الرياض 2: تحولات وصراع إرادات

 

أعلن المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب استقالته من مهامه قبل يومين فقط من انطلاق أعمال مؤتمر المعارضة السورية في العاصمة السعودية، والمعروف باسم «الرياض 2». الاستقالة المتوقعة من حجاب وعدد من أعضاء الهيئة، كانت الإعلان الأوضح عن نهاية مرحلة بدأت مع إصدار بيان الرياض للمعارضة السورية في كانون الأول 2015، وهي المرحلة التي شهدت تحولات واسعة في ساحة الصراع على سوريا ومحيطها، كما شهدت استعادة نظام بشار الأسد التفوق العسكري في عدد كبير من المناطق نتيجة دعم واسع من حلفائه في موسكو وطهران، الأمر الذي يتطلب وفقَ فهم موسكو تغييراً في شكل وبنية المعارضة السورية، حتى يتم البدء بترجمة تلك الانتصارات العسكرية إلى واقع سياسي جديد يكرّسُ بقاء النظام السوري تحت مظلة السيطرة الروسية والإيرانية على مفاصل القرار العسكري والسياسي في سوريا، من خلال إنتاج مرجعيات جديدة لتلك العملية.

ديناميات جديدة داخل المعارضة السورية

كان البيان الختامي لمؤتمر الرياض الأول الذي أعلن عن إنشاء الهيئة العليا للمفاوضات نقطة تحول أساسية في الديناميات المسيطرة على المعارضة السورية، وذلك لعدة أسباب تتعلق بتركيبة تيارات المعارضة السورية والتوازنات الدولية والإقليمية وخاصة في منطقة الخليج؛ على مستوى تيارات المعارضة السورية، اعتُبِرَت الهيئة العليا للمفاوضات الكيان الأول الذي لم يملك فيه الإخوان المسلمون الصوت المرجِّح، نتيجة التوازنات الإقليمية والدولية التي حكمت نشوء الهيئة ومؤتمر الرياض، ونتيجة انتقال القرار حول الملف السوري خليجياً من الدوحة إلى الرياض، ما أطلق صراعات جديدة داخل تيارات المعارضة تمثَّلَت في الخلافات التي لم تظهر بوضوح على السطح بين الائتلاف والهيئة، وخاصة خلال رئاسة أنس العبدة للائتلاف، وكانت تعبيراً عن غضب تيارات داخل حركة الإخوان المسلمين في سوريا نتيجة خروجهم من دائرة صنع القرار السياسي في المعارضة للمرة الأولى منذ إنشاء المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة.

وعلى الرغم من هذا الصراع «الصامت»، كانت الهيئة العليا للمفاوضات نقطة توازن جديدة بين تيارات المعارضة السورية، التي جاء طيف واسع منها من أحزاب وقفت تاريخياً ضد نظام الأسد، إلا أنها حملت معها نتيجة جمود الحياة السياسية صراعات قديمة من الستينات والسبعينات وثم الثمانينات إلى مؤسسات وتشكيلات المعارضة التي أُسِّسَت بعد انطلاق الثورة السورية.

خلقت تلك الديناميات الجديدة فرصةً لإنتاج مؤسسات سورية قادرة على التحرك ضمن هامش أوسع، وكان تنقّلُ رياض حجاب المنسق العام للهيئة بين العاصمة السعودية الرياض والعاصمة القطرية الدوحة طوال الفترة الماضية، تعبيراً عن نوع من النزوع نحو مزيدٍ من الاستقلالية عن القرار الإقليمي.

العلاقة مع الفصائل

رغم أن الهيئة العامة للائتلاف السوري ضمّت مقاعد مخصصة للفصائل العسكرية، إلا أن تغيّر التوازنات بين فصائل المعارضة المسلحة، وتراجع دور «هيئة أركان الجيش الحر» وغرف دعم المعارضة المسلحة «الموك» و«الموم» الذي قاد إلى تفكك وتلاشي عدد من فصائل الجيش الحر، وسيطرة الفصائل الإسلامية التي ساهمت في القضاء على عدد كبير من فصائل الجيش الحر أيضاً، جعل العلاقة بين الائتلاف والفصائل العسكرية تصل إلى حد القطيعة في بعض الأوقات.

عند هذه النقطة كان مؤتمر الرياض إعادة تشكيل للعلاقة داخل صفوف المعارضة السورية، ما أعطى وزناً سياسياً أكبر للفصائل المسلحة، وعلى وجه الخصوص تلك التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الرياض مثل جيش الإسلام وفصائل الجبهة الجنوبية. ومع ذلك لم تكن العلاقة ودية دائماً بين الهيئة العليا للمفاوضات والفصائل المسلحة، فحركة أحرار الشام الإسلامية التي توجهت للمشاركة في مؤتمر الرياض نتيجة وصول عدة شخصيات جديدة إلى مراكز صنع القرار فيها مثل لبيب نحاس والمجموعة المرتبطة به، عادت واصطدمت مع الهيئة العليا للمفاوضات نتيجة أسباب داخل الحركة، من أهمها عدم قدرة القيادة الجديدة على تشكيل نواة صلبة تقود الحركة في مواجهة الجناح المتشدد الذي فضّلَ التقارب مع جبهة النصرة في ذلك الوقت، وأسباب أخرى تتعلق بطبيعة علاقات أحرار الشام مع المكونات العسكرية للهيئة، وابتعاد الحركة عن خط الوسط الذي اعتمدته في علاقاتها مع الدوحة والرياض إلى صالح مزيد من التقارب مع قطر. هذا المثال على طبيعة العلاقة بين الهيئة والفصائل الإسلامية، شكَّلَ على ما فيه من توترٍ نقطة ذروة منخفضة نسبياً من الصراع بين الفصائل المسلحة والهيئات السياسية للمعارضة السورية.

وهكذا كان الخط البياني للعلاقة بين الهيئة العليا للمفاوضات والفصائل المسلحة يميل باتجاه تسليم تلك الفصائل بصلاحيات الهيئة في التفاوض حول الحل السياسي في سوريا، وهو الموقف الذي رافقه تراجع دور وقدرات عدد من تلك الفصائل، كجيش الإسلام الذي انكفأ على نواته الصلبة (تشكيل تحكمه ارتباطات عائلية ودينية ومصلحية في دوما)، وحركة أحرار الشام التي فُكِّكَت قدراتها العسكرية نتيجة عدة انشقاقات من قبل التيار المحافظ، وتغيّرت استراتيجياتها نحو التحول إلى تيار سياسي إسلامي جديد في سوريا، وهو ما لم يغيره جذرياً حتى اللحظة وصول حسن صوفان إلى قيادة الأحرار.

لكن التحول الأهم في العلاقة بين الفصائل العسكرية والهيئة بدأ مع فرض تركيا على الأخيرة الدخول في مسار أستانا الذي رعته روسيا، كمسارٍ موازٍ للعملية السياسية الجارية في جنيف، وكان تشكيل وفد خاص بالفصائل المسلحة هو نقطة التحول الجذرية في العلاقة التي بُنيت في الأصل على تفويض من الهيئات السياسية والفصائل العسكرية في المعارضة السورية للهيئة العليا للتفاوض حول الحل السياسي، ما جعل العلاقة بين الفصائل والهيئة في وضع حرج لم تخرج منه حتى لحظة إعلان الدعوات لمؤتمر «الرياض 2».

العلاقة بين «الرياض 2» والتحضير لمؤتمر سوتشي

شَكَّلَت الدعوات التي وجهتها الخارجية السعودية لمؤتمر «الرياض 2» إعلاناً عن توجه سعودي جديد، يشابه بمفعوله التحول الذي طرأ على السياسة التركية وقاد بالنتيجة إلى انطلاق مسار أستانا. الدعوات التي تجاهلت شخصيات رئيسية في الهيئة العليا للمفاوضات كرياض حجاب، اعتبرتها عدة جهات في المعارضة السورية توجهاً جديداً نحو القبول بالهامش الذي وضعته موسكو للانتقال السياسي في سوريا، الأمر الذي قد يعدُّ تحضيراً لمسار سياسي ستطلقه موسكو في سوتشي الروسية لخلق المرجعية المناسبة لشكل التحول السياسي الذي تدعمه في سوريا. وقد رفضت عدة شخصيات وجِهات تم توجيه دعوات لها حضور المؤتمر، وأطلق عدد من السياسيين والناشطين السوريين بياناً أكدوا فيه على أن التنازل عن أي من الثوابت الأساسية أو المرجعيات السياسية للمسار التفاوضي سيكون غير مقبولٍ من عموم السوريين، وأن إنتاج عملية انتقالية غير واضحة المعالم ستكون نتيجتها إتاحة الفرصة أمام نظام الأسد في الاستمرار سواءً على رأس السلطة أو كمكون أساسي لها.

سيكون الموقف من هذا التحول، الذي كانت دعوات الخارجية السعودية تصريحاً ضمنياً بالقبول به، المحدِّدَ الرئيسي للصراع السياسي حول سوريا في الفترة المقبلة، وقد لا نكون بحاجة انتظار البيان الختامي للرياض 2 لمعرفة الخطوط الرئيسية للكيان الجديد المرتقب كبديل عن الهيئة العليا للمفاوضات، إلا أن إرادة وقدرة طيف واسع من المعارضة السورية السياسية والعسكرية على مقاومة ما تحاول فرضه القوى الإقليمية والدولية، ستكون عاملاً بالغ الأهمية في تحديد مستقبل هذا التوجه.