الزيتونة الرابعة بعد الألف

 

في الثامنة من عمري، كان لدي تعلّقٌ كبيرٌ ببرامج الكرتون القليلة التي يعرضها التلفزيون السوري، التي كانت ولا زالت من إعداد وإخراج شركات أجنبية، قصصها لا تمت لعالمنا السوري بصلة، وفيها من الحلم ما يكفي لنتخيل كأطفال أنه بإمكاننا أن نمتطي الغيوم يوماً. لم نكن نعلم وقتها أنَ الأطفال في سوريا لا يجدون مساحةً للحلم إلا عبر برامج الكرتون غير السورية. وكعادة التلفزيون السوري قاتلاً للبهجة، يتم قطع عرض الكرتون أو المسلسلات الاجتماعية المسائية بعشرات الإعلانات التجارية الطويلة، حتى نكاد نفقد القدرة على تذكر ما شاهدناه للتو وربطه بالأحداث التالية.

في إحدى المرات، كان العرض لبرنامج كان يا مكان الحياة، وهو برنامج علمي موجه للأطفال، تدور كل أحداثه داخل جسم الإنسان، لكن إعلاناً تجارياً قفزَ من الصمام الشرفي للقلب، لتظهر فيه امرأة جميلة تتغنى بشامبو ليليان وقدرته الفائقة على جعل الشعر ناعماً كالحرير. أذكر جيداً أني طلبتُ بإلحاحٍ من والدي شراء علبة من ذاك الشامبو، لكنه حاول مراراً إقناعي بأنَ المنتج الذي يُروَّج له بكثافة منتجٌ رديء، وليس بالضرورة أن يكون الإعلام صادقاً. غير أنَّ إصراري دفعه لشرائه فعلاً، و كان أسوأ من جميع توقعاتي.

منذ ذلك الحين وأنا لا أصدق الإعلام فعلاً، وبعد الثورة السورية، بدأتُ أقاطعُ الأخبار بين عدة مصادر حتى أُكوَّنَ قناعاتي أو مقارباتي الخاصة لأي معلومة. بالطبع، تصدرت إدلب ببلداتها وقراها ذات الأسماء الغريبة المشهد عبر السنوات الماضية، بين التظاهر والمعارك، وسيطرة هيئة تحرير الشام على معظمها لاحقاً. تبدو مصطلحات مثل «سيطرة» أشد قسوةً على شجر الزيتون في إدلب، الذي قرر الاحتفاظ بلونه الأخضر رغم تغير ألوان الجهات المسيطرة، ويبدو أننا نميل بفطرتنا الإنسانية للتعميم، لكن التعميم هذه المرة كان أحد الأسباب لصبغ مجتمع كامل كإدلب باللون الأسود.

لم أصدق يوماً أن إدلب سوداء كما يدّعون، أنا أثق بتلك الأرض لأني خبرتُ كيف تجدد نفسها بعد أن يحرقها الفلاحون إثر حصاد القمح أو الشعير، ولم تخذلني إدلب هذه المرة كما كل المرات السابقة. عبر معبر باب الهوى، دخلتها في آواخر أيام رمضان.

«يرجى الحفاظ على نظافة الحدائق»، كانت تلك إحدى اللوحات في ساحة المعبر، التي أعادتني لبداية الثورة، عندما امتنعت عن رمي القوارير الفارغة في الطريق لأن إحساسي أن سوريا أصبحت لنا، ولم تعد مزرعة لحافظ الأسد وأولاده، ما خلقَ لديَّ حالة أخلاقية تجاه المجتمع لم أكن أشعر بها قبل.

تنتشر على طول الطريق، من معبر باب الهوى مروراً بسرمدا ووصولاً إلى قريتي كفر يحمول، لوحات عديدة، منها ما يرحب بالقادمين ومنها ما يحمل علم الثورة وعبارات الحرية ومنها ما يحثهم على إطلاق اللحية والالتزام بالحجاب، وبجانبها على الجدران التي لم تُدمَّر بعد، صورٌ لمرشحي مجلس الشعب، وضعت هناك قبل الثورة بسنوات عديدة ولم يُلقِ أحدهم بالاً لإزالتها، فقد اعتاد السوريون على الصور في كل مكان، ودربوا أنفسهم على النظر إلى ما يريدون فقط. 

على الطريق القصيرة الواصلة بين المعبر وقريتي، مئات العائلات تحت أشجار الزيتون، بعضهم تمكَن من الحصول على الأغطية والطعام من سكان القرى القريبة من الكروم، وآخرون نزحوا حديثاً بسبب القصف الهمجي للنظام السوري والطائرات الروسية على مناطقهم في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، يحاولون البحث عن خيمة تقيهم شمس الصيف اللاذعة. معظم تلك العائلات من الأمهات والطفلات، إذ ارتفعت نسبة المواليد الإناث في العامين الماضيين، ولا تفسير علمياً لذلك إلا تفسير أم عاصم، النازحة من قرية الهبيط في ريف إدلب الجنوبي، وهو أن «سنة الأناتي حناطي»، وهي مقولة تقليدية تعني أن السنة التي تكثر فيها نسبة الإناث تترافق مع محصول وفير. يأتي هذا القول من باب التعويض المعنوي لذوي المولودة البنت، بالقول تارة أنها «رحمة»، وتارة أن الله يجبر «مصيبتهم» بالمحصول الوفير، لأن مجتمع إدلب، كباقي المحافظات السورية، ما زال يعاني من التمييز ضد النساء. 

رغم أن هذا العام منَّ على السوريين في مناطق الجزيرة وإدلب وحلب بمحصول وافر من القمح، إلا أنَ الحرائق التهمت معظمه وقضت على أحلام الفلاحين بكفاية أنفسهم وتحقيق آمالهم المعلّقة على الموسم. وللموسم حكايات وشجون في محافظة إدلب، فقد جرت العادة أن الفلاحين يؤجلون أفراح أولادهم حتى الموسم الذي يبيعونه ليأمنوا مصاريفهم، ويعدون أطفالهم بشراء الثياب الجديدة وقت قدوم الموسم.

تعمَّدَ نظام الأسد تجويع السوريين وقهرهم من أجل تركيعهم، وقد تسبب قصفه بالنابالم الحارق حسب رواية الأهالي باحتراق كثير من الأراضي، وبالتالي تدمير الأمن الغذائي في المحافظة. رغم تلك المأساة، إلا أن الأمَهات والجدات لا يجدن الأمر كارثياً طالما أنَّ إدلب ما زالت خارج قبضة النظام، فكلُّ  صعب يهون إلا دخول قوات الأسد إلى المحافظة، وهو أحد السناريوهات التي يروج لها الإعلام. تمتلك معظم العائلات مخزوناً قليلاً من القمح والشعير، وقد بدأت تستخدم الشعير وفول الصويا للخبز، وهي التجربة التي نقلتها لهم العائلات المهجرة قسراً من الغوطة الشرقية ومضايا والزبداني. الاندماج بين سكان إدلب من أصليين ونازحين ومهجرين قسرياً لا يتوقف عند هذا الحد، ففي مدينة إدلب مثلاً تجد محلات الفول والحمص الشامية والشاورما الحلبية جنباً إلى جنب الشعيبيات الإدلبية، وتكمن أعظم خلافات هذه المكونات حول اللبن «الشائط» الذي يمتاز به الأدالبة والحلبية، بينما يستهجنه أهالي دمشق وريفها.

في وقفة العيد، زرتُ قريتيّ كفريا والفوعة الشيعيتين، اللتين تعرَّضَ  سكانهما أيضاً للتهجير القسري، وعند القوس في مدخل كفريا، لم أكن قادرة أن أحدد مشاعري فعلاً، فأنا أعلم أن حزب الله والميليشيات الشيعية وشباباً من هاتين القريتين قتلوا جيرانهم في بنّش ورام حمدان وتفتناز على أساس طائفي مقيت، وقطعوا الطريق الواصل بين الريف المحرر ومدينة إدلب لخمس سنوات متواصلة، مما شكل عزلاً تاماً للريف ودرعاً واقياً للنظام بأجساد أهالي كفريا والفوعة. لكن ورغم كل التحليلات للصراع في سوريا، الذي قد يسميه البعض أهلياً أو طائفياً، إلا أن ثمة تفاصيلَ صغيرة للحياة اليومية تم تجاهلها في الإعلام، تارة بحسن نية وتارة من أجل تأجيج محركات الصراع. عند القوس، لم يتبادر إلى ذهني سوى رسالة أحد أطباء الفوعة لأصدقائه في معرتمصرين ورام حمدان وكفريحمول، يتمنى فيها لهم الخلاص من الظلم وأن يلتقيهم يوماً مهما طال الزمن، لذا طلب منهم المحافظة على داره وأرضه. قلتُ في نفسي «سامحونا يا جيران، لكن الظلم المطبق علينا هو ذاته المطبق عليكم، وسنلتقي يوماً على هذه الأرض». 

cc167e9e-54c7-469e-816f-4582ce7cc92e.jpeg

نازحون تحت ظلّ الزيتون في إدلب (الجزيرة)

بعد ذلك، مررتُ بالمخيمات العشوائية حاملةً في قلبي الشعور بالعجز والذنب تجاه هؤلاء الناس الذين كان ذنبهم الوحيد أنهم أرادوا العيش بكرامة، لكنهم هم ذاتهم لم يكونوا عاجزين أبداً. الرجالُ كانوا يجمعون بقايا البراميل والصواريخ التي انفجرت، والتي اعتادوا على التعامل معها بعد دورات نزع الألغام والوقاية من مخلفات الحرب التي تجريها منظمات محلية سورية. النساء كُنَّ يجلبنَ الماء من الآبار المالحة ويملأن به عبوات فارغة، ثم يُضفن بعدها مادة «الهودرو» أو بيكربونات الصوديوم التي تساعد على تبييض الغسيل، وذلك من أجل تنظيف «جلابيات» أزواجهنَّ البيضاء ليلبسوها صباح يوم العيد، وهي إحدى التقاليد المنتشرة في معظم المدن والأرياف السورية. بعد غسلها، تقوم النساء بطويها ولفها بقطعة قماش نظيفة، ونثر حبوب القرنفل بينها ثم الجلوس عليها في حال كانت المرأة ممتلئة، أو وضع كل الوسائد فوقها، ليتم كويها تلقائياً.

كنتُ واجمة أمام كل ذاك الحب للحياة، والإصرار على الفرح رغم كل الموت. اقتربتُ من إحدى الشجرات لأرى رجلاً يضع الحلوى في صحن كبير، ويفصل بين الراحة والملبس والشوكولا ليبدو كل نوع كأنه قطعة مثلثة من البيتزا. سألتُ العم أبا محمد: «هل تشعر فعلاً بالسعادة؟ ولماذا تكابر على مأساتك رغم أن ذلك غير مطلوب منك؟»، فأجابني مبتسماً وقد تراكمت التجاعيد تحت عينيه المتعبتين: «أنا لا أكابر، أنا سعيد حقاً لأنني ما زلتُ وزوجتي وأطفالي على قيد الحياة، نحن لا نملك أسلحة، لكننا نملك الإيمان بالثورة لننتصر على بشار الأسد». 

عدتُ إلى المنزل خجلة من نفسي التي تملَّكَها اليأس، فكيف لي أن أيأس وما زال أصحاب المعاناة مؤمنين بقدرتهم على المقاومة؟

حينما حلَّ المساء، أتت أم أحمد، إحدى النازحات من معرة نعمان، إلى دكان أمي لشراء الألبسة؛ أمي، مُدرّسة الابتدائي، كحال كثير من السيدات، قررت أيضاً الاستمرار بالحياة وخلق حلقتها الاقتصادية الخاصة عبر دكانها الصغير. أم أحمد، لديها طفلان، أحمد بعمر ست سنوات وربا بعمر أربع سنوات، وبناءً على طلب أحمد، اشترت شورتاً أزرق وقميصاً أبيض عليه رسمة باللون الأحمر، وطلبت تبديلهم في حال لم يناسب مقاسهم أحمد الذي أصرَّ أن يذهب مع والده إلى المعرة ليحضرا بعض الأشياء الضرورية من البيت رغم شدة القصف.

في اليوم التالي، أتت سلفة أم أحمد وطلبت تبديل الشورت والقميص بمقاس أصغر، بحيث تناسب طفلاً  يبلغ عمره ثلاث سنوات. استغربت أمي طلبها، لكن المرأة أخبرتها أن أحمد استشهد مع والده في اليوم السابق، وأم أحمد طلبت من سلفتها أن تُلبِسَ الثياب لابنها علّها تتخيل أحمد وتشعر بروحه مجسدة أمامها. التزمتُ الصمت بشكل كامل خلال زيارتي لإدلب، كنتُ أشعرُ أنني في مواجهة معاناة ومواقف عظيمة تبدو كل الكلمات سخيفة أمامها.

في معرتمصرين، لم تتوقف المراجيح و ألعاب العيد مرةً، كل عيد تنتصب في الساحة، ويغصّ السوق بالبسطات والناس. وقفتُ عند إحدى بسطات الألعاب لأشتري سيوفاً بلاستيكية ومسدسات خرز و«باربي» لبنات وأبناء إخوتي، مينا وتاليا وهبة وعز الدين ووطن. كان أطفالٌ كثرٌ يتحلّقون حول العربة، وألحَّت طفلةٌ صغيرةٌ على رجل عجوز يبدو أنه جدها، أن يشتري لها «باربي»، إلا أن الرجل سحبها بقسوة من يدها، ومضى، دون أن تبكي الطفلة أو تتأفف، ثم عاد الرجل وقال للبائع: «أعطني تلك الدمية، أخاف أن نُقتل بالقصف خلال عودتنا وتبقى الدمية أُمنية معلقة عند الطفلة». لم يكن تصرف الجد غريب، فقد اعتاد أجدادنا أن يقولوا لآبائنا: «لا تكسروا قلب فتاة، فهؤلاء رحمة يوم القيامة».

قبل أن أغادر إدلب، نظرتُ إلى آلاف أشجار الزيتون واقتربتُ من أحد الكروم، لأجد الأشجار متّسقة ضمن صفوف، فاخترتُ الرابعة ضمن الصف الثاني، ونزعتُ دبوساً من حجابي، لأكتب «باقون ما بقي الزيتون، 24 حزيران 2019».