الحقائق والأكاذيب بشأن مجدي نعمة ومحاكمته

 

لا يختلف جيش الإسلام وأنصاره عن أجهزة الأسد وأنصارها في التضليل الإعلامي وتزوير الحقائق. فزهران علوش الذي افتخر ذات مرة أنه يملك خبرات أفرع الأمن التي مر عليها خلال فترة اعتقاله لدى الأسد، نقل هذه «الخبرات» إلى أفرع أمن فصيله العسكري الذي قاده. ويبدو أنه لم يتخلَّ عن أي شيء من هذه الخبرات، بما فيها طرائق نشر الدعايات الكاذبة وتشويه الوقائع واستغلال نقص المعرفة والتفاصيل لدى المتلقي، وتحويل كل قضية محقة ضده إلى أمر يستهدف «تاريخه» ومسيرته في «المقاومة والممانعة».

في قضية مجدي نعمة، المعروف بإسلام علوش، والمسجون في فرنسا منذ 29 كانون الثاني (يناير) عام 2020 بتهم تتعلق بجرائم أثناء انتمائه لجيش الإسلام، لم يتخلّ الأخير ومؤيدوه عن الكذب، وذكر أنصاف الحقائق، وتحميل الأمر ما لا يحتمل، وتشويه السمعة، وهو ما سنحاول تناوله في هذه المادة.

يُركّزُ جيش الإسلام في بياناته ومنشورات مؤيديه على أن إسلام علوش كان مجرد ناطق إعلامي باسمه، وقد كرَّرَت هذا التوصيف معظم وسائل الإعلام بغير سوء نية. يُراد بهذا التوصيف أن لا يكون نعمة بشخصه متهماً في أي جريمة قد تثبتُ على جيش الإسلام، وهو في الواقع نصف حقيقة وتضليل.

انشقَّ الملازم مجدي نعمة عن جيش الأسد عام 2012 كما هو مُرجَّح، وانضم إلى لواء الإسلام في غوطة دمشق الشرقية (الذي أصبح نهاية عام 2013 جيش الإسلام). وكان الضابط المنشق الذي صار اسمه إسلام علوش أحد أهم ضباط الجيش في قيادة أركانه، وكان اسمه الأكثر تردداً في تلك الفترة، التي عشتها هناك في الغوطة. لطالما ذُكِرَ اسمه كشخص يمكن التوجه إليه بغرض التفاوض مع لواء الإسلام بشأن معتقل لديه من أبناء المنطقة أو غيرها، أو بشأن مصادرة أملاك قام بها جيش الإسلام بحق مدني اتهمه أنه «عوايني» أو «مؤيد»، ما يعني أن «دمه مهدور وأمواله غنيمة للمجاهدين»، أو بشأن شخص متهم بشتم الله، أو بشأن هجوم على مجموعات تابعة للجيش الحر بحجة أنها «قاعدة بتتفتل بسلاحها وما بتروح عالجبهات» أو أنها «مجموعة لا تراعي شرع الله». وغيرها من الانتهاكات التي كان يرتكبها لواء الإسلام آنذاك. وقد شهدتُ بنفسي قيام لواء الإسلام بجلد شخص في ساحة عامة مئة جلدة لأنه قام بشتم الله. كذلك تواصلتُ مع زميل دراسة ينتمي للواء الإسلام بغرض الإفراج عن مدني أخٍ لصديقي، قام لواء الإسلام بخطفه لكونه إسماعيلياً، وقد وعدني بالتواصل مع إسلام علوش. وبرغم تأكيدي له أنه ليس من عناصر الأسد بأي حال، علاوة على أنه معارض وكل عائلته معارضة، إلا أن الجواب جاءني بنسيان أمره.

وهكذا الحال، لم يُسمَع لإسلام علوش ذكر طيب بأي إنصاف، فالمعتقل كان إما يُقتل (خصوصاً إذا شتم الله أو الرسول) أو يخرج ليروي صنوف التعذيب. و«العوايني» أو «المؤيد» يتوجب عليه أن يثبت العكس، ويثبت تأييده «للجهاد في سبيل الله» عبر إعطائهم قِسماً من ماله أو مفاوضة أهله على فدية. ومجموعات الجيش الحر كانت تُخيَّرُ بين دخولها في لواء الإسلام لاستعادة سلاحها كعناصر لا مجموعة، أو نسيانها له.

أستطيعُ القول إنه كان في تلك الفترة أحد أهم خمس قادة في لواء الإسلام، وجرت جرائم كثيرة تحت عينيه لم تدفعه لتركه، بل خرج نهاية العام 2013 ليصبح ناطقاً إعلامياً باسم جيش الإسلام، الذي كان توسعة للَّواء مع الحفاظ على كل قاداته ومنهجه.

الأمر الثاني هو وصف إسلام علوش بإنه انشقّ عن جيش الأسد لينضم إلى الجيش الحر، وهذا في الحقيقة كذب بواح.

كان لواء الإسلام منذ تأسيسه (كان قبلها سرية ثم كتيبة بنفس الاسم) أحد الفصائل التي أسمت نفسها بالإسلامية، وهي فصائل كانت في ذلك الوقت ترفض الانتساب إلى الجيش الحر، وترفض التبعية للمجلس العسكري أو تلقي السلاح والأوامر منه. وطالما خُضتُ نقاشات مع عناصر هذه الفصائل وقاداتها بأن الأمر هذا سيقودنا إلى التهلكة، فقد كان لا يزال هناك حيز للنقاش معهم في بداياتهم، قبل أن يطغوا على الجيش الحر ويأخذوا مكانه واسمه إعلامياً. وقامت هذه الفصائل الإسلامية بتوحيد نفسها في تجمّع أنصار الإسلام عام 2012، كان من بينها لواء الإسلام قبل أن ينسحب منها لخلافات مالية (قيل إن هناك مبلغاً قدره 3 مليون دولار تم إرساله من قبل شيخ كويتي، ولم يرضَ لواء الإسلام بمقدار حصته منه، فأخذها وانسحب). وكان لواء الإسلام أبرز هذه الفصائل في فتاوى تحريم رفع علم الثورة كونها «راية عمية»، والاكتفاء برفع الراية السوداء المكتوب عليها بالأبيض (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). وقد نشرت صفحة (لواء الإسلام - المكتب الشرعي) على فيسبوك هذه الفتوى، قبل أن يُفقَد رابطها بسبب حذف الصفحة. لكنه كان أمراً شائعاً ومعروفاً.

كما كان لواء الإسلام مسؤولاً مع جبهة النصرة عن الإغارة على مستودعات المجلس العسكري التابع للجيش الحر، وسرقة كل ما فيها من سلاح. كل ذلك حدث وإسلام علوش في موقعه كأحد أكبر ضباط قيادة لواء الإسلام. نستطيع أن نقول براحة ضمير إّنه كان أحد المحاربين ضد الجيش الحر، مثله كمثل نظام الأسد، لا أحد المنتمين للجيش الحر كما يكذبون اليوم.

أما كونه قد خرج من الغوطة إلى تركيا قبل خطف رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم الحمادي ووائل حمادة، فهو أمرٌ مشكوك به. ويصعب تصديق أن جريمة كهذه لم تكن نيتها مبيتة، وأن تحضير تنفيذها تم دون علمه وهو أحد القيادات الهامة، ومن الوجيه عدم استثنائه من شبهة علمه بالأمر أو تحضيره. إن التوصيف المتعمد له بأنه كان في تركيا مجرَّدَ ناطق إعلامي غرضه التضليل بشكل واضح لا يقبل الشكّ.

وفضلاً عن ذلك، يجري الآن خلط متعمد بين قضية علوش وقضايا محكمة كوبلنز، وفي هذا ما يصح تسميته «صيداً في الماء العكر». فمحكمة كوبلنز تجري (مع تحفظي على بعض تفاصيلها) لمحاكمة جرائم حدثت من أفراد حين كانوا تابعين لأجهزة الأسد الأمنية، أي قبل انشقاقهم. أما محاكمة علوش فهي تجري بخصوص جرائم بعد انشقاقه وانضمامه إلى لواء الإسلام. كما أن إياد الغريب الذي انضمّ لاحقاً للجيش الحر، حوكم في كوبلنز على جرائم اعترف بنفسه بها، وارتكبها أثناء عمله في أجهزة الأسد الأمنية. وبسبب تعاونه مع المحكمة ووضوح تعاطفه مع الثورة، وقيامه بتهريب معتقلين بحسب شهادته التي أدين بها، (قال إنه قام بتهريب 7 من أصل 37 كان مسؤولاً عن نقلهم إلى الفرع)، وعدم وجود أي شهادات شخصية ضده، قامت المحكمة بإصدار حكم مُخفَّف. وبسبب تشويش تفاصيل حوله، استطاعت جوقة جيش الإسلام استغلال الأمر لتصويره على أنه استهداف لكل من حمل السلاح ضد الأسد. وهذا بأي حال لا ينطبق على العقيد أنور رسلان رئيس قسم التحقيق في فرع الخطيب، وهو من تسبَّبَ بقتل العشرات وتعذيب الآلاف، وأنكر في المحكمة وجود تعذيب ممنهج في أفرع الأسد. إياد أبدى ندماً ومحاولة للتكفير عمّا كان عليه بانضمامه للجيش الحر وتعاونه مع المحكمة، أما إسلام علوش وأنور رسلان فمستمران في الدفاع عمّن كانا ينتميان إليهما.

لدينا حالة تثبت كذب مزاعم جيش الإسلام ومؤيديه حول هذا «الاستهداف المتعمد» من قبل «الغرب وعملائه»، بحسب وصفهم للناشطين العاملين في حقوق الإنسان وأولئك المتأذين مباشرة من جرائم جيش الإسلام، وهي حالة الضابط سامي كردي الذي انشق عن جيش الأسد والتحق بالجيش الحر، وواجه في فرنسا اشتباهاً بارتكابه جرائم حرب قبل انشقاقه. لقد ردَّ القضاء الفرنسي الدعوى بحقه وحكمَ ببراءته، وأخذ القضاء بعين الاعتبار أنه انضم للجيش الحر، وقال إن التحقيق لم «يسمح بتحديد تورط سامي كردي في الأعمال التي اتُّهِمَ بها»، بل أثبت أنه «انشقّ عن الجيش السوري النظامي ليصبح ناطقاً باسم الجيش السوري الحر». وأكد القاضي أنه «لم تتقدم أي ضحية بالشهادة، ولا يمكن نسب جريمة محددة إليه، وأنه وفق عناصر الملف، اختار المنفى بدل الجريمة».

في قضية سامي كردي ردٌّ واضح على محاولات جيش الإسلام ومؤيديه الرخيصة لتصوير الأمر، أمام الرأي العام السوري الثائر والمعارض للنظام، على أنه استكمال لـ «اتفاق العالم علينا»، وغير ذلك من عبارات اللعب على وتر المظلومية واستهداف «مقاومته وممانعته».

وفي سياق التضليل واللعب على وتر المظلومية نفسه، تجدر الإشارة إلى استهداف جيش الإسلام ومؤيديه لـ مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بوصفه «نصيرياً» ومن «جواسيس الثورة» و«عملاء النظام».

تتعدى المسألة الطائفية في سوريا قدرة هذه المادة على شرحها، لكنها بوضوح هنا إحدى السفالات التي يلجأ إليها جيش الإسلام في قضية علوش، لتصويرها على أنها استهداف لسنّي من قبل «علوي».

لا يوجد لدى جيش الإسلام الذي يشابه في تكوينه نظام الأسد أفضل من الأداة الطائفية لإعطاء أحكام على الناس، وتقييم «ولائهم» وتفسير «دوافعهم». تجري الآن حملة منظمة ضد درويش، الذي أعرفه كمعارض منذ ما قبل الثورة، قد أَختلفُ معه أنا أو غيري في تفاصيل ما، لكنه بالطبع لا يحتاج شهادتي في منحاه الوطني غير الطائفي ومواقفه من الأسد. يطابق أسلوب جيش الإسلام ومؤيديه في هذا الشأن أسلوبَ نظام الأسد، الذي يريد تصوير الأمر في سوريا على أنه حرب ضد إرهابيين. هكذا يصبح الناس في سوريا، بنظر جيش الإسلام، طوائف لا مواطنين، وموالين له أو عملاء. من «أهل السنة» أو من «الأقليات»، على عقيدة قويمة أو منحرفة، على «اعتدال» أو على «غُلوّ»؛ ليبقى هو وحيداً صاحب حق مطلق ومن يخالفه شر مطلق. هكذا لم يبق فصيل منافس في الغوطة لم يقاتله، ولم يسلم من اغتيالاته واعتقالاته ونفيه مدنيون غير إسلاميين، فطريق الطائفية واجترار المظلوميات لا تتوقف عند «النصيري»، لأننا «نحن الخيّرون وأولئك الأشرار». ما الذي يمكنه تبرير كل جرائم جيش الإسلام غير ذلك؟ وما الذي فعله نظام الأسد غير ذلك؟

يبقى القول إنه لم يصدر بعد أي حكم بحق إسلام علوش، ولا يمكن التكهن في مدى كفاية الأدلة التي جُمعت ضده، لكنَّ مدى الكذب والتضليل المُمَارسان في حملة جيش الإسلام ومؤيديه لصالح السجين يشرح مدى المأزق الذي يشعر به قادته، ولا يخفى من كلامهم ذعرهم من احتمال نفيهم من أي حل سياسي ممكن في المستقبل، وهو ما يخافون عليه أكثر من خوفهم على إسلام علوش.

من الطريف أن نتذكر هنا، أنّ عناصر جيش الإسلام كانوا يروّجون بين الناس عن قائدهم زهران قبل قتله أنه «المهدي المنتظر» لكون اسمه محمد زهران بن عبد الله، وهو الذي كان يحلم بقيادة «سوريا الإسلامية» لعلمه وثقافته الواسعين، ووصوله لاستنتاج أن العربي يفكر بالعربية والانجليزي يفكر بالانجليزية. كما أنه استطاع أن يضع الديمقراطية تحت قدميه بجملة واحدة رغم حنجرته المجروحة من كثرة الصراخ، ووجد حلّاً رائعاً كبديل لنظام الأسد عبر استنساخه ذاته بصيغة سُنّية. ويبدو أن سمير كعكة وعصام البويضاني ومحمد علوش (وهم لا يقلون شأناً وفهماً عن زهران) يخافون على حلم قيادة سوريا وما بنوه من إنجازات مع زهران، فبعد أن أصبح في متناول يدهم، جاءت محاكمة «الناطق الإعلامي السابق» لتُخرّب عليهم كل شيء!