الستر الصفراء، ما الذي يحدث في فرنسا!؟

 

قبل أيام من اندلاع احتجاجات الستر الصفراء في فرنسا، فاز الكاتب الشاب نيكولا ماتيو Nicolas Mathieu بأرفع جائزة أدبية فرنسية عن روايته أطفالهم من بعدهم.1 فوزه بالغونكور Goncourt كان اعترافاً من الوسط الأدبي الفرنسي بهذه الموهبة الشابة، وبأهمية محاولته في القبض على لحظة الاحتضار التي تعيشها بلدات الشرق الفرنسي المحيطية. هذه البلدات التي ما أن هجرتها الصناعة، نتيجة سياسات الحكومات والشركات الفرنسية الراغبة في التحول إلى مجتمع خدمات وتقانة، وفي زيادة تنافسيتها في عالم معولم، هجرتها خدمات الدولة من مشافٍ ومراكز رعاية صحية ومدارس وسكك حديدية. بلدات التحقت النواة الصلبة من قاطنيها بالمدن الكبرى، فلم يبقَ فيها إلا بعض الموظفين والعمال الزراعيين والمهنيين وصغار الكسبة، بسياراتهم التي تُمكّنهم من البقاء في أرض آبائهم ومن التمتع بخدمات الحواضر المجاورة في الوقت نفسه. سياراتهم التي يمكنها الحفاظ على آخر روابطهم بالعالم الذي طالما أكد رغبته في هجرانهم. سيارات يُفترض بها أن تحتوي سترة صفراء، غيابها قد يُعرّض صاحبها لغرامة قيّمة ووجودها يمكن أن يُنجد الفرنسي في وقت المحن، عند تعرضه لحادث أو عدم قدرته على إكمال دربه. كما يفترض بها أن تجعله مرئياً للآخرين فيهبّوا لمساعدته في محنته، أو على الأقل يتمكنوا من رؤيته ويتجنّبوا دهسه وهم ماضون في دربهم.

كثيرٌ من الفرنسيين يرتدونها اليوم. مالذي حدث؟

*****

تمكّن ماكرون من الوصول إلى الإليزيه في غفلة من الفرنسيين، مُستغلاً بلوغ المجتمع السياسي الفرنسي لحظة غير مسبوقة من التشظّي قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة. فإن كانت بنية الاتحاد الأوروبي وإملاءاته وقسوة العولمة النيوليبرالية على دولة الرفاه الفرنسية السبب الرئيسي في صعود اليمين واليسار المتطرفين، فإن الأزمة المالية التي عصفت بفرنسا في عام 2008 وظهور داعش قد ساهم في تعزيز زخم هذه التيارات وأطروحاتها المعادية لأوروبا والهجرة والتنوع الثقافي، وفي تعميق حاضنتها الشعبية. علاوة على ذلك، كانت انتخابات 2017 بمثابة ورقة نعوة للحزب الاشتراكي الديمقراطي بسبب حصيلة الرئيس السابق فرانسوا هولاند بالغة التواضع، وصعود اليسار المتطرف والانشقاقات والخيانات التي سببها ترشح ماكرون في صفوف الحزب.

جاءت فضيحة فرانسوا فيون2 وتمسّكه بالاستمرار في حملته لتقضي على حظوظ اليمين الجمهوري في السيطرة على المشهد السياسي وتوسِّعَ انقساماته. في ضوء هذا التحلّل السياسي ظهر ماكرون بخطابه المليء بالصوابية السياسية، والذي يدعو إلى تجديد الحياة السياسية عبر خطاب لا تقلّ جاذبيته عن سذاجته، داعياً الفرنسيين إلى تجاوز الانقسام بين اليسار واليمين وداعياً السياسيين إلى القفز من مراكبهم الغارقة وحجز مقاعدهم في مركبة السلطة المسمّاة حزب الجمهورية إلى الأمام.

بالكاد تفوّقَ على ثلاثة من منافسيه في الدور الأول من الانتخابات الرئيسية. وصلت مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبين إلى الدور الثاني. انتخب ربع الناخبين الورقة البيضاء، البعض انتخب ماكرون عن قناعة وبعضهم انتخب لوبين عن قناعة إلا أن كثيرين انتخبوا ماكرون كي لا يحكمهم طاعون الجبهة الوطنية.

رغم تواضع شرعيته السياسية، استهلّ ماكرون فترته الرئاسية بالتأكيد على أن فرنسا تحتاج إلى رئيس يضاهي جوبيتر في سلطته3، إله يحكم الأرض والشمس وغيره من الآلهة. أراد الموظف البنكي السابق المعتاد على أجواء الإدارة أكثر من أجواء السياسة أن تتحول الدولة الفرنسية إلى start up nation. اجتمع بالأغلبية النيابية التي حققها حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي قام بتأسيسه قبيل الانتخابات الرئاسية في قصر فرساي الشهير على غير العادة، تعهّد أمامهم بالمضي في إصلاحاته الهادفة إلى «إعادة الحيوية للاقتصاد الفرنسي» و«جذب الاستثمارات»، وساعدوه في تعديل قانون العمل وقوانين الشركة الوطنية للقطارات وعدد من الإصلاحات الضريبية، وغير ذلك مما يهدف إلى «تعزيز التنافسية» في مجتمع يضم ما يقارب الثلاثة ملايين عاطل عن العمل. استغلَّ لحظة الضعف الألمانية ليظهر أمام الكاميرات زعيماً لأوروبا، مضى على درب من سبقوه في إخضاع فرنسا لإملاءات بيروقراطيي بروكسل رغم عدم رضى شرائح واسعة. أعلن عن رغبته في التصالح مع العالم الخارجي كما هو4، ليلتحق بركب الواقعية الأوبامية بل ويتجاوزها عبر تعيين سفير بلاده في إيران مبعوثاً في سوريا5.

باختصار، يرغب ماكرون الالتحاق بركب مارغريت تاتشر ورونالد ريغين بعد ما يزيد ربع قرن على انطلاقه، عبر الإسراع في القضاء على ما تبقّى من دولة الرفاه الفرنسية، في لحظة تاريخية يتهاوى فيها عمران هذه العولمة النيوليبرالية بطريقة مثيرة للدهشة، وفي مجتمع يحتفي بعمق بقيم العدالة والأخوة كما الحرية، وبسذاجة تعتقد أن كسل الفرنسيين هو السبب الوحيد في بطالتهم المتفاقمة6.

بعد سنة من السير بفرنسا باتجاه هذه الرؤية الماكرونية القاسية والمتعالية، ورغم تشظّي المجتمع السياسي والدعم الذي تلقته هذه الرؤية من عمالقة الميديا والمال، توالت علامات التعجب والأزمات. رئيس باذخ، متعال، عدائي مع الميديا وغائبٌ عنها رغم دعمها له. منح حاشيته سلطات لا يمنحها القانون7، أو لم تعتد التقاليد الفرنسية أن تقبلها8. برلمانيو حزبه لا يختلفون عنه في خطبهم الساذجة والمتعالية التي تصدح على الكثير من الشاشات، نجم حكومته وزير البيئة نيكولا هولو يستقيل من الحكومة9 بسبب عدم قدرته احتمال تعاظم الإملاءات التي تفرضها اللوبيات الصناعية على رؤيته البيئية. حزب الجمهورية إلى الأمام، الذي بناه ماكرون، يظهر هشاشته عبر استقالة وزير الداخلية كولومب10 بالإضافة إلى عدد من الوزراء الآخرين. علامات ازداد تسارعها في الفترة الأخيرة لتهبط بشعبية ماكرون إلى مرحلة غير مسبوقة11.

خليفة باراك أوباما، وزميل ماتيو رانزي، زعيم ما تبقّى من العالم الحر والصوابية السياسية والممثل الأكثر جموحاً للعولمة النيوليبرالية، لا يبدو أنه سيختلف عنهم في الميراث الترامبي ذي النجوم الخمسة.

*****

يرى أخصائي الخرائط الفرنسي المرموق أٌرفي لو برا Hervé Le Bras أن الستر الصفراء تضيء ما يسميه «المِيل الفارغ» من خريطة فرنسا12، وهو الخطان الواصلان شرق فرنسا الشمالي بجنوبها وجنوبها الغربي. وما يميز هذا الامتداد الجغرافي هو كثرة البلدات المحيطية وخلوه من المدن الكبرى ونزوح قاطنيه باتجاه هذه المدن بعد سياسات نزع الصناعة التي عرفتها هذه الأقاليم، وبعد تدهور حالة العاملين في الزراعة نتيجة إملاءات الاتحاد الأوروبي. ويرى لو برا في تقاطع هذه الخريطة (على يسار الصورة) مع خريطة وقت استخدام السيارة للوصول إلى الخدمات الحضرية من مشافي وصيدليات، مدارس أو مراكز ترفيه (الخريطة على اليمين) تأكيداً على ارتباط هذه الحركة بتردّي أوضاع الفرنسيين في المناطق الطرفية. يؤكد لو برا أيضاً أن خريطة حضور الستر الصفراء لا تتقاطع بكثافة ذات دلالة مع خريطة انتشار الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) أو فرنسا الأبية (اليسار المتطرف).

تعرف هذه البلدات، منسيّة الذكر في الفضاء العام الفرنسي، تنوعاً واسعاً على الصعيد المهني وهو ما يمكن أن يساعد على فهم سبب عدم قدرة هذه الحركة على بناء خطاب سياسي متماسك أو حتى خطاب مطلبي موحد13. إلغاء الضريبة على وقود سياراتهم كان من المطالب الرئيسية التي وحّدتهم، كما وحّدهم مطلب إعادة الضريبة على الثروة التي ألغاها ماكرون ليمنح أغنياء فرنسا هديّة ذات دلالة. مطالب أخرى دعت إلى تعزيز العدالة الضريبية عبر خفض ضرائب الفقراء ورفع ضرائب الأغنياء والشركات متعدية الجنسية ودعوة الدولة إلى دعم صغار الكسبة والمتقاعدين وإعادة الخدمات إلى المناطق الريفية. كما اتفقوا على المطالب الداعية إلى رفع القدرة الشرائية عبر رفع الحد الأدني للأجور. من جهة أخرى استهدفت بعض مطالبهم بنية العقد الاجتماعي للجمهورية الخامسة برمته، فطالبوا بتطعيم الديمقراطية التمثيلية التقليدية بإجراءات مستقاة من الديمقراطية المباشرة، ولم يُخفوا عداءهم للطبقة السياسية الفرنسية، بل وطالبوا بحلّ مجلس الشيوخ ووضع حد أعلى لأجور البرلمانيين (15 ألف يورو). على النقيض، لم تُخفِ الستر الصفراء سأمها من الصوابيات السياسية فيما يتعلق بالهجرة والتعددية الثقافية، فدعت إلى ضبط أكثر صلابة للحدود وإلى إجراءات أكثر صلابة في إدماج اللاجئين.

حاول كثيرٌ من السياسيين الفرنسيين الالتفاف على الحركة والتقرب منها للتحول إلى ناطق باسمها، ولتحويلها إلى أداة ابتزاز سياسي للحكومة الحالية. كانت هذه حال جان لوك ميلونشون، زعيم فرنسا الأبية، كما هي حال مارين لوبين، زعيمة الجبهة الوطنية، أو لوران فاسكيز، زعيم اليمين الجمهوري وغيرهم من السياسيين الأقل حضوراً. لم تنجح هذه المحاولات في الوصول إلى هدفها، ولكنها لا يمكن أن تسأم المحاولة. يتفق اليمين المتطرف مع نقيضه من اليسار على مطلب حلّ الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات مبكّرة، ولكن هذا الخطاب لم يكسب بعد الصدى المطلوب ضمن جمهور الحركة أو الطبقة السياسية أو لدى عموم المجتمع الفرنسي، كي يتحول إلى مطلب جدّي. في العموم، يمكن القول إن الطبقة السياسية بيمينها ويسارها، غير المتطرفين، قد تفاجأت بهذه الحركة ولا يبدو أنها تمكنت بعد من صياغة خطاب سياسي قادر على مجاراتها.

أحد أسباب هذا الارتباك هو ذلك التعارض الظاهري الذي تثيره مطالب الحركة بين نهاية الشهر التي يستقبلها قطاع واسع من الفرنسيين بجيوبٍ فارغة، ونهاية العالم التي يستدعيها تصاعد حدّة الاحتباس الحراري. مطلب الحركة بإلغاء الضريبة على الوقود يظهر في الوقت ذاته بوصفه دعوة إلى تقليص الإنفاق الحكومي على الإجراءات الهادفة لخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وغيرها من الجهود البيئية التي تقودها الحكومة. وبذلك، تجد شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الفرنسية وممثليهم السياسيين ممن تسمح لهم الحواضر الكبرى التي يقطنون فيها باستخدام النقل العمومي عوضاً عن سياراتهم، أن هذه الحركة ومطالبها ذات نزعة شعبوية مخيفة، ساذجة ورجعية.

حاول ماكرون وحكومته تجاهل الحركة والتعويل على تواضع حواضنها الشعبية فرفضوا مطالبها، ولكن اتّساع نطاق الحركة وقدرتها على التحوّل إلى خبر أول في نشرات الأخبار وكسب قطاعات متزايدة من الرأي العام الفرنسي أجبرهم على تعليق الارتفاع الضريبي لمدة ستة أشهر بهدف إطلاق حوار وطني حول هذه الإجراءات. لم يتمكن ذلك من تهدئة غضب الستر الصفراء، فأعلنت الحكومة إلغاء هذه الزيادة الضريبية لعام 2019 ولكن لا يبدو أن هذه الإجراءات قادرة على حلّ هذه الأزمة أو حتى امتصاصها.

*****

تتصاعد حدة احتجاجات الستر الصفراء وتتسع قواعدهم الشعبية بالإضافة إلى تناقضاتهم المطلبية. قطاعات واسعة من عمال المدن الفقراء ضمت صوتها إلى صوت الحركة. طلاب المدارس أعلنوا دخولهم إلى عالم الحركة من بابها الواسع14. الكثير من النقابات والحركات السياسية أعلنت عن دعمها للحركة بما فيها بعض نقابات الشرطة. السبت الذي افتتح شهر أعياد الميلاد شهد تحوّل عاصمة الأنوار إلى ساحة من المعارك بين المتظاهرين وقوات حفظ النظام، بما يذكّر بمشاهد العنف التي عاشتها باريس في أيار 1968.

لا يرى المؤرخ الفرنسي المرموق جيرار نواريل15 Gérard Noiriel في هذا العنف الذي شهدت عليه الشاشات خروجاً عن تقاليد الصراعات الاجتماعية، بل ويعتبر أن العنف الذي تعيشه فرنسا جزءٌ من الرسائل السياسية التقليدية بين المحتجين والحكومة، وأن حدته الظاهرة ليست نشازاً مثيراً لقلق المؤرخ وإنما دليلاً على عمق عملية نزع العنف من الفضاء العام الفرنسي. يبدو اختيار واجهة فرنسا السياحية، الشانزيليزيه، كمسرح لهذا العنف كرسالة لا تخلو من دلالة. يبدو وكأن أصحاب الستر الصفراء يودون القول إن صورة فرنسا الخارجية البرّاقة، التي نجح ماكرون في إنعاشها عبر إطلالاته المدروسة، يجب أن تتمزق لأنها لا تعكس ما يغلي في داخلها.

من جهة أخرى، لا تتوقف الميديا عن مقابلة ناشطي الحركة وجمهورها. ندرة منهم تدّعي نطقها باسم الحركة، أغلبهم يتحدث بصفته الشخصية. جميعهم يعبّر عن غضبه من سياسات الحكومة ومما تعيشه فرنسا منذ زمن طويل. يفشل كثيرٌ منهم في تحويل غضبه إلى مطالب سياسية واضحة، بل وبعضهم يتفوه بحماقات سياسية يصعب أن تُغتفر، ولكن كثيراً منهم أيضاً يعبر عن امتنانه لهذه الحركة التي منحتهم الفرصة للخروج من عزلتهم وتشارك همومهم مع فرنسيين آخرين. إنهم لم يعودوا مجرد أفراد كما تريد العولمة النيوليبرالية وإنما مواطنين أيضاً.

*****

لا تقلّ سجالات الساحة الفكرية الفرنسية سخونة عن معارك الميادين العامة في فرنسا. أغلب مثقفي فرنسا قدّموا تحليلاتهم وآراءهم بخصوص طبيعة الحركة وآفاقها ومصائرها. طيف لا يستهان به عبَّرَ عن قلقه من الحركة ومصائرها، فقارنها بحركات رجعية عرفتها فرنسا كانتفاضات الجاكري Jacquerie الفلاحية الرجعية أو البوداجيسم Poudajism، التي مثلت تجلياً حديثاً للجاكري، والتي انتهت إلى رفد اليمين المتطرف وإنعاشه، والتي كان دخول جان مارين لوبين إلى عالم السياسة أحد نتائجها.

الماركسي جان كلود ميشا Jean-Claude Michéa وجد في الحركة دليلاً على انتعاش الصراع الطبقي، فهي تقف على النقيض من حركة «المرابطون ليلاً»16  Nuits debout، والتي تمثل محاولة 10 بالمائة من سكان فرنسا الأكثر تعلماً وتأهيلاً مواجهة الواحد بالمائة القابضة على الثروة والسلطة. إنها هذه المرة مواجهة تجمع «القاع» المجتمعي، الذي يدعمه 75% من الفرنسيين، الغائب عن شاشات التلفزة وعن الحوار العام، مع النخبة نفسها وغايتها تقويض النظام القائم برمته17. يساريون آخرون تحمسوا للحركة بل وشاهدوا فيها طيف حركة السان كيلوت sans culottes أو الثورة الفرنسية، بل إن بعضهم وجد فيها ما يشبه انتفاضة مايو\أيار 1968.

مثقفون يمينيّون، كآلان فنكلكروت Alain Finkielkraut أبدوا حماسهم للمطالب الهوياتية الداعية للجم الصوابية السياسية والفاشية النيوليبرالية التي تفرضها العولمة، ولكنهم أبدوا تخوّفاً من تناقضات وعبثية مطالبها الضريبية18.

من جهة أخرى، ينتهز عالم الإناسة والجغرافيا والخرائط ايمانويل تود emmanuel todd فرصة اندلاع هذه الاحتجاجات ليعبر عن عمق احتقاره للنخب الباريسية، وبخاصة الماكرونية، ويدين سطحيتها وانفصالها عن مجتمعاتها، ويدين هذا الشكل من العولمة الذي يقسم المجتمعات إلى جزيرة من النخب المؤهلة بدرجات عالية والتي لا تمل من ادعاء الكونية، وبحر من المهمشين الذين تحولوا إلى مفعول به عاجز عن التعاطي مع واقع العولمة القاسي وتواطؤ نخبهم19.

علاوة على ذلك، يرى رافاييل غلوكسمان Raphael Glucksmann، مؤلف كتاب أطفال العدم وأحد مؤسسي حركة الساحة العامة Place publique الجديدة، أن الستر الصفراء هي تعبير عن عمق الأزمة التي تعيشها فرنسا نتيجة رغبة نخبها، يساراً ويميناً، بالالتحاق بركب العولمة النيوليبرالية والتخلي عن نموذج الاشتراكية الديمقراطية الذي يعود إليه الفضل في رفاه الفرنسيين وفخرهم، وأنها تعبير عن أزمة المضيّ بالنزعة الفردانية إلى آخرها، والتخلي عن كل ما يمكن أن يشوبه احتمال النزعة الجماعية بعد تهاوي المنظومة الاشتراكية20.

*****

حدثٌ مركزي أشعلته جموع متباينة من الناس، من غير المسيّسين، والمنحدرين من بيئات متواضعة التعليم والتأهيل، جمعهم تعامي النظام و«المجتمع» عن وجودهم، انفجروا بعد أن قصمت شعرةٌ ظهر البعير، دون وجود أي أطر ناظمة، بتصميم وغضب مفاجئين، كثيراً ما يُترجم إلى عنف يثير نفور شرائح واسعة من الطبقات الأكثر تعليماً وتأهيلاً، وقلما يُترجم إلى خطب سياسية واضحة. مطالب كثيرة ومتناقضة، ورغبة في الانتفاض دون التلوث بالسياسة في بحر من النخب السياسية البائسة التي ترغب ركوب الحدث واستثماره لتحقيق أجنداتها السلطوية القاصرة. هذه الكلمات التي تسعى إلى توصيف بدايات حركة الستر الصفراء تجد نفسها، وبطريقة لا تخلو من دلالة، تصف مرحلة مركزية من الانتفاضة السورية، مرحلة هجرة التظاهرات السلمية إلى الأحياء الشعبية والبلدات الريفية وما يليها.

قد أكون موفقاً في التقاط تشابه البدايات، إلا أن مصير حركة الستر الصفراء يُستبعد أن يكون مشابهاً. فقد تتسبب هشاشة بنيانها وضبابية خطابها وكثرة أعدائها في تخامد زخمها وتحللها. إلا أن صمودها غاية هذه اللحظة وانخفاض منسوب العنف الذي عرفته باريس السبت الماضي وانضمام المزيد من المدن والشرائح المتعاطفة يقلل هذا الاحتمال، بل وقد يمنحها المزيد من الزخم ويجعلها قادرة على إرغام حزب الجمهورية إلى الأمام على طيّ صفحته والانسحاب النسبي من المشهد السياسي عبر حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكّرة، بل وقد تتمكن من الإطاحة بقاطن الإليزيه الذي لا يمل من تكرار كلمة فهمتكم دون أن يؤتي بأي حراك. وعلى اعتبار أن الحركة تمتلك كثيراً من التقاطعات مع حركة النجوم الخمسة الإيطالية وحركة الساخطون الإسبانية، فلا يمكن أن نستبعد عنها مصيراً مشابهاً، فيحاول بعضهم هيكلة جمهورها لتتحول إلى قوة سياسية جديدة، قادرة على التمفصل مع اليمين أو اليسار المتطرف أو حتى على ابتلاع جمهوريهما. كما قد تكون بمثابة صفعة ضرورية لاستفاقة النخب الفرنسية للعمل على عقد اجتماعي جديد، يعلن نهاية الجمهورية الخامسة وبداية الاستجابة الجدية لتحديات العولمة النيوليبرالية.

الأكيد أن ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية، قد نالت ضربة مؤلمة، وأن السترات الصفراء علامة على حادث خطير حلَّ بالاجتماع الفرنسي.

  • 1. Leurs enfants après eux, Actes Sud, 2018
  • 2. انتهاء التحقيقات بقضية بينيلوب فيون التي أثارت جدلاً واسعاً في فرنسا، فرانس 24.
  • 3. Macron ne croit pas «au président normal, cela déstabilise les Français», challenges.
  • 4. تصريحات ماكرون حول الأسد: هل غيرت فرنسا موقفها من الأزمة السورية؟، فرانس 24.
  • 5. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعين سفير بلاده في إيران ممثلاً شخصياً له بسوريا، فرانس 24.
  • 6. جدل في فرنسا بعد نصيحة ماكرون لعاطل عن العمل بتغيير مهنته الأساسية، فرانس 24.
  • 7. ماكرون يخرج عن صمته ويعلن أنه يتحمل المسؤولية في قضية بينالا، فرانس 24.
  • 8. فرنسا: الإليزيه يمنح زوجة الرئيس بريجيت ماكرون دوراً رسمياً، فرانس 24.
  • 9. باستقالة وزير البيئة نيكولا هولو...ماكرون يفقد أحد وزرائه الأكثر شعبية، فرانس 24.
  • 10. فرنسا: جيرار كولومب سابع وزير يغادر حكومة ماكرون، فرانس 24.
  • 11. تراجع شعبية ماكرون 12 بالمئة صيف 2018 (استطلاع)، فرانس 24.
  • 12. La carte des «gilets jaunes» n'est pas celle que vous croyez, L’OBS
  • 13. LA LISTE DES REVENDICATIONS DES GILETS JAUNES, CNEWS
  • 14. مشاهد لاعتقال طلاب ثانوية تثير صدمة في فرنسا، فرانس 24.
  • 15. Gilets jaunes: y a-t-il une violence nécessaire?, France culture.
  • 16. هل تتحول ساحة «الجمهورية» الباريسية إلى «ميدان تحرير»؟، راديو مونت كارلو الدولية.
  • 17. Une lettre de Jean-Claude Michéa à propos du mouvement des Gilets jaunes, les crises
  • 18. Alain Finkielkraut : la France des Gilets Jaunes, C à vous
  • 19. Emmanuel Todd : "Le risque majeur pour la France n’est pas la révolution mais le coup d’Etat", France culture
  • 20. Raphael Glucksmann & Marcel Gauchet : l'individualisme, ennemi de la démocratie - Livres & Vous