الحنين إلى مذاق اللحم

 

شهد مهرجان روتردام للسينما هذا العام عرض شريط نادي آكلي لحوم البشر (81 دقيقة)، من تأليف وإخراج البرازيلي غوتو بارينتي. يتضحُ من العنوان أن الفيلم ينتقد ويسخر من مفهوم النخبة التي تلتهمُ حرفياً لحومَ الغالبيّة من البشر، وذلك لأجل لذتها/منفعتها الشخصيّة، وكأن الفيلم أقرب لترجمة جماليّة-سينمائيّة لطبيعة عمل الماكينة الرأسماليّة، حيث تحتكر فئة متنفّذة نسبتها 1% شروطَ العمل والحياة، وتحوِّلُ لحمَ «البقيّة»، 99%، إلى سلعة صالحة للالتهام، فهؤلاء المتشابهون، أو الشعب كما في الفيلم، خاضعون لقنوات التشغيل، أجسادهم ليست ملكهم، بل موضوعات للاستهلاك. هم الطاقة الحيويّة التي تقتات عليها الـ 1%.

المخرج البرازيلي غوتو بارينتي

المخرج البرازيلي غوتو بارينتي

يبدأ الفيلم في فيّلا فخمة تطل على الشاطئ في البرازيل، وفيها نرى شاباً يُنظّف المسبح، بحركات روتينيّة مبتذلة، في الوقت ذاته، يتأمّل غيلدا زوجة أوكاتفيو، التي تغوي الشاب، لنراها ليلاً تضاجعه على مرأى من زوجها المتلصص المستمنيّ، وقبيل أن يرتعش الجسدان المتعرّقان، يدخل أوكتافيو بفأس قاتلاً الشاب، ليرتعش هو وزوجته لذّةً ودماءُ الشاب تغطيهما. بعدها نراهما عاريين، يقطّعان الشاب ويطهوانه، ليتحول إلى شرائح لحم منمّقة جاهزة للالتهام.

يمكن قراءة الفيلم بوصفه معادلاً جماليّاً لوحشيّة السياسات الحيويّة الرأسماليّة، وسنختار مشهدين من الفيلم، يتناولان شكلين من «الالتهام»؛ الأول ضمن فضاء السلطة، أي ضمن الشروط التي تخلقها الفئة المتنفّذة، وكأن عمليات صيد الفريسة وتحضير الجسد انعكاسٌ لسياسات توظيف الجسد و«إمكانياته» الإنتاجيّة، التي بالرغم من إشباعها لرغبات «الفرد» كحالة السياسات الرأسماليّة، إلا أنها تهدف إلى إفنائه، فالطاقة الحيويّة التي في الجسد خاضعةٌ لقنوات ماكينة الاقتصاد، التي «تستنزفه» حدّ التهامه من قبل هذه الآلة/الفئة المسيطرة.

الشكل الثاني مرتبطٌ بالالتهام الذي يمارسه الزوجان في بيتهما، أو في قصرهما المعزول، بوصفه فضاءً مؤسساتياً محمّياً، أشبه بمجمّعات العمل المعزولة، التي يدخلها الفرد طمعاً بأمان ما، لينتهي به الأمر مُستنزَفَاً للأقصى، وخاضعاً لسياسات هذا الفضاء الوحشيّة، الذي يورطه في طقوسه، خالقاً وهمَ الأمان والاستقرار والمنفعة الذاتيّة.

الاستعراض فخاً

نكتشف أثناء سير الفيلم أن أوكتافيو جزءٌ من مجموعة نخبويّة تتحكم بالمال والسلطة. هو وأقرانه معزولون في فضائهم، لا تواصل لهم مع العالم الخارجيّ، أما الفئات الأدنى فهم ليسوا إلّا أعداء أو خدماً أو موضوعات فيتشيّة، وكأن أوكتافيو ورفاقه «أسمى» من نظام العلاقات الاجتماعيّة. هم قمةُ الهرم الخفيّة والمتحكمون بأولئك «الأدنى»، أو سكان العالم الثالث كما يدعونهم، وأصحابُ المنفعة النهائيّة من «الجهود» البشريّة، التي تطابق تعريف حنا أرندت للـ «فعل-action» بوصفه مجموعة العلاقات بين البشر التي تتيح لهم «الحياة»، أو الأنشطة الجسديّة الداخليّة التي يمارسها الأفراد ليستمروا ككائنات عضويّة، كالطعام والشراب والتناسل وغيرها.

هذه الفئة السياديّة، تحضر في الفيلم كمجتمع سريّ ذي طقوس خاصة، يردد أفراده شعارات وطنيّة بوصفهم بُناة البرازيل، والمحافظين على قيمها. في الوقت ذاته هم الذين انتهكوا «الفعل» البشريّ، ووجدوا فيه «ربحاً»، عبر تغيير شروط تحقيقه، إذ نراهم في مستودع مهجور، يجلسون جميعاً، لا يراهم أحد، لكنهم يرون بعضهم بعضاً، يُطلّون على حلبة يدخلها شخصان، رجل وامرأة، عاريان، مسلطة عليهم كاميرا، الرجل واقفاً، يرهز المرأة، ويُحكِم ذكره في فرجها. لا استمناء من قبل المتفرجين، والمشاركان في الجماع لا يرون هؤلاء المتفرجين، بل هما يؤديان للكاميرا.

هذه المستويات من المشاهدة والموضوعات المرتبطة بها تعكسُ آلية عمل الهيمنة الرأسمالية، فأولئك المشغولون بـ «الفعل» والملذات المرتبطة به، هم حقيقة ضحايا، إذ وُفِّرتْ لهم شروط الباه، ليستعرضوا مهاراتهم للكاميرا، ويخضعوا لتحديقها مختبرين قدراتهم على الاحتمال/ الاستمتاع، باذلين أقصى الجهد، ليتحول «الفعل» إثر ذلك إلى متعة، محكومة بقوانين الأداء أمام العدسة، وهنا تكمن خدعة الرأسماليّة، أو فصامها، فسياسات الاستعراض، وأن يصبحَ المرء على الشاشة، أصبحت جزءً ضرورياً لتلبية حاجات «حياته». والأهم أن هذه الشكل الفائق لتلبية الحاجات، لا يخدم «استمرار حياة» المؤديّن، ولا حتى من يمارس فعل التحديق، إذ لا أحد وراء الكاميرا في مساحة الإيلاج.

هذا الوهم بالانتفاع وليدُ شروط الحياة المرسومة مسبقاً، التي يتحول ضمنها الفرد إلى سلعة، وهو غافلٌ جرّاء انهماكه في اللذّة التي توفرها هذه الشروط، لكنه غرضٌ ذو هدف آخر، هو موضوعة الالتهام، ومهارات الإيلاج أمام الكاميرا تحوّلُ الفعلَ إلى نشاط استعراضيّ، عبر خدعة تلبي عبرها الرأسمالية رغبات «المستهلك» للأقصى، كي ينتهي به الأمر ميتاً على طبق فئة لا يعرف من هي، فئة خلقت شروط منفعتها، وفي الوقت ذاته تخلق الوهم بأن «الاستعراض» يعني «اللذّة» و«الاستمرار».

قنوات التوظيف وتقنين اللحم

تحضر في الفيلم قنوات أخرى للالتهام، يخضع لها الفرد المعزول والمهمّش عبر مؤسسات قد تحمل خلاصه من وضعيته الحاليّة، أشبه بمعسكرات العمل أو ورشات الإنتاج غير القانونيّة، حيث لا شروط إنسانيّة للعمل. فعامل المسبح الذي قُتل والتُهِمَ في بداية الفيلم، ليس الأول، ولا الأخير، فالزوجان، لديهما نظام توظيف ليدخل الفرد/الوليمة ضمن فضائهما، عبر سلسلة من المقابلات والأوراق البيروقراطية لإيجاد «الفريسة» المناسبة، تلك التي تبحث عن «عمل». إذ يخضع العامل الجديد لفحوص طبيّة، وتؤخذ صوره عاريّاً، ويُمطَر بأسئلة عن «صحته» و«نمط» حياته، ومهنته السابقة، ليتم إنتاجه كموضوعة مُنتجة، كونه سيدخل ضمن مؤسسة تدّعي التكفّل بكل جوانب حياته من طعام ومأوى ومال. هذه المؤسسة تركز على الاحتمالات التي يحويها جسد العامل، بوصفها مساحات للتشغيّل قد لا يدركها هو، كونه لا يدرك الهدف النهائي من تشغيله، والذي لا يعتمد المهارة، بل الملائمة للشروط.

يجتاز العامل الجديد شروط التوظيف، يدخل ضمن «المؤسسة/ الفيلا»، يعيش في غرفة صغيرة، موكلاً إليه عمل بسيط في البداية، جزّ العشب، ثم يوكَّل بحماية المنزل كجزء من الخدعة. يحصل على امتيازات، سلاح، طعام، ومضاجعة غيلدا، لكنه في الوقت ذاته معزولٌ ضمن القصر العاجي، ليتحول لاحقاً إلى أداة لتنفيذ فعل القتل، يتآمر مع أوكتافيو وزوجته، ويشاركهم قتل «المنافسين» من جهة، و«الولائم» من جهة أخرى.

هذا التورط ضمن سياسات «المؤسسة/الفيلا» لا يعني أن العامل لن يكون فريسة، هو غافلٌ عمّا يحدث، ويُشارك في القتل دون أن يعلم أنه موضوعة مستقبلية للالتهام. فأثناء مضاجعته لغيلدا تقوم هي بتجهيز الفخ، عبر وضعيات جنسيّة تتحكمُ بها بجسده المتعرّق. التكوينات الجسديّة بينهما، هي في الوقت ذاته، تمهيدٌ لوضعية الفريسة، فالعامل لا يدرك ما يحدث، و يتبع إيقاع شبقه، لكن بالنسبة لغيلدا وزوجها، لا بدّ من انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض عليه، إلا أن العامل يرفض بعفوية الانصياع لإحدى الوضعيات، دون أن يدرك خطورة الموقف، فرفضه الاعتباطي هذا، خلخل روتين القتل المعتاد، ما جعل أوكتافيو المستمني يُسيء التقدير، ويُخطئ أثناء استخدامه للفأس، الذي ينحرف بضعة سنتميترات، قاتلاً غيلدا عوضاً عن العامل، الذي ينتفض فوراً ، محرراً انتصابه من جسد غيلدا/ الفخ، ليقتل أوكتافيو مباشرة خوفاً على حياته.

نهاية، نرى العامل ناجياً، حيّاً، وملطخاً بالدماء، لكنه الوحيد الذي سيخضع للمساءلة القانونيّة، فعدم الانصياع لسياسات الالتهام يجعله فوراً محطّاً للعقاب إثرَ فشله في تأدية دوره، وكأن النجاة من شروط الالتهام/العمل تجعل الفرد مجرماً، ليغدو محكوماً بالهلاك كيفما تصرّف.

المستعمرة جمالياً

يقترح فريدريك جيمسون في كتابه، ما بعد الحداثة: المنطق الثقافيّ للرأسمالية المتأخرة، أن الأشكال الفنية المختلفة تحمل نوعاً من النوستالجيا إلى شكل وهميّ من العلاقات السياسية والاجتماعيّة، بسبب انهيار سلسلة العلامات التي تشكل التاريخ. من هذا المنطق، نرى أن الفيلم يوظّف الخصائص الجماليّة ليعيدنا إلى تاريخ استعماري ما زال دفيناً ومحركاً للسياسات الرأسماليّة، فالعبيد حينها ضمن مساحات المستعمرات كانوا خاضعين لعنف مباشر، أما الآن، فالمستعمرة أصبحت أرقى، وأكثر خداعاً، وجسد العبد/ العامل، أصبح مفصوماً عن رغباته، هو يُستهلك وتُصقل مهاراته لخدمة «السيد» دون أن يدري ذلك، ليأتي فعل الالتهام كمعادل جماليّ للهيمنة والعنف المباشرين على الجسد.

يضيف جيمسون أن هذا «التاريخ» وهميّ بسبب الأشكال الفنيّة التي أنتجها، فهو ليس منضبطاً بالقواعد، ولا لبقاً أو أنيقاً، هو تاريخ قائم على سلسلة من الانتهاكات المنظمة لجسد الإنسان، أما الأشكال الفنيّة السابقة التي «نَحِنّ» لها، فهي مصممة لتخفي طبيعة الصراع، وتجعل فئة ما تظهر بأنها مثاليّة.

شريط بارينتي يقتبس الفنيّ إلى جانب التاريخيّ ويتلاعب بالعلامات بينهما، كأن نرى رجالاً شديديّ الأناقة والبلاغة، يلتهمون لحماً بشرياً أشرفوا على اختياره وملائمته لشروطهم ثم طهوه. كأجساد العبيد التي كانت تخضع لأشكال «المعاينة» و«الاختبار» ذاتها من أجل العمل المضني في المستعمرة. هذه التقنيات ما زالت مستمرة حتى الآن وإن اختلفَ شكلها، حيث تعمل مؤسسات التشغيل التي تحتكرها فئة محددة، على ترسيخ الاختلاف على أساس «القدرة الجسديّة» و«خصائص المستهلك» بوصفها لمصلحة «العبد/العامل» واستمرار حياته، عبر توظيف لذة الاستهلاك كوسيلة للهيمنة، لتتحول بعدها الفئة الأدنى والمستهلكة إلى «وجبة/ بطاريّة» تُستنزف طاقتها الحيويّة حتى الموت.