الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين: أسباب ونتائج

 

أعلنت الحكومة الصينية أمس الأربعاء أنها ستفرض رسوماً بنسبة 25% على بضائع أميركية جديدة تُقدَّرُ قيمتها بحوالي 16 مليار دولار، وذلك رداً على إجراء مماثل كانت واشنطن قد أعلنته في وقت سابق أول أمس الثلاثاء.

هذه الجولة الجديدة من فرض الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة بين البلدين، تأتي في وقت بدأت فيه أسواق الأسهم العالمية بالتراجع نتيجة حرب تجارية بين البلدين لم تتوقف منذ أشهر، وتحديداً منذ إعلان ترامب في الثالث والعشرين من آذار الفائت رغبته بفرض رسوم جمركية على مستوردات الصلب والألمنيوم من عدة دول بينها الصين وألمانيا وكندا والمكسيك، الأمر الذي اعتبرته الصحافة الرسمية الصينية حرباً تجارية رسمية بين البلدين إثر تتالي إعلانات الإدارة الأميركية عن فرض رسوم جمركية على بضائع صينية منذ نيسان وحتى الآن، وهي الإجراءات التي قوبلت بردود مماثلة من بكين. ويمكن تفسير هذه الحرب التجارية، التي تُعدُّ الحدث العالمي الأبرز اليوم، على عدة مستويات، كما أنها تحمل نتائج سياسية واقتصادية قد تصل إلى مراحل لا يمكن عكسها.

على الرغم من أن إجراءات الولايات المتحدة لم تطل الصين وحدها، بل شملت بضائع من عدة دول أوروبية وأميركية أخرى مثل كندا والمكسيك، إلا أن دخول الاقتصادين الأكبر في العالم في صراع تجاري مفتوح قد يحمل آثاراً كارثية على الاقتصاد العالمي، ففرض الرسوم الجمركية بين الطرفين يؤدي في الوقت الحالي إلى ارتفاع أسعار البضائع الصينية، ومن بينها تلك المصنعة جزئياً، التي تعتمد عليها بعض الصناعات الأميركية، وهو ما يُنتج ارتفاعاً في أسعار تلك المصنوعات الأميركية. وقد بادرت بالفعل عدة شركات أميركية للإعلان عن رفع أسعارها لتغطية ارتفاع التكاليف، مثل شركة كوكاكولا. ويبدو أن هذا الأثر سيكون صادماً بالنسبة للأسواق العالمية التي تأثرت بارتفاع الأسعار الأخير، ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات التضخم في الأسواق المحلية المرتبطة بالبضائع الأميركية.

لكن هذا التأثير لن يكون الوحيد في حال استمرت الحكومتان بفرض رسوم جمركية انتقامية متبادلة على البضائع، فالقلق والانتظار الذي تخلقه مثل هذه السياسات سيؤدي إلى عدم استقرار الأسواق بشكل مديد، مما يؤثر على استقرار النشاطات الصناعية والاستثمارية، وليس التجارية وحدها.

بالعودة إلى اللحظات الأولى من هذه الأزمة، ما الذي يدفع واشنطن إلى التصعيد فعلاً؟

منذ ترشّحه إلى منصب الرئاسة، كان برنامج ترامب واضحاً بالنسبة للصناعة الأميركية، فقد أعلن نيته فرض رسوم جمركية على المستوردات التي تنافس المنتجات الأميركية، وتتسبب بانخفاض أسعارها وتراجع التصنيع وارتفاع معدلات البطالة.

ويراهن ترامب في تلك الإجراءات على أن الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين يميل لصالح الصين بعجز يقترب من 375 مليار دولار، الأمر الذي سيجعل من هذه الحرب التجارية ذات نتائج أكبر على الاقتصاد الصيني الذي لا يمكنه التخلي عن السوق الأميركية لتصريف منتجاته في الوقت الحالي على الأقل، ما سيدفعها إلى طاولة المفاوضات لمناقشة طلبات واشنطن.

تطالبُ واشنطن الصين بتغيير سياساتها، التي تصفها بأنها غير عادلة، باعتبار أن الصين تدعم شركاتها التجارية عبر تقديم قروض بفوائد منخفضة، أو توفير دعم حكومي غير مُعلن لها، مما يصعّبُ المنافسة على مثيلاتها الأميركية. بالإضافة إلى هذا، تطالب الولايات المتحدة بوقف التجسس الصناعي الذي تتهم بكين بممارسته تجاهها منذ فترات طويلة، وتطالبها بإعطاء البضائع والاستثمارات الأميركية فُرصاً أكبر في السوق الصينية. لكن وصول الولايات المتحدة إلى تحقيق طلباتها هذه ليس مضموناً، إذ يبدو أن الصين لا تنوي حتى اللحظة الانصياع لرغبات ترامب، وحتى ينفد الرصاص من أسلحة بكين الاقتصادية، لا يبدو أنها تريد أن تظهر خاسرةً في هذه المواجهة.

وبالإضافة إلى هذه النتائج المباشرة للصراع التجاري بين بكين وواشنطن، فإن لهذه الحرب التجارية أسساً عميقة، وهي تحمل بذور نتائج بعيدة المدى على شكل التجارة العالمية، إذ دخلت إدارة ترامب حرباً تجارية مماثلة مع الاتحاد الأوروبي، وأعطت بعد عدة جولات من المفاوضات بعض التمييز التفضيلي لدول أوروبية بشكل منفرد، الأمر الذي فهمته ألمانيا كبرى دول الاتحاد على أنه تهديد لوحدة أوروبا ككتلة اقتصادية متماسكة، يهدف إلى إنهاء الاتحاد الأوروبي باعتباره منافساً اقتصادياً بارزاً.

كذلك فإن التسارع في الحرب التجارية مع الصين يشي بتخوف أميركي من مشروعات الصين الاقتصادية، مثل مشروع «صُنع في الصين 2025» ومشروع «حزام واحد، طريق واحد»، والمشروعان يهدفان إلى تطوير الصناعات التكنولوجية في الصين، وفتح أسواق جديدة بشكل أوسع، وعلى رأسها السوق الأوروبية، أمام المنتجات الصينية باعتبارها بديلاً عن إدمان الاقتصاد الصيني على السوق الأمريكية.

قد تقود الإجراءات الأميركية الأخيرة إلى تراجع بكين والدول الأوروبية مؤقتاً أمام الضغط، لأن إجراء تحوّلات هيكلية في اقتصاداتها وأسواق منتجاتها هو أمر غير مُحتمل في المرحلة الحالية، إلا أنها في المحصلة قد تقود الطرفين، الصين وأوروبا، إلى مزيد من التعاون والشراكة التجارية، بالإضافة إلى البحث عن أسواق جديدة لمواجهة الضغوط الأميركية المماثلة مستقبلاً.

ربما لا تحمل الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة نتائج آنية خطيرة كتلك التي حملتها أزمات أخرى في التاريخ مثل أزمة الصواريخ الكوبية، التي وضعت العالم على شفى حرب نووية بداية الستينات من القرن الماضي، إلا أنها إذا ما استمرت على الوتيرة نفسها، فقد تتسبب بآثار اقتصادية وسياسية عالمية أكبر بكثير من تلك الأحداث.