الحريات والمساواة في تونس: سجال التشريع والشريعة

 

في محاولة تقديم التقرير 

يوم غرّة جوان (حزيران) 2018، صدر تقرير الحريّات الفرديّة والمساواة عن لجنة أحدثت بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 111 لسنة 2017، المؤرّخ في 13 أوت (آب) من نفس السّنة، وتواصلت أشغالها قرابة العشرة أشهر. تتكوّن هذه اللجنة من ثمانية أعضاء، ترأسهم الأستاذة بشرى بلحاج حميدة، وينتمي جلّهم إلى التيّار الليبرالي الحديث المؤمن بتاريخيّة القرآن وأنسنته والتجديد في الخطاب الدّيني. وقد جاء التّقرير في 230 صفحة، تضمّ تقريراً إلى رئيس الجمهوريّة؛ ومقدّمة عامّة تحتوي على مقاربتين اجتماعيّة ودينيّة؛ وجزءين: الأوّل في الحقوق والحريّات الفرديّة والثاني في المساواة.

أهمّ ما ركّز عليه التقرير مراجعة بعض القوانين الوضعيّة الواردة بالمجلّة الجزائيّة (قانون العقوبات التونسي) ومساءلة بعض ما تضمّنته من فصول قانونيّة لم تعد تتماشى وروح العصر أو تتضارب مع محتوى دستور جانفي (كانون الثاني) 2014، بالإضافة لإعادة نظر في بعض ما جاء في النصّ المؤسِّس (النصّ القرآني) باعتباره قانوناً شرعيّاً، وما حفّ به من قراءات تأويليّة هي في جوهرها اجتهادات بشريّة أساءت فهمه وعفا عليها الزمن، مع تقديم قراءات تأويليّة معاصرة تستند في فحواها إلى نظريّات غربية معاصرة كعلم الإناسة ودراسات النوع الاجتماعي.

وينسجم هذا التقرير في فحواه مع الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة لحقوق الإنسان التي صادقت عليها تونس، ويكرس فعليّاً ما نصَّ عليه دستور جانفي 2014 الّذي أسّسَ لمفهوم الحريّات الفرديّة بأن خصّها بفصل كامل (الفصل 21) وجعلها مفهوماً قائماً بذاته، فميّزها عن الحريّات العامّة باعتبارها ضديداً لها وعدّد أشكالاً مختلفة منها كحريّة الضّمير وحريّة المعتقد والدين وحريّة الرأي والفكر والتعبير والإعلام وحريّة الإبداع. غير أنّ الدستور لم يحدّد طرق وآليات تفعيل المساواة التامة (التي أشار إليها في نفس الفصل 21) وممارسة الحريّات الفرديّة، فتوسّع واضعو التّقرير في تعريف الحريات الفرديّة تعريفاً موضوعيّاً دقيقاً من جهة الهدف وطريقة الممارسة:

«تلك الحريّات التي تمارَس في إطار المجموعة، كحقّ التنظّم في أحزاب أو جمعيّات، وحريّة الاجتماع، وحريّة التظاهر، وحريّة الانتخاب … وهي حريّات تتعلّق في مجملها بالشأن العام».1

كما توسّعوا في تعريف المساواة وآليّات إقرارها وتحديد مجالات التمييز:

«مظاهر التمييز عديدة تعدّد أسبابه: الجنس، أو العرق، أو اللون، أو المظهر الخارجي، أو السنّ، أو الحالة الصحيّة، أو الإعاقة، أو حالة الحمل، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو مكان الإقامة، أو الثروة، أو النّسب، أو الحالة المدنيّة، أو الميول الجنسيّة».2

وحدّد واضعو التقرير أيضاً طرق تطبيق القوانين المتعلّقة بالحريّات وتوضيح قواعد تأويل الأحكام المتعلّقة بها، ناهيك عن إلغاء بعض الأحكام الجزائيّة السالبة للحريّة وتعويضها بأحكام مخفّفة كإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائيّة وتعويضه وجريمة بيع العرض والزنا بخطايا ماليّة. هذا إلى جانب بعض المقترحات الأخرى كالمطالبة بإلغاء العُدّة ونظام رئاسة الزوج للعائلة وإعادة تنظيم المهر.

والواقع أنّ معظم ما تضمّنه التقرير من مطالب لا يعدّ بالأمر الجديد المستحدث، فقد سبق أن نادت بعض منظمات المجتمع المدني منذ عهد حكم بن علي ببعض منها، كجمعيّة النساء الديمقراطيات التي أطلقت عريضة سنة 1999 الداعية للمساواة في الميراث، ونظّمت قبلها سنة 1997 ندوة حول زواج المسلمة بغير المسلم. كما نجد بعض جذوره في كتابات بعض المفكرين التونسيين، كألفة يوسف في مؤلّفها حيرة مسلمة3 ويوسف الصدّيق في كتابه هل قرأنا القرآن؟ أم على قلوب أقفالها4 الذي ظهر في نسخة فرنسيّة أول الأمر سنة 2006. وما إعادة إثارة هذه القضايا القديمة المتجدّدة في تصوّرنا إلّا رغبة من الرئيس الراحل في اعتماد هذا التّقرير ورقة انتخابيّة يخطب بها ودَّ الناخبات (المليوني امرأة اللائي انتخبنه في 2014) ووضع حركة النهضة في محلّ إرباك، بامتحان أنصارها اللذين يدّعون مجاراة قيم الحريّة والفردانيّة والتحرّر وفصل الدّعوي عن السياسي، وتعرية ما ينطوون عليه من تعصّب وانغلاق وتشدّد، خلاف ما يعتبره الكثيرون تتويجاً لمسار كامل من التحرّر والدّفع بالمرأة نحو مزيد من المساواة واستكمالاً لما بدأته الحركة الإصلاحيّة الطلائعيّة أواخر القرن التاسع عشر.

هذا ما حصل فعلاً. فقد أفرز ظهور التقرير عنفاً في الخطاب بلغ درجة غير مسبوقة، انقسم إثرها المجتمع إلى فريقَيْن: فريق مدافع، وهو الشقّ الحداثي الّذي يؤمن بالدولة المدنيّة ومنظومة حقوق الإنسان، وقد استمات دفاعاً لنصرة التّقرير، إمّا إيماناً بما بشّر به من قيم العدالة الاجتماعيّة والمساواة، أو انتصاراً لصاحب البادرة المرحوم باجي قايد السّبسي، أو نكايةً في الطّيف الإسلاموي بتونس؛ وفريق مناهض، وهو الشقّ الديني الثيوقراطي، الذي ناهض التقرير ورفض ما جاء فيه برمّته بدعوى الانتصار للشريعة، وبذريعة تضارُب معظم بنوده مع أحكام القرآن ومقاصد الشريعة من وجهة نظره، ليتقاطع بذلك الديني بالسياسي في الجدل القائم حول هذا التقرير. وقد تجاوز لاحقاً هذا الجدل البعد المحليّ الضيّق، وبلغ صداه بعض الدّول العربيّة التي استقبلت هذا التقرير باستياء، خاصّة في أوساط المجتمع المصري، وبلغ الأمر بالأزهر - باعتباره ينصّب نفسه المؤسّسة الدينيّة والعلميّة الأكثر شرعيّةً للإفتاء وإبداء الرأي في مسائل الدّين والدّنيا في العالم العربي - إلى استصدار قرار غريب مفاده حذف تونس من قائمة الدّول الإسلاميّة.

الجدل الدّيني

أغرقت مقدّمة التقرير في تمجيد السّلف الديني «ووضعه موضع المنظومة المثاليّة المتعالية على التاريخ والواقع والمبالغة في وسمه بطابع المدافع عن الحريّة والمساواة»، مع الإشادة برياديّة المدرسة المقاصديّة الدينيّة بتونس في تجديد الخطاب الديني والنّحو به صوب رؤية تقدّميّة متجدّدة: «فللمدرسة التونسيّة المقاصديّة أسبقيّة معالجة كافّة أشكال الظّلم والاستعباد التي تمارس ضدّ المهمّشين، والمستضعفين، والذين هم في وضعيّات هشّة اجتماعيّاً واقتصاديّاً».5

ورغم الكمّ الهائل من الآيات (الأحزاب 35، النساء 1 و11 و12 و124، الحجرات 13، البقرة 151 و180، آل عمران 48، الأنعام 60، الأنفال 41، يوسف 38) والأحاديث النّبويّة التي تمّ إدراجها وتوظيفها في هذه التوطئة امتصاصاً لغضب الخصم الدّيني وإضفاءً لضرب من الشّرعيّة على التقرير، إلّا أنّ الردَّ كان عنيفاً جدّاً، ورافضاً بشكل مطلق للتقرير برمّته، من «تنسيقيّة الدّفاع عن القرآن والدّستور» والتي يتزعّمها نور الدين الخادمي، أو من أساتذة جامعة الزّيتونة اللذين يعتبرون جامعتهم «الوريثة الشرعيّة والتّاريخيّة للجامع الأعظم … المخرّجة للإطار المدرِّس للّدين الإسلامي مفتين وأساتذةً وأئمّةً ووعّاظاً، وعليه فمن حقّها وواجبها أن تُستشار في هذا الشّأن وأن تُبيّن للشّعب التونسي الحكم الشّرعي في المسائل المطروحة» بحسب بيان أصدره أساتذة الجامعة. وقد توالت البيانات الإعلاميّة المناهضة للتقرير، معوِّلةً في انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر استعمالاً وارتياداً (فيسبوك ويوتيوب).

سنركّز على موقف أساتذة جامعة الزيتونة فحسب، أوّلاً لدافع إجرائي وهو ضيق مساحة التحليل التي لا تسمح لنا بالخوض في كل مواقف أصحاب المرجعيات الدينية من رجال إفتاء وأئمة ووعاظ، وثانياً لأنّ «جامعة الزيتونة وأساتذتها كانت الموجّه الأساسيّ للمواقف والخطاب، فبيانهم الأوّل والرسالة المفتوحة لرئيس الجامعة هشام قريسة كانا النصَّيْن التوجيهيَّيْن لخطاب الرّفض، ومنح الرافضين ليس سنداً مرجعيّاً فقط وإنّما سنداً رمزيّاً كذلك».6 والمُلاحَظ في ما درسناه من بيانات أساتذة جامعة الزيتونة الثلاثة، ومنها ما سبق صدور التقرير أصلاً، أنّها تُجمع كلّها على نفس الفكرة، وهي الخوف على الدين: «مناقضة التقرير لصريح القرآن المجيد والسنّة النبويّة الشريفة في ما تقرّر قطعيّاً معلوماً من الدّين بالضّرورة وانعقد إجماع الأمّة وعملها عليه عبر العصور مثل تحريم الزنا واللواط والسّحاق» بحسب بيان نُشر على يوتيوب؛ وكذلك الخوف على الأسرة: «إنّ هذا المشروع لو أصبح قانوناً فإنّه سيقوّض كيان الأسرة التونسيّة ويمزّق العلاقات الاجتماعيّة ويهدّد السّلم والأمن الاجتماعيين»، بحسب بيان ثانٍ لأساتذة الجامعة نشرته صفحة جامعة الزيتونة على فيسبوك.

وبالإضافة لانتقاد «مخالفة التقرير لأحكام الأسرة القطعيّة في الإسلام مثل أحكام الميراث والنفقة والمهر والعِدّة والنّسب وغيرها»، انتقد أساتذة الجامعة عدم انسجام محتوى التقرير مع الفصل الأول من دستور 2014 (الّذي يكرّس مركزيّة الدين الإسلامي ويجعله الدين الرسمي للدّولة) والسادس (الذي يحمّل الدّولة مسؤوليّة حماية الدين من كلّ أشكال التوظيف أو الانتهاك). فقد جاء في البيان المنشور على يوتيوب: «نرفض ما جاء في تقرير لجنة الحريّات والمساواة، ونطالب بسحبه وإلغائه انطلاقاً ممّا ورد في الفصل الأوّل من دستور 27 جانفي 2014»، وفي البيان الثاني المنشور على فيسبوك: «إنّ هذا المشروع يصادم الدّستور في توطئته وفي فصليه الأوّل والسّادس»، وفي البيان الأول على فيسبوك: «إنّ هذه المقترحات تتعارض مع أحكام الدّستور ومبادئه في توطئته وفصله الأوّل والسّادس». وتحصّن أساتذة الجامعة بالمنظومة الفقهيّة الأصوليّة القديمة حيناً، واستنجدوا حيناً آخر ببعض الثغرات اللغويّة في الدستور، خاصّة الفصل الأول منه الذي ينصّ على كون الإسلام دين الدولة. وهذه العبارة لا تعني «أن الدولة لها دين كما أن للإنسان دين، فالدولة شخص معنوي لا دين له على هذا المعنى. هذه العبارة تعني في دساتير الدول الغربية أن الدين الرسمي للدولة يحظى بعناية خاصة، وأن مؤسسات الدولة تميّزه عن الديانات الأخرى، ويحدد الدستور ذاته أشكال هذا التمييز الإيجابي».

إنّ قراءة في هذه البيانات الثلاثة، على سبيل الذّكر لا الحصر، تُحيلنا إلى ملاحظة أولى وهي اختزال صائغي هذه البيانات التقرير في مسألتين رئيسيتين: مسألة الميراث، وحريّة المرأة ومساواتها، مع صرف النظر عن أمّهات القضايا الحارقة التي تمّت إثارتها، كالحقّ في حماية المعطيات الشّخصيّة، وحريّة الرأي والتعبير، والحقّ في حرمة المسكن، وحريّة الفنون، وخاصّة الحريّات الأكاديميّة التي تمسّهم بشكل خاصّ، والتي تضمن لهم البحث العلمي الحرّ (الفصل 82)، والحريّة الجامعيّة المحترمة (الفصل 83)، وحريّة العلوم والحريّات الأكاديميّة دون قيد أو تعطيل أو إبطال (الفصل 84)، والاستقلالية عن كلّ القيود والتأثيرات السياسيّة والأيديولوجيّة والدينيّة (الفصل 85).7 وهو ما ينمّ عن مرجعيّة أيديولوجيّة لم تَحِد عنها جامعة الزيتونة التونسيّة في فهم النصّ الديني وتأويله، وهي مرجعيّة الإسلام الأصولي المتعصّب جدّاً للنظريّة والمُغلِق لأبواب الاجتهاد، وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى الصّراع الأيديولوجي الّذي شقَّ الدارسين للموروث الديني بتونس إلى مدرستين: الأولى متمثّلة في أساتذة جامعة الزيتونة أساساً (رغم الاختلاف الجوهري القائم فيما بينهم) وبعض أساتذة الحضارة في الجامعة التونسيّة، على رأسهم توفيق بن عامر (رغم اختلافه مع الزيتونيين في مسائل متنوعة)؛ والثانية يتزعّمها الأستاذ عبد المجيد الشرفي، وهو أحد أعضاء اللجنة التي صاغت التقرير وصاحب المدرسة المتفرّدة في مقاربة الحضارة الإسلاميّة والتفكير الإسلامي، والذي يعتمد في تناوله للموروث الديني على مناهج البحث العلمي الحديثة وعلى القراءة التاريخية للنصّ القرآني، وهو نهج تبناه أيضاً المصري نصر حامد أبو زيد، وبأكثر قوّة الجزائري محمّد أركون. ومن هنا يتّضح سبب العدائيّة التي تعامل بها أساتذة الزيتونة مع محتوى التقرير. وفي ما يلي مقابلة بين بعض مقترحات اللجنة وموقف أساتذة الزيتونة منها، وسنضرب مثلاً على ذلك مسألة الميراث:

اقترحت اللجنة وضع استراتيجيّة لتحوير قانون المواريث على مرحلتين: 

1) مرحلة أولى عاجلة عبر ضمان المساواة بين الجنسين في الصور الغالبة وهي حالات: الأبناء، الأبوين، الزوجين، الإخوة. ويمكن تجسيم هذه المساواة إما قانوناً، أو قانوناً مع تمكين المورِّث من حقّ الاعتراض على المساواة، أو قانوناً باختيار الورثة.

2) مرحلة ثانية آجلة عبر إلغاء التمييز في المواريث إلغاء تاماً، وذلك بحذف نظام العصبة الذي يمنح امتيازاً للأقارب من الذكور على حساب الأقارب من الإناث، ثم وضع فلسفة جديدة قوامها ترتيب الورثة طبقات حسب القرب من المتوفّى، وتَساوي منابات المستحقين من نفس الدرجة دون تمييز.

غير أنّ ردّ أساتذة الزّيتونة كان كالآتي:

«أنّ أصول أحكام المواريث من المحكمات الثابتة بالأدلّة الصّريحة كتاباً وسنّةً وإجماعاً، وما كان كذلك فلا مجال فيه للنظر والتأويل والاجتهاد، وأنّ حقّ الكدِّ والسّعايةِ المبذول في تكوين الثّروة وتنميتها مكفول في التّشريع الإسلامي بالقدر المناسب للجهد المبذول من السّعاة، وأنّ المساواة المعتبرة في التّشريع الإسلامي هي الّتي تؤدّي إلى تحقيق العدل بين الناس بناءً على تلازم الحقوق والواجبات». (بيان أساتذة جامعة الزيتونة الأول).

«إثر اطّلاعنا على مشروع القانون التفصيلي المتعلِّق بدعوى التساوي في الميراث نعلن: أولاً: رفضنا القاطع لهذا المشروع لما فيه من معارضة صريحة لآيات الميراث القطعيّة واعتداء على أحكامها … ثالثاً: إنّ الالتزام بالأحكام الشّرعيّة في مسائل الميراث لا يعارض مقوّمات الدّولة المدنيّة المنصوص عليها في الدّستور … خامساً: إنّ هذا المشروع لم يراعِ منظومة المواريث المتميّزة بالتكامل والتناسق8 وأنّ المساواة لا تُفهم بمعزل عن سائر الأصول والقيم الإسلاميّة». (بيان أساتذة جامعة الزيتونة الثاني).

مما ميّز المقترحات التي تقدّم بها أعضاء اللجنة طابعها الطّوعي الاختياري، دون إكراه أيّ طرف بالتزام ما جاء بالتقرير من مقترحات، وهو ما يحملنا إلى التساؤل عن حالة الهلع غير المبرّرة التي أصابت الطّيف الديني وجعلته يُصدر البيان تلو الآخر، وينظّم المسيرات هنا وهناك، لعلّ أهمّها مسيرة يوم 11 أوت (آب) 2018 أمام مجلس النواب في باردو.

إنّ هذا القلق والتخوّف المبالغ فيه يكشف عن حالة من الجمود الفكري العاجزة عن إعادة قراءة الموروث الديني في ضوء المقاربات العلمية الحديثة، ويكشف عن نظرة مركزيّة ذكوريّة للعائلة تُعلي من المذكّر وتبخس المرأة دورها الفعّال داخلها. فاعتبار مسألة الميراث من الأمور المحكمات الثابتة التي لا مجال فيها للاجتهاد وإعمال العقل، تشير إلى نزعة أصوليّة قائمة «على اعتبار القرآن بمثابة نسيج لغوي فقهي ينبغي تأويله كأوامر ونواهٍ ومحكم ومتشابه». فرغم اهتمام عدد من الزيتونيين، كالطاهر الحداد (1899-1935) والشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973)، بالمنهج المقاصدي،9 وبتقديم قراءات جديدة في مسائل تتعلّق بالمرأة تواكب روح العصر وتُعلي من شأن المرأة وتقطع نهائيّاً مع الممارسات التي تنتهك من ذاتها البشرية وتنتقص من قيمتها كذات فاعلة في المجتمع، كالضرب وتعدّد الزوجات والإكراه في الزواج ومنعها من حقها في التعلّم، إلا أنّ ما طغى على التعامل مع تقرير الحريّات والمساواة هذه المرّة من استنكار وتزمّت، فيه انزياح واضح وجليّ عن هذا الخطّ في طلب المعرفة الدينيّة - الذي يجعل من النّقد والتمحيص وإعمال العقل منهجاً، وهو أمر شاق مُضنٍ يقتضي إلماماً معرفيّاً واسعاً - وذلك لصالح طريق سهلة يسيرة تكتفي باجترار ما قاله السّلف دون غربلة أو تنقية من مسحات القداسة المصطنعة، ظنّاً أنها الطريق الأصوب للحفاظ على الدين من كلّ محاولات الطمس والتغريب. وهو ما أوقع أهل الزيتونة في مأزقَين حادَّيْن: مأزق الولاء للإرث الأبوي المعرفي الواجب حمايته من الاندثار، ومأزق الاغتراب عن موجة التطوّر العلمي.

«إنّ ميراث الذّكر مثل حظّ الأنثيين ليس إبداعا إسلاميّاً خالصاً وجديداً، بل هو واحدة من القواعد التي كانت موجودة وغير سائدة في مجتمع ما قبل الإسلام المسمّى جاهليّاً. أي إنّه ’قانون مدني‘ سابق تبنّاه النصّ الدّيني لاحقاً … وإنّ الوعْي بما يسمّى ’جاهليّة‘ مبدأ ’للذكر مثل حظّ الأنثيين‘ مهمّ جدّاً في فهم التدرّج التاريخي باعتبار أنّ النصّ القرآني/الحديثي، بقطع النظر عن الجدل في سماويته أو أرضيته، يندرج في التاريخ ويخاطب بشراً يعيشون في التاريخ، ويأخذ بعين الاعتبار مستوى قابليتهم لتبنّي العقائد والشعائر والمعاملات والآداب الإسلاميّة».

هذا ما يضعنا في صلب الصراع الدائر طرفاه بين من يعتبر القرآن نصّاً تاريخيّاً، تشكّل عبر مراحل وفي سياقات ثقافيّة واجتماعيّة معيّنة (مدرسة عبد المجيد الشرفي)، ومن يعتبر القرآن نصّاً أزليّاً فوق التاريخ (المدرسة الأصولية وعلى رأسها عدد هام من الزيتونيين). فالمدرسة الأولى تعتبر مبدأ للذّكر مثل حظّ الأنثيين ظاهرة تاريخية انتهت بانتهاء أسبابها كتعدد الزوجات والرقّ وغيرها، والثانية تعتبر ما ورد بخصوص المواريث نصّاً صريحاً لا اجتهاد فيه لهم ولا لغيرهم، الأمر الذي يقف حائلاً دون تحقيق أيّ مساواة مأمولة للمرأة، لا في الميراث فحسب بل وحتّى في تموقعها داخل الأسرة.

«القيمة الأبويّة العريقة الّتي حدّدت مكانة كلّ من الرّجل والمرأة ودورهما في العائلة والمجتمع والسّلطة، من خلال تقسيم العمل الاجتماعي المرتبط بأسلوب الإنتاج وأدواته الاجتماعيّة، والّتي فرضت على المرأة أيديولوجيا تقوم على عدم المساواة بين الجنسين وجعلت من المرأة واحداً من اثنين: إمّا أمّاً ولودة وزوجة مطيعةً لا تخرج من دارها ولا تقصّر في خدمة زوجها ورعاية أطفالها، وإمّا جسداً أنثويّاً وأداة للإغراء والغواية، وهو ادّعاء شائع، أدّى إلى اعتبار المرأة أدنى من الرّجل، وهو ما يبرّر جعلها تحت وصاية الرّجل».10

كرّس ذلك مركزيّة الرّجل داخل العائلة، وجعله قوّاماً على المرأة، وصيّاً عليها، والمالك والمُمارِس للسلطة، وعمّق من تابعيّة المرأة وخضوعها في مختلف أطوار حياتها (بنتاً وزوجة وأمّاً). ولعلّ المهر، باعتباره أحد أركان النّكاح الذي يشكّل طقس عبور للانتقال من بِكْر إلى متزوّجة، هو أحد آليات فرض الهيمنة الذكوريّة على المرأة من قبل زوجها. فدخول «المرأة مؤسسة الزواج يحوّلها إلى أسيرة مسلوبة الحريّة والإرادة، كما أنّه يؤدّي إلى تشيئتها، فتتساوى نتيجةَ ذلك مع المملوكة. ولئن ظلّت الفتاة طول فترة طفولتها تحت وصاية الأب أو الوليّ، أي القريب، فإنّ دفع المهر يؤدّي إلى انتقالها للعيش مع الزوج، أي الغريب، لتبقى تحت قوامته … فحدّد العقد وضعها فلم تكن المالكة بل المملوكة، وأُبيح لها حلّ النكاح فقط».11 وهو ما يفسّر إصرار أهل الزيتونة على المهر مهما تضاءلت قيمته أو ارتفعت، لأنه يظلّ أحد آليات الهيمنة الرمزية على المرأة، فمتى انتفت خسر الرجال حيزاً هاماً من سلطانهم على النساء وإخضاعهم لإرادتهن.

ينسحب ذلك أيضاً على رفض مقترح إضافة لقب الأم للابن، وهو يكشف عن تصور ذكوري للأسرة يكون الأب/الرجل هو قطب الرحى فيه، وفي فلكه تدور الزوجة والأبناء، «فقد خصّ المجتمع الرّجل بمكانة مرموقة داخل البناء الاجتماعي وجعله مسؤولاً عن تنظيم رعيته وتأمين جميع حاجياتها. ولا غرابة في ذلك، إذ قامت المجتمعات الساميّة على الرّجل فاعتبرته النواة الرئيسية التي تؤسس المجتمع وتحرّكه».12 ولعلّ في إتاحة إسناد الأم لقبها لابنها، أو ترك حريّة الاختيار للابن بين لقب والده أو لقب والدته، تحطيم لسلطويّة النظام الأبوي وقطع مع سيرورة تاريخيّة وثقافيّة طويلة المدى جعلت من مجهول النسب يتذيّل الهرم الاجتماعي، الأمر الذي حرمه إنسانيته وحقه في الميراث وغير ذلك. ويمكننا من هنا فهم رفض أساتذة الزيتونة لهذا المقترح، لأنه من ناحية سيساهم في اختلال منظومة المواريث التي يريدونها جامدة لا تتغيّر، ومن ناحية ثانية سيغذّي ظاهرة الزواج خارج الأطر الشرعية والقانونية حسب ظنّهم.

القلق السياسي

لقد تطوّرَ الجدل القائم حول تقرير الحريّات الفرديّة والمساواة من مجرّد نقاش وسجال دينيّ حول مضامينه وما طرحه من بدائل، إلى ما بدا بحسب الطاهر بن يحيى «معركة اجتماعيّة ثقافيّة وإعلاميّة شاملة، تزحزحت بمقتضاها القلاع السياسيّة، واقتربت بناءً عليها العائلات الحزبيّة المتنافرة، فكان أن عبّر الدّستوريّون عن مواقف تجاوزت معدّلات انغلاق المحافظين والإسلاميين وكان أن عبّر التيّار الديمقراطي، صاحب القاعدة الشعبيّة القريبة من الإسلاميين والتقليديين، عن مواقف تجاوزت منسوب التّحديث لدى فرق الحداثة يميناً ويساراً». ويمكن العودة إلى منشور القيادي في حزب التيار الديمقراطي محمد عبو بعنوان «كلام في الدين والدولة والدستور والنفاق» الذي انتشر بكثرة وأثار جدلاً واسعاً.

أما حركة النّهضة فقد خُيِّرت أن تسلك طريقاً وسطاً بتثمينها هذه البادرة مع نوع من التحفّظ على بعض النقاط والجزئيات. فقد جاء في بيان حركة النهضة: «وبخصوص ما ورد  بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة شدد المكتب التنفيذي على حق الجميع، أفراداً ومؤسسات وكل التونسيين، في حريّة الرأي والتعبير والتفكير في  إطار ما دعا إليه رئيس الجمهورية، وتتبناه حركة النهضة، من أنّ تونس دولة مدنية لشعب مسلم، ومن ثم البحث عن مقاربة في الحريات الفردية والمساواة تجمع بين الالتزام بأحكام الدستور واحترام مقومات الهوية العربية الاسلامية لشعبنا، وذلك بعيداً عن السب وهتك الأعراض وكل غلو أو تطرف». ففي الوقت الذي ظنّ فيه الكثير أن النهضة ستكون أول من سيناهض هذا التقرير، كان الردّ مفاجئاً، خاصّة لدى الخصوم الفكريين والسياسيين لهذه الحركة، ولا سيما أمام التنويه بقيمة العدالة الاجتماعية والمساواة: «تُجدد [الحركة] تأكيدها على قيمة الحقوق والحريات والمساواة بين الجنسين، وعلى أهمية تعميق التشاور والحوار حول مضمون التقرير». غير أنّ ذلك لم يمنع من إبداء بعض التحفّظ والاحتراز، خاصّة في الظروف التي صدر فيها التقرير، والتي اتّسمت بحدّة التجاذبات السياسية والاقتصادية في آن، الأمر الذي استوجب «لفت النظر الى ضرورة الوعي بدقة المرحلة التي يمر بها مجتمعنا وما يعتريه من توترات سياسية واجتماعية حارقة تتعلق بالحياة اليومية للمواطنين خاصة ضعاف الحال منهم، كما ينبه أيضاً الى مخاطر إثارة القضايا التي تدعو إلى الاستقطاب والانقسام، وتغذي الصراعات الهووية التي حسمها الدستور»، مع إبداء التوجّس من مسّ التقرير بوحدة الأسرة.

إنّ حركة النّهضة، بإبداء موقفها هذا الذي ينوس بين القبول الظاهري والرّفض المبطن، تؤكّد دون أن تدع أي مجال للشك عن ازدواجيّة المواقف والرؤى التي ظلّت تتخبّط فيها وهي تحاول البحث عن موطئ قدم لها على الخارطة السياسيّة الوطنيّة، وترسيخ صورة عملت عبثاً على الترويج لها، وهي صورة الحزب التقدّمي الحداثي الذي يفصل السياسي عن الدعوي، والمناصر لكلّ أشكال التحرّر والمساواة، وفي ذات الوقت الحفاظ على مرجعياتها الفكريّة والأيديولوجيّة كتنظيم سياسي إسلاموي ينشط تحت راية تنظيم الإخوان المسلمين العالمي. فالنّهضة كما يشرح مصطفى العلوي «لا تزال تحصر نفسها في زاوية إخوانيّتها المحافظة التي اهترأت وفقدت راديكاليتها التاريخية وارتكبت أخطاء جيوستراتيجية لا تُغتفر في المنطقة، ولا تستطيع إلى الآن الفكاك من مأزقها فعلياً في اتّجاه التونسة الوطنية، من ناحية، والمدنية الديمقراطية، من ناحية ثانية، ناهيك عن التحوّل إلى تيّار الإسلام التقدّمي، رغم كلّ التعديل في الوثائق الرسمية والتحسين في الخطاب الديني والسياسي والإعلامي، بدليل أنّها  أوّل ما تصطدم بقواعدها وأجنحتها المحافظة وحلفائها ونظرائها من المحافظين  تتسمّر مكانها تقريباً في المسائل الثقافوية والجيوستراتيجية، لأنها رهينة تاريخ ومخيال محافظين وتوازنات داخلية ودولية أقوى منها بقطع النظر عن الحجم الانتخابي الذي تملكه».

أما الحزب الدّستوري الجديد برئاسة عبير موسى، وعلى إثر الندوة الصحفية التي أبدى فيها موقفه من تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة يوم 11 أوت (آب) 2019، فقد نشر على صفحته في فيسبوك يوم 19 من الشهر نفسه بياناً مفصّلاً من عشر نقاط، وضّحت فيها رئيسة الحزب مؤاخذاتها حول محتوى التقرير وصياغته، داعيةً إلى تنظيم مناظرة تلفزيّة على القناة الوطنيّة تناقش فيها بالحجّة والدّليل مُختلَف المحاور والقضايا التي تضمّنها التقرير، إنارةً للرأي العام حسب مزاعمها.

ورغم أنّ الحزب الدّستوري الحرّ هو سليل الحزب الدّستوري الجديد، المنشقّ بدوره عن الحزب الدّستوري التونسي والمنسلخ عن أفكاره ورؤاه والمتبنّي لقيم الحداثة والكونيّة، فإنّ ما صرّحت به رئيسة الحزب في هذا البيان يثير الدّهشة والاستغراب، خاصّة في جانبي المساواة في الميراث وإلغاء واجب الإنفاق على الزوجة في الحالات التي يكون لها دخل يغنيها عن الحاجة إلى النّفقة (الفصل 38، التسطير منا). فقد رفضت قطعيّاً التراجع في حقّ المرأة في النّفقة، مبرّرة ذلك بهشاشة الوضع الاقتصادي للمرأة ومحدوديّة مواردها لتحصيل المال، وعابت على اللجنة المساس بقدسيّة النصّ القرآني فيما يخصّ التساوي في الإرث، «واستتباعاً لهذا فإنّ الاختلاف بين مساندي المساواة في الميراث القانوني وبين معارضيها ليس بالضّرورة وبشكل إطلاقيّ أيضاً، بين من له مرجعيّة دينيّة ومن له مرجعيّة مدنيّة»،، كما يضيف العلوي. أمّا مقترح إلحاق الابن المولود خارج أطر الزواج في الميراث فقد عدّته عبير موسى خطوة خطيرة من شأنها ضرب مؤسسة الأسرة، مضيفةً أنّ مثل هذا المقترح يشرّع ضمنيّاً لتعدّد الزوجات. وهذا تفسير غريب يصدر من محامية وناشطة سياسيّة في حزب مدني عُرف بتشبّعه بمرجعيّات العلمانيّة، وكان في مختلف محطاته التاريخيّة داعياً إلى ضرورة فصل الدين عن الدّولة.

إنّ هذا التحامل الشديد على تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة ليس نابعاً من قناعة رئيسته ومنخرطيه بتعارض فحوى هذا التقرير مع الخصوصيات الثقافيّة للمجتمع التونسي، ولا من رؤية محافظة للنص الديني والمنظومة الفقهية القديمة، إذ لا يعدو عن كونه مجرّد مراهقة سياسيّة سببُها الرئيس الخصومة بين عبير موسى والرئيس الراحل باجي قائد السبسي - على الرغم من انتمائهما لنفس المدرسة السياسيّة - وهو ما تعمّق أكثر بعد تحالف حركة نداء تونس مع حزب حركة النهضة بعيد انتخابات 2014. وقد عدّت موسى هذا التحالف تنكّراً واضحاً للمرجعيّة الفكريّة البورقيبية، فكلّ المؤاخذات التي أبدتها بخصوص التقرير ليست سوى نكاية في صاحب البادرة قائد السبسي.

أما ما استرعى انتباهنا فهو موقف حركة النضال الوطني، وهي حركة سياسيّة ذات مرجعيّة قوميّة ممثّلة في شخص الدكتور بدر السماوي، عضو المكتب السياسي للحركة ومستشار قسم التغطية الاجتماعية والصحة والسلامة المهنية بالاتحاد العام التونسي للشغل. وقد نشر السماوي مقالاً في جريدة الشروق بتاريخ 6 أوت (آب) 2018 بعنوان «تقرير الحريّات الفرديّة والمساواة: المثليّة الوجه الآخر للصّهيونيّة»، وقد سبقه مقال آخر في نفس الجريدة بتاريخ 23 آوت بعنوان «تقرير الحريات الفرديّة والمساواة: حريّات فرديّة في خدمة التطبيع مع الصّهيونيّة؟»، وفي كلا المقالين مماهاة بين الحريّات الفرديّة (المثليّة الجنسيّة تحديداً) والصّهيونية (حركة سياسيّة يهوديّة)، مع التساؤل عن سبب طرح هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات؟ حاول كاتب المقال الربط عبثاً بين اليهود والمثليّة ليبرهن على فكرة مغلوطة مفادها أنّ المثليّة الجنسيّة صناعة يهوديّة، انطلقت في أميركا لتجتاح باقي الدول وصولاً إلى أقطار العالم العربي إثر ثورات الربيع العربي. وفي كلّ هذه المحطّات كان اليهود هم من يروّج للمثليّة إعلاميّاً وسينمائيّاً ودينيّاً. وأشار السماوي إلى ما يعرف بـ«الغسيل الوردي» في إشارة إلى الاستراتيجية المتعمدة من الكيان الصهيوني للتغطية على الانتهاكات المستمرة تجاه الفلسطينيين عبر الصورة المشرقة لمجتمع المثليين في إسرائيل، والذين يحظون بالمساواة التامة وبكامل حقوقهم وحرياتهم، ما يجعل منها وجهة دولية للمثليين الفلسطينيين والعرب باعتبارها المكان الأوحد الآمن لهم في منطقة الشرق الأوسط. وقد استشهد السماوي بهذه الدعاية للتأكيد على أن انتفاض المثليين في تونس ومطالبتهم بإنشاء جمعيات وإذاعة خاصة بهم، ومطالبتهم بحقوقهم المنتهكة في كثير الأحيان، ما هي سوى أجندة أجنبية يسعى الكثير من النشطاء الحقوقيين إلى تنفيذها بتونس:

«لا شك أن هذه الممارسات تخفي وراءها أجندات مشبوهة تحاول من خلالها البلدان الاستعمارية استغلال كل المناسبات لفرض أجنداتها تحت يافطة حقوق الإنسان. فقد منحت فرنسا مثلاً حق اللجوء السياسي للشاب المغربي المثلي أنس الجزولي ليقوم بالدفاع عن زملائه المغاربة. وبمناسبة استضافة قطر للمونديال عام 2022 طالبتها المنظمات الدولية منذ الآن بالحد من القوانين التي تمنع المثلية احتراماً للحقوق المدنية للمشجعين واللاعبين من جميع الأجناس والأديان. وبذلك ستكون قطر مرة أخرى أداة لتخريب القيم في الوطن العربي بعد أن لعبت دور تخريب الدول بعد 2011».

ينتقل كاتب المقال إثر ذلك إلى بيان منزلة المثليّة الجنسيّة في تقرير الحريّات الفرديّة، لنجده يستنكر بشدّة ما سمّاه إباحة المثليّة الجنسيّة، لكنّ العودة إلى مسودة التقرير لا تُسعفُِنا بما ذكره الكاتب. وبعد النبش بين السّطور، لم نعثر على أيّ أثر لهذه الكلمة، وفي ما يلي ما جاء في نصّ التقرير بحذافيره: «لا نرى موجباً لتجريم اللواط والمساحقة بين رشد وفي غياب العنف أو التّجاهر بما يجعل من هذه العلاقة الجنسيَّة مكوِّناً من مكوّنات الحياة الخاصّة، لذلك يتمثّل اقتراحنا الأوّل في إلغاء هذه الجريمة مع تحويل عقوبتها إلى خطيّة».13

تدقيق النظر في المقال محلّ الدّرس أيضاً يكشف عن نزعة ساديّة لدى صاحبه، إذ نجده يمتعض ويُبدي استياءه من مطالبة اللجنة بإلغاء العمل بـ«الفحص الشرجي» الذي يتعارض مع ميثاق أبقراط الطبّي، ويتناقض تناقضاً شديداً مع الفصل 23 من دستور الجمهوريّة التونسيّة الذي ينصّ على الآتي: «تحمي الدّولة كرامة الذات البشريّة وحُرمة الجسد، وتمنع التعذيب المعنوي والمادي، ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم»، وكذلك مع بالمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي جاء فيه: «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانيّة أو الحاطة بالكرامة»، وهو ما يحملنا على التعجّب من رأي يصدر عن ممثّل حركة سياسيّة تدّعي التقدّميّة وتجعل شعارها «تحرير، كرامة، وحدة». فما معنى الكرامة أمام التشجيع على مواصلة مزيد من الانتهاك للذات البشرية؟ 

على سبيل الختام

نصل في ختام هذا التحليل إلى جملة من الملاحظات نوردها كالتالي:

  • شكّل صدور التقرير فرصة هامّة لاختبار القوى الدينيّة والمدنية والسياسيّة في تونس واكتشاف حجم المغالطات التي تروّجها حول حداثتها ومدنيتها وإيمانها بقيم التعدّد والاختلاف والعدل والمساواة.
  • نكاد نجزم أنّ السّواد الأعظم ممّن ناهض هذا التقرير ورفضه لم يطّلع بدقّة على كلّ محتوياته، وإنّما اكتفى بما يتردّد عبر وسائط الإعلام، ودليل ذلك عدم تقديم أيّ جهة دراسة نقديّة لمحتوى التقرير تناقش مفاهيمه والبدائل التي يطرحها وتقديم تصوّر مخالف.
  • إنّ مسألة رفض المساواة غير مقترنة بالجانب الإيماني الديني، فالكثير ممّن كنّا نظنّه منغلقاً محافظاً أبدى حماسة واستبشاراً بهذا التقرير، الذي عدّه استكمالاً لمسيرة الإصلاح والبناء الديمقراطي، وكم من طرف كنّا نحسبه على الطيف الديمقراطي الحداثي أبدى اعتراضاً وهجوماً لشيطنة التقرير ووأده.
  • تنوّعت حجج الرافضين للتقرير بين من اتخذ من الدين ذريعة، ومن عدّ التقرير عملاً مخابراتياً وإذعاناً لشروط الاتحاد الأوروبي، والحال أنّ مخرجاته مستنبَطة من الواقع الاجتماعي التونسي، لم تُمْلِها سفارات خارجيّة أو أطراف أجنبيّة، وفي التقرير إشارات واضحة للدراسات الميدانيّة والسوسيولوجية التي أنجزها خبراء وجِهَات معترف بها كمركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف) على سبيل المثال.
  • كذلك برّر الرافضون للتقرير رفضهم بالخوف المبالغ فيه على وحدة الأسرة وتماسكها، وخشيتهم من حالات الاحتقان الاجتماعي التي قد ترافق التقرير، ولا سيما أنّ التقرير في نظرهم انقلاب على ما نادت به الثورة من مطالب اجتماعيّة كالشّغل والحريّة والكرامة الوطنيّة.
  • 1. تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة، ص24.
  • 2. تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة، ص131.
  • 3. ألفة يوسف، حيرة مسلمة في الميراث والزواج والمثليّة الجنسيّة، دار سحر للنشر، الطبعة الثالثة، أفريل (نيسان) 2008.
  • 4. يوسف الصدّيق، هل قرأنا القرآن؟ أم على قلوب أقفالها، تعريب منذر ساسي، دار محمد علي للنّشر بالاشتراك مع دار التنوير للطباعة والنّشر، الطبعة الأولى، 2013.
  • 5. تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة، ص11.
  • 6. عبد السّلام الزبيدي، تقرير الحريّات الفرديّة والمساواة: جدل الفضاء الافتراضي، الفايسبوك نموذجاً، سوتيميديا للنّشر والتوزيع، الطبعة الأولى، أوت (آب) 2018، ص146.
  • 7. انظر التقرير، ص114-115.
  • 8. أثبتت اللجنة خلاف ذلك، وأوضحت مظاهر التمييز الواضحة بين الجنسين في المواريث القائم على نظام العصبة. لمزيد التوسّع انظر تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة، ص173-175.
  • 9. القراءة المقاصديّة هي التي لا تأخذ بظاهر النصّ بل بدلالاته البعيدة، ومن أبرز أعلامها قديماً أبو إسحاق الشاطبي (ت 1388) وهو أول من اعتبر المقاصد علماً قائماً بذاته في كتابه الموافقات، وحديثاً محمد شحرور (1938-2019) والطالبي (1921-2017) وحسن حنفي (و 1935). إلا أن هذه القراءة المقاصدية تختلف عن المنظور الحداثي من حيث الشكل والمضمون، فالفكر الحداثي العربي ينظر إلى المغزى والمقصد من النص القرآني وهو أن يصبح وعاءً لكل مضمون معاصر، وقالباً لكل واقع جديد.
  • 10. إبراهيم الحيدري، النظام الأبوي وإشكاليّة الجنس عند العرب، دار الساقي، الطبعة الأولى، 2003، ص4.
  • 11. أمال قرامي، الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، دراسة جندريّة، دار المدار الإسلامي، الطبعة الأولى، 2007، ص577-578.
  • 12. المرجع السابق، ص583.
  • 13. تقرير لجنة الحريَّات الفرديّة والمساواة، ص89.