الرجولة كمشكلة

أنيا مولينبيلت (1945)، كاتبة وسياسية هولندية، وإحدى رائدات الموجة النسوية الثانية التي عمّت في ستينات وسبعينات القرن العشرين. صدر كتابها الأهم من دون خجل عام 1976، الذي كتبت فيه عن حياتها الشخصية، وحاولت من خلاله تسييس الشخصيّ عند المرأة. كانت أنيا مولينبيلت عضوةً في مجلس الشيوخ نيابة عن الحزب الاشتراكي (2003 حتى 2011). ناصرت القضية الفلسطينية. وقد سبق أن نشرت الجمهورية مقالتها «ماذا تعرف النسويات عن الحب؟»، وننشر اليوم مقالتها «الرجولة كمشكلة» التي صدرت ضمن كتابها: النِسوية تعود من حيث لم تذهب (2017)، وتمَّت ترجمتها عن اللغة الهولندية.

*****

استطاع جون برجر، الذي توفي في عام 2017، أن يهبط وهو في سن السادسة عشر إلى أحد مناجم الفحم في دربيشاير. وقد شعر حينها باحترام عميق تجاه الرجال الذين يقومون بعملهم الشاق والخطير تحت الأرض. فأصبح هذا الموضوع مكرراً في حياته وكتاباته التي عبّر فيها عن احترامه للرجال الكادحين والفلاحين الفرنسيين الذين عاش وعمل بينهم في الحقول. ومع ذلك كان جون برجر يكنّ احتراماً جمّاً للنِسوية. حتى أنه أهدى روايته «ج» الشهيرة إلى «أنيا: رائدة حركة تحرير المرأة». هذا ما عدا مقالته «وجهات نظر» الرائعة التي كتبها حول الزوايا التي ينظر الفن من خلالها إلى جسد المرأة. برأيي هذه مقدمةٌ مناسبة لفصلٍ أكتبه عن الرجولة.

ولكن قبل أن أتطرق إلى أشكال الرجولة المؤذية والمبالغ بها – المؤذية للرجال أنفسهم ولعلاقاتهم مع النساء والأطفال والمجتمع – لابد أن أفرّغ ما في قلبي: إنني أشارك برجر احترامه للرجال الكادحين، ولا عَيب في التقاليد التي تملي على الرجال حماية النساء والأطفال والدفاع عن الأسرة والوطن. ولم أكن يوماً سلميّة من حيث المبدأ، لأني غير قادرة على تناسي آلاف الشبان الصغار الذين استشهدوا لحماية بلدنا من الاحتلال الألماني. أيام الحرب العالمية الثانية، كنت طفلة في الشهور الأولى من عمري ولقد أبعدني أهلي عن الأنظار في إحدى الطوابق العلوية بمدينة أوترخت، لأن بعض أفراد عائلتي كانوا ملاحقين بسبب مشاركتهم في المقاومة. أتساءل أحياناً هل كنت سأنعمُ اليوم بالحياة لولا تطوُّعُ هؤلاء الرجال للموت في سبيل الحرية؟

بيد أن هذه المواقف البطولية غير كافية لتبرير سوء السلوك الذكوري: تحرّشات في الأماكن العامة، وشغب مباريات كرة القدم، وصبية متسكعون يزعجون النساء في الشارع، ومتظاهرون يمينيون يصرخون بـ «علينا وضع قضيبنا فيها»، وطلاب يقيّمون البنات حسب ملائمتهن لـ «تلقي الجنس». هذا السلوك الذكوري ينجم عنه أذى عظيم. السجون مليئة بالرجال الذين يعرفون بالضبط ماهي الرجولة: «أن تكون قادراً على إبهار الرجال الآخرين بجرأة سلوكك، ألا يشعر أحد بهشاشتك، أن تكبح كلّ الأحاسيس ما عدا الغضب، وألّا تبدو لطيفاً أو مائعاً، أو لا سمح الله، كامرأة».

قال لي صديق حميم يوماً، ولم أنسَ كلامه أبداً: «حتى الصبيان يولدون لطفاء». نميل للتصديق بأن الرجال هم الجنس العدواني، فالأمر يعود للـ «طبيعة» والتستسترون، غير أنه لم يُثبت أبداً بأن لعدوانيتهم جذوراً بيولوجية. اقرأ المزيد عن هذا الموضوع في كتابي الفرق. ولقد كتب أحد الكتاب النسويين المفضلين عندي، ميشيل كيمل، في كتابه رجال بيض غاضبون:

«الصبيان يتعلمون استخدام العنف. فالعنف ليس غريزياً، وإلا كان جميع الصبيان أعنف بكثير. في الواقع يستخدم نصف عددهم فقط العنف، ومعظمهم لا يملك سلاحاً [هنا أمريكا]، وأغلبهم لن يقتل أحداً. بيد أن جميع الذين بحوزتهم سلاحاً ليقتلوا أو ليهاجموا مدرسة ويقترفوا مجزرة فيها... هم من الذكور. ويتعلم الشبان كيف يصبحون جنوداً عبر تدريب قاسٍ وعدواني. ولو كانوا يملكون الخيار، لفضّلوا ألّا يقاتلوا، وحتماً ألّا يستشهدوا. وفي الفترة الأخيرة لم يعد الرجال في الغرب يرغبون بالموت «في سبيل الوطن»، فقد تمّ معالجة هذه الآفة عبر استخدام وسائل عسكرية جديدة كالقصف الجوي والطائرات من دون طيار. ويتمّ التربص بالعدو ومهاجمته من خلال شاشات فيديو، مما يزيد احتمال سقوط ضحايا مدنيين مع تقليص الخسارات الذاتية».

ثمّة بحوث عديدة ومقالات تثبت بأن الأطفال يتعرضون بعد الولادة مباشرة إلى عملية قولبة اجتماعية. الصبيان يُكافأون أكثر على السلوك المرتبط بـالمبادرة والشجاعة والقوة، ومن جهة أخرى يعاقبون ويوبخون أكثر جرّاء سلوكهم «البنّاتي» كالخجل واللطف والهشاشة. من زمان كانت القسوة الذكورية وظيفية. جرِّبوا مثلاً أن تبحثوا في الدكاكين عن ألعاب للأطفال لا تؤكد على تقسيم الأدوار وفق الصور النمطية عن الجنسين. ستجدون فساتين الأميرات الزهرية بكل تأكيد، وبما أن الصبيان لا يصبحون أمراء ستجدون فقط تلك الأشياء الجريئة. قمصان زهرية اللون للبنات مكتوب عليها «لطيفة»، وقمصان زرقاء للصبيان مكتوب عليها «جريء». لم تعد هذه الصور النمطية تؤدي أي خدمة للصبيان، فالسلطة لا ترتكز في عصرنا الحالي على مهارتك القتالية، ولن تساعدك عضلاتك في الحصول على الوظيفة الذي ترغبها. كما أنك لن تحظى بأروع النساء من خلال استعراض رجولتك، حتى ولو كان ثمة رجال لا زالوا يتمنون ذلك.

الرجولة والطبقة الاجتماعية

من غير الممكن عدم الربط بين الطريقة التي ينظر الرجال من خلالها إلى الرجولة وبين بيئتهم الاجتماعية والطبقة التي ينتمون إليها. كلما ارتقوا درجة في السلم الاجتماعي، طولِبوا بمزيد من «التحضر». بمعنى آخر: بعد الوصول إلى مستوى معين لن تستفيد من ملاكمة الشخص الذي يخالفك الرأي. وبما أن الرجولة المثالية تختلف من طبقة إلى أخرى، يمكننا القول بأنها لا تتحدد بيولوجياً. كلما صعد الرجل مرتبة على السلم الاجتماعي، صار «الفوز» أمراً يتعلق بكسب المال والمزيد من الإنجازات وتسلّق المناصب التي تسمح بقيادة عدد أكبر من المرؤوسين. وهنا يصبح ضبط النفس والمواظبة من صفات الرجولة بامتياز. أما رجال الطبقة الاجتماعية المنخفضة، فيعتبرون ضبط النفس أجدر بالضعفاء. وهكذا يتحول السلوك الجريء إلى وسيلة لكسب الوجاهة ضمن بعض المجموعات الشبابية. والمحصّلة؟ تراجع النتائج الدراسية عند كثيرٍ من الصبيان مقارنة مع البنات. الأمر مفهوم طبعاً، إذ أن سماع كلام المعلِّمة لا يجعلك مشهوراً بين رفاقك الذكور.

أشكال الرجولة غير الوظيفية والمبالغ بها تؤذي الرجال أنفسهم بالدرجة الأولى. على سبيل المثال، عمر الرجال أقصر من النساء. العمر الوسطي يتعلق عادة بالطبقة التي ينتمي إليها المرء والأغنياء يعيشون أطول من الفقراء. وصحيحٌ أن النساء المتحررات تبنينَ عادات ذكورية كالتدخين وشرب الكحول، إلّا أن الرجال يمرضون أكثر ولا يزورون الأطباء دائماً عند الحاجة. فضلاً عن ارتفاع نسبة المدمنين بينهم ووقوع الحوادث المؤسفة جراء سلوكهم المجازف. هذا يعني أن الرجل المتزوج محظوظ أكثر من غيره، لأن عناية المرأة به تمنحه بضعة سنوات إضافية، وبالأخصّ لأنها تحيله إلى الطبيب في الوقت المناسب. أما بالنسبة للنساء، فلا يؤثر الزواج عليهن من الناحية الجسدية. هذا أمرٌ منطقي لأنهنَّ يعتنينَ بأنفسهنّ في جميع الأحوال.

بيد أن الرجولة غير الوظيفية تؤذي الآخرين أيضاً، والآخرون هنا هم غالباً المقرَّبون. العنف ضد المرأة يحدث عادة في المنزل، أي في المكان المعنيّ بتوفير الأمان للناس. العنف المنزلي يُمارَس من قبل الشخص المكلّف تقليدياً بحماية المرأة. والعنف غالباً ليس كتعبير عن السلطة، وإنما كمحاولة لاستردادها. وبما أن الرجال متعلقون كثيراً بالنساء – ويرون أن هذا التعلّق ليس رجولياً – يفقدون صوابهم بسهولة عندما لا تنفذ المرأة ما يريدونه منها، وبالأخصّ عندما تهدد بالانفصال. وتفيد الخبرة، التي وصلتنا من ملاجئ السيدات، بأن أخطر لحظة هي حين تعلن المرأة رغبتها بالطلاق أو حين تترك منزلها. عندها يصطدم بمعنى أن يواصل حياته من دونها، فيحصل أحياناً أن يتجاوز الحدّ. وعندما يقتل الرجل زوجته، يكون هذا غالباً لأنها تحاول هجره. وبالعكس تقتل المرأة الرجل – ولكن هذا يحصل أقلّ بكثير – عندما تعجز عن التخلّص منه. كم رائع أن يعي الرجال بأن علاقة الحب هي تعلّقٌ متبادل، وتأقلمٌ متبادل، وبأن الإصغاء إلى المرأة لا ينتقص من رجولتهم شيئاً.

سيستفيد الرجال كثيراً عندما لا يحتاجون إلى استعراض رجولتهم من أجل الشعور بأهميتهم. وأيضاً عندما لا يصعب عليهم قبول قيادة المرأة، وعندما يقومون بأعمال يعتبرها الناس «نسائية» كالتمريض وتعليم الأطفال الصغار.

سأنتقلُ الآن إلى موضوعين مرتبطين بالرجولة: ما هو ردّ فعل الرجال على التغيّرات الحاصلة في سوق العمل نتيجة الكارثة الاقتصادية؟ وماذا عن ظهور الشعبوية اليمينية؟

الرجال البيض الغاضبون

في حال أردتم فهم الرجال، أنصحكم بكتابين. الكتاب الأول الذي ذكرته منذ قليل هو رجال بيض غاضبون لمؤلفه ميشيل كيمل. ينظر كيمل إلى الرجل بعين مُحِبّة وناقدة في الوقت نفسه، ويستنتج بأن الرجال يستصعبون التأقلم مع متغيّرات الزمن. الكتاب الثاني هو أقلّ تعاطفاً، ولكنه يساعد على فهم المشكلة القائمة حالياً: نهاية الرجل للكاتبة حنّا روسين. العنوان مرعب، مما يضطر الكاتبة للاعتذار من زوجها في أول سطور الكتاب. لحسن الحظ لا يدور الكتاب حول نهاية الرجال، وإنما حول نهاية نوعٍ غير مرن من الرجال. من المهمّ أن ندرك بأن كلا الكتابين يتحدثان عن أمريكا التي واجهت تغيّرات في سوق العمل أدّت إلى اختفاء كثيرٍ من المهن التي يزاولها الرجال. وقد حصل هذا التغيّر الجذري عندما بدأ جيلٌ من العمّال المتعلمين يكسب ما يكفي ليسدّ حاجة الأسرة. وقد جعل الحلم الأمريكي الرجال الكادحين يصدقون بأنهم سيوفّرون كل احتياجات أسرتهم وبأنهم يستحقون امتلاك سيّارة يركنونها أمام البيت. كانوا يتنبؤون بارتفاع معدّل الرفاه، بحيث تصبح حظوظ أطفالهم أوسع من حظوظهم. كلّ ما يحتاجونه هو رفع وتيرة العمل فقط. بيدَ أن التغيّرات ظهرت في غيتو السكان السود في السبعينات، حيث فقد كثيرٌ من الرجال أعمالهم وأغلقت المصانع المحليّة أبوابها. في عام 1987 كان عشرون بالمئة من السكان السود يعملون في الصناعة. وبما أن معاودة التعليم بهدف تغيير المهنة لم تكن من الأمور القابلة للتنفيذ، تحطمّت كثيرٌ من الأُسر السوداء وازدهرت تجارة المخدرات. وقد ازداد عدد الأمهات اللواتي اخترنَ تربية الأطفال بمفردهن، فتخلينَ عن العلاقة الثابتة مع رجل لا يعمل بشكل دائم أو يجول بين السجون. حين يقع أحدهم في شباك عالم الجريمة، لا يخرج منها بسهولة. اقرؤوا عن هذا الموضوع كتاب أنجيلا ديفيس: هل السجون بائدة؟

وبعدها جاء دور العمّال البيض في قطاعي الزراعة والصناعة. في عام 1967 كان لدى 97 بالمئة من الرجال غير المتعلمين عمل، وتراجعت النسبة في عام 2010 إلى 76. ولّى ذلك الزمن الذي كان بوسع الرجل إيجاد عمل دون أن يحمل شهادات. لذا يطلق اليوم على المناطق الصناعية الفارغة والورشات الصدئة التي كانت تنتج السيّارات على الحزام المتحرّك اسم «حزام الصدأ». وهكذا انهارت الأُسر البيضاء أيضاً، بسبب فقدان الرجال لرواتبهم، وتراجعت نسبة الارتباط لعجز الشبان الصغار عن تأمين أسباب العيش. وقد كان تأثير هذه الأزمة مختلفاً على النساء اللواتي فقدنَ عملهنَّ في المصانع مثل الرجال، ولكنهنَّ وجدنَ عملاً في المكاتب أو واصلنَ تعليمهنّ فأصبحنَ ممرضات ومعلّمات. كما اختفت المهن في قطاع الخدمات، إلا أنه لا يمكن تصدير مهن العناية بالأطفال وتقديم الوجبات إلى بلدان بعيدة أو استبدالها بالتقنية. من الأجدر بالرجال طبعاً أن يتعلموا مهنة جديدة، إلا أن هذا لا يتوافق مع إيديولوجيا الرجولة كما يسميها كيمل. البطالة ولا أن يقوموا بعمل الحريم!

ضمن هذه التطورات الاقتصادية يتراجع وضع الرجال إذن. في الوقت الذي تزداد فيه مرونة النساء النِسويات، فينجزنَ أعمال الرجال والنساء على حدّ سواء، يحصر الرجال خياراتهم، فلا يقبلون بالمهن الأقل أجراً ويعتبرون القبول بأعمال لا تمنحهم الوجاهة إهانة شخصية لهم. والمحصّلة؟ أصبحت النساء أكثر عزوفاً عن الزواج، ولم تعد الزيجات تستمر طويلاً بسبب رفض الرجال العمل «تحت مستواهم». ففي عام 1970 كان 84 بالمئة من النساء الأمريكيات بين الثلاثين والأربعين عاماً متزوجات، غير أن النسبة تراجعت إلى 60 عام 2007. ولقد لمَحَت حنّا روسين بوادر الأموميّة الجديدة في اعتماد النساء على أنفسهنّ وتربيتهنّ للأطفال بمفردهنّ. ولكنها بهذا تتمسك بالفكرة القديمة وتقدم الموضوع كما لو أنه مباراة: من سيفوز، الرجال أمّ النساء؟ أظن أن غالبية النساء يفضلنَ شراكة عادلة لا تضطرهنَّ لحمل مسؤولية الأطفال بمفردهنّ. هذا ماعدا أن حياة الأمهات العازبات منهكة للغاية، وبالكاد يتأقلمنَ مع الفقر. لذا يبدو لي عنوان كتابها الفرعي، وصعود المرأة، أقرب إلى السخرية، إذ أن تحميل المرأة كلّ الأعباء ليس تقدماً في شيء. في هذا السياق الجميع خاسرون، رجالاً ونساء.

الرجال البيض في أمريكا هم أكثر مَن يشكون مِن تردي الوضع. وبالرغم من الارتفاع البطيء لمعدّل عمر المواطن الأمريكي، إلا أن عدد الوفيات بدأ يتصاعد فجأة اعتباراً من عام 1999 حتى وصلت النسبة إلى 20 بالمئة. ومعظمهم رجال بيض في منتصف العمر (الغارديان، 7 شباط 2016). وترجع الأسباب إلى مزيج من الاكتئاب والصحة السيئة، فضلاً عن سوء استخدام الكحول والمخدرات والانتحار. كان الرجال ينتحرون أكثر من النساء بأربع مرّات، ولكننا بلغنا حالياً ذروة حقيقية تشبه تلك التي مررنا بها أثناء الأزمة الاقتصادية في الثلاثينات. وغالباً ما يكون الدافع هو إفلاس الشركة أو فقدان العمل وعدم إيجاد بدائل. والرجال المطلّقون والعاطلون عن العمل يشعرون بعدم ضرورة وجودهم، وهذا ما لا يحتملونه فيفضّلون الرحيل.

أدركُ أن الانتحار والقتل ليسا حدثين متكررين، ولكنهما قمّة جبل الجليد كما يقول المثل. وعليه فإن الأمر يتعلّق بالرجال البيض على وجه الخصوص، وهنا نكون قد وصلنا إلى موضوع يرتبط بشكل وثيق بما سبق: صعود الشعبوية اليمينية. الشعبويون ليسوا رجالاً فقط، بيد أن غالبيتهم من الرجال البيض. العامل الحاسم في شعبويتهم هو الرجولة المهدورة. السؤال الذي يطرح نفسه هو لمَاذا لا يميل الرجال والنساء السود، وكذلك النساء البيضاوات، بالدرجة نفسها إلى حقد اليمين المتطرف؟ الوضع الاقتصادي للسود ليس أفضل على الإطلاق، ومع ذلك هم أقلّ تشكيّاً من أن ثمّة أشياء يستحقونها وسُلِبت منهم. يوجد مصطلح انكليزي يغطي هذا المعنى، وهو: entitlement، أي أن تستحق شيئاً لمجرد أنك أبيض أو رجل مستعد للعمل. هذا يعني أن الجندر، والرجولة على وجه التحديد، لها أبعاد سياسيّة هامة لطالما تمّ التغاضي عنها. هناك صلة وثيقة بين الطبقة والجنس، لذا يتعين علينا ألا نركز على التغييرات الاقتصادية فقط، فالبعد الشخصي له دور كبير أيضاً. ما زال الشخصيُّ سياسة، بالنسبة للرجال أيضاً!

ظهرت مؤخراً طليعة من الرجال الصادقين تطالب بالعدالة الجندرية والمناصفة. ليس فقط بغرض التضامن مع النساء، وإنما انطلاقاً من مصلحتهم الشخصية. فالرجال يعانون مثلنا من التوقعات المفروضة عليهم، رجال ليسوا «ناجحين» أو غير رياضيين أو بدناء. وقد قال يان فان تريخت، صاحب مبادرة «المتحرر»، عندما كان الرجل الوحيد الذي صعد المنصّة في عيد المرأة: «النِسوية تحتاج الرجال من أجل عالم أفضل، والرجال يحتاجون النِسوية من أجل حياة أفضل».