الحب المستحيل

 

قبل أن يقتحم الوباء غفلة الكون، كنتُ للمفارقة أبحثُ حولي عن بعض مجازات الحب، أو ما أودّ أن أصدّق أنه الحب، فأُلفي مجازاته تُدير رأسها عني. أقول في نفسي؛ لا بدّ أنه موجود، هو دائماً موجود، ولو كان الواقع بواراً، ولو كان مراراً، إلا أن الحبّ لا بدّ حاضر، ولو بأشكال ناشزة. وهكذا، ومع قليل من الأناة، وقليل من الإيمان، وجدتُ بعض تمظهراته أخيراً في أحداث حقيقية حصلت في المدينة، رغم أنها تبدّت في أنظار من شهدها مجرّد ومضات مستعجلة عابرة، لكنها للحق، بدَت حين التمعُّنِ فيها أنّها ليست كذلك. لذا كان الواجب، كما العادة، أن تتم رواية تلك الومضات، أن يتم نقلها، بكل بساطتها، وعفويتها، تماماً كما حدثت، لا ليس كما يجب أن تحدث.

الوِرد/ في حب الله

أعطاني الطبيب بعض الأدوية، منها أدوية مهدّئة. قال إن هذا اعتيادي، وإن معظم الناس في وضعنا الحالي يأخذون هذه الأمور، وإنه هو نفسها أحياناً يأخذها، بل ويعطيها لأولاده حين يمرّون بأزمات معينة، وإنه ما من خشية في الإدمان عليها. تَمعَّنَ الطبيب في الوصفة الطبية التي بين يديه، وقال إن لديه نصيحة أبوية لي، ثم أعطاني رقماً لشخص يدعى الشيخ «أسامة»، وأعطاني عنوانه أيضاً، وقال لي بأن أذهب إليه وأطلب منه «الوِرد». قال إن الوِرد مُجرَّب، وسيساعدني في وضعي، وأوصاني أن أخبر الشيخ بأنني من طرفه، ثم قال لي ناصحاً بأنّي إن التزمتُ بالورِد، وإن التزمتُ بتناول الأدوية، سيختفي كل ما ذكرته له، بما فيها أفكاري بالموت. قلتُ للطبيب بأني أُحبّ الله، وأؤمن به، لكنَّ عندي سؤالاً واحداً: هل سأدخل جهنم إن شنقتُ نفسي؟ قال الطبيب من دون تردد بأن لا، لأن الله لا يعاقب من لديهم حالات مثل هذه. ابتسمتُ بامتنان للطبيب، لأنّ ذلك كان كل ما أريد أن أسمعه.

في اليوم التالي اتصلتُ بالشيخ أسامة، الذي عندما سمع صوتي على الهاتف كلّمني فوراً بصيغة الجمع، وأجابني أنه «بإمكاننا» المرور عليه بعد صلاة العصر.

وكان ذلك.

بدأتُ بالمواظبة على الوِرد، واخترتُ أوقاتاً قيل لي إنها مستجابة، لكنني كنتُ أحياناً أضيفُ «سبحان الله» أخرى فوق الخمسين مرة المطلوبة، أو أضيفُ ثلاث مرات من «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» فوق المئة مرة المطلوبة. أحياناً كان يحصل ذلك سهواً، وأحياناً عمداً، وهذه الـ«عمداً» لم أستطع فعلاً تحديد سببها؛ هل هو تحدٍّ للطبيب؟ أم للشيخ؟ أم لنفسي؟ أم لـ...؟

أستغفرُ الله العظيم.

سكرين شوت/ في حب الشهيد

في  الذكري السنوية لاستشهاد أحد شبان الثورة، تجرأَتْ ووضعَتْ صورته على أحد حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي. كان الشاب الشهيد يملك عينين حزينتين صافيتين، وكان يضع عقالاً على رأسه ويحمل بين ذراعيه علم الثورة. لم تدرك ما هو الدافع الذي جعلها تجازف بوضع صورته رغم أنها تسكن في منطقة خاضعة لسيطرة النظام، ورغم أن صفحتها باسمها الحقيقي وأن لديها كثيراً من الأصدقاء المؤيدين للنظام. أحسَّت أنها تسرعت بعد دقائق قليلة من وضعها الصورة، لكن عندما أزالتها كان الوقت قد فات.

بعد أسابيع من هذه الحادثة، كان الناس يتناقلون بهمس عن الفتاة التي تمّ اعتقالها لأنها عملت أشياء لا يجب فعلها على الإنترنت، والتي تمّ نقلها إلى مكان لا يعلمه إلا الله ومن أخذوها، والتي تَدخَّلَ كثيرون لإخراجها، أو معرفة مكانها، لكن من دون أي فائدة. بل إن الجميع نسيوا أو تناسوا ما حدث لاحقاً، لائمين الفتاة على خطئها، ومحذرين بعضهم بعضاً أن ينتبهوا لأصغر تفصيل يفعلونه، أو حتى يشعرون به.

في حب الوطن

في الثالث عشر من شهر كانون الثاني (يناير) من العام 2019، كان الشيخ عصام المصري يلقي خطبة الجمعة في أحد جوامع حمص، وقيل يومها على لسان من حضر الخطبة إنه كان ينهر الناس بسبب شعاراتٍ مناوئة للنظام وُجدت مكتوبة على بعض جدران المدينة، وذَكر من سمع الخطبة أنه خاطبهم يومها قائلاً: «عليكم أن تضبّوا أولادكم. هذه الشعارات التي كتبها أبناؤكم قرب جامع الحسامي وقرب جامع الخيرات وقرب مدرسة حوري رجّوب قد تمت إزالتها من قبل الأمن، والموضوع إن تكرر لن يمرّ على خير». صَمَتَ الشيخ قليلاً، ثم لفّ عباءته الحريرية حول نفسه بحركة مسرحية، وخاطب الناس المنصتين رافعاً صوته: «بكرا إذا أخذ الأمن أبناءكم تأتون إلينا باكين شاكين لإخراجهم، تطلبون لهم الواسطات وتدفعون لهم المال وتترجوننا لإطلاق سراحهم، ولمَ كل هذا العذاب؟ ألا يكفي ما حدث خلال السنوات الماضية؟!».

ارتشفَ الشيخ «دمعة» ماء وقال ناصحاً: «ابنوا وأصلحوا.. ابنوا هذا البلد، أعيدوه إلى عهده السابق، كفانا ما حصل، أبعدوا أولادكم عن هذه الأفعال، انصحوهم أن يلتفتوا إلى مستقبلهم، امشوا على خطى السلف الصالح، فالسلف الصالح كان محبّاً لبعضه، أحبّوا بعضكم، أحبّوا وطنكم، وساهموا في بنائه بدلاً عن خرابه»، ثم أنهى الشيخ الوقور خطبته وأقام الصلاة.

في حب العلم

ركضت إحدى الفتيات مسرعة حين أحسّت بأن هناك من يلاحقها، حين التفتت إلى الخلف رأت شابّاً نحيلاً يرتدي قميصاً قطنياً وبنطال بدلة عسكرية. صرخت فيه قائلة: «ابتعد من هنا وإلا أحضرت لك الشرطة»، ردَّ عليها الشاب قائلاً: «أنا الشرطة». لم تحرْ الفتاة جواباً، وركضتْ في محاولة للإفلات منه. ثم حين تكرر الأمر، وضاقت بالفتاة السبل، أخبرت مديرةَ المدرسة عن هذا الشاب الذي بالكاد يتجاوز الثمانية عشر عاماً، والذي يلاحقها بشكل شبه يومي. كان الشاب وحيداً لأهله، لكنه اختار أن يتطوع في الجيش، وكمحاولة أخيرة، استدعت مديرة المدرسة الشاب إلى غرفة الإدارة، وهددته بأنّ عليه أن يتوقف عن ملاحقة الفتيات وإلا ستُحضر له الأمن. أخرجَ الشاب جهاز الجوال من جيبه، وأراها رسالة من إحدى الفتيات، وقال للمديرة بأنه سيبتعد عن الوقوف قرب المدرسة، لكنه يريد طلباً واحداً، وهو أن يعلّمه أحدٌ القراءة والكتابة، لأنه أُمّي، ولأن الفتيات يرسلنَ له الرسائل على جوّاله لكنه لا يستطيع قراءتها، مضيفاً أن أصدقاءه هم من يقرؤون له الرسائل وهم من يكتبونها للفتيات على جواله، وأنه سئم ذلك ويريد أن يردّ عليهنّ بنفسه.

كانت عينا الشاب تتوسلّان المساعدة حقّاً، ارتبكت المديرة أمام طلب الشاب، وقالت إنها ستنظر كيف بإمكانها مساعدته، لكن بعد مغادرته رفعت هاتفها واتصلت برجل في الأمن. بعد عدّة أيام، هدَّدَ أبو محمد، وهو من الأمن السياسي، الشاب بعدم الاقتراب من المدرسة وإلا سيناله ما لا يعجبه. طمأنَ أبو محمد المديرة بأنه أنجز المهمة، وطلب منها الحلوان، وخمّنت المديرة أنّ الأمر لا بدّ انتهي هنا.

في الأيام التالية، وفي الساعة السابعة والنصف صباحاً، كان الشاب يجلس على كرسي أمام باب المدرسة وهو يشرب «الأركيلة» والمتة، بانتظار المديرة والمعلمات والفتيات لدخول للمدرسة، مُحيياً الجميع بابتسامة عريضة.

في حب الوطن 2

قالت المرأة وهي باكية بأنّ الرجل «طق عقله»، وذلك بعد أن تركها زوجها هي وأحفادهما الأيتام كرمى امرأة لم تتجاوز العشرين. كان الرجل الخمسيني قد فقد ابنيه الشابين جرّاء قذيفة مزقت جسديهما معاً في لحظة واحدة، عندما سقطت عليهم أثناء اختباء الأسرة كلّها في الغرفة نفسها، تاركة في رقبة الرجل الخمسيني أربعة أحفاد أيتام ووالدتيهما الأرملتين وزوجة، لكن كلّ ذلك لم يثنه عن الجري وراء النساء.

هجرته الزوجة الشابة بعد شهور قليلة من زواجهما وتركته بقلب مكسور، وبدلاً من العودة إلى بيته، حيث زوجته الأولى وأحفاده وأرملتا ابنيه ينتظرون من يساعدهم في تكاليف العيش بفارغ الصبر، أخذ يلاحق الحواجز والعساكر ويترجاهم كي يتطوع معهم، وفي كل مرة كانوا يطردونه هازئين عندما يعرفون سنّه، لكنهم في النهاية وتحت إلحاحه قبلوا طلبه، غير أنهم كانوا يرسلونه في مهمات أمنية وقتالية في أماكن بعيدة، وعلى جبهات مشتعلة، وبمردود مادي لا يُذكر. في المرة الأخيرة، أرسلوه في مهمة بالقرب من خان شيخون. قالت المرأة باكية إنه لم يتحدث معها منذ أكثر من شهر، وإنّ خطه مقطوع، وإنه في آخر مرة تحدث معها كان يقول من خلال الخط المتقطع بأنه محاصر من قبل الإرهابيين، وبأنه سيموت في أي لحظة.

في حب الوطن 3

في الواحد والعشرين من شهر شباط (فبراير) لهذا العام 2020، كانت خطبة يوم الجمعة عن النصر المؤزّر الذي أحرزه «أبطال الجيش السوري» على جبهات حلب. كان الشيخ يمسك ورقة مطبوعة بيد، ويمسك منديلاً يمسح به عرقه باليد الأخرى. انتبه الجميع أنّ الشيخ كان يتقصّد التلعثم في كلمات التهنئة بالنصر المبين، وأنه تلعثم خصوصاً عندما تمت مقارنة النصر الحاصل في حلب بالنصر المؤزر الذي حدث على يد الأسد الأب في الثمانينات. لم يستطع الشيخ رفع بصره للنظر في وجوه المصلين، لكنه اكتفى بتكرار كلمة النصر، النصر، النصر المؤزر، الذي، الذي، قام به جنودنا الأبطال، محرزين الفتح المبين المستحق، ومعيدين لنا الأمل، الأمل، باسترجاع ما تبقى من سوريا الحبيبـ... الحبيبة...