الذاتي، النظري، والواقع

 

حين تابعنا تلقي قُرائنا لمواد ملف الجندر، الجنسانية، والسلطة، الذي افتتحناه في الجمهورية، فوجئنا بردود الأفعال التي أتت على مادتين كويرتيين: «أنا الشاذ» و«سيرة متحوّلة هندية مُستعربة». ولم تكن المفاجأة فقط في عدم وجود هجوم كاسح العنف، أو متحيّز سلفاً وجاهز الإجابات عن انصياعنا لـ «ترند» سلعيّ في المواضيع والمباحث التي «تبيع»، ولكن المفاجأة كانت في الردود والتفاعلات الإيجابية التي أبداها القُراء حول المادتين. وإذا حاولنا أن نفهم لماذا، فلن تكفي تفسيراتٌ من قبيل أنها مواد تغوي بالتلصص، أو أنها مواد «غرائبية» عن السائد، تغري بالتفرد والتمايز حين مناصرتها على شبكات التواصل الاجتماعي، أو أنه رواج أدب الشهادات في العالم وفي منطقتنا حالياً، أو أن جمالية اللغة في مادة «سيرة متحولة هندية» وشحنة العاطفة والصدق العالية لمادة «أنا الشاذ»، لا تتركان القارئ حيادياً.

في الواقع، نجد أحد عناصر الإجابة في المادة النسوية المترجمة «النسوية، الماركسية، المنهج، والدولة: أجندة للعمل النظري»:

الشخصي هو السياسي ليس بتشبيه ولا رمز ولا مقارنة، ولا يعني أن ما يحدث في الحياة الخاصة شبيه أو يقارن بما يحدث في الفضاء العام….. ما يعنيه هو أن تجربة النساء الخاصة تحدث في ذلك الفضاء الذي تم تصنيفه اجتماعياً بصفته شخصياً-خاصاً، عاطفياً، داخلياً، محدداً، فردياً، حميماً – بما يجعل من معرفة سياسة الوضع النسائي مساوياً لمعرفة الحيوات الخاصة للنساء.

بالنسبة للنسوية، الشخصي هو إبستمولوجياً السياسي، وإبستمولوجيا الشخصي هي سياسته. النسوية بهذا المعنى هي التنظير لوجهة نظر النساء….. لا تستملك النسوية منهجاً موجوداً سلفاً، كالمنهج العلمي، فتقوم بتطبيقه على فضاء جديد من المجتمع لتكشف طبيعته السياسة الموجودة سلفاً. رفع الوعي لا يقتصر فقط على معرفة أشياء مختلفة بوصفها سياسة، لكنه يعني التعرف عليها بطريقة مختلفة. تجربة النساء للسياسة، للحياة كأدوات جنسية، تُفسح المجال لمنهج محدد في تملّك الواقع: المنهج النسوي.

بعد تشييئهن ككائنات جنسية ووصمهن في الوقت نفسه كشخصيات محكومة بالعواطف اللاموضوعية، ترفض النساء التمييز بين الفاعل العالم والشيء المعلوم – التقسيم بين الذاتي والموضوعي، بصفته الوسيلة لفهم الحياة الاجتماعية. بعد أن آذتها الموضوعية، فباتت فريستها، ولُفظت خارج عالمها بوصفها كائناً محكوماً بذاتيته الداخلية، تقبع مصلحة المرأة في الانقلاب على التمييز بين الموضوعي والذاتي بحد ذاته. من خلال التقدم عبر التحليل كما عبر التضمين في الوقت نفسه، يبدو رفع الوعي وكأنه التعبير عن منطق سليم وعن تصور نقدي للمفاهيم. بأخذها المشاعر المتجسدة كما التفاصيل العادية المشتركة بصفتها مادة للتحليل السياسي، تكتشف النسوية المساحات الأكثر تأذياً، الأكثر تلويثاً، ولكن أيضاً الأكثر خصوصيةً والأكثر حميميةً ومعرفةً، فتعيد استملاكها. هذه العملية يمكن وصفها بـ«التجربة الداخلية الجماعية والعطوفة لبناء نظام حسب ضرورته الداخلية» والتي تشكل في الوقت عينه استراتيجية تفكيك هذا النظام أيضاً.

في حالتنا، نحن السوريون المتأذون والمفعول بنا، والذين تتم موضعتنا ويتم تشييئنا وإدراكنا، دون أن نكون فاعلين ومدرِكين، وليس فقط مدرَكين من قبل سلطات متعددة الأوجه محلية وغير محلية، قد نكون جاهزين لتمثل هذا الباردايم النِسوي، حيث التجربة الذاتية هي منظار الواقع وغير منفصلة عنه، حيث حيوات الناس في أجزائها الأكثر حميمية هي موطن السياسي والعام. بهذا المعنى، نفهم تلقي المواد الكويرية التي أتينا على ذكرها، والتي نفخر بها وبتلقيها. وبهذا المعنى يكون التصور الذي صممه كرم نشار لفتح هكذا مباحث تصوراً ناجحاً، حيث تعادلت المواد الكويرية مع المواد النسوية الأكثر تقليدية، وحيث نجد الإجابة عن سؤال في إحداها في متن مادة أخرى.

وبالمنظور ذاته، الذي يوّحد الموضوعي والذاتي والسياسي، يمكننا أن نعيد قراءة مادة سمر يزبك «مسارح قتل السيئات»، التي تحكي السياسة الصرفة التي نعيشها حالياً بمادة هي لحمُ ودمُ «السيئات» المقتولات والمنكّل والمشهّر بهنّ... إلخ. كما تأتي مادة لمى أبو عودة الأخيرة لتكلل تزاوج النظري والمُعاش، فهي تقول في شرح عنوان المادة «ستصبحين أنت الرجل لا أنا»، إنه جملة مقتبسة من كتاب عزة شرارة بيضون: العنف الأسري، رجال متكلمون، الذي يتيح المجال أمام رجال مُعنِّفين لزوجاتهم للكلام عن أنفسهم وعن ممارستهم للعنف. النظريُّ في هذه المادة لا يمكن إلا تمثّله كماء يروي ويغذي ويوضح المُعاش.

نفتقد هنا مواد بوح ذاتية للنساء، حول معاشاتهم الجنسية وليس الجنسانية الاجتماعية فحسب. نعتقد أن العلوم النفسانية استحوذت نوعاً ما على هذا الجانب في الفضاء الناطق بالعربية، وينقصنا التعمق في روي التجارب لنعرف أكثر عن تداخل حيّز الرغبة بالحيّز الاجتماعي. هل صحيح فعلاً أن المرأة على العموم في ثقافتنا لا تبلغ رضاها الجنسي إلا من خلال كونها موضوع رغبة الرجل، أو أن المرأة على العموم غير موجودة لأنها حتى حين تتحرر لتمارس جنسانيتها فإنها تمارسها كتشييء لنفسها، هل تستمتع المرأة بالتشييء ولو مؤقتاً، وهي غير موجودة خارجه؟ على العموم هذا ما يقوله التحليل النفسي الفرويدي، ويتبدى لنا هذا القول كترسيمة مترسخة مغرقة في القدم، ولكن هل يمكن أن ندركها ونفككها: ما هو استمتاع المرأة خارج رغبة الرجل الفيتشية بها؟ ولماذا لا يتم توصيف استمتاع ورغبة المرأة كموضوع فيتيشي محدد؟ لماذا يتم التحدث دائماً عن كلٍّ غير متمايزِ الأجزاء في رغبات المرأة الغائمة؟ ماهي فاعليتها الجنسية الحقيقية؟ قد تكون المقارنات مع حيّز الرغبة في الفضاء المثلي مفيدة في هذا الإطار.    

حرصنا كذلك في تصورنا التحريري للملف ألا نغلّب كفة المحلي والثقافوي، الذي كثيراً ما يندرج تحت عناوين تحررية أو تحت عناوين الفاعلية «آجنسي»، على كفة منظور تحرري نسوي كوني، لأننا نرى أن جعل المحلي والثقافي «طوطماً يتم تقديسه ويعادي كل ما هو غربي بشكل منهجي، فيه كثيرٌ من الانتقاص من مكامن النزوع إلى كونية إنسانية». هكذا قرأنا المقابلة الافتتاحية التي أجريناها مع المؤرخة التونسية الفرنسية صوفي بسيس، والتي ترى أن كثيراً من محاباة اليسار الغربي للأشكال الثقافية المُقيِّدة للحريات، شديدة المحلية عندنا، هي في عمقها عنصرية مقلوبة. ضمن هذا الخط كنا أوفياء لأهدافنا في نقد كل البنى التسلطية، بما فيها البنى الإيديولوجية أو المعرفية التسلطية، ولو بدت صديقة وغير تسلطية.

ولكننا افتقدنا كذلك ضمن هذه الثنائية مواداً، نأمل أن يحفّز ملفنا على إنتاجها، تتعلق بالنسوية والإسلام، في حال اعتبرنا أن الإسلام هو عنصرنا الثقافي المحلي الأكبر. والسجال هنا، وفي الظروف الراهنة، قد يتجاوز الأدبيات المعروفة التي تتناول ما قدّمه الإسلام من مساواة للمرأة، أو ما كان مجحفاً فيه بحقها تاريخياً، أو التي تسعى إلى توليف النصوص والاجتهادات الدينية مع النسوية. الإسلام الذي يعبر القارات في مسارات المهاجرين واللاجئين المهجرين، يصبح أقلية في ترسيمة الهيمنة والسلطوية في بلدان اللجوء، وبالتالي عنصراً هوياتياً ينبغي إبرازه في منطق مقاومة التسلط. كيف تعيش النساء هذا التناقض؟ أو لنقل التفاعل، بين عدة مناطق متضاربة للتسلط: التسلط الرمزي وأحياناً الفوقي أو العنصري  للمجتمع أو الثقافة المضيفة، والتسلط الذكوري للثقافة الأصلية، ثقافة المجتمع المهروب منه، ويتصارع فيها مرة أخرى منطقا الثقافوي والمحلي.

أضاءت المادة المترجمة إلى العربية لأول مرّة، «نساء بشوارب ورجال بلا لحى» لآفسانه نجم أبادي، على علاقة التاريخ الجنساني بالتاريخ الوطني الحديث في إيران، ونعتقد أنه مبحث يحتاج إلى تعميق في الدراسات العربية، وفي الدراسات التي تخص منطقتنا المشرقية على وجه الخصوص. وتبدو المنهجية التي اتبعتها الباحثة في هذا التأريخ ملفتة وملهمة في آن معاً، إذ أنها لاحقت مدونات غير كتابية، ولاحقت المتون البصرية والمنمنمات الفارسية التي سبقت العصر الحديث.

كذلك حضرت العلاقة بين الهوية الجنوسية والحدث السياسي العام في الملف، كما رأينا في مادة «ذكورة متعسكرة في لبنان»، التي تحدثت عن تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية وارتباط الهوية الجندرية الذكورية لجيل أو جيلين بالحرب والسلاح. وهو ما قد تم تناوله في الدراسات عن تركيا على سبيل المثال، ونذكر هنا كتاب ازحف ازحف ستصبح رجلاً، للاجتماعية والنسوية التركية بينار سيليك1، الذي تناول تأسيس الدولة الأتاتوركية ودور الجيش الأساسي في تأسيس هوية جنوسية ذكورية مرتبطة به وبتأدية الخدمة الإلزامية.

نحتاج إلى مقاربات كهذه عن الهويات الجنوسية الاجتماعية والطفرات التي طرأت عليها في ظل الحرب والنزوح السوريين، نحتاج أن نفهم أكثر كيف انكسرت الهوية المذكرة (ولا أقصد الذكورية بالمعنى التسلطي) الاجتماعية في مجتمعات اللجوء السوري، وهل هذا الانكسار إيجابي على طريق كسر التسلط بالضرورة؟ أم أنه أحد أوجه التمزقات المجتمعية التي طالت السوريين؟

أما اللغة، ذلك النسغ الذي لا يمكن فصله عن أي شيء في العلوم الاجتماعية وفي دراسات تتناول تمثيلات وتصورات ذهنية، فقد كان لها الحضور الأكبر في مواد الملف على مستويات عدة. منها مادتي حول  «اللغة والجنسانية»، والتي أشارت بشكل مقتضب ومباشر إلى الأدائية اللغوية كعنصر مهم، يعكس ويعزز في آن معاً الدور الجنوسي والجنساني. غير أن اللغة كانت حاضرة وبقوة في كل المواد؛ في عنوان «أنا الشاذ»، الذي يرمي أمامنا عنف التمثيلات اللغوية عن الجنسانية والحيوات والخيارات الجنسية في بلادنا؛ وفي مسار رحلة «المتحولة الهندية» المواكب لمسار تمثّل وإتقان اللغة العربية، وهو المسار الذي فاجأنا، نحن الناطقون بالعربية، في عرضه لمكنونات لساننا وسعته وشاعريته حين تتعلق الدلالات بالجنسانية.

مستوى آخر للغة برز في الملف، تقني وفكري في آن، متعلق بالترجمة هذه المرة، ولكن ليس بصفتها عملية أدواتية فحسب، ولكن بصفتها إضافة معرفية للمبحث. بهذا المعنى لا يمكن مقاومة الاقتباس من مقدمة المترجم ياسر الزيات:

لا تنبع خياراتي تماماً من حرص المترجم داخلي لكن أيضاً من غواية الخائن، أو لنقل الرغبة في قطع حبل المشيمة مع المصطلحات الأجنبية الأم والدفاع عن الجدارة الإبستمولوجية للعربية وأهلها. ليس ضرورياً أن تعني الجنوسة حرفياً جندر gender أو الجنوسي جندرد gendered كما تعني الدولة state أو الشبكة network، فالمفردات و«نظرياتها» تخسر وتكسب دوماً حين تسافر من لغة إلى لغة، ولعل التعريب لا يكون سيئاً وجيداً إلا بقدر أثره في توسيع أو تضييق الفلسفة.

وكتحية لجهده في الترجمة، تبنيتُ مقترحات ياسر الزيات في مقالي هذا.

وأخيراً، لا... لم يكن هذا الملف انصياعاً لمواد «تبيع»، بل كان محاولة للقول إن تحطيم اللغة الخشبية مفرّغة المعنى التي تغربنا عن أنفسنا في ذهان جمعي، يبدأ بقول ومعرفة أشد الحيّزات حميمية، بقول أجسادنا التي كانت مادة أشلاء وتشويه وموت وجَلد.

  • 1. يمكن الاطلاع على حوار للكاتبة مع بينار سيليك، عن النسوية والسياسة والعنف، على هذا الرابط.