الحدود السياسية للقلب الطيب

يوكه سميت (1933-1981) كاتبة نسوية هولندية. شكّلت كتابتها بداية الموجة النسوية الثانية التي عمّت هولندا في ستينات وسبعينات القرن العشرين. أنشأت يوكه سميت جمعية أسمتها (مجتمع الرجل والمرأة) عملت من خلالها على تغيير القوانين الظالمة للمرأة. استمرت بالدفاع عن قضية المرأة بالكتابة والسياسة حتى وفاتها المبكرة. وقد سبق للجمهورية أن نشرت ثلاث مقالات لها: «نزق المرأة» و«أين النساء العبقريات؟» و«الرجل والمرأة والتوازي»، وننشر لها الآن «الحدود السياسية للقلب الطيب» التي صدرت ضمن منشور جمعية (مجتمع الرجل والمرأة) لعام 1977. تمّت ترجمتها عن اللغة الهولندية.

*****

عرضَ التلفزيون الهولندي منذ فترة فيلماً وثائقياً عن حركة السلام التي أسستها النساء في إيرلندا. كان البثّ مؤثراً، فالنساء اللواتي تكلمن كنَّ شجاعات، لا بل امتلكن أصعب نوع من الشجاعة على الإطلاق: المخاطرة بأن يذهب أبناؤهنّ ضحية الانتقام.

ومع ذلك شعرتُ بخيبة أمل بعد نهاية الفيلم، فلا المذيعة ولا ممثلات الحركة السلمية نبسنَ ببنت شفة حول الحل السياسي للصراع في إيرلندا: بقيت الـ «كيف؟» خارج إطار الرؤية. وقد تحدثتُ بعد ذلك مع بعض الصديقات النِسويات حول الموضوع، ويا لعجبي وحزني عندما اكتشفت بأن موقفهنَّ لا يختلف عن الإيرلنديات: سوف ينشطنَ أثناء الأزمات، بيد أن مهمتهنَّ تنتهي بمجرد انفراج المأزق، ليصبح الأطفال والعمل اليومي قضايا أكثر إلحاحاً.

ما يجري الآن في محيطي الضيق، هو ما حصل في السابق: تنشط النساء أثناء الحركات التحررية وفي زمن الحرب حين تفرض الضرورة أحكامها. ولكن ما إن تضع الحرب أوزارها، حتى يعدنَ إلى منازلهنَّ ويتركنَ تنظيم السلام وقيادة العالم للرجال. وهكذا تبقى عبارة «الأمهات ينشدنَ السلام» حنيناً إنسانياً، من دون أن تؤدي إلى برنامج سياسي.

نحن النساء ميّالات ألّا ننشط إلا بعد أن يطفح الكيل. وقد حصل هذا مثلاً عندما هدّد الوزير بإغلاق إحدى عيادات الإجهاض1. وعلى الفور نجحنا بتجنيد الطاقة النسائية، حيث اعتصمت النساء ليلاً ونهاراً. بيد أن اللوبي السياسي لم يتبع الاعتصام، بل كاد أن ينعدم. والمحصلة هي أننا سنحمل همّ مسألة الإجهاض لسنواتٍ قادمة. كيف يمكننا فهم هذا التصرف؟

فرضيتي هي أن الثقافة الأبوية تعجنُ النساء وفق قالبٍ معين: النوع الإنساني صاحب القلب الطيب. هذا النوع الإنساني لا يثور إلا بعد أن يتحول حق الفعل إلى واجب أخلاقي، ولا يشغل نفسه بالوقاية أو إصلاح الأخطاء في المجتمع، بل يقتصر على حبّ الإنسانية: عندما تندلع الحرب تسارع النساء إلى سيارات الإسعاف.

الفصل بين وظائف المنزل والعالم الخارجي ليس الشكل الوحيد لتقسيم الأدوار بين الجنسين، فهنالك تقسيم آخر: الرجال يحتفظون بالعالم لأنفسهم، والنساء يصادرنَ عذاب العالم.

يحكم القلب الطيب على النساء بالعجز السياسي، فلماذا إذن لا يتخلّصنَ منه؟ الجواب بسيط برأيي: من الصعوبة بمكان تغيير أنماط ردود الفعل، فضلاً عن أن القلب الطيب يمنح ميزات هامة للذين لا يملكون السلطة:

  •  الأمان: أنت شخص لا تلاحق مصالحك، ويداك دائماً نظيفتان.
  • السهولة: لا داع للتفكير، فأنت تقوم بالأشياء التي تعترض طريقك.
  • الثقل الأخلاقي: يحق لأصحاب الأيادي النظيفة الحكم على عثرات الآخرين.

حسب علمي، فإن «العلاج الجذري»2 المتحدّر عن التحليل التفاعلي هو أول مدرسة نفسية قامت بمحاولة الكشف عن الميول العصابية المرتبطة بالأدوار الذكورية والأنثوية. وقد تمّ وصفها في عدة «سيناريوهات معيشية» لن أتطرق لها هنا3.

ولكن يمكنني تبسيط النظرية والقول إن الإنسان المتوازن هو الشخص الذي يتناغم لديه كل من الوالد/ة والبالغ/ة والطفل/ة. تكيّفُنا الاجتماعي، سواء كنا نساءً أو رجالاً، هو الذي يجعلنا ننمو بطريقة عوجاء: يتعلم الرجال أن يستخدموا البالغ العاقل فقط، بينما تلجأ المرأة إلى الطفلة العفوية والوالدة الحنونة. ويؤدي ذلك إلى تشوهٍ عند الرجال كمجموعة، لأنّ هويتهم تعتمد على الأعمال التي يقومون بها، فمن دون هذا الدور لا قيمة لهم. وبما أنهم يعجزون عن الحنو على أنفسهم ولا يستخدمون الطفل العفوي، نجدهم يبحثون عن تعويضات كالسلطة والنفوذ.

كما تتشوه النساء، فغالباً ما تسيطر لديهنَّ الوالدة أو الطفلة وتتقلص البالغة العاقلة التي يُفترض أنها ستمسك زمام الأمور بمساعدة الأخرَيين. الجانب السلبي للأم هو المبالغة بالأخلاقيات، أما الطفلة فقد تجلب الفوضوية والنفور من قوانين اللعبة.

وتترسخ علاقات السلطة بين الجنسين من خلال التكيّف مع الأدوار الجنسية: الرجال يقودون العالم، فيما تمارس النساء نفوذهنَّ على الناس بشكل غير مباشر عبر التأنيب الأخلاقي.

فرضيتي هي أن هذا التشوه موجود أيضاً داخل النِسوية، فالتحالف بين الأم والطفلة الذي تمّ بعيداً عن قيادة العقل أدى إلى بعض العواقب الوخيمة:

1- نلاحظ الأم اللوّامة في مباريات الأيادي النظيفة، ويطلق عليها في الولايات المتحدة نِسوية الـ«أنا أقدسُ منكِ». مجموعة من الطهرانيات يدّعينَ الريادة ويشتبهنَ بكل من لا تنطبق عليها المعايير: يتهمنَ المرأة القوية بأنها تضطهد النساء الأخريات، والمرأة صاحبة العقل السليم والتي تطالب بالنوعية بأنها «ذكورية»، والتي تكسب المال من خلال نشاطاتها النِسوية بأنها خائنة للقضية.

ومن الطبيعي أن يكون لدى كل حركة تحررية أعضاء متزمتون يكفّرون الآخرين ويجعلون من المشكلة الجزئية مشكلة جوهرية. ومن الملاحظ أن الرجال قادرون جراء تربيتهم على تجاوز هذا المطبّ بشكل أفضل من النساء. إذ حتى عندما تتبنى المرأة النِسوية، تبقى حساسيتها الأخلاقية مرتفعة لفترة من الزمن. والمحصّلة هي إحساس بالذنب وشلل داخل الحركة، لأن كل ما لا يطابق المسطرة الإيديولوجية مائة بالمائة فهو مرفوض.

2- أما الطفلة الفوضوية فنجدها في استبدادية اللانظام. نقطة انطلاقنا هي أننا ضد السلطة، لذا نرحب بجميع من يرغب حضور اجتماعاتنا الشعبية، وسوف نواصل نقاشاتنا إلى أن نتفق على شيء. وينتج عن هذا الأسلوب عدة أمور:

  • تتحول الاجتماعات إلى حرب استنزاف، فلا تتمكن المرأة العاملة أو التي لديها أطفال من المشاركة.
  • تنعدم الديمومة: كل مرة يحضر أشخاص جدد ولا يعودون بعد ذلك.
  • يضيع الوضوح: لا أحد يعرف من هو المسؤول عن هذا الشيء أو ذاك، ولا إلى متى.
  • والأهم: السلطة ما زالت موجودة، فاللعبة تجري من تحت الطاولة، بحيث يبقى زمام الأمور في يد جماعة صغيرة يطلق عليها اسم الشلّة.

يبدو لي من الضروري الرجوع إلى قواعد الديمقراطية القديمة، لأنها لم تهبط من السماء بلا سبب. وسأذكر هنا بعضها: يجب الاتفاق على من ينتمي للمجموعة ومن لا ينتمي، ويجب اتخاذ القرارات بالأكثرية عندما يتعذر الإجماع، وتُسلّم بعض القضايا لأشخاص معينين لفترة محددة ويكلّفون بالمهمة شريطة أن يتحملوا المسؤولية. كما ينبغي أن نبني على القاعدة النِسوية التي تؤكد على رغبتنا بالتعاون والمحافظة على نقاء العلاقات الإنسانية فيما بيننا4.

3- ويتجلى ضعف أثر «البالغة» عند المرأة في حركة «عاش الإحساس!» التي تطغى في النِسوية من خلال تحريم التفكير التحليلي والحضّ على ممارسة العلوم بأسلوب «أنثوي». أنا ضد هذا التيار تماماً. لا أشك طبعاً أن العلوم مليئة بالعنصرية الجنسية، ولا بضرورة تصنيفها جيداً. ولا أشك أنها تعجّ بالرجال المهمين الذين يحيطون أنفسهم بمراسم التبجيل، هم أيضاً يحتاجون إلى التصنيف. ومن الطبيعي أن أساند دراسات المرأة، على شرط أن تكون ذات نوعية عالية وأن تدخل المنهاج التعليمي كمادة إجبارية للجميع. أما حين تمارس العلومُ العنصريةَ الجنسية وتعتمد قواعد غبية، فهي ليست علوماً ويتوجب إصلاحها عوضاً عن تجزئتها أكثر.

وتتجلى الجوانب السلبية الثلاثة للدور الأنثوي من خلال اللجوء إلى الطوباوية. فقد استُبدِل شعار «نصف السلطة» الذي ظهر في المرحلة الأولى من الموجة النِسوية بعبارة جديدة: «إلغاء السلطة». كما وُصِم السعي من أجل المساواة بأنه «نِسوية المصالح»، فالقلب الطيب لا يجد في مطلب العدالة ما يكفي من النبالة. وبدلاً من تغيير المجتمع، ها نحن نعلن أننا النوع البشري «الأفضل» وأنه يتحتم الاعتراف بالقيم الأنثوية.

قد يكون هذا أمراً حتمياً، لا بل ضرورياً، فكل حركة اجتماعية تحترم نفسها سترفع راية الجنة على الأرض (وسوف أفعل ذلك بعد قليل). كما ستمر كل أقلية متمردة بمرحلة الغرور والضرب على الصدور، وتُكوِّنُ ميولاً انفصالية وتعتمد السلوك الأقلوي فيما بينها. وفي آخر المطاف سوف تسعى هذه الحركات الثورية نحو أشكال جديدة للديمقراطية، فهي محقة عندما تعتبر الأشكال السائدة مجحفة وجامدة.

بيد أن هذه الظواهر مجتمعة جعلتنا ننكر مدى عجز النساء الاجتماعي، ناهيك عن ابتكار أي حلول. قالت لي صديقتي الأمريكية إننا في صدد تحويل النِسوية إلى أُختية. بيد أني أفكر حين أكون مكتئبة بأننا نضع حجر الأساس للمنظمات النسائية التي ستنشأ في القرن الواحد والعشرين.

لقد حان الوقت أن نثبّت أقدامنا على الأرض. فالِنسوية باتت تعاني من أعراض الثقافة الفرعية الحديثة، حيث اتخذ الدور الأنثوي هيئة جديدة: تقديم المساعدة والدراسة والانشغال بصحة العلاقة العاطفية وبثّ الأُنس في المحيط.

افهموني جيداً: أنا لست ضد تقديم المساعدة النِسوية، ولكن يجب ألا نمنح المجتمع فرصة جعل عذاب العالم من نصيب المتطوعات النساء فقط. كما أنني لست ضد الدراسة، إلا عندما تُحبَس المرأة في دور التلميذة. ولكن عندما تكسر الدراسة الأدوار النمطية، كما حصل مع النساء اللواتي تلقينَ التعليم في إعدادية الأمهات، فلا شك أنها قضية حسنة5. غير أنه لم يسبق أن سمعتُ سياسياً واحداً يفكر بصوت عالٍ حول إمكانية إحداث شواغر عملٍ لهؤلاء السيدات.

ولست ضد العمل على تحسين العلاقات العاطفية، ولا أنا معادية للأنس. بل على العكس، فإن ميل النِسويات للمرح والسرور هو من الأشياء الجيدة، وها هو نجاح المهرجانات النسائية يؤكد على سعادتنا باكتشاف طاقتنا الإبداعية.

ومن الطبيعي ألا أكون ضد القيم الأنثوية، فللطفلة العَفَوية والأم الحنونة مزايا حسنة: كلاهما واضحتان وعمليتان وتعتنيان بالناس، ولا تبالغان في قضايا الشرف، وتتبعان فِطرتهما السليمة، كما أنهما تفضّلان التعاون على المنافسة.

غير أني ضد دعم الدور الأنثوي وعزلة النساء باسم النِسوية، ذلك أننا لن نستفيد شيئاً من ثقافة فرعية لأفراد يشعرنَ بالمظلومية. كما أنني ضد المثالية من دون أخذ الواقع بالحسبان، أو ما أسميه «نِسوية التبشير بولادة المسيح».

دستور الثقافات الأبوية ينصّ على أن النساء والرجال مكمّلون لبعضهم بعضاً، مع العلم بأن النساء أقلّ والرجال أكثر. وكلما اشتدت الأبوية في ثقافة ما، ازداد اختلاف الأدوار المناطة بالرجال والنساء. ولقد شكل القرن التاسع عشر انحداراً محزناً نحو الحضيض.

والنتيجة هي حدوث خلل في التطور النفسي لدى الناس. أما اجتماعياً فسيؤدي الأمر إلى أسواق عمل خاصة بالنساء وأخرى بالرجال، واجتماعياً إلى قانون سوليروت، أي الفصل بين أشغال نسائية ورجالية تتغير حسب المكان والزمان. ففي السنغال يُعتبر التطريز حصناً ذكورياً، لأنه أصعب من أن تتقنه النساء. فحين يرتفع شأن عمل النساء، يصادره الرجال لأنفسهم (مثال: العمل التقني في مجال التمريض)، أما حين تهبط قيمة عمل الرجال ينفتح المجال أمام النساء (مثال: الوكيل الإداري أو القسّ في قرية صغيرة).

لن نقضي على الثقافة الأبوية إلا عندما لا يضطر الرجال والنساء إلى تعطيل جزء من شخصيتهم، وحين نتمكن من تربية أطفالنا ليكونوا كائنات مزدوجة، أي ذكورية وأنثوية في آن. وأيضاً عندما لا ينطبق قانون سوليروت، أي حين لا تهتز قيمة المهن والأدوار والوظائف المناطة بالنساء، ولا تزداد هيبتها في حال قام بها الرجال. ولن يتحقق ذلك إلا بعد امتلاك النساء لنصف السُلطة. وقتها فقط ستفوز القيم الأنثوية، والأحرى ألا تُعتبر أنثوية، بل عادية.

أنا نصيرة المساواة إذن. غير أن هذا لا يعني أن علينا التجانس فيما بيننا، ولا أن نصبح مثل الرجال، بل أن نتساوى في الحقوق والفرص والإمكانيات. وبعد أن يتحقق هذا كله، ستكون هناك مساواة في الواجبات أيضاً. وهكذا سوف يتمكن كل فرد من ممارسة وظائفه حسب مواهبه، لا تعيقه أدوار الرجولة أو الأنوثة الحالية. والمحصّلة هي تنوع أكبر وليس أقل.

النساء مكيّفات أن يصبحنَ عاجزات اجتماعياً، بيد أن هذا العجز ليس قانوناً طبيعياً، فهو نابع عن عملية تأقلم، وللأمر صلة بنماذج التماهي المتاحة للفتيات. غير أن هنالك نساء يشكّلنَ استثناءً على الأنوثة التقليدية. يبدو أن دور الرجل لم يكن محظوراً بالنسبة لهنّ، أو أنهنّ عِشنَ كبنات وحيدات بين أخوة صبيان، أو كُنَّ بناتاً لآباءٍ علّقوا جلّ آمالهم على الطفلة الوحيدة أو الأكبر في الأسرة. ومن المجدي أن ندرسَ تاريخ هؤلاء النساء وحيواتهنّ، كي نتعلم كيف نتعامل مع الفتيات في المستقبل: أيُّ درس تعلمته هؤلاء النساء اللواتي تجرأنَ على تقمّص أدوار كاملة القيمة في المجتمع؟

المشكلة هي أن الفتيات لا يتماهينَ مع هذه الاستثناءات النادرة، بل يتخذنَ أمهاتهنّ مثالاً لهنّ. ولكن قلما تتمكن الأمهات من تقديم نموذج يُحتذى به، فهنّ إما خارج المجتمع تماماً، أو شخصيات هامشية تعمل دواماً جزئياً و/أو تقوم بعمل دوني. لذلك يتوجب على النِسوية أن تمنح الأولوية لإعادة توزيع الخدمات المنزلية والخارجية.

ونظراً للانقسام بين عالمٍ للنساء وآخر للرجال، فإن عملية الإنتاج منظمة بحيث لا تكون مفتوحة أمام الأمهات، أي النساء بشكل عام. فإما لا تكون لديهنَّ وظيفة، أو يقمنَ بالعمل الأسوأ والأقل أجراً والذي لا يضمن لهنَّ أي نفوذ. هذا مُعطى بنيوي: عملية الإنتاج لا تأخذ بالحسبان أن الناس يُربون الأطفال ويشاركون في المجتمع في آن. نحتاج إذن إلى نموذج تنظيمي يجعل التوفيق بين مهام الحياة ممكناً.

دعونا نطلق على هذا النموذج اسم «يوم العمل بخمس ساعات»6، إذ أن النساء لن يُهمّشنَ في حال عمل الآباء والأمهات خمس ساعات في اليوم. لم يفكر أحد بعد بكيفية تطبيق هذا النموذج، لذلك سوف يستغرق الأمر بعض الوقت قبل الوصول لمرادنا. ألم تكافح الحركة العمّالية لمدة أجيال قبل أن تحصل على يوم عمل بثماني ساعات؟

وإلى ذلك الحين نحتاج إلى تدابير انتقالية تمكّنُ النساء من امتلاك السياسة شيئاً فشيئاً. ذلك أن افتقاد النفوذ لديهنَّ ذو طابع بنيوي: معظم النساء يقفن على هامش المجتمع، ولا يملكنَ المال و/أو المعرفة، و/أو التجربة الإدارية. والمحنّكات اجتماعياً نادرات، فضلاً عن كونهنَّ مُجْهَدات جراء محاولات العمل داخل المنزل وخارجه7.

ماذا تستطيع النِسويات فعله؟

ثمة أمور يجب أن تحصل داخل النِسوية:

1- علينا توحيد جهودنا وبناء علاقات تعاون.

من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات إيديولوجية بين النِسويات: هل نسمح للرجال بالانضمام أم لا، هل نكون اشتراكيات أم لا، بالضرورة مثليات أم لا، هل نشارك في صراع الطبقات أم لا؟ ولكن إذا نجحنا بمنع المتزمتين من شلّ حركتنا، فمن الممكن احترام الخطوط الإيديولوجية التي تفصلنا. ذلك أن جميع النِسويات متفقات على أمور أساسية يمكن التوصل إليها عبر السياسة، على سبيل المثال:

  • القضاء على العنصرية ضد النساء.
  • توزيع العمل المأجور وغير المأجور بالتساوي بين الجنسين.
  • تطهير الإعلام والتعليم والعلم من الأحكام المسبقة ضد النساء.

كما يتعين علينا العمل على بناء ما يشبه الحركة النقابية، إذ حتى «فيدرالية الحركات النقابية الهولندية» هي عبارة عن تحالفات تختلف فيما بينها إيديولوجياً ومادياً، ولكنها تنضوي تحت شعار «ما يجمعنا أهمّ مما يفرقنا». يجب أن يحصل هذا في النِسوية أيضاً.

2- علينا التخلص من الجوانب السلبية لدورنا الأنثوي: الشعور بالذنب، التبعية، الغضب العاجز، الابتزاز الأخلاقي، باختصار كل ردود فعل القلب الطيب8. ولحسن حظنا أن النِسويات طوّرنَ أدواتهنّ لهذا الغرض، وأقصد «الحلقات النِسوية للعلاج الجذري»، حيث يتدربنَ على التعامل الصادق والقوي مع أنفسهنَّ والآخرين. وبعد انتهاء دورة التدريب في هذه الحلقات تشرع المرأة بنقل مهاراتها التي تعلمتها إلى مجموعة جديدة من النِسويات. جميل أن تنتشر حلقات العلاج الجذري بهذه السرعة.

3- كما علينا أن نتعلم الجوانب الإيجابية لدور الرجال، ونتدخل بالعالم وسياسات الحكومة، ونكتسب سلوكاً يساعد على التأثير بالمجتمع. ومن أجل تحقيق هذا الغرض نحتاج إلى أشكال جديدة للتعليم السياسي. حسب علمي لدينا حالياً نوعان من التعليم السياسي للنساء. يختص النوع الأول بالمضمون (ماذا يدور في اجتماع مجلس البلدية، وما هي الخطوات التي نتبعها أثناء تقديم مقترح قانوني؟)، أما النوع الثاني فيركز على البعد النفسي: دورات بهدف تعلّم الممارسة الناجعة في المجالس السياسية. كلا النوعين يحاولان تهيئة النساء لمناصب في الميدان السياسي.

أحترم جداً النساء اللواتي يتبوأن مناصب سياسية، ولكن من منظار تحرري أرى أن السلبيات تكمن في إرهاقهنَّ بأعباء العموميات. من الطبيعي أن نشتغل على مساهمة هؤلاء النساء بقيادة العالم، غير أنه ينبغي تغيير المجتمع أولاً كي لا يضطررنَ للعمل تحت شروطٍ قاتلة.

ومن الأفضل أن يتمّ الضغط السياسي باتجاه نِسوي من قِبَل نساء لا يغرقنَ في العمل السياسي بحدّ ذاته، حتى ولو كان التعاون ممكناً. فعندما يصل مقترح جيد إلى عضوة في البرلمان، لا شك أنها سوف تفعل ما بوسعها كي تستفيد منه. ولكن ما أطمحُ إليه هو شيء آخر: التدريب على التفكير والسلوك الاستراتيجي، على سبيل المثال:

  • رؤية الخطوط العريضة والعلاقات.
  • رسم الخطوط بين القريب والبعيد.
  • إدراك إمكانية العمل على المدى البعيد في حال فكرنا خطوةً خطوة.
  • اكتشاف ما هي حقوقكِ وإمكانياتكِ وما هي الأدوات المناسبة في حالات معينة.
  • والأهم: اكتشاف أن الخطط السياسية ليست أمراً مزعجاً كما تظن معظم النساء، بل قد يجدنَ فيها بعض المتعة.

عندما تنشأ المؤسسات التحررية وتكتشف نساء القاعدة أنهنَّ جدّ قادرات على التأثير في السياسات، وعندما تُحجَز الشواغر في البرلمان للسيدات غير الراغبات بإهمال العمل المنزلي (ريثما يتم تطبيق يوم العمل بخمس ساعات)، سوف ينشأ تعاونٌ بين النِسوية والسياسة.

ونأمل أن نحقق المزيد على المدى البعيد. فنحن نحتاج السياسة، والسياسة تحتاجنا. ذلك أن للقلب الطيب مزاياه أيضاً: فهو ينفر من العنف بطريقة تصبّ في مصلحة النوع البشري، ولا يضطر للجوء إلى سلوك الدِيَكة والرسميات. وعندما يتعاون القلب الطيب مع البالغة العاقلة، سوف يصبح لدينا خلطة ممتازة للقيادة السياسية.

وحين يشتد عود النِسوية، سوف نتمكن من صهر مثالياتنا مع بعضها: نصف السلطة وإلغاء السلطة. لن يتمّ هذا بنفي القيادة، وإنما من خلال عدم الإدمان عليها، لأننا نعلم أن في الحياة مكافآت أفضل من السلطة.

لذا من الأهمية بمكان تطوير نماذج للسلوك البشري تختلف عن تلك التي تعتمد على السلطة، أي نماذج الإقناع والتعاون. وحين يتربى أطفالنا على هذه المبادئ ويتعلمون الكشف عن تلاعبات السلطة وإغواءاتها، نكون قد أفسحنا الطريق للقيم الأنثوية.

  • 1. في 1976 هدّد فان أخت (وزير العدل والعضو في حزب الشعب المسيحي) بإغلاق إحدى العيادات القليلة التي تستقبل النساء الحوامل لمدة تجاوزت الـثلاثة أشهر. بعد تفاعل سريع من قبل النساء في كل أرجاء البلاد، تمّ إلغاء الخطة.
  • 2. العلاج الجذري هو أحد الأدوات التي استخدمتها نِسويات الموجة الثانية أثناء لقاءاتهنَّ في حلقات الكلام النسائية التي انتشرت على نطاق واسع في هولندا، وهدفها هو الكشف عن التكيّف السلوكي غير المتوازن لدى النساء، بغية التخلص من ردات الفعل السلبية المرتبطة بالدور النمطي للأنوثة واكتشاف بدائل ناجعة كي يتدربنَ عليها [المترجمة].
  • 3. أحيلُ المهتمين إلى دراسة Claude M. Steiner بعنوان: سيناريوهات يعيشها الناس. نيويورك: جروف برس، 1974.
  • 4. ثمة دليل ممتاز عن هذا الموضوع، ولكنه للأسف ليس منتشراً على نطاق واسع، وهو بعنوان: النقد البناء، للكاتب ;Gravie Lyons ويعاني الجزء الإيديولوجي من تقديس ماو والبروليتاريا، أما الجزء الإرشادي فهو واضح جداً ومفيد.
  • 5. تختلف عملية الخروج عن الأدوار النمطية من طبقة اجتماعية لأخرى، وهذا ما نبهتني إليه أنيكا روزلار.
  • 6. يعمل الرجل الهولندي عادة ثماني ساعات على الأقل في اليوم الواحد، بينما تبقى المرأة الهولندية في المنزل لرعاية الأطفال. وقد تعمل وفق دوام جزئي لعدة ساعات في الأسبوع. وقد طالبت النِسويات بيوم عمل بخمس ساعات للجميع، أي بساعات أقل للرجل، وأكثر للمرأة، بحيث يتمكن الرجل من التمتع بأسرته، والمرأة من اكتشاف المجتمع وتكريس إمكانياتها ومواهبها [المترجمة].
  • 7. بإذنٍ من صاحب حقوق النشر حذفتُ في هذا الموضع فقرة طويلة حول دور الحكومة الهولندية تجاه مشاركة المرأة في المجتمع. والسبب هو أن المعلومات محلية جداً، ولا تساعد القارئ/ة العربي/ة على الفهم، بل قد تحبطه/ا أثناء القراءة. والسبب الآخر أني اعتبرتها خروجاً عن موضوعة النص: القلب الطيب. ولكن من المعروف عن الكاتبة أنها تضع المسؤولية الأولى على عاتق المجتمع، لذا كان لا بد من الإشارة هنا إلى الفقرة المحذوفة [المترجمة].
  • 8. هذا مهم للرجال أيضاً. ثمة مشروع جديد يدعى «ويليام صار حكيماً»، فضلاً عن الأشخاص الذين يعملون في إطار بيت الرجال.