الحدود السورية التركية: الأبواب «المفتوحة» الموصدة

في مساهمته الأولى ضمن زمالة الجمهورية للكتاب الشباب، يكتب محمد جلال عن التحولات التي شهدتها الحدود السورية التركية خلال السنوات التالية لقيام الثورة السورية.

منذ انطلاق الثورة السورية، ثم بِدء العمليات العسكرية والقصف الممنهج من قبل النظام السوري، اضطرُّت أعداد كبيرة من السوريين للهروب عبر الحدود إلى دول الجوار، وخاصة إلى الأراضي التركية بغرض الاستقرار، أو عبور بحر إيجة باتجاه أوروبا انطلاقاً من غرب تركيا، لا سيما مدينة أزمير. وبسبب الأعداد التي تقدر بالملايين ممن عبروا الحدود السورية بطريقة غير شرعية مرة واحدة على الأقل، ارتقى مصطلح التهريب إلى مستوى مُتقدم في الوجدان السوري، بعد أن أصبح واحداً من أهم التجارب التي واجهها السوريون خلال تغريبتهم المستمرة حتى الآن.

ليس التهريب أو عبور الحدود بطريقة غير شرعية أمراً طارئاً، بل هو ملازمٌ للحدود بين أي بلدين، وخصوصاً في بلد مثل سوريا، خطّت حدوده دولٌ عظمى وفق مصالحها، ودون أي اعتبار لوضعه الديموغرافي في بداية القرن العشرين. ودائماً ما كان سوريون كثيرون يتنقلون من وإلى البلدان المجاورة، وخصوصاً في المناطق التي تتوزع فيها العائلات والعشائر على طرفي الحدود، حتى أن الحكومة التركية كانت قد زرعت ألغاماً على الحدود التي يبلغ طولها 911 كم منذ العام 1952، وذلك بهدف الحدّ من عمليات التهريب بين البلدين حينها. وقد تقرَّرَ نزع هذه الألغام عام 2009 بعد قانون أقرّه البرلمان التركي، وصادقَ عليه الرئيس التركي عبد الله غُل آنذاك، غير أن عملية إزالة الإلغام لم تكتمل بسبب انطلاق الثورة السورية، وما تلاه من توتر العلاقة بين الحكومة التركية والنظام السوري.

وبعد قيام الثورة، كان التهريب إلى تركيا بين عامي 2012 و2014 سهلاً للغاية ومتاحاً للجميع، بحيث يمكن لأي شخص الذهاب والإياب في اليوم الواحد أكثر من مرة، وبتسهيل من الجندرما التركية، التي كان عناصرها يبدون سروراً كبيراً بحمل الحقائب والأطفال، وتقديم يد العون للعابرين. كما لم يكن هناك مكان معين للدخول، بل كان بإمكان السوري اختيار أقرب نقطة حدودية تتوفر فيها مواصلات نحو الداخل التركي للتوجه إليها، ولم يكن المهربون في الجانب السوري وقتها سوى حمّالين للحقائب، وسماسرة لتأمين السيارات على الطرفين. ومن المهم معرفة أن الصعوبات في التهريب، وإن كانت بسيطة في تلك الفترة، إلا أنها كانت تظهر وتتواتر مع مرور الوقت. 

ومن الحوادث المشهودة كان فتح معبر باب السلامة أمام أهالي مدينة إعزاز شمال حلب بعد غارات لطيران النظام السوري، أدت لسقوط أكثر من 40 شهيداً في السادس عشر من آب 2012. يقول عليّ، وهو أحد أبناء المدينة، عندما سألناه عن تلك الحادثة: «في ذلك اليوم، دخل كلّ من أراد عبر معبر باب السلامة دون الحاجة لجواز سفر أو تفتيش أو أي إجراءات أخرى. لم يكن هناك أي تدقيق على السيارات التي دخلت، وسُمِحَ حتى للجرارات الزراعية والدراجات النارية بالدخول، فضلاً عن الراجلين».

كذلك كان متاحاً لحاملي جوازات السفر السورية النظامية في ذلك الوقت الدخولُ من البوابات الحدودية، في المناطق التي يسيطر أو كان يسيطر عليها الجيش الحر. ولاحقاً في منتصف تموز 2014، أصبح الدخول ممكناً لحاملي الجوازات السورية منتهية الصلاحية عبر تلك المعابر. وحتى العام 2014، كان هناك خمسة معابر تعمل بشكل نظامي منذ انتزاعها من يد قوات النظام، وهي باب الهوى في شمال إدلب وباب السلامة شمال حلب وجرابلس وعين العرب في ريف حلب الشمالي الشرقي وتل أبيض في ريف الرقة الشمالي.

إغلاق المعابر، وضبط الحدود

في بداية العام 2015، بدأت  طريقة التعامل على الحدود السورية التركية تتغيّر نحو الأسوأ، ففي شهر آذار من ذلك العام قررت الحكومة التركية إغلاق المعابر أمام المسافرين، مع إبقاء العمل فيها بالنسبة للحركة التجارية والإسعاف والحالات الطبية الخاصة، بالإضافة إلى عدد محدود من السوريين الذين حصلوا على موافقات خاصة من الولاة الذين تقع المعابر تحت سلطتهم، عبر قائمة يتم تجديدها دورياً، تضم مسؤولين عسكريين في المعارضة، وأعضاء في المجالس والهيئات المحلية، وموظفي المنظمات الإنسانية العاملة في الداخل، والتجار الذين يقومون بتوريد بضائع إلى الداخل السوري بشكل منتظم، وبعض الاستثناءات. قيل وقتها إن سبب الإغلاق هو حالة الترقب في الداخل التركي للانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران من ذلك العام، لكن المعابر ما زالت مغلقة حتى لحظة كتابة هذه السطور.

بدا أن الأتراك لم يتوقعوا هذا العدد الكبير من اللاجئين، ولا المدة الطويلة للحرب التي لا تلوح نهايتها في أي أفق، فبدأت أصوات من الداخل التركي تعلو ضد سياسة الحكومة حيال اللاجئين والأزمة السورية عموماً. كما أن المشكلات التي بدأت تحدث مع السوريين في بلد غريب عن ثقافتهم وعاداتهم ساهمت في الضغط بهذا الاتجاه، بالإضافة إلى عمليات تهريب البضائع التي تضاعفت عشرات المرات مع سياسية الحدود المفتوحة، ما دفع بالحكومة التركية للنظر إلى الموضوع من زاوية الجانب الاقتصادي أيضاً. كذلك، ساهمت الضغوط الغربية على تركيا لضبط تدفق اللاجئين في اتخاذ هذا القرار، الذي بدا واضحاً أن أحد أهدافه تمثّل في تخفيف الهجرة غير الشرعية نحو البرّ الأوروبي عبر تركيا.

إضافة إلى إغلاق المعابر، شهدت الحدود مزيداً من التضييق على الهاربين السوريين، عبر زيادة عدد حراس الحدود، وإعادة من يتم ضبطه على الحدود إلى الداخل السوري. تناقص بشكل واضح عدد النقاط المتاحة للهروب، وتوقف العمل في كثيرٍ منها. وتوقف في تلك الفترة أيضاً التهريب باستخدام «الحَلّة»، التي نقلت أعداداً كبيرة من السوريين بين ضفتي نهر العاصي، الذي يشكل الحدود السورية التركية بالقرب من مدينة دركوش شمال محافظة إدلب.

والحلّة عبارة عن وعاء كبير يتسع لما يتراوح بين خمسة وخمسة عشر شخصاً، يتم تحريكها ذهاباً وإياباً باستخدام حبل يصل ضفتي نهر العاصي. شخصياً، استخدمتُ هذه الوسيلة مرتين في قرى حاجي باشا وبتيا. التهريب عبر «الحلّة» كان من السهولة بحيث وصلنا إلى مدينة الريحانية قبل ساعتين من أقاربنا من حملة الجواز السوري، الذين توجهوا إلى معبر باب الهوى ليدخلوا إلى تركيا بشكل نظامي.

بالتزامن مع هذه التغيّرات تطوّرَ دور المُهرّبين، لتصبح عملية التهريب مستحيلة بدون مُهرّب يؤمن الطريق مقابل مبلغ مالي كان يزداد مع مرور الوقت، وتزايد معه صعوبة التهريب والتدقيق على الحدود. وللمهربين حيلٌ كثيرة لتأمين وصول السوريين إلى الداخل التركي، مثل رشوة أحد عناصر الجندرمة، أو التعاون مع مهرب تركي من الداخل ليراقب نقطة الحرس التركية، ويعطي الإشارة للبدء بعبور الحدود. بينما يتّبع غيرهم سياسة تجميع أكبر عدد من الهاربين، وتقسيمهم إلى مجموعات وإرسال كل مجموعة باتجاه، بحيث ينشغل عناصر الجندرما بإحدى المجموعات التي يتم إلقاء القبض عليها كطُعم، بينما يعبر الباقون. 

كان يتم تجميع من يُلقى القبض عليهم في أقرب مركز للجندرما التركية، قبل إعادتهم إلى سوريا من أقرب معبر. في ذلك الوقت بدأت تظهر حوادث اعتداء على السوريين من قبل الجندرما، بالضرب والإهانة اللفظية، في محاولة لتقليل أعداد السوريين المتدفقين إلى تركيا، وخصوصا الشباب الهاربين بمفردهم، بينما لم تُسجّل حالات مشابهة مع العائلات. 

نقطة إكدة في ريف مدينة أعزاز شكلت استثناءً من هذه الحالة العامة، وذلك منذ تشرين الثاني عام 2015 وحتى إغلاقها بشكل كامل في شباط 2016. لم يكن المرء بحاجة لمُهرّب للعبور من هذه النقطة، فقد كان يشرف عليها عناصر من حركة أحرار الشام الإسلامية، الذين كانوا يتقاضون مبلغ 3000 ليرة سورية عن الشخص الواحد (6 دولار أمريكي تقريباً ذلك الوقت) بينما يدفع الهاربُ مبلغ 100 ليرة تركي للمهرّب التركي (40 دولار أمريكي ذلك الوقت)، لينطلق سيراً على الأقدام بعد غروب الشمس مروراً بالسلك الشائك والخندق الصغير، ويصل إلى السيارات التركية التي تنتظر على الجانب التركي لتنقل العابرين إلى مدينة كيلس، بدون أي صعوبة تذكر مقارنة بباقي النقاط.

شهدتُ تلك الأحداث بنفسي، عندما عملتُ على تأمين المواصلات لأقاربي، الذين عبروا إلى تركيا مع عشرات السوريين الذين تقاطروا هرباً من هجوم قوات النظام على ريف حلب الجنوبي. لكن في النهاية، تم إغلاق هذه النقطة في شهر شباط من عام 2016، بعد أن احتشد قربها عشرات الآلاف من سكان ريف حلب الشمالي، الذين هربوا من هجوم قوات سوريا الديموقراطية على تل رفعت والقرى المحيطة بها تحت غطاء جويّ روسيّ.

الإغلاق النهائي للحدود

في بداية عام 2016 طرأ تغير جديد وكبير على طريقة تعامل السلطات التركية مع الهاربين عبر الحدود، وذلك لسببين مهمين. الأول أنه منذ تلك الفترة أخذت عمليات قوات النظام شكلاً جديداً مع الدعم من الطيران الروسي، ما أدى إلى تضييق الخناق على السكان في المناطق المحررة، اجتياحاً وقصفاً، بالإضافة إلى اقتراب العمليات العسكرية التي شنّها التحالف الدولي للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية من مراكز مدن رئيسية كالرقة ومنبج. أدى كل ذلك إلى تدفق موجات هائلة من اللاجئين باتجاه الحدود التركية خلال شهور قليلة، تفوق كل الموجات منذ بداية أزمة اللاجئين.

السبب الثاني هو الاتفاق الذي تم توقيعه بين تركيا والاتحاد الأوروبي في آذار 2016 للحدّ من تدفق اللاجئين إلى أوروبا عبر بحر إيجة، مقابل تعويضات مادية لتركيا لمساعدتها على حمل عبء استقبال اللاجئين، والوعد برفع تأشيرة الدخول للأتراك إلى الاتحاد الأوروبي. 

منذ تلك الفترة شرع الأتراك ببناء جدار إسمنتي بطول 781 كم، لتسهيل مراقبة الحدود، وحسب صحيفة ديلي صباح التركية، سيكون الجدار بارتفاع أربعة أمتار وفوقه متر من الأسلاك الشائكة، وستنتشر خلفه أبراج مراقبة يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار، مزودة بنظام تكنولوجي متقدم، من أنظمة مراقبة عالية الدقة وكاميرات حرارية ورادارات لعمليات الرصد البري.

يمتد الجدار على طول الحدود، عدا المناطق التي يشكل فيها نهر العاصي الحدود بين البلدين وبعض المناطق الأخرى، ووفقاً للمشاهدات في ريف حلب الشمالي وريف إدلب الشمالي، فقد بُني الجدار بالكامل في الأراضي السورية، على بعد يتراوح بين عشرين متراً وألف ومئتي متر عن السلك الشائك القديم.

في قرية عقربات شمال محافظة إدلب، قضم الجدار كثيراً من الأراضي السورية. يقول ماهر أحد سكان القرية إن الجدار امتدّ إلى المنطقة المحرمة بين حدود البلدين، إضافة إلى كثير من الأراضي الخاصة بسكان القرية. وأضاف ماهر أن السكان تظاهروا أمام آليات الجيش التركي لوقف بناء الجدار، لكن الضابط المسؤول أكد لهم أنه ينفذ القرارات ولا يملك سلطة لتغيير مكان الجدار، ونصح السكان بالتوجه إلى والي هاتاي لشرح وجهة نظرهم. مكتب الوالي أكَّدَ لهم من جهته أن الجدار مقام في الأراضي التركية، وهو الأمر الذي ينفيه السكان مستندين إلى وثائق الطابو السورية الخاصة بأراضيهم.

تضاعفت منذ تلك الفترة عمليات الاعتداء على السوريين الذين يتم إلقاء القبض عليهم من قبل الجندرما والجيش التركي، وخصوصاً في مناطق ريف إدلب، ففي الثلاثين من تموز عام 2017 أظهر مقطع فيديو عناصر من الجندرما التركية وهم يضربون ويهينون شباباً سوريين على الطريقة الأسدية، مما أدى إلى حالة استياء كبيرة، قبل أن تقول السلطات التركية إنها أوقفت العناصر الظاهرين في الفيديو.

كذلك، بدأنا نشهد حالات قتل للسوريين من قبل الجندرمة التركية في ظاهرة لم نسمع لها أي صدى لدى الحكومة التركية أو الإعلام التركي حتى الآن، بل نسمع بدلاً منها تأكيدات مستمرة من المسؤولين الأتراك على سياسية الباب المفتوح أمام اللاجئين السوريين، رغم أن أطفالاً ونساء ورجال فقدوا حياتهم في هذه الحوادث. ويبدو أن حالة التجاهل لهذه الجرائم انتقلت إلى صفوف المعارضة السورية والناشطين السوريين في تركيا، والفصائل المسلحة في الداخل السوري، إذ لم تُسجّل حتى الآن أي حالة احتجاج أو حتى استفسار عمّا يجري على الحدود. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن 414 سورياً قتلوا برصاص الجندرما التركية حتى مطلع تشرين الثاني 2018. والجدير بالذكر أن أياً من حالات القتل هذه لم تُسجَّل في ريف حلب الشمالي، بل كانت غالبيتها المطلقة في منطقة خربة الجوز ودركوش وحارم.

بعد هذه التطورات، أصبحت عملية التهريب إلى تركيا غاية في التعقيد، وتتجاوز كلفتها الألف دولار للشخص عبر الحائط التركي، رغم نسبة نجاحها الضئيلة، وهي في الغالب لا تصلح لكبار السن والأطفال، فالعبور يحتاج لتسلق الجدار عبر سلم والقفز إلى الجانب الآخر والجري لمسافة معينة. هذا في ريف حلب الشمالي، أما في ريف إدلب فيتوجب السير لعدة ساعات في منطقة جبلية شديدة الوعورة في الداخل السوري، قبل البدء بعملية التهريب.

من جانب آخر ازدهرت عمليات التهريب عن طريق المعابر النظامية، والتي قد تتجاوز تكلفتها 3500 دولار أمريكي للشخص الواحد، كما أخبرنا أكثر من شخص استخدموا هذه الطريق للدخول إلى تركيا. وتخضع هذه العملية لقواعد أمنية صارمة، تكفل عدم اكتشاف المهرب الذي يكون في الأرجح تركي الجنسية، لعدم امتلاك أي سوري لأي سلطة خلف ما يُعرف بالباب الأبيض، الذي يُعدّ الحدَّ الفاصل بين جانبي المعبر السوري والتركي. 

لا يفوتنا كذلك ذكر زيارات العيد التي تتيحها الحكومة التركية للسورين في عيدي الفطر والأضحى، بحيث يتمكّن السوري الذي يحمل بطاقة الحماية المؤقتة (الكمليك) من زيارة سوريا والعودة إلى تركيا. استفاد من هذا الخيار أكثر من 125 ألف سوري هذه السنة بحسب المعرفات الرسمية للمعابر على مواقع التواصل الاجتماعي. الزيارة هذه السنة كانت متاحة، ولأول مرة، عبر ثلاثة معابر، هي معبر باب الهوى في ريف إدلب الشمالي ومعبر باب السلامة ومعبر جرابلس في ريف حلب. وزيارة العيد غير متاحة للسوريين المقيمين في سوريا، لخشية الأتراك من أن الزائرين لن يعودوا في حال كانت الزيارة في الاتجاه التركي. 

ستبقى ذكريات السوريين على تلك الحدود، التي تفصل العالم «المتحضر» عن أخطر دولة للعيش في العالم، من أهم أجزاء ذاكرتهم الجمعية منذ انطلاق الثورة السورية، التي عاشوا في أيامها ما لم يكونوا ليتخيلوا حدوثه أو يسمعوا عن مثله. وستبقى الحدود قضية إشكالية كما كانت على الدوام، منذ أن تم خَطُّها لتفصل عائلات وأقارب ومجتمعات حول العالم، دون مراعاة للروابط التي تتقطع، ولإرادة البشر وحريتهم وحقّهم في التنقّل.