الرقة في ثلاث سنوات

 

في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مرّت الذكرى السنوية الثالثة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مدينة الرقة، والتي كانت وقتذاك عاصمة تنظيم داعش، ومن أهم مراكز ثقله. وبعد أن سيطرت هذه القوات على مدينة الرقة، بدأت تبسط سلطتها على مدن وبلدات ريف دير الزور في منطقة الجزيرة، حتى شهد يوم الثالث والعشرين من آذار (مارس) 2018 سيطرة هذه القوات على قرية الباغوز (100 كم شرق دير الزور)، آخر معاقل التنظيم المأهولة بالسكان في سوريا.

وقد تزامنت هذه الانتصارات شرق الفرات مع خسارات وهزائم على الجانب الغربي منه، فمع ارتفاع أسهم هذه القوات شرق الفرات إثرَ هزيمتها لتنظيم داعش، كان نفوذها غرب الفرات قد بدأ بالانحسار بعد سيطرة القوات التركية وفصائل سورية تابعة لها على منطقة عفرين في الثامن عشر من آذار (مارس) 2018، والتي كانت حينها من الركائز الأساسية لحزب الاتحاد الديمقراطي وأجنحته العسكرية، وما رافق هذه السيطرة من انتهاكات جسيمة تسببت بتهجير أعداد كبيرة من أبناء عفرين. هذا وقد بقيت نقاط السيطرة العسكرية هذه ثابتةً حتى التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وقتها شنت فصائل المعارضة السورية وبدعم من سلاح الجو التركي هجوماً برياً على ناحيتي تل أبيض ورأس العين، انتهى بسيطرة الفصائل على هاتين الناحيتين وما بينهما من أراضٍ وقرى، وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية منهما باتجاه الجنوب.

في السنوات الثلاث التي مضت على سيطرة هذه القوات على مدينة الرقة، مرّت المحافظة بظروفٍ معقدة، وحدثت تغيرات عدة في بُناها؛ سياسياً وعسكرياً وخدمياً. وللوقوف على واقع الحال في الرقة اليوم، تواصلت الجمهورية مع العديد من الناشطين المهتمين بالشأن العام، وأخذت آراءهم بهدف تقديم إحاطة كاملة بالوضع هناك.

ضمّت قوات سوريا الديمقراطية في بداية تأسيسها العديد من الألوية والكتائب المُشكلة من أبناء الرقة، ممّن خاضوا المعارك ضد تنظيم داعش في كانون الثاني (يناير) 2014، ورفضوا الاستسلام لتنظيم الدولة، ليكملوا ما بدأوه في مناطق أخرى مثل صرين وعين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي. ومن أشهر هذه الألوية والكتائب آنذاك: لواء ثوار الرقة ولواء العشائر (إحدى كتائب أحرار الطبقة سابقاً)، والتي شاركت في معركة السيطرة على مدينة الرقة عام 2017، وقضى العديد من منتسبيها على أيدي التنظيم. وبعد إتمام قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على مدينة الرقة، بدأت مطامع قيادة هذه القوات لاحتكار التمثيل والقرار العسكري في المنطقة تظهر بوضوح، كما برز بشكلٍ واضحٍ تهميش هذه القوات للقادة العسكريين العرب من أبناء الرقة، وإبعادهم عن دوائر صنع القرار، والاكتفاء بوجودهم صوريّاً كتشكيلات عسكرية عربية ضمن تحالف قوات سوريا الديمقراطية، بما يساعدهم على تسويق أنفسهم محليّاً ودوليّاً بوصفهم تحالفاً عسكرياً متعدد الأعراق والأديان.

lrq_fy_thlth_snwt-web-2.jpg

الرقة
دوار النعيم في مدينة الرقة

أثارت هذه التصرفات حفيظة العديد من القادة العسكريين في الرقة، وكان في طليعتهم أحمد العلوش المُلقَب أبو عيسى، قائد لواء ثوار الرقة، الذي اعتبر هذه التصرفات بمثابة إقصاء صريح وواضح للمكون العربي الموجود ضمن هذه القوات. على إثر ذلك، حصلت مناوشات عسكريّة بين لواء ثوار الرقة ووحدات من قوات سوريا الديمقراطية في أحياء رميلة والصناعة شرقي الرقة، ساندتها وقفات احتجاجية للأهالي طالبت بتحقيق المساواة بين المكونات وعدم الإقصاء والانفراد بالقرارات. استمرّت حالة التوتر هذه قرابة الشهر، لتُحكِم بعد ذلك قوات سوريا الديمقراطية حصارها على مقرات لواء ثوّار الرقة في الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) 2018، ولتقتحم بعد يومين من ذلك مقرات اللواء وتقتاد من كانوا فيها إلى السجون. منذ ذلك الحين، لا يزال «أبو عيسى» تحت الإقامة الجبرية، ولا يزال العشرات من عناصر اللواء في معتقلات قوات سوريا الديمقراطية.

حادثة لواء ثوّار الرقة لم تكن الأولى ولا الأخيرة في المنطقة، إذ سبقتها خلافات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النخبة السوريّة قُبيل السيطرة على مدينة الرقة، انتهت بانسحاب الأخيرة من معركة الرقة. كما شهد يوم السابع عشر من أيلول (سبتمبر) الماضي اعتقال محمد حسن الجاسم المُلقب أبو ليلى، والذي يشغل منصب الرئيس المشترك للجنة الدفاع في مجلس دير الزور المدني، وذلك بسبب مطالباته المتكررة بإنهاء حالة التسلط والتفرد بالقرارات من قبل كوادر حزب العمال الكردستاني، ما يشير إلى وجود سلوك ممنهج لدى هذه الكوادر بحق أبناء المنطقة الساعين لأن يكونوا فاعلين وأصحاب سلطة في مجتمعاتهم. ومن خلال هذه الحوادث وغيرها، نستطيع القول إن قوات سوريا الديمقراطية قضت على أي تواجد عسكري محليّ لأبناء المنطقة ضمن صفوفها وتفرّدت بإدارة المنطقة عسكريّاً.

«لم يكن لقوات سوريا الديمقراطية من اسمها نصيب، فما نراه من سلوكٍ منها لا يتوافق أبداً مع تسميتها، فكيف لها أن تكون قوات وهي ما زالت فصائل متعددة مبنية على مناطقية وأيديولوجية فكرية؟ وكيف يمكن أن تكون سوريّة وصُنّاع قرارها أتراك أو إيرانيون؟ وكيف لنا أن نقتنع أن سلوكها ديمقراطي وهي تلاحق الناشطين وتكتُم الحريات وتتسلط على المجتمع»؛ هذا ما جاء على لسان أحد العاملين بالشأن العام في الرقة، فضّلَ عدم ذكر اسمه ضماناً لسلامته، وهو يصف سلوك هذه القوات بالقمعي والمتسلّط تجاه من يخالفها في وجهات النظر، كما يشير إلى وجود أجندات ومرجعيات خارجية تتحكم بهذه القوات وتهيمن على مركزية قرارها، ما يعني فشل أي مشروع تقوده هذه القوات على المستوى الوطني.

تُعَدُّ عودة النظام السوري إلى أجزاء محافظة الرقة، الواقعة حالياً تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، من أكبر المعوقات التي تحول دون مشاركة السكّان بالحياة السياسية والشأن العام. ورغم كل التطمينات الواضحة أو المبطنة التي تصدر عن الإدارة الذاتية بين الفترة والأخرى، والتي فحواها أن عودة النظام السوري إلى المنطقة أمر غير مطروح على أجندتها، وأنّ التواجد العسكري الحالي لقواته هو أمرٌ تنسيقيٌّ دوليٌّ فقط، إلا أنّ هذه المبررات  لم تبدد هذا الهاجس الذي ما يزال مبعثَ قلقٍ للكثيرين، لا سيما وأن الإدارة الذاتية عقدت العديد من الحوارات مع النظام السوري والقوات الروسية الداعمة له، أشهرها كان في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 بُعَيد الانسحاب الأميركي المؤقت من شمال شرق الفرات. وقد تلا ذاك الحوار تواجد عسكري للقوات الروسية ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في الرقة، مثل تل السمن (30 كم شمال الرقة) وشويحان الطريفاوي (45 كم شمال شرق الرقة)، وتواجد لقوات النظام السوري أيضاً في مطار الطبقة العسكري (50 كم غربي الرقة) واللّواء 93 في عين عيسى (50 كم شمال غرب الرقة). كما أن اجتماع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي مع شخصيات عشائرية من الرقة في الخامس عشر من تموز (يوليو) 2020 حمل رسالةً من القوات الروسية، مفادها عزم هذه القوات إنشاء قاعدة عسكرية روسية في مدينة الرقة، الأمر الذي قوبل بالرفض من معظم المدعوين، وفق ما أفاد به أحد الحضور للجمهورية.

وفي الحادي والثلاثين من آب (أغسطس) الماضي، وقَّعَ مجلس سوريا الديمقراطية وحزب الإرادة الشعبية الذي يرأسه قدري جميل مذكرة تفاهم برعايةٍ من حكومة موسكو، ما يشير إلى تقدم في مستوى التنسيق بين قسد ودمشق، ويزيد من احتمالية القيام باتفاقيات مستقبلية على هذا المستوى أو مستويات أعلى.

«إنّ ما يحصل في الآونة الاخيرة من مباحثات مع النظام السوري والقوات الروسية يبعث الخوف والقلق لدى الأهالي، خصوصاً أنهم مُحيَّدون عن هذه الاتفاقيات التي تتم بشكلٍ سريٍّ دون التشاور معهم»؛ هذا ما قاله أحد سكان مدينة الطبقة غربي الرقة عند سؤاله عن رأيه في المباحثات التي تجريها الإدارة الذاتية مع النظام السوري، إذ يؤكد هذا الشخص الذي فضّلَ عدم ذكر اسمه، وهو يعمل في أحد مؤسسات الإدارة الذاتية، أنّ المفاوضات تتم دون مشاورة أهالي المنطقة، ما يعني عدم إشراكهم في تقرير مصيرهم. كما يُخشى أن تؤدي هذه الاتفاقيات إلى عودة النظام السوري عبرَ مربعات أمنية كما هو الحال في مدينة الحسكة مثلاً، أو من خلال مديريات ودوائر خدمية تتبع له، فقد ارتكب النظام السوري العديد من المجازر بحق سكان المنطقة ما يعني عدم وجود قبولٍ شعبيٍّ له، فضلاً عن وجود العديد من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية ممن كانوا ضمن فصائل المعارضة السورية وخاضوا معارك ضد النظام السوري، ما يشكل عامل رفض إضافي لهذا النوع من المباحثات.

وعلى المستوى المحلي، فقد أنشأ حزب الاتحاد الديمقراطي العديد من الإدارات المدنية لإدارة شؤون المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وحظيت هذه الإدارات بدعمٍ دوليٍّ كبيرعلى المستويين السياسي والمالي، وأصبحت عامل جذب للمانحين بوصفها أول هيئاتٍ مدنية تُشكَّل بعد هزيمة تنظيم داعش في المنطقة. وتتألف كل إدارة مدنية من شقين أساسين: هما المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي، وتُدار هذه المجالس عبر نظام الرئاسة المشتركة حيث يتولى كل هيئة أو مجلس شخصان؛ رجلٌ وامرأة.

تضم أغلب المجالس تمثيلاً حقيقياً من حيث نسبة المكونات فيها، لكن من المفارقات أنّ ليلى مصطفى، الرئيسة المشتركة لـ مجلس الرقة المدني (التنفيذي)، وهي من المكون الكردي، تتولى منصبها منذ تأسيس مجلس الرقة المدني في الثامن عشر من نيسان (أبريل) 2017 رغم تعاقُب أربع رؤساء مشتركين من المكون العربي حتى الآن، وهم على الترتيب من الأقدم للأحدث: محمود البورسان، حامد المهباش، مشلب الدرويش، محمد نور الحجو. وكذلك هو الحال بالنسبة لخالد بركل، الرئيس المشترك لـ مجلس الرقة التشريعي، الذي يشغل منصبه منذ العاشر من كانون الثاني (يناير) 2018 رغم تعاقب رئيستين مشتركتين من المكون العربي، هما: نادية الحمادة ورحاب النافع. يعرف الجميع في الرقة أن من يمسك زمام الأمور الإدارية في المدينة هي ليلى مصطفى، دون أي دور محوري يُذكر لأي شخصٍ من المكون العربي أيّاً كان منصبه الوظيفي أو مكانته الاجتماعية، إذ تُحصر مهام العرب في إلقاء البيانات والتواجد صوريّاً ضمن هذه الهيئات والأجسام.

وقد رسمت هذه المجالس سياستها الإدارية وفقاً لرؤية حزب الاتحاد الديمقراطي، إذ باتت كوادر قنديل تتحكم في أدق شؤونها منذ أن تسلّمت زمام المؤسسات الخدميّة وباتت المُشرّع الأساسي للقوانين فيها، ضاربةً بعرض الحائط اللوائح والأنظمة الداخلية لهذه المؤسسات. كما شكلت هذه الكوادر مصدر دخلٍ إضافيٍّ لحزب العمال الكردستاني عبر العديد من الشركات والهيئات؛ أشهرها شركة الشمال للإنشاء والتعمير في الطبقة، التي تقوم بالتنفيذ الفني لأغلب المشاريع التي تخص المجالس، ولا سيما مشاريع الطرق. كما أن هذه الشركة فكرت بالاستدامة وعدم الاعتماد على الأموال المُقدمة من الدول المانحة، فأنشأت مشاريعها الاستثمارية الخاصة؛ كمشروع الطبقة سنتر الواقع ضمن حي المقاسم الغربية في مدينة الطبقة.

نمت حركة المجتمع المدني في هذه المناطق، وتأسّست فيها العديد من المنظمات، والتي أمست فيما بعد محطّ استقطابٍ للخبرات المحليّة والمانحين الدوليين بعدما نفذت العديد من المشاريع النوعيّة خدميّاً واجتماعيّاً، كما باتت هذه المنظمات نِداً ومنافساً حقيقياً لمجالس حزب الاتحاد الديمقراطي؛ منافساً يملك من الخبرات والقاعدة الشعبية ما لا تملكه هذه المجالس. إضافةً إلى ذلك، يحظى هذا المنافس بدعمٍ وتأييدٍ دوليّ عالي المستوى، خاصةً بعد ما أبدى العديد من المانحين ارتياحهم للعمل معه، واعتماده لدى العديد من الجهات الدولية (اللجنة الدستورية – مؤتمر بروكسل) كشريك أساسي لأي عملية انتقال سياسي في سوريا، واعتباره الممثل الحقيقي والوحيد لمنطقة شمال شرق الفرات في هذه المحافل، بعد استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي وتشكيلاته السياسية منها نتيجة الموقف التركي الحاسم بهذا الخصوص. هنا، أدركت هذه المجالس ومرجعيتها السياسية أنّ هذه المنظمات باتت تشاركها الشرعيّة والتمثيل، فشرعت تُضيّق الخناق عليها، تارةً بعرقلة تراخيصها، وأخرىً بإعاقة أعمالها وفرض القيود والتطفُّل على شؤونها الداخلية، وأخيراً نهجت الاعتقال فزجّت العديد من الناشطين في زنازين قواتها، وأوصلت رسالتها بكل وضوح مهيمنةً بذلك على الوجود المدني الرقي محليّاً ودوليّاً.

تشير التقديرات الحالية للأمم المتحدة أنّ عدد السكان في أجزاء محافظة الرقة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية يبلغ 584843 نسمة، منهم 131951 نازح، كما يبلغ عدد سكان مدينة الرقة 158823 نسمة، منهم 13557 نازح وفق هذه التقديرات. كما يتبين أيضاً نزوح حوالي 60 ألف نسمة من سكان مدينة الرقة إلى محافظات أخرى أو إلى دول الجوار. ولعل الدمار الذي لحق بمنازل من نزحوا يُعدُّ السبب الأوجه لعدم عودة نسبةٍ كبيرةٍ منهم إلى المدنية، حيث رصدَ تقرير معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب لعام 2019 وجود 12781 منزل مُدَمّر فيها، منها 3326 مُدَمّر كُليّاً، في ظل غياب أي مساعٍ أو نوايا حقيقة لإعادة الإعمار أو تعويض المتضررين حتى الآن.

ولعلّ حال من بقيوا في الرقة، أو عادوا إليها بعد مرارة النزوح، ليس كما هو متوقع ولا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ما تحاول عدسات مجلس الرقة المدني أن تروّجه، فالأهالي يعيشون اليوم حالةً دائمةً من الخوف والقلق على أبنائهم لفظاعة ما يجري حولهم من جرائم، فلا يكاد ينقضي شهرٌ واحدٌ دون تسجيل حادثة على الأقل بحق طفل. وتتنوع هذه الحوادث بين القتل أو الخطف بداعي الحصول على المال أو التجنيد عسكريّاً ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية، وسط صمتٍ تام ولا مبالاة من قبل سلطة الأمر الواقع وأجهزتها الأمنية تجاه ما يجري.

«يرافقني القلق منذ لحظة ذهاب أطفالي إلى المدرسة وحتى عودتهم، كما أني أخشى من نزولهم إلى الحي بغرض اللعب أو شراء حاجةٍ ما من المخزن، فأغلب حوادث الاختطاف تنتهي بدفع الأموال التي لا أملكها، وما أخشاه أكثر هو مصير كمصير الطفل خليل عبد الرزاق»؛ هذا ما أبلغنا إيّاه أحد الآباء في مدينة الرقة باتصالٍ هاتفي، إذ يصف هذا الأب قلقه وخوفه على أبنائه أثناء ذهابهم للمدرسة، ويستشهد بحادثة الطفل خليل عبد الرزاق الذي خُطِف لمدة عشرة أيام، ليعثر عليه ذووه بعد ذلك مقتولاً في أحد المباني المهجورة داخل مدينة الرقة، وكان جهاز الأمن الداخلي في الرقة قد أصدر بياناً توضيحياً حول هذه الحادثة توعد فيه بكشف الجُناة ومحاسبتهم، لكن دون أي نتائج ملموسة، ذلك على الأقل حتى تاريخ كتابة هذا المقال. الأمر نفسه كان قد حصل بخصوص اغتيالات وجرائم متعددة، من بينها اغتيال الشيخ بشير فيصل الهويدي والشيخ عبيد خلف الحسّان خلال العامين الماضيين.

خدميّاً، تغيب شبكة الكهرباء عما يقارب 50 بالمئة من أحياء مدينة الرقة بسبب الاختلاسات التي قامت بها لجنة الطاقة في مجلس الرقة المدني، والتي شكلت ردة فعل سلبية لدى المانحين تجاه دعم هذا القطاع الذي يعد من أكثر القطاعات الخدمية تضرراً في المدينة. كما أن مسلسل معاناة الأهالي لتأمين وقود التدفئة قد بدأ مع دخول موسم الشتاء الحالي، وتَمنُّع مجلس الرقة المدني عن توزيع مادة المازوت لمن لم يسدد الفواتيرالمتبقية بذمته لصالح مديريتي المياه والكهرباء. أما طوابير الانتظار للحصول على الخبز، فقد باتت معلماً بارزاً في هذه المحافظة التي تعد محاصيلها من أهم الغلّات الزراعية في سوريا، ناهيك عن كثرة الجسور المدمرة ريفاً ومدينة، والتي بلغ عددها أحد عشر جسراً أشهرها جسر الرشيد (الجديد) في مدينة الرقة، وجسر اليمامة (40 كم غربي الرقة)، وجسر سحل الخشب (45 كم غربي الرقة). كما أن تدني مستوى الرعاية الصحية وكثرة الوفيات بسبب الأخطاء الطبية فاقمت من تدهور الوضع، إذ لا تزال أربعة مستوصفات ضمن مدينة الرقة مدمرة بالكامل، أما ما هو مؤهّلٌ من مراكز صحية ومستشفيات فيعاني نقصاً حاداً في التجهيزات والموارد البشرية المؤهلة.

المدارس والبُنى التعليمية ليست بحالٍ أفضل، إذ يخبرنا أحد العاملين في الحقل التربوي، وقد رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أنه لا تزال 70 مدرسة مدمرة ضمن الحدود الإدارية لمجلس الرقة المدني، نصفها ضمن مدينة الرقة، فضلاً عن عشر مدارس أخرى أمست دوائر حكومية؛ منها مقرّ مجلس الرقة المدني، أو شُغِلت بالقوات؛ كحال مدرسة أبي ذر الغفاري في مدينة الرقة التي يشغلها لواء الشمال الديمقراطي، وابتدائية قرية لقطة (45 كم شمال الرقة) التي استولى مجلس الرقة العسكري عليها، وشرعَ طلابها يتابعون تعليمهم في أحد منازل القرية. كما أنّ ضعف الخبرات التعليمية والإدارية في المدارس أدت إلى عزوف العديد من الطلاب عنها واللجوء إلى الدروس الخصوصية، التي تثقل كاهل الأهالي في ظل ندرة فرص العمل وما رافقها من ارتفاعاتٍ متتاليةٍ في أسعار السلع.

تشير القرائن والأحداث المذكورة أعلاه إلى غياب أي توجّه لدى سلطة الأمر الواقع في الرقة نحو إشراك السكّان فعلياً في إدارة شؤونهم، وإلى عملها على تسخير كل ما يمكن تسخيره لخدمة حزب الاتحاد الديمقراطي وترسيخ سلطته. كما تشير نتائج المسوح والتقديرات المُقدَّمة إلى أنّ وعود إعادة الإعمار لم تتناسب مع قدر الدمار الحاصل، ولم تلبِّ تطلعات سكان المنطقة وفقاً لتدني الواقع خدميّاً واجتماعيّاً وبقاء العديد من البنى التحتية مهملةً دون أي عمليات صيانة بعد مضي ثلاث سنوات على دحر تنظيم داعش.