الساعات الحاسمة في معركة خان شيخون

 

تعددت التحليلات خلال الساعات الماضية حول الوجهة التالية لقوات الأسد وروسيا بعد وصولها إلى نقاط على طريق حلب دمشق الدولي شمال خان شيخون، ودخولها إلى الحي الشمالي في المدينة، كما تعددت التفسيرات حول أسباب عدم دخول هذه القوات إلى خان شيخون بشكل كامل، وكذلك إلى كفرزيتا واللطامنة بريف حماة الشمالي، رغم الحديث عن انسحاب معظم مقاتلي فصائل المعارضة من تلك الجبهات. كذلك تضاربت الأحاديث والتحليلات بين تسريبات عن مفاوضات روسية تركية مفترضة حول مصير المنطقة، وبين استعداد فصائل المعارضة لشن عملية معاكسة تبعد عن ريف حماة الشمالي وخان شيخون شبح الحصار والسقوط.

إلّا أن سيطرة قوات النظام قبل ساعات قليلة من هذا اليوم، الحادي والعشرين من آب 2019، على تل ترعي قرب بلدة سكيك شرق خان شيخون، وتوجه أرتال مدرعة من ذلك المحور باتجاه حاجز الخزانات قرب خان شيخون، يتجاوز الجدل الحاصل والتكهنات المرافقة له، لأن هذا التقدم يعني أن مناطق سيطرة فصائل المعارضة في ريف حماة الشمالي قد باتت محاصرةً بشكل كامل بعد أن قُطعت عنها كافة طرق الإمداد، ومعها نقطة المراقبة التركية التاسعة المتواجدة في مدينة مورك.

المعركة مستمرة

لا تزال أعمال القصف والمعارك مستمرة على جبهات ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، وتشارك روسيا إلى جانب قوات النظام وميليشيات إيرانية في هذه المعارك على نحو غير مسبوق، شمل مشاركة قوات روسية برية بشكل معلن بحسب تصريحات وزير الخارجية الروسي يوم أمس. إلا أن قوات النظام وحلفائها كانت تتقدم بشكل حذر بعد سيطرتها على حاجز الفقير وتل النمر قرب خان شيخون يوم الاثنين الماضي، ثم تقدمها لحصار خان شيخون بالالتفاف عليها من جهتين الشمالية والشمالية الغربية، وكذلك الشرقية التي شهدت معارك عنيفة استخدمت فيها قوات الأسد غارات الطيران المكثفة والأرض المحروقة، قبل التقدم البري الليلي بأسلحة يصفها مقاتلو فصائل المعارضة بالجديدة والنوعية، وسط حديث عن انسحاب المقاتلين من خان شيخون وتوجههم إلى حاجز الخزانات ومدينة مورك إلى الجنوب.

وبالرغم من تصريحات فصائل المعارضة عن إعادة تمركزها بعيداً عن خان شيخون وكفرزيتا واللطامنة، وانسحابها من جبهات في المنطقة، إلّا أن قوات الأسد لم تغامر بالدخول إليها والتمركز داخلها، واكتفت بالسيطرة على الأحياء الشمالية للخان والتوقف عند هذا الحد خلال الساعات الماضية، بعد أن صدت الفصائل محاولة وصولها إلى لطمين الواقعة بين اللطامنة وكفرزيتا ومورك، وهي المحاولة التي كانت في حال نجاحها ستؤدي إلى تقسيم جيب ريف حماة الشمالي شبه المحاصر أصلاً إلى قسمين، بحيث يتم عزل كفرزيتا واللطامنة عن بعضهما وعن مورك.

وقد ترافق تقدم قوات النظام الحذر مع قصف جوي مكثف على المناطق التي يُفترض أنها باتت خالية من مقاتلي الفصائل، وعلى المناطق المحيطة بها في ريف إدلب الجنوبي، والتي تمثل خطوط الإمداد الرئيسية للمعارضة من جهة التمانعة، وذلك عبر طرق زراعية في منطقة يزيد طولها عن ثمانية كيلو مترات، وقد تركز القصف على وجه الخصوص على المدن والقرى الممتدة من التمانعة إلى معرة النعمان شمالاً.

هل انسحبت الفصائل من ريف حماة الشمالي بالفعل؟

أجمع المقاتلون الذين تواصلت الجمهورية معهم خلال الساعات الماضية على أن ساعات فجر يوم أمس الثلاثاء شهدت انسحاباً على شكل مجموعات للقوات المرابطة في خان شيخون واللطامنة وكفرزيتا، وذلك لأسباب اختصرها المقاتلون بالقصف الشديد وندرة الأسلحة الثقيلة، نافين ما تناقلته وسائل الإعلام عن أن سحب هذه الأسلحة قد تم قبل خمسة عشر يوماً من الهجوم.

كذلك تحدث المقاتلون عن الضغط النفسي الكبير الذي تعرضوا له جراء تمركزهم في مناطق يبدو أنها ذاهبة نحو حصار حتمي، إلّا أن السبب الرئيسي لانسحابهم بحسب قولهم راجعٌ إلى الخذلان الذي تعرضوا له من قبل الفصائل المتواجدة خارج جيب ريف حماة الشمالي، والتي كان من المقرر أن تشن حملة عسكرية على الخطوط الخلفية لقوات النظام انطلاقاً من مواقعها في ريف إدلب الجنوبي، إلا أن عدم تنفيذ الحملة أعطاهم شعوراً بأنه قدم التخلي عنهم، وأنهم سيواجهون الحصار بمفردهم وبدون أسلحة نوعية كافية لصد قوات النظام.

وهكذا انسحب المقاتلون على شكل مجموعات دون قرار من قيادة غرفة العمليات بالانسحاب، وتوجهوا نحو مورك وحاجز الخزانات بين مورك وخان شيخون، ثم خرجت أعداد كبيرة منهم عبر طرق زراعية إلى التمانعة خارج الجيب المهدد بالحصار، حتى باتت جميع القرى والبلدات والجبهات والمواقع عدا مورك وحاجز الخزانات خالية من المقاتلين، باستثناء بعض المجموعات الصغيرة التي رفضت الانسحاب.

في أعقاب هذه الأحداث، تم توجيه اتهامات للفصائل ببيع المنطقة والإعلان عن سقوطها قبل دخول قوات الأسد إليها، وجرى الحديث عن اتفاقيات بين روسيا وتركيا وتفاهمات من تحت الطاولة، تقضي بتسهيل دخول هذه القوات وسيطرتها على ريف حماه الشمالي الذي يمثل أهمية استراتيجية كبيرة، خاصة مع توقف الرتل التركي الذي استهدفته قوات الأسد خلال توجهه إلى خان شيخون، والردود التي وصفت بالضعيفة من جانب الحكومة التركية على هذا الاستهداف.

ومما عزّز هذه المقولات، أن النقطة التركية في مورك لم تحرّك ساكناً بحسب بعض المقاتلين الذي تواصلنا معهم، والذين قالوا إن «النقطة التركية كانت هادئة، ولم يلاحظوا أي تغير في عملها المعتاد»، كما أكدوا أنها لم تتواصل مع المقاتلين ولم تبلغهم بأي قرارات أو توجهات.

khryt.jpg

الخريطة من إعداد مركز نورس للدراسات
الخريطة من إعداد مركز نورس للدراسات

سيناريوهات مفترضة سابقة للحصار

تداول صحفيون ومحللون سياسيون أتراك من المهتمين بالشأن السوري أحاديث عن تفاهمات روسية تركية، وذلك بعد تصريحات لوزير الخارجية التركي تحدث فيها عن إبقاء النقطة التاسعة في مورك وعدم انسحابها، محذراً الأسد من اللعب بالنار وفق تعبيره. وتقضي هذه التفاهمات المفترضة بانسحاب كامل لقوات الأسد من خان شيخون والتلال المحيطة بها ونقاط تمركزها الجديدة على الطريق الدولي، مقابل تسليم مدينتي اللطامنة وكفرزيتا لقوات النظام.

وتقول هذه التسريبات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تتم نسبتها إلى جهة محددة، إن هذا الاتفاق سيفضي إلى تفاهم روسي تركي لتنفيذ ما كان قد اتُّفقَ عليه عليه سابقاً في أستانا، من تسيير دوريات تركية روسية مشتركة على الخط الدولي M5 والمناطق المحيطة به، وهو الأمر الذي كان قد قوبل بالرفض من معظم الفصائل المعارضة؛ وكذللك إبعاد هيئة تحرير الشام عن المنطقة منزوعة السلاح الثقيل، التي تم الإعلان عنها في اتفاق سوتشي أيلول الماضي.

من جهة أخرى، بدت التصريحات الأميركية بوجوب توقف العمليات العسكرية في إدلب، وإدانة استهداف الرتل التركي، كما لو أنها ضوءٌ أخضر لتركيا ودعمٌ غربي كاملٌ لها، في وقت كانت فيه قوات النظام قد أوقفت تقدمها البري، ليبدو الأمر كما لو أنه تمهيد للإعلان عن اتفاق جديد سيظهر للعلن تجنباً لمواجهة مباشرة مع القوات التركية، التي أرسلت طائراتها الحربية إلى سماء المنطقة للمرة الأولى.

في الوقت نفسه، بدأ الرتل التركي الذي عرقلت قوات النظام تقدمه بإنشاء نقطة مراقبة جيدة له قرب حيش شمال خان شيخون، وعاد المقاتلون الذي انسحبوا من جبهات ريف حماة الشمالي إلى مواقعهم على جبهات كفرزيتا واللطامنة منذ مساء أمس، وهو ما بدا استعداداً لعمل عسكري معاكس يبعد شبح الحصار والسقوط عن المنطقة، الأمر الذي تم تفسيره بأن تركيا تنوي فرض الاتفاق الجديد بالقوة إذا لم تستجب روسيا لطلباتها عبر التفاوض، وذلك من خلال تقديم دعم لوجستي وأسلحة نوعية للفصائل السورية المعارضة، خاصة وأن عدداً من الفصائل المدعومة تركياً كالجبهة الوطنية للتحرير و«الجيش الوطني» موجودة بالفعل وبقوة ضمن غرفة عمليات الفتح المبين، التي تشكلت لصد هجوم قوات الأسد على إدلب وريف حماة، والتي تضم هيئة تحرير الشام وجيش العزة أيضاً إلى جانب هذه الفصائل.

تل ترعي تقلب الطاولة

مع سيطرة قوات الأسد على تل ترعي شرق خان شيخون، وفي حال نجحت في السيطرة أيضاً على حاجز الخزانات بين خان شيخون ومورك، فإن جيب فصائل المعارضة في ريف حماة الشمالي سيكون قد بات محاصراً بشكل كامل، وفي داخله مئات من مقاتلي فصائل المعارضة بمن فيهم أولئك الذين خرجوا من الحصار المحتمل ثم عادوا إليه، ومعهم نقطة المراقبة التركية التاسعة، معزولين تماماً وبلا أي خطوط إمداد، بما فيها الطرقات الزراعية التي ستكون مكشوفة تماماً لجميع التلال الحاكمة التي سيطرت عليها قوات النظام في محيط المنطقة.

يبدو إذن أن التفاهمات الروسية التركية قد فشلت في الوصول إلى حلّ يرضي الجانبين، وتظهر روسيا أكثر من أي وقت مضى مستعدة لخوض معركة كسر عظم لفرض إرادتها على المنطقة، وهو ما بدا جلياً في كلام الرئيس الروسي بوتين خلال لقائه مع الرئيس الفرنسي ماكرون، عندما ردّ على دعوة الأخير إلى إيقاف المعارك في إدلب، مؤكداً استمرار بلاده في دعم النظام السورية في حربه على «الإرهابيين».

لا نعرف على وجه اليقين ما هي الاتفاقات الأصلية المبرمة تحت الطاولة بين تركيا وروسيا، لكن المؤكد أن روسيا تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض لم يكن متفقاً عليها، وتشير إلى ذلك على وجه التحديد عودة المقاتلين إلى جبهاتهم بعد انسحابهم منها، وهو الأمر الذي ما كان ليحدث لولا أن لديهم شعوراً بأنه لن يتم التخلي عنهم، غير أن سقوط تل ترعي وقرب اكتمال الحصار بعد عودتهم يترك انطباعاً بأن مخططات تركيا وفصائل المعارضة ليست متماسكة ولا متفقاً عليها بشكل محكم، وأن تركيا تواصل مفاوضاتها السرية مع روسيا حول مسائل لا يعرف عنها المقاتلون السوريون شيئاً، ويدفعون ثمنها من دمائهم ودماء أهلهم.

في الوقت الذي تتم فيه كتابة هذه السطور، يحاول مقاتلون إبعاد شبح الحصار على جبهتي تل ترعي وحاجز الخزانات، وتواصل روسيا أعمال القتل والتهجير والمذابح، وفي حال اكتمال طوق الحصار فعلاً، وفشل محاولات كسره، فإنه لن يكون أمام مقاتلي الفصائل والجنود الأتراك في نقطة المراقبة في مورك سوى إخلاء الجيب المحاصر وتسليمه بالتفاهم مع روسيا والنظام السوري.