهمّ الأكبر هو الكمّ وليس الكيف. كم عدد الكتب التي يقرأها الطفل وليس نوعية تلك الكتب، وكم عدد الأيام التي ينتظم فيها الطفل في المدرسة، أو هل يتخطى العام الدراسي أم لا، وليس ما إذا كان يتلقى تعليماً جيداً بين جدران تلك المدرسة.

السؤال المهم هنا: ماذا لو تمّ سحبُ الحافز النقدي؟ الأمر هنا يشبه إلى حدٍّ ما تجنيد جيش من المرتزقة للدفاع عن إحدى المدن، هؤلاء المرتزقة لا يقاتلون من أجل تلك المدينة أو من أجل سكّانها ولكن فقط من أجل الحافز النقدي، وفي حالة اختفاء ذلك الحافز النقدي سوف يتركون مواقعهم على الأسوار، ويتركون المدينة صيداً سهلاً للأعداء.

الأمر في الحقيقة مرتبطٌ بدرجة كبيرة بمنطق تسليع الوقت الذي تحفزه الأسواق. حينما نمنح الطفل مقابلاً مادياً نظير قرائته لكتاب، فكأننا نقوم بتعويضه عن الوقت الذي أضاعه على قراءة الكتاب، وكذلك الحال في حالة التحويلات النقدية المشروطة، حيث تقوم فَسلفتُها على تعويض الأسرة عن المقابل المادي الذي كان من الممكن أن يجنيه الطفل في حالة عمله. في معظم كتب الاقتصاد التي تُدرَّسُ لطلبة الاقتصاد في السنة الأولى بالجامعة، يتمّ شرح مفهوم تكلفة الفرصة البديلة بالتطبيق على حالتهم الخاصة، إذ يُخبرهم الأستاذ أن تكلفة الفرصة البديلة لوجودهم في ذلك المكان الآن هي قدر المال الذي كان من الممكن أن يجنوه لو كانوا قرروا العمل بدلاً من الدراسة.

في كتابه، يسرد ساندل قصة أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد، الذي ترك له أحد الطلبة خمسة جنيهات إسترلينية بعد نهاية الفصل الدراسي على سبيل البقشيش، وكأن ذلك الطالب يعوّضُ الأستاذ عن الوقت الذي أضاعه في تدريسهم، في حين أنه كان من الممكن أن يفعل شيئاً آخر يدرّ عليه دخلاً أكبر من الدخل الذي يجنيه من التدريس.

إنها دائرة مفرغة في الواقع، فمنطق السوق والعولمة الاقتصادية والسباق المحموم نحو الهاوية من خلال خفض معدلات الضرائب والمزايا والمنافع الاجتماعية، كل تلك الأمور خلقت أنماطاً من العمل لا توفّر أي قدر من الأمان الوظيفي، بحيث تدفع الأشخاص للتفكير كثيراً فيما يفعلونه، ليس ما يفعلونه بوقتهم فقط، ولكن بوقت أبنائهم أيضاً. فالشخص الذي يعمل «باليومية» سوف يفكر كثيراً هل يرسل ابنه إلى المدرسة أم يرسله إلى سوق العمل ليساعده في مهمّة الإنفاق على الأسرة. المشكلة هنا أن ذهاب هذا الطفل إلى سوق العمل لن يضمن له وظيفة فيها قدرٌ من الاستقرار الوظيفي الذي حُرِمَ منه والده، في تجسيد فعلي لمفهوم الدائرة المفرغة. ولكن على الناحية الأخرى، لا يمكن القول إن إرسال الطفل إلى المدرسة وإنهائه لتعليمه الجامعي على سبيل المثال، سوف يضمن له مستقبلاً وظيفياً آمناً، إذ أن غياب الأمان الوظيفي لم يعد مرتبطاً دائماً بالمستوى التعليمي الذي يحصل عليه الشخص.

اتساع دائرة الفقر واللامساواة تدفع بعض الأشخاص لتقدير وقتهم على أنه أكثر أهمية من وقت أشخاص آخرين، وينتج عن ذلك الأمر نمطٌ من المعاملات تتم تحت ضغط الحاجة. نجد ذلك جلياً في حالة الأشخاص الذين يقفون في الطوابير الخاصة بمنتجات شركة آبل لصالح أشخاص آخرين يرغبون في شراء منتجات الشركة مثل هاتف «الآيفون»، وذلك في مقابل دفع مبلغ من المال لصالح الشخص الذي يقف في الطابور. في واشنطن هناك شركة متخصصة في توظيف أشخاص يقفون في الطوابير الخاصة بجلسات الاستماع الخاصة بالكونغرس، وكذلك المحكمة العليا الأمريكية، وذلك لصالح أولئك الذين يرغبون في حضور تلك الجلسات ولكنهم لا يرغبون بالوقوف في الطابور. ظهرت تلك الظاهرة المتعلقة بوقوف أشخاص في الطابور لصالح أشخاص آخرين أثناء الحرب في سوريا، وذلك في الطوابير المتعلقة بتوزيع بعض السلع التموينية.

قد يقول المؤيدون لمنطق السوق إن تلك المعاملات تمّت بطريقة طوعية، وذلك هو المهمّ، فهناك شخصٌ طلب الخدمة وهناك شخصٌ آخر لبّى ذلك الطلب، ولكن في حقيقة الأمر تلك الطوعية ليست طوعية حقيقية، بل إن الشخص يكون قد وافقَ على الدخول في تلك المعاملة تحت ضغط الحاجة والفقر، سواء كان ذلك في وضع طبيعي أو في حالة حرب كما هو الحال في سوريا.

أثناء مجابهة منطق التسليع الذي يتغلغل في نواحي حياتنا المختلفة، قد يقع بعض الأشخاص في فخّ التسليع والتسعير، بينما يعتقدون أنهم يقاومونه. على سبيل المثال تذهب بعض الآراء التقدمية للمطالبة بضرورة تعويض ربات البيوت عن الوقت الذي يقضينه في تربية أبنائهنّ والاهتمام بأمور المنزل بشكلٍ عام، لكن تلك الآراء تُسلّع بالفعل ما تقوم به الأم أو أياً كان الشخص الذي يقوم على رعاية الأطفال، وكأن فعل رعاية الأطفال في حدّ ذاته فعلٌ يحتاج إلى تعويض مادي لتحفيز الأشخاص على القيام به. طبعاً أنا لا أقول هنا بضرورة أن تظلّ المرأة في المنزل لرعاية الأطفال، وألّا تخرج إلى ما يسمى بسوق العمل، ولا أن تظلّ مهمة تربية الأطفال منوطة بها وليس بزوجها على سبيل المثال، لكنني هنا أُعلّقُ على الفعل نفسه، فعل تربية الأطفال الذي يتم ربطه هنا بالحافز النقدي من خلال استخدام فكرة تكلفة الفرصة البديلة لرعاية الأطفال، ألا وهي حجم الدخل الذي كان من الممكن تحصيله إذا تم الخروج لسوق العمل.

كما يخبرنا مايكل ساندل، تقلّ مع الوقت المجالاتُ والنواحي الحياتية التي لا يتحكم بها المنطق القائم على الحافز النقدي، ويبدو أن قطار الحافز النقدي لن يتوقف عن المسير حتى يضمّ إلى مناطق نفوذه جميع النواحي التي قد لا تزال خارج سيطرته.