الرقص كي يستعيد الجسد أعضاءه

 

بَدأ حظر التجول الجزئي في فرنسا منذ أيام، في قرار استثنائي هدَّدَ حركة الناس في الشوارع والفضاءات العامة. نصل إلى مسرح نجمة الشمال في باريس ضمن جو من عدم التصديق؛ هل فعلاً هناك حظر تجوّل؟ المرة الأخيرة التي فُرِضَ فيها هذا القرار كانت عام 1944، وقامت بذلك السلطات النازيّة.

المسافة بين الجمهور مضبوطة على طابور الدخول، ندخل فرادى ومثنّى ونتموضع في المسرح الصغير، الكمامات على الأوجه، والخشبة فارغة إلا من أربعة «أجساد» معدنيّة من تصميم بيسان الشريف. مزيجٌ من حمّالات الثياب والقضبان المعدنيّة التي تعطي انطباعاً عن الشكل الإنساني دون الالتزام بمكوناته، أربعة أجساد بلا أعضاء تحمل ثياباً متنوعة، تُحدِّدُ الشكل دون القدرة على تحقيق أو إنجاز ما يفترضه هذا الشكل من وظائف، أجساد عقيمة، بلا رغبة، تقف مُحدّقة بنا لدقائق قبل بداية عرض «نقطة انعطاف / Turning point».

تُطفَأ الأنوار على الجمهور، وتدخل نانسي نعوس مُصمِّمةُ الرقصات والراقصة في العرض، ونديم بَحسون الراقص الثاني، وعلي بيضون المسؤول عن الموسيقا ومؤلفها. العرض حسب وصفه قائمٌ على سلسلة من المقابلات مع راقصين عرب ذكور وإناث، في محاولة لقراءة جسد الراقص عبر الصور المتخيلة عنه، ومساءلة كيفية ظهوره وتاريخه وأشكال استعراضه.

يأخذ كلّ راقص موقعه على الخشبة، وتعلو الموسيقا «الإيقاعيّة -الالكترونية»، ويبدأ الراقصان بالاهتزاز، الخصر حصراً هو الأشد فعاليّة، المساحة المركزية في الرقص الشرقي حيث تنوس السرّة يميناً ويساراً، أعلى وأسفل، أشبه ببندول للتنويم المغناطيسي، تلك الفتحة المسدودة، و«نكتة العالم»، ونقطة التحديق التي اشتهر بها الرقص الشرقي، يُفعِّلُ الاهتزازُ من أثرها السحريّ. ما نراه هو اختزال للرقص الشرقي إلى مكوّناته الأشد جوهريّة، تلك التي تأسر المُشاهِدَ الجالسَ في الظلام؛ نُحدِّقُ أكثر، وتتداعى الصور في عقولنا، نديم بَحسون ونانسي نعوّس نقيضٌ للأجساد المعدنيّة التي تحمل الثياب، هما أجساد تنفعل، «توّلِّدُ» المعنى في رؤوسنا، وتستعرض الحركة بأقصى مكوناتها، لإبراز ذاك الخيط الرفيع الذي يفصل الشعر عن الكلام، الرقص عن الحركة اليوميّة.

نشاهد بَحسون يهدم المتخيّل التقليدي عن جسد الرجل، ذاك الجسد الصارم، مضبوط الحركة، شديد الوظيفيّة، الذي يراهن على القوّة والفعاليّة لا الانسياب والشغف. يهتزّ فينفض تاريخ الرجولة و«الزلمنة»، يتمايل على الإيقاع المصغّر أيضاً، يستعيد الحركات المفتاحيّة والأشهر لراقصات الشرق، يقفز بقدم واحدة كتحيّة كاريوكا، يتعرق، وتتموج معدته وخصره كشويكار، يتعرق جسداً راغباً كمن يطفو على ماء، يحاور مخيلتنا ويهددها في الوقت ذاته. صور «الرجال» تتلاشى أمام المهارة، ويتكشّفُ أمامنا الجهد اللازم لإتقان هذه الحركات, نحن لسنا أمام جسد مقاتل، أو عسكري أو ضابط أو أب أو أخ كما يمكن أن نفهم من الأزياء المعلّقة، نحن أمام جسد يتحرر من صرامته، يستعيد ويسيطر على حضوره. الخشونة هنا لا تحاكي تاريخ المقاتلين والغاضبين، بل تستدعي زمن اللعب؛ مكانٌ يَستعرض فيه اللحمُ جمالَه لا قُدرَته.

الحركات المقلّصة وتسلسلها وتدفقها يحاور مخيلتنا، لا يدعونا للرقص، بل للتأمل، كون المهارة هي المسيطرة، الإتقان بوصفه إدراكاً لحدود الشعر وحواف المخيّلة. أن تمتد طولاً مع خصر يتحرك لا أكثر ولا أقل من المطلوب، هو أمرٌ يحرك المخيّلة، خصوصاً أنه يوظف سرّة تتمايل ونعجز عن تفسيرها حسب التعبير الفرويدي في هامش كتاب تفسير الأحلام، فالسرّة في الحلم والمخيلة مساحةٌ عصيةٌ على التفسير، لكنها عتبة معارف المخيّلة، فتحة تخلق الرعب والدهشة وتخاطب الرغبة بمعناها الصرف، الرغبة بكسر حدود اللحم وتفتيت الصلات الثقافية بين مكوناته. القدم تطأ الأرض بخفة لا بشدّة، لا محاولة لزحزحة التراب، بل الاتكاء على صلابته لتحرير ليونة اللحم.

لا يقتصر الأمر على الرقص الشرقي، إذ يستحضر الراقصان تاريخ الرقص الشعبيّ، الدبكة بأشكالها نراها أمامنا، يقفزان ويضربان الأرضّ بشدة ثم تخفّف. ينضم إليهما الموسيقي، وكأننا أمام عدوى تعاطفيّة، غير مبررة. سحرٌ من نوع ما يُولِّده الإيقاع الذي يستدعي تواريخ مختزلة للحركة، لكن ما نراه لدى نعوّس، ولا ندري إن كان الأمر مقصوداً أم لا، هو غياب استعراض أقصى المهارة، ونقصد بالمهارة هنا هي ميزات جسد الراقص عن ذاك العادي، إذ تبدو نعوس كقرين هشّ غير مُتقَن لبَحسون، لا شغف ولا حتى سعيَ للاستعراض، وهنا يمكن النظر إليها كتمثيل لجسد المرأة، ذاك الميكانيكي، الآلي، ذاك تحولت فيه «حركات» الرقص إلى واجب ودور لا يمكن الفكاك منه، بل نراه يتكرر آلياً، فإن كان جسد الذكر يتحرّر من تاريخ الرجال والزلم والخشونة، يظهر جسد الأنثى كأسير لدوره، لا  بوصفه عاجزاً عن الإتقان أو مسائلة نفسه، بل كجسد ملول، روتيني، لا يحمل الرغبة بل ينفيها.

في الثلث الأخير من العرض تنضم الأجساد المعدنية إلى الراقصين؛ تُعرَّى من الثياب التي تختزل الدور، ويبقى هيكلٌ معدنيٌّ بلا سرّة، بلا وجه، والأهم بلا خصر. جسدٌ عاجزٌ عن التلاعب بمركز ثقله. هيكلٌ بلا معرفة. وهنا يمكن أن نفهم لماذا بُدِّلَت الثياب بين أجساد الراقصين والهياكل المعدنيّة، إذ تستمر دورة التبديل لتكشف لنا عن العلاقة بين الرغبة وحاملها، بين القناع وما تحته. الجسد الذي يرغب أعضاؤه مفتوحة على الآخر، إيقاعاً كان أو فرداً أو مخيّلة؛ جسدٌ لا يمكن له الثبات، مُهدَّدٌ دوماً لأن حوافه غير مضبوطة، وإن تعرّى (كما حصل جزئياً في العرض) يكشف لنا عن انفتاحه على اللحظة الراهنة. هو قابلٌ للتعديل والحوار، بعكس الهياكل المعدنيّة؛ أجسادٌ عقيمةٌ لا يمكن لها أن تكون سوى ما هي عليه، لا شكّ أمامها كونها بلا سرّة، وبلا أعضاء، لا وظيفة لها سوى استعراض الثياب، وبصورة أدقّ حمل الثياب وخلق الانطباع بالحسّ البشري. هي باختصار أجسادٌ لا تتعرق.

اعتلى الجمهور الضحك في بعض الأحيان، قهقهات خفية وأخرى مسموعة، لا سخرية أو انتقاداً، بل خوفاً إن اعتمدنا التفسير الكلاسيكي. السرّة والبطن واهتزازهما يهددان معارف المُشاهِد، ونحن نضحك حين نعجز عن التفسير، نضحك خوفاً ممّا لا نفهمه، وما لا يتطابق مع ما نألفه من رموز. كشفُ السرّة علامة على اللاكتمال، هي محرّكٌ للمخيلة، مرواغةٌ ضد العقلانيّ، تنشر الرعب والحسّ بالجمال. لكن مع تبسيط عناصر الرقص التي نعرفها يظهر لدينا سؤال الشعريّة، لماذا «نرغب» حين نرى هذه العلامات المتتاليّة ؟ ما الذي يُفعَّلُ في المخيّلة حين يُكسَرُ الدور ويكشف اللحم عن سرته و نقطة لا اكتماله، ويقرر امتلاك أعضائه، ونفي الزينة عن نفسه؟