الرأسمال والأيديولوجيا: مقابلة مع توما بيكيتي

 

توما بيكتي اقتصادي فرنسي، مدير دراسات في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في باريس. وهو واحد من قلة من الاقتصاديين ممن يقومون في الوقت نفسه بدور المثقف العام، ويستعيد بعضاً من التقاليد القتالية للمثقف في فرنسا.

تُضيء هذه المقابلة جوانب من تفكيره، وما دفعني لترجمتها بالتحديد نقطتان: ما يقوله عن صعود سياسات الهوية والحدود بفعل تطبيع النظام الاقتصادي الرأسمالي واعتبار تغيّره أمراً خارج النقاش، وهو ما يجرّ بالمقابل إلى قضايا الهجرة والحدود؛ ثم فكرة الاشتراكية التشاركية التي تبدو هنا متمركزة أوروبياً، لكنها تبقى طرحاً شجاعاً كمدخل إلى استعادة الاجتماعية ذاتها التي عملت رأسمالية ما بعد الشيوعية على تقويضها. كانت مارغريت تاتشر تقول إنه ليس هناك مجتمع، هناك أفراد فقط. الاشتراكية في تصوري هي تمام الاجتماعية، المجتمع الذي تتحقق فيه أعلى درجات الحرية والمساواة في آن، على ما بين التطلُّعين من تناقض. ورغم أن ما يحول دون الاجتماعية في بلد مثل بلدنا هو خصخصة الدولة، وأن تأميم الدولة (واستعادة الجمهورية) هو أول اجتماعية وطنية سورية، فإن من شأن صعود فكر اشتراكي متجدد أن يكون أرضية لاستعادة المبادرة لاجتماعيِّين جدد، يفكرون في الديمقراطية والاشتراكية كتحقق للمجتمع، وليس كتطبيق من فوقه لقواعد مسبقة.

نُشرت المقابلة في 23 كانون الأول (ديسمبر) 2020 على موقع سوشل يوروب الإلكتروني.

*****

يحكي توما بيكيتي لروبن ولسون كيف أنه يمكن نقل الثروة والسلطة من الرأسمال إلى العمّال والمواطنين.

إن كان من شيء واحد جعلك مشهوراً في كتابك الرأسمال في القرن الحادي والعشرين فهو المتراجحة r أكبر من g، أي حيث تراكم الربح المفرط - ومنه عائدات حملة الأسهم وكبار المديرين التنفيذيين للشركات - يفوق النمو الاقتصادي على نحو مُفضٍ إلى ارتفاع اللامساواة في العقود الأخيرة. تعديل هذه اللامساواة يقتضي فرض ضرائب ثقيلة على الأرصدة الرأسمالية كما على الدخول العالية. غير أن كتابك الأحدث، الرأسمال والأيديولوجيا يثير مسألة إخفاق الدول-الأمم في مجاراة الثروة بوصفها عابرة للأمم في ظل العولمة، أو حتى في تجميع المعطيات الخاصة بتنقّل الثروة عبر الدول. فما الذي يتعين القيام به؟

علينا أن نعاود التفكير في طريقة تنظيم العولمة. التدفق الحر للرأسمال لم يهبط من السماء، لقد خلقناه نحن. وقد جرى تنظيمه عبر معاهدات دولية وعلينا أن نعيد كتابة هذه المعاهدات. ليس دوران الاستثمار بين الدول بالأمر السيء بحد ذاته، بالطبع، إلا أنه يجب أن يجري مع توصيل تلقائي للمعلومات بشأن من يملك ماذا من أموال الاستثمار وأين [هي هذه الأموال]. يجب كذلك أن يجري هذا مع نظام ضريبي جامع، بحيث يقع على عاتق الفاعلين الاقتصاديين الأقوى والأكثر تنقلاً الإسهام في الخير العام، على الأقل بنسبة من ثرواتهم ودخولهم تعادل مساهمة الطبقة الوسطى والفئات الاجتماعية الاقتصادية الدنيا.

وإلا نكون قد أقمنا نظاماً بالغ الخطورة، يشعر فيه قسم كبير جداً من السكان بأنهم لا يجنون شيئاً من العولمة، ولا من الاندماج الأوروبي بخاصة، وأن من يشغلون المواقع العليا في الشركات الكبرى أو أصحاب الدخول العالية يحصلون على الكثير - لأن النظام مصمَّم على نحو يتيح لهم نقل ثروتهم نحو نظام قضائي آخر بكبسة زر، ولا يستطيع أحد تعقبهم. لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك.

لدينا نظام قانوني دولي معقدا جداً، بخاصة في أوروبا؛ نظام ييسّر لك أن تُراكم ثروة باستخدام البنية التحتية العامة في البلد، ومنها النظام التعليمي وكل شيء آخر، ثم تذهب إلى بلد آخر، دون أن يكون ثمة ما يسمح بتعقبك. هذا يجب أن يتغير.

لقد صَوتُّ بنعم في الاستفتاء على معاهدة ماسترخت عام 1992. كنتُ وقتها شاباً، لكني كنتُ واحداً من كثيرين ممن لم يدركوا في ذلك الوقت أن من شأن تلك المعاهدة أن تأخذنا نحو نظام جائر بقدر كبير. كان هناك [بالمقابل] من أدركو جيداً ما كانوا يدفعون باتجاهه: المزيد من المنافسة بين البلدان، بحيث تجتهد كل منها لتصير «أكفأ»، فلا تفرض كثيراً من الضرائب.

يمكنني فهم هذه الحجّة بقدر ما. هذا باستثناء أن ذلك يمثل في نهاية المطاف عدم ثقة بالديمقراطية؛ محاولة للالتفاف على الخيارات الديمقراطية عن طريق فرض قواعد لعب من أجل أن تعود عليهم بضروب من المكاسب التوزيعية، أساساً عبر تيسير تفادي الضرائب على الفاعلين الاقتصاديين الأقوى والأكثر تنقلاً [بين البلدان]. هذا خيار بالغ الخطورة على العولمة وعلى الديمقراطية، وهو يضع عقدنا الاجتماعي الأساسي تحت تهديد خطر جداً.

دعنا نركز على الاتحاد الأوروبي. نحن في مواجهة سباق نحو القعر في مجال الضرائب التي تدفعها الشركات في أوروبا. فهناك دول تتّبع مقاربات تجرّد دولاً أخرى من أوراق القوة، بدل التعاون معاً لمضاهاة قوة الرأسمال. من سمات المعمار الراهن للاتحاد الأوروبي الذي ألمحت إليه قاعدة الإجماع، والتي تحول إلى اليوم دون العمل على مستوى الاتحاد لقَلب السباق نحو القعر. ترى، كيف يمكن قلب هذا المسار الانحداري؟

ليس لنا أن ننتظر الإجماع كي يغير قاعدة الإجماع. ينبغي عند لحظة ما أن تكون لدينا مجموعة جزئية من دول الاتحاد، تشمل في الحالة المثلى البلدان الأكبر: ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، أسبانيا؛ أكبر عدد ممكن من البلدان التي تقرر أن توقع معاهدة جديدة فيما بينها تأخذ بموجبها بقاعدة الأكثرية بخصوص عدد من القرارات الضريبية: إنشاء ضريبة مشتركة على أرباح الشركات الكبرى، على انبعاثات الكربون، على الدخول العليا، وعلى المكلّفين الضريبيين من أصحاب الثروات الكبرى.

هذا يتحقق عبر قاعدة الأكثرية بين هذه البلدان. مثالياً، أود أن يتحقق ذلك من خلال مجلس أوروبي جديد مكون من أعضاء في البرلمانات الوطنية؛ شيء يشبه المجلس البرلماني الألماني-الفرنسي الذي أنشئ العام الماضي كأحد أوجه المعاهدة الثنائية بين فرنسا وألمانيا. المعاهدة تُظهر بالمناسبة أن من الممكن تماماً لبلدين أو أكثر أن يبقيا ضمن الاتحاد الأوروبي، وأن تجمعها معاهدة ثنائية أو ثلاثية أو متعددة الأطراف، بغرض إنشاء تعاون بين بلدان تريد السير قدماً نحو مزيد من التكامل السياسي والضريبي.

إني آمَلُ بقوة أن تضع مجموعة جزئية من البلدان هذا الاقتراح على طاولة التداول، بل وأن تمضي إلى حد القول: أوكي، خلال ستة شهور من اليوم أو اثني عشر شهراً سيصبح هذا نافذاً، وبناءً على قاعدة الأكثرية ستكون لدينا عملية صنع قرارات من أجل خطة تعافٍ ونظام ضريبي جامع… إلخ. آمَلُ بقوة أن أكثر البلدان السبعة وعشرين - التي هي اليوم أعضاء في الاتحاد - ستنضم إلى هذه الآلية، إلا أن المرجّح أن تختار بعض البلدان، ولبضع سنوات على الأقل، البقاء خارج الآلية.

هذا ما جرى بعد إدخال اليورو. لا أقول إنه عظيم، وما يزال تفضيلي أن تكون البلدان السبعة وعشرين كلها مشاركة في عملية التكامل بكاملها. أؤثر كذلك أن ترجع بريطانيا إلى الاتحاد، وأعتقد أن هذا سيحدث يوماً ما. لكن إن كنا سننتظر حتى تقرر كل البلدان أن توافق قبل التحرك في هذا الاتجاه، فسننتظر إلى الأبد. ولذلك من المهم جداً أن تشق الطريق مجموعة من البلدان. الانتظار الدائم للإجماع من أجل السير قدماً سيكون باهظ الكلفة.

لقد رأينا ذلك مؤخراً فيما خص خطة التعافي التي جرى اعتمادها في النهاية. لكن نعلم أن ذلك جرى تحت وطأة التهديد باتفاقية منفصلة بين 25 بلداً، وليس 27، إن استخدمت بعض البلدان الفيتو [على ما تسمح به قاعدة الإجماع]. لا يمكن حكم اتحاد كبير إلى الأبد على هذا النحو. هذه الطريقة لا تجدي لأنها تستهلك بالفعل كثيراً من الوقت.

فإذا قررنا خلال ثلاثة شهور، أو ستة، أن خطة التعافي كانت صغيرة جداً، وهو ما يُرجَّح أنه واقع الحال، فماذا سيكون علينا أن نفعل؟ هل سنلعب اللعبة نفسها من جديد، فارِضين الإجماع خلف أبواب مغلقة دون مداولات برلمانية عامة، ودون آلية صنع قرار بالأكثرية؟ علينا أن نتحول نحو شيء مغاير.

في الرأسمال والأيديولوجيا ترسم صورة غير متساهلة عن تطور الاتحاد الأوروبي، تصوّر الكيان شبه الفيدرالي بوصفه الوحيد في العالم الذي يعرّف نفسه بلغة ضيقة تتصل بتسوية إجراءت السوق، وليس بالسياسة الاجتماعية أو بالجماعة السياسية. وتقول إن هذا مما غذى الاغتراب عن المشروع الأوروبي بين «الطبقات الشعبية» [بالفرنسية في الأصل الانكليزي les classes populaires]، التي لما تُخاطَب تطلعاتُها الاجتماعية السياسية، على ما أظهر الاستفتاء من أجل البْريكزت [خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي]، والهزائم المبكرة في الاستفتاء على الدستور المقترح للاتحاد الأوروبي، أو كذلك الجدال بشأن معاهدة ماسترخت التي ذكرتها فوق. كيف يمكن للمواطن أن يثق بإعادة بناء أوروبا؟

دعني أقل بدايةً أني فيدرالي أوروبي، مؤمن بأوروبا. من المهم قبل وصف كل ما ينبغي تحسينه أن نتذكر أن الدول-الأمم الأوروبية كانت قادرة - بعد الحرب العالمية الثانية بخاصة - على بناء أفضل نظام أمان اجتماعي في العالم، وأقل نظام سوق اجتماعي تفاوتاً في العالم. لست هنا لأقول إن كل شيء سيء في أوروبا، فهذا مثير للسخرية. لقد بنينا نظاماً اجتماعياً هو بقدر طيب الأقل لامساواة في التاريخ، وهذا إنجاز هائل. إلا أن هذا الإنجاز هش.

لوقت طويل فكرنا أن من الممكن أن تكون لدينا دولة رفاه في كل دولة-أمة، وأن الاتحاد الأوروبي سيتولى فرض السوق المشتركة والتدفق الحر للسلع والخدمات والرأسمال. ندرك اليوم أن هذا غير كاف، وأنه إن لم تنسجم التشريعات الضريبية، وبصورة أعم إن لم نَحُز سياسة عامة مشتركة لضبط الرأسمالية وتقليص اللامساواة، فعندها نجازف بالفعل في أن يفضي الطلاق بين المشروع الأوروبي والطبقات الشعبية إلى تدمير المشروع ذاته يوماً ما.

إني مصدوم بحقيقة عَرضتُها في الرأسمال والأيديولوجيا، حقيقة أنه من استفتاء إلى آخر، في بريطانيا وفي فرنسا وفي الدنمارك، وحيثما جرى استفتاء في أوروبا، فإن 50% أو 60% من الأصوات الخاصة بشرائح الدخل أو الثروة أو التعليم الأدنى تذهب ضد أوروبا، فيما تذهب أصوات الشرائح العليا التي تبلغ 10% أو 20% أو 30% لأوروبا. لا يمكن لذلك أن يكون مصادفة.

وليس إلا خطأً شَرحُ ذلك بأن 50% أو 60% من القابعين في القاع قوميون أو لا يستسيغون الأفكار الأممية. ثمة أمثلة متعددة في التاريخ على تميّز فئات اجتماعية اقتصادية غارمة بأفكار أممية أكثر من النخبة [الغانمة]. يتعلق الأمر بالأحرى بالمشروع السياسي المطروح؛ بالتعبئة السياسة حول الأفكار الأممية. المشكلة أن المشروع الأوروبي يُرى كلما مرّ الزمن كمشروع مبني حول مصالح الفاعلين الاقتصاديين الأقوى والأقدر على التنقل والحركة. هذا خطر جداً بالفعل.

لدينا فرصة مع أزمة كوفيد لأن نحاول أن نُظهِر للرأي العام في أوروبا أن مشروع أوروبا يقوم على تقليص اللامساواة. بيد أن هذا يقتضي تغيراً عميقاً في سُبُل توجيه الاقتصاد والسياسة الضريبية. من سيسدّد الدين العام الضخم؟ إننا نضع كل شيء على ورقة توازن الحسابات الخاصة بالمصرف المركزي الأوروبي، لكن سيتعين علينا يوماً أن نناقش في شأن من سيدفع. ثمة حلول، وهي تأتي في واقع الأمر من تاريخ أوروبا بالذات. دعني أذكّرك بأنه بعد الحرب العالمية الثانية، في خمسينات القرن الماضي، ابتكرت بضعة بلدان - ومنها بصورة خاصة ألمانيا - طرقاً مستحدثة لتقليص الدين العام الضخم، بما في ذلك ضريبة تصاعدية على الأفراد الأثرياء.

في عام 1952 أدخلت ألمانيا ضريبة ثروة بالغة الطموح والاستثنائية والتصاعد، طُبّقت بين 1952 والستينات، وتَعيّنَ وفقاً لها على المكلفين الأثرياء أن يدفعوا مبالغ كبيرة من المال للخزانة الألمانية. كان ذلك إجراءً ناجحاً من حيث تقليص الضريبة للدين العام وتغذيتها للاستثمار العام والبنية التحتية العامة، وكانت جزءاً من النموذج التنموي الناجح لما بعد الحرب.

علينا أن نجد شيئاً مشابهاً في المستقبل، إلا أنه لا يمكننا فعل ذلك وحدنا. لا يمكن أن يقتصر الأمر على ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا. سيتوجب علينا أن نحوز سياسة ضريبية جامعة. على أوروبا أن تُظهر لمواطنيها أن أوروبا تعني التضامن. يمكن لأوروبا أن تعني مطالبة بالمزيد من أولئك الذين يملكون الكثير، وبخاصة الأثرياء ممن يملكون أكثر من مليون أو مليوني يورو في أرصدتهم المصرفية. على مساهمات هؤلاء أن تكون استثنائية في السنوات القادمة، من أجل تسديد بعض من الدين الذي تراكم بسبب كوفيد. لقد وُضعت بعض الاقتراحات على الطاولة في عدة بلدان، بما فيها ألمانيا، شيء يماثل ما مُورِسَ فعلاً فيها عام 1952 وكان نجاحاً كبيراً في حينه.

يوماً ما سيتوجب علينا أن نضيف ذلك إلى المداولات العالمية عبر مجلس أوروبي كالذي وصفته فوق؛ مجلس يضم ألمانيا وفرنسا، وسيكون أفضل إذا ضم إليهما إيطاليا وأسبانيا وبلجيكا وأكبر عدد ممكن من البلدان الأخرى. عبر هذا المجلس، علينا أن نغير مسار أوروبا كي نُقنع الطبقة الوسطى والفئات الاجتماعية الاقتصادية الدنيا أن أوروبا يمكن أن تفعل شيئاً من أجلهم، وأن المشروع الأوروبي يعمل على تقليص اللامساواة وليس فقط تلبية مصالح المواطنين الأغنى.

لمواصلة النقطة الخاصة بـ«الطبقات الشعبية» [بالفرنسية دوماً، حيثما ورد هذا التعبير]، تُقدم في الرأسمال والأيديولوجيا خطوطاً بيانية لافتة، تُظهِر أن القاعدة الداعمة لأحزاب اليسار في أوروبا - وكانت تاريخياً ضمن هذه الطبقات، تحولت بصورة درامية في العقود الأخيرة، بحيث صارت هذه الأحزاب تمثل الأحسن تعليماً وإلى حد ما الأيسر حالاً في أوروبا. ثم تقول بينما تتكلم على ذلك أن ما تسميه السياسات «الطبقية» في الماضي تجازف بأن تستبدلها سياسات الهوية للحركات الأصلانية nativist في أوروبا اليوم. كيف أمكن لتحول درامي كهذا أن يحدث، وهل يمكن تصحيحه؟

القسم الأكبر من شرح ذلك يتصل بحقيقة أننا توقفنا عن مناقشة تحولات النظام الاقتصادي. توقفنا عن مناقشة سبل تقليص اللامساواة بين الطبقات الاجتماعية. طوال عقود ونحن نقول للعموم أن هناك نظاماً اقتصادياً واحداً ممكناً وسياسية اقتصادية واحدة كذلك، وأن الحكومات لا تستطيع فعلياً القيام بأي شيء لتغيير توزيع الدخل والثروة بين الطبقات الاجتماعية، وأن الشيء الوحيد الذي يمكن للحكومات القيام به ضبط الحدود وضبط الهوية. 

علينا ألا نتفاجأ بالتالي من أنه، بعد 20 أو 30 عاماً من ذلك، تدور كل المحادثة السياسية حول الحدود والهوية. هذا من عواقب توقفنا بقدر كبير عن مناقشة التحول في النظام الاقتصادي. وهو يعود جزئياً إلى الإخفاق التاريخي المهول للشيوعية؛ الإخفاق الذي أسهم في ضرب من انقشاع عام لفكرة تغيير النظام الاقتصادي. كنت في الثامنة عشرة حين سقط جدار برلين عام 1989، وأتذكر أني في التسعينات كنت على ولاء للسوق أكثر مما أنا اليوم، ولذلك يمكنني أن أفهم جيداً الشعور الذي انتشر بعد سقوط الشيوعية.

ولا يقتصر الأمر على المبالغة في ذلك [الولاء للسوق وغياب النقاش حول تغيرات النظام الاقتصادي]. فقد نسينا كذلك الإنجازات المتعددة للديمقراطية الاجتماعية، بما فيها ضرائب تصاعدية على الدخل والثروة، وبما فيها مشاركة العمال في قرارات الشركات، وبما فيها نظم الأمان الاجتماعي. هذا النجاح الكبير في القرن العشرين يمكن الذهاب به أبعد في المستقبل. النقاش الذي نحتاجه اليوم يتصل بتفكير جديد في شكل جديد للنظام الاقتصادي، شكل أكثر إنصافاً وأكثر استدامة. 

تختم الكتاب بنسختك الخاصة من البديل الذي تسميه «الاشتراكية التشاركية». يشمل هذا البديل نظاماً ضريبياً تصاعدياً على كل ثروة، على أن تذهب عائدات هذا النظام الضريبي بحسبك إلى منحة لكل من عمره 25 عاماً، وكذلك تعميم ترتيبات المشاركة في قرارات الشركات - الجارية في ألمانيا - إلى دول أخرى من أجل تغيير ميزان القوى مع الشركات. تقول إن من شأن ذلك أن يكون سبيلاً لتجاوز الرأسمالية دون تكرار الكابوس السوفييتي، فهل يمكنك في نهاية هذه المقابلة أن تتوسع في ذلك؟

يفضل البعض تسمية نظام الاشتراكية التشاركية الذي وصفته في نهاية الرأسمال والأيديولوجيا بالاشتراكية الديمقراطية للقرن الحادي والعشرين. ليس لدي مشكلة مع هذا، غير أني أفضل الكلام على اشتراكية تشاركية. عملياً هذا استمرار لما جرى في القرن العشرين وكان ناجحاً، وهو يشمل نفاذاً متساوياً إلى التعليم والصحة، ونظام دخل أساسي مما هو مطبق حالياً بقدر ما، لكن بحاجة إلى جعله تلقائياً أكثر. يتعين أن تصير المساواة التعليمية واقعاً متحققاً، وليس شأناً نظرياً كما هو الحال في الغالب اليوم.

أما فيما يخص نظام الملكية، وقد كان دوماً في قلب النقاش حول الاشتراكية والرأسمالية، فما اقترحته يرتكز على عمودين رئيسيين: المشاركة في صنع القرار عبر تغيير النظام القانوني ونظام حوكمة الشركات؛ ثم ضرائب تصاعدية ودوران مستمر للملكية.

وفيما يخص المشاركة في صنع القرار، دعني أذكّرك بأنه كان لدينا في عدد من البلدان الأوروبية، منها ألمانيا والسويد، وبدءاً من خمسينات القرن العشرين، نظام يكفل أن يكون 50% من مجالس إدارة الشركات الكبيرة منتخباً من المستخدمين فيها ومن العمال، حتى لو لم تكن لهم حصة في رأسمال الشركة. هذا فيما كانت تذهب الـ 50% الأخرى من حقوق التصويت إلى مالكي الأسهم. وهو ما يعني في حال حيازة العمال والمستخدمين لحصة من الرأسمال، ولنقل 10 أو 20%، أو في حال حازت حكومة محلية 10 أو 20% من الرأسمال، وهو ما كانت الحال أحياناً في ألمانيا، فعندئذ تتبدل الأكثرية حتى حين يحوز مالكو الأسهم الخواص 70 أو 80 أو حتى 90% من الأسهم. وعليه فهذا تحول كبير بالفعل إن قورن بالقاعدة المألوفة التي تقرر أن حصة واحدة من الأسهم تحوز صوتاً واحداً؛ القاعدة التي يفترض أنها التعريف الأساسي لرأسمالية مالكي الأسهم. في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وبلدان أخرى لم تشهد مدّ النظام [ليشمل مشاركة العاملين في التقرير على مستوى الشركات]، لا يستسيغ مالكو الأسهم هذه الفكرة على الإطلاق.

لقد كانت المشاركة في القرارات ناجحة كفاية في ألمانيا والسويد. لا أنوي إضفاء صفة مثالية على هذا النظام، لكنه تمكن من إشراك العمال في الاستراتيجية الأطول أمداً للشركات، بطريقة لم تكن غاية في الكمال في البلدين، لكنها أفضل إلى حد ما مما كانت في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

وقد نمضي خطوة أبعد في هذا الاتجاه. فإذا كانت الركيزة الأولى في الاشتراكية التشاركية التي أَقترحها هي أن نقول: أوكي، دعنا نعمم نظام الاشتراك في صنع القرار إلى كل البلدان. نبدأ من أوروبا، لكن نمدّه إلى كل بلدان العالم في الحالة المثلى. وليمتد النظام أيضاً إلى الشركات الصغيرة، وليس الكبيرة فقط مثلما هو مطبق سلفاً في ألمانيا. في السويد، النظام مطبق على شركات صغيرة بعض الشيء، لكن الشركات الصغيرة جداً مستثناة منه. فلنطبق على جميع الشركات أياً يكن حجمها، ولنمضِ أبعد عبر افتراض قاعدة تقرّر أنه مع ذهاب 50% من الأصوات لمصلحة مالكي الأسهم، لا يحق لأي مالك أسهم أن يحوز أكثر من 10% من الأصوات في الشركات الكبيرة - لنقل الكبيرة التي تشغل أكثر من 100 عامل.

تتلخص الفكرة العامة في الحاجة إلى الاشتراك في القوة/السلطة. نحتاج إلى مشاركة أكبر من قِبَل الجميع. إننا نعيش في مجتمعات متعلمة جيداً، مجتمعات يمكن لكثير من الناس، من أصحاب الأجور، من المهندسين، من المديرين، من التقنيين، أن يسهموا في عمليات القرار ضمن الشركات.

حين تكون في شركة صغيرة، هناك فرد واحد يقيم شركة بمقدار صغير من الرأسمال، ويستأجر شخصاً أو اثنين، وهنا تبقى أكثرية الأصوات مع فرد واحد، مؤسس الشركة. لكن حين تصبح الشركة أكبر وأكبر، تحتاج إلى المزيد من المداولات، ولا يمكنك أن تبقى في نظام يركز فيه فرد واحد سلطة القرار في يده وهو في الخمسين أو السبعين أو التسعين، بما في ذاك في شركة هائلة عمالها بالألوف أو عشرات الألوف، لمجرد أنه جاءته أو جاءتها في عمر الثلاثين فكرة جديدة وحالفه أو حالفها الحظ.

وعليه فإن الركيزة الأولى للاشتراكية التشاركية هي البدء من نظام صنع القرار المشترك حيثما كان مستخدماً، والعمل على توسيعه.

الركيزة الثانية هي الضريبة التصاعدية. هنا أيضاً نبدأ مما كان جرى تجريبه في القرن العشرين. بعض البلدان، ومنها الولايات المتحدة، قطعت شوطاً طيباً في اتجاه الضريبة التصاعدية: كانت نسبة الضريبة الأعلى في عهد روزفلت 91%، وكمعدل كانت فوق 80% بين 1930 و1980. 

وكانت في الواقع ناجحة جداً من حيث أن نمو الإنتاجية في ذلك الوقت كان أعلى مما صار إليه منذ الثمانينات. ولذلك فإن وجهة النظر التي طُرحت في زمن ريغان - القائلة بالحاجة إلى لامساواة أكثر في الأعلى من أجل مزيد من التجديد والنمو - هي خاطئة ببساطة إن استندنا إلى الدليل التاريخي.

يتمثل الدرس الكبير الذي أقدمه في كتابي في أن الازدهار الاقتصادي يأتي من المساواة، وبخاصة المساواة في التعليم. كانت الولايات المتحدة البلد الأفضل تعليماً في العالم في منتصف القرن العشرين، حيث كان 80-90% من الجيل الفتي وقتها يذهبون إلى المدارس العليا [الثانويات]، بينما كانت النسبة 20-30% في ألمانيا وفرنسا واليابان. ومع هذا التقدم التعليمي الكبير، تمتعت الولايات المتحدة بالاقتصاد الأكثر إنتاجية.

لقد جرى تقسيم نسب ضرائب الدخل الأعلى وضرائب التركات على اثنين على يد ريغان، ولكن في الواقع انقسمت نسبة نمو الدخل الوطني للفرد الواحد إلى اثنين كذلك في العقود الثلاثة التالية للإصلاح الريغاني. لذلك أقترح ضريبة تصاعدية واسعة النطاق، ليس على ما يُورَّث من دخل وثروة فقط، بل وكذلك على الثروة نفسها وعلى أساس سنوي، بما يتيح تجنب تركز الثروة في الأعلى.

وبالفعل، أقترح من أجل دفع ضريبة على أصغر تركة أن يكون لديك 120 ألف يورو حين تكون في عمر 25. لا يزال ذلك بعيداً بما يكفي عن المساواة الكاملة. في النظام الذي أَقترحه، ينال من يتلقون صفر يورو، أي 50 أو حتى 60% من السكان المكوِّنين للشرائح الدنيا من المجتمع، 120 ألف يورو، هذا بينما يحظى أولئك الذي يتلقون مليون يورو اليوم بـ600 ألف يورو بعد الضريبة. هذا أقل من مليون يورو، لكنه أكثر من 120 ألف يورو بكثير.

لا نزال بعيدين عن الفرص المتساوية، وهذا مبدأ نظري يزعم الناس أنهم يحبونه، لكن في الممارسة وحين يصل الأمر إلى اقتراحات ملموسة يتنازع فيه كثيرون. علينا على أي حال أن نسير في الاتجاه. هذا الاقتراح معتدل جداً في الواقع، ويمكننا أن نذهب أبعد منه.

لا أقول إن هذا البرنامج ينبغي أن يطبق في الأسبوع القادم في كل البلدان. ما أقدمه هو وجهة نظر عامة عن كيف يتعين أن يجري تحويل النظام الاقتصادي على المدى الأطول. النظام الذي أَصِفُه، الاشتراكية التشاركية، مختلف بالطبع عن نظام الرفاه أو رأسمالية الديمقراطية الاجتماعية التي لدينا اليوم. لكنه بقدر كبير استمرار للتحول الاقتصادي الذي جرى في القرن الماضي. 

الرفاه أو رأسمالية الديمقراطية الاجتماعية التي لدينا اليوم مختلفة جداً عن الرأسمالية الاستعمارية التي سادت عام 1900 أو 1910، حيث كانت حقوق أصحاب الملكيات، على المستوى العالمي ومستوى المستعمرات، والمستويات المحلية كذلك، أقوى بكثير. كان يمكنك أن تفصل عاملاً من عمله إن شئت، وأن تطرد مستأجراً حين تريد. ليس لهذا النظام علاقة بما لدينا اليوم. هناك عملية مديدة نحو مساواة أكثر ونحو العدالة. وهذا يأتي مع توزيع أكثر توازناً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بين المالكين وغير المالكين، مع الضوابط على الملكية والتحول في علاقات الملكية.

هذا التطور سيستمر. لقد سبق أن كان قوياً جداً في القرن الماضي، وسيستمر في المستقبل. هذه مناقشة نحتاج إلى إطلاقها من جديد؛ أن نحوّل المحادثة السياسية عن سياسة الهوية وضبط الحدود نحو التقدم والتحول الاجتماعيين.