الحلم كمساحة خطرة للاستثمار

هل يقول المرء شيئاً مخالفاً للحقيقة إن قال لي «أنا لست واع»؟،(وهل هي حقيقة إن قالها وهو غير واع؟، ولنفترض أن ببغاء قال «أنا لا أفهم أي كلمة»، أو غراموفون قال «أنا مجرد آلة»)1.

قصاصات – لودفيغ فيغنشتاين - 1967

  • 1. Is someone speaking untruth if he says to me «I am not conscious»? (And truth, if he says it while unconscious? And suppose a parrot says «I don’t understand a word» or a gramophone «I am only a machine»?).

1

حركة العين البطيئة

تكمن إحدى إشكاليات الحلم في أنه لغويّ، سواء أثناء تكونيه، أو عبر الصيغة الخارجيّة له منطوقةً كانت أم مرسومة، فنحن أمام مجموعة من العلامات (الصور- الأصوات- الكلمات- الأحرف..)، التي تخضع لمجموعة من الألعاب اللغويّة، يمارسها الفرد خارج مساحة إدراكه أو أثناء «النطق» بالحلم. وتُحدّد قواعد هذه الألعاب على مستويين، الأول أثناء «عملية» الحلم، والثاني أثناء القراءة، أو تفسير الحلم، والوعي بمعناه وتناقل هذا المعنى.

هذه الإشكاليّة تكتسب صيغة مغايرة إن نظرنا إلى مكونات الحلم لا فقط بوصفها نتاج ألاعيب لاواعية، بل أيضاً نتاج هيمنة وتشويه للعلاقات بين العلامات من جهة، ومعاني العلامات نفسها من جهة أخرى، فإذا كان الحلم تعبيراً عن «أُمنية» محددة وواضحة «ذاتيّة أو موضوعيّة»، فإن سبيل هذه الأمنية مرتبطٌ بالسياسات التي تحكمنا كبشر، وتكون وعينا الرمزيّ بذاتنا وبالمحيط.

تحضر عملية قراءة الحلم بوصفها محاولات لإيجاد التشابه، بين الألاعيب التي تشكل الحلم، والسياسات التي تنتج الفرد، على فرض أن الأخيرة مسؤولة عن البنيان الرمزي للفرد وتكوينه اللغويّ، فرغباته ورضاه وقلقه... وليدةُ سوء الفهم الذي يحويه العالم، الناتج عن الهيمنة الرمزيّة السياسيّة، التي تكوّن الرغبات وتوجه الجهود الفرديّة بما يخدم هذه السياسات.

بالعودة إلى التشابه، يمكن القول إن حلماً يرى فيه الموظف نفسه وهو يقتل رئيسه في العمل يحمل صيغة منطقيّة، ولا جديّة، كونه لا «ينطق» في الحلم، أي لا تأثير واقعيّ لهذه الأفعال. لكن، أن يجد سمكة تحتسي الشاي من يده الثالثة، لا يبدو «منطقياً»، لكنه قابل للفهم لو استطعنا تكميم وقياس الانحرافات التي تخلقها الألاعيب اللغويّة في الحلم، عن تلك «المفهومة» لنا.

من الممكن أيضاً، أن يكون من يحلم لا «ينطق»، وما يقوله ليس فقط غير جديّ، بل كذلك لا ينتمي لألاعيبنا، وقواعدنا، كالقصائد التي حفظها أبو نواس، ثم نسيها قبل أن يكتب الشعر، هل نعلم ما هي؟ هل أثرها موجود في شعره؟ هل تنتمي لما نعرفه ونتداوله؟

2

تضمن قوانين العمل امتلاك وقت للراحة، عدا أقسى أشكال العبوديّة طبعاً، فالجسد كطاقة إنتاجيّة، بحاجة لزمن لـ «إعادة الشحن»، والذي من المفترض أن يكون زمناً خالياً من «الجهد»، زمناً لا اقتصادياً تتوقف فيه عجلة الإنتاج، لكن البنيان السياسي- الاقتصاديّ للوقت المعاصر، جعل «وقت الفراغ» مساحة للاستثمار، سواء عبر الاستهلاك أو مفاهيم «العطلة»، ما جعل السعي للعطلة أو «اللاعمل» هدف العمل نفسه، فالاستقلال عن زمن وروتين الإنتاج من أجل إيجاد وقت اللعب، تحوّلَ إلى استثمار تستهدفه الإعلانات والممارسات الثقافيّة ليتحول أيضاً إلى زمن خاضع للسياسات الاقتصاديّة.

لكن، هناك دوماً، ساعات النوم، والانعتاق الكليّ من الزمن، ليتحول الجسد إلى «شيء» يتعطل وعيه بالعالم. لحظات السبات هذه أو النوم العميق، هي مساحات الحلم، حيث يتحرر الفرد من الأدوار السياسية واليوميّة، ويتبنى ألاعيبه الخاصة، محققاً رغباته رمزياً وبصورة «غير جديّة»، وأحياناً سابحاً في الخيال. تحقيق الرغبات هذا مرتبط بالتكوين الرمزيّ للفرد ورؤيته لذاته في العالم، وعند الاستيقاظ تبقى بعض الأحلام حاضرة، وتتحول إلى علامات لغوية وبصريّة يمكن تناقلها ومشاركتها.

هذه العلامات وآلية إنتاجها الذاتيةّ والموضوعيّة ضمن الشروط المعاصرة، هي موضوع الفيلم البلجيكي«الحلم في ظل الرأسماليّة» 63 د، للمخرجة الفرنسيّة سوفي برونو، المستوحى من كتاب شارلوت بيراديت رايخ ثالث من أحلام - The Third Reich of dreams.

نسمع في الشريط 12 حلماً على لسان أصحابها، ونشاهد إما لقطات لمساحات العمل المختلفة، أو «الحالمين» بمواجهة الكاميرا يحدثوننا عما رأوه في أحلامهم.

شخصيات الفيلم يعملون في مهن مكتبية وبيروقراطيّة، ينتمون للطبقة الوسطى، وقضوا سنوات في حجراتهم يقومون بالعمل ذاته يومياً، هم أسرى مساحات العمل في المدينة، وتحكمهم التقارير اليوميّة وساعات الإنتاج. هذه «الضوابط» لا تتسلل فقط إلى أوقات فراغهم، بل إلى أحلامهم ذاتها، تعيد تشكيلها وتكوينها، فالفيلم الذي يبدأ ليلاً وينتهي نهاراً، مصوّرٌ في وقت الفراغ، اللاعمل، ملتقطاً المخاوف والهواجس، التي تصيب أولئك الذي نتعامل معهم يومياً، أو يختفون في مكاتبهم مبتسمين، أو بلا تعابير محدقين في شاشاتهم، خاضعين لشروط العمل ومؤدين أدوارهم بدقة وحَرفيّة.

3

يحيل الفيلم في إحدى لقطاته الطويلة إلى تاريخ السينما وعلاقتها مع الأحلام، وسحرية الصور المتحركة الأولى، إذ نشاهد تشابهاً مع أول تسجيل متحرك عُرِضَ علناً، وهو «وصول القطار» الذي صورّه الأخوان لومير عام 1895، ولا يتجاوز طوله الثلاثين ثانيّة، ونشاهد فيه وصول القطار إلى المحطة وهبوط الركاب منه، ويقال إنه حين عرض لأول مرة، تسبب بهروب الناس من الصالة. لكن في لقطة برونو نشاهد (المواطنين) يغادرون المحطة ويدخلونها، البعض يتوجه نحو عمله والبعض يعود منه، وكأن الفيلم يخاطب العلامات التي نمتلكها عن تاريخ السينما، والفزع الذي قد تسببه لنا، إن فاجأتنا بما لا نتوقعه، كما في الأحلام التي لا نصدق أحياناً أننا رأيناها.

مساحة التأويل والتشابه هذه مرتبطة بعلامات الحلم، واختيار المخرجة للقطات المختلفة في الفيلم، سواء كانت العدسة تحدّق في بحيرة أو في شخص يتحدث أو كراج سيارات فارغ، إلى جانب ارتباطها بقدرتي الشخصيّة على ربط العلامات، والتي قد تكون محض مصادفة، كما أن كل واحدة من هذه المستويات من القراءة مرتبطة بمجموعة من الألاعيب اللغويّة المختلفة، المرتبطة بعضها ببعض بما يسمى «التشابه الأسريّ»، الناتج عن التشابهات في طبيعة القواعد، التي يتبناها كل واحد من المنتجين والقرّاء، وكأننا جميعا نحاول إيجاد التشابه بين ألعاب اللاوعي، وما نمتلكه من ألعاب تأويلية.

4

يخلق الفيلم نوعاً من التناقض بين الصورة والكلام المنطوق، إذ نشاهد مساحات فارغة، خالية من النشاط البشريّ، فضاءات (جديّة) مصممة للعمل وتصنيف الموظفين حسب هرميّة القرار، بالمقابل، في الكلام المنطوق، نسمع (لا جديّة) أحلام وكوابيس من يشغلونها في النهار، حيث تُراكَم الجثث وُيعذَّب الأفراد.

السكون في الصورة يخفي قوانين العمل الصارمة والأداء ذا المعايير الكميّة والانضباط التام، أما الصوت فهو انعكاس للهواجس والرغبات الدفينة لأولئك المنضبطين جداً، إذ نسمع عن محاسب، عمل لعشر سنوات في مكتب مزدحم، لا مجال للتأخر فيه، عليه الوصول إلى العمل صباحاً على الوقت، والالتزام بأوقات تسليم الجداول صباحاً وقبل انتهاء الدوام، لكنه في حلمه يصف لنا كيف يقتل مديره الذي يصرخ بوجهه، ويضيف أنه كان يعلم –في الحلم- أنه لا بد أن يقتله كي ينتهي الأمر.

يتضح أكثر التشويه الذي تمارسه الأنظمة الرأسمالية والوظائف المكتبيةّ في حلم يتحدث فيه موظف عن زملائه، الذين تحولوا إلى آكلي لحوم بشر يحاولون التهامه، وهنا يوجد عدد لا متناهٍ من التأويلات المرتبطة بهذا الحلم، كغيره مما يليه من أحلام، والتي نرصد كيف تطارد الهيمنة الوظيفيّة (اللاوعي)، وتنتقل أحياناً إلى (الوعي) لتصبح صورة تحضر دائماً ضمن فضاء العمل، كالتي ترى رجالاً يلتهمون رأسها المفتوح بمعالق طويلة كلما جلست وراء مكتبها، وتحاول تأويل الحلم من منطق أنها تعمل في مجال الاستشارة الاجتماعيّة، فزملاؤها ومراجعوها يلتهمون روحها. وهنا نتلمّس كيف يتسلل تأثير «العمل» والعلامات المرتبطة به إلى «وقت الراحة»، ثم تعود للظهور في «زمن العمل»، وكأن الحدود تلاشت بين الاثنين، لتتداخل ألعاب «الوعي» وضواطبه مع أحلام «اللاوعي» وانفلاتات الرغبة وعلامات تحقيقها.

5

حركة العين السريعة

ندّعي أنه لا يوجد شكل صرف للظاهرة البشريّة، بل أعراض مختلفة لها لا تعكس جوهرها، ويميل البعض نحو إنكار وجود مكونات صرفة للبشري كموضوعة، قادرة على التمايز عن غيرها، وخصوصاً فيما يتعلق بالقدرة على تمييز «اللغة» وإنتاجها واستنساخها، فالحدود التي تكوّنُ وعينا بذاتنا وليدةُ عناصر لغويّة ورمزيّة، دائمة التشكيل، وتميل دوماً نحو «الانغلاق». هذا الميل ينعكس بجهود رمزية ومحاكاتيّة (mimetic) دائمةّ لا تتوقف. هذا اللاكتمال هو محرّك الرغبة، التي تتغير وفق الشروط الموضوعيّة، وتُترجَم إما أثناء الوعي بـ «الجهد» أو ضمن الأحلام التي نسمعها في الفيلم.

تتلاعب الأنظمة الرأسماليّة بهذه الرغبة وشروطها الرمزيّة، ونتبنى كأفراد ألاعيب وشيفرات تنتج وعينا، وتضمن استمرارنا، سواء كانت هذه الألاعيب تنعكس بالانصياع لشروط العمل التي تستنفذ الجسد، أو الرقابة الكميّة على نوعيّة العمل، أو تبني القيم الرمزيّة والخطابيّة للمنتجات الاستهلاكية ووعودها الوهميّة. لكن ضمن فضاء الحلم، تتغير قواعد هذه الرغبة وأشكال تحقيقها، ليبدو السعي نحو الاكتمال ضمن الحلم، انعكاساً لوحشية هذه الشروط، حيث نتحرر من قيود الرغبة الواقعيّة، ونمارس ألاعيب جديدة قد تحقق «الاكتمال» المتخيّل، أو العكس، فقد يمعن الحلم في خلق اللاكتمال، كما تروي لنا إحدى الموظفات في شركة تأمين على العمال، التي حملت في حلمها جثة ضحية حادث عمل معها إلى المنزل ووضعتها على طاولة، متأملة إياها وهي تتحلل وتتفسخ.

يهدد «الإشباع الوهميّ» أو «الاكتمال» دورة الإنتاج الرأسمالية، وهنا تبرز سياساتها الرمزيّة للحفاظ على الرغبّة، والتي قد يفنى الجسد قبل تحقيقها، فالفرد نفسه سلعة قابلة للرمي بعيداً، في حال فقد قدرته الإنتاجيّة أو قيمته الرمزيّة، كالموظفة التي تحلم أنها تُقاد إلى غرفة مغلقة تحوي زملاءها السابقين، هناك، يتم تحويلهم لمومياءات صامتة، لا يمكن لهم العمل أو الحركة أو حتى الموت، هم منفيون خارج دورة الإنتاج، كبطاريات لا أبعاد جديدة لاستخدامها.

تقول إحدى العاملات في السوبر ماركت، أن صوت الطنين يلاحقها دوماً، ذاك الذي نسمعه حينما تقرأ ماكينة البار كود ثمن السلعة. تسَارعُ هذا الطنين مرتبطٌ بالإنتاجيّة، التي كلما ارتفعت، ازداد تسارع الطنين، وتقول لاحقاً، إن هذا الطنين يسكن رأسها، خارج وأثناء العمل، تضبط به إيقاع حياتها، بوصفه المعيار الذي تقيس به جهدها.

أظنّ، أن لكل منا طنينه الخاص، علامة تتسلل للحلم واليقظة، تضبط سرعة الإنتاج والزمن المطلوب، فأنا، الذي يقاس مقدار "جهدي" بعدد الأحرف والكلمات، لي طنين هو عداد الكلمات الصغير على يمين الصفحة، تسارعه والعدد الذي يظهره، يحدد قيمة أجري، ليتحول كل ما حولي إلى كلمات مضبوطة العدد، كم كلمة تكفي للحديث عن كتاب، أو لوحة، أو فيلم، كم كلمة أحتاج إن أردت الذهاب من منزلي إلى المتحف، كم كلمة ثمن هاتف جديد أريد شراءه.