السخرية في الفنون السورية منذ عام 2011

 

المفارقة الساخرة عن الفن السوري

في كتابه المسرح في حضرة العتمة، يروي الأديب والمسرحي غسان جباعي حكاية طريفة تحمل كثيراً من الرمزية عن دُور الفنون في سورية. فبينما كان يشرف على تخريج دفعة طلاب في المعهد العالي للفنون المسرحية مع نص عيد الميلاد في بيت كوبيلا، لـ إدورادو دي فيليبو، بدأت أصوات ورشة صناعية تنتقل من المكان إلى المسرح، وفوق ذلك كان عامل الورشة يضع أغنيات صاخبة، يستخدمها للتسلية ويتركها بصوت مرتفع. كان نحّاتاً مكلفاً من عميد المعهد بصنع تمثال نصفي لسيادة الرئيس، لوضعه في حديقة المعهد. صمت الجميع دون أن يتجرأ أحد على الاعتراض، مجبرين على تحمل أغنية «رشرش حبك يا جميل» بشكل يومي. يروي المخرج الصعوبات التي عانوها لإكمال المسرحية، وكذلك تلك التي اضطر إليها النحّات: «بصعوبة أنجز النحات التمثال النصفي، وأَنجزنا نحن المسرحية في الوقت المحدد، لكن الرئيس مات فجأة، ونحن نحضّر للبروفة النهائية قبل العرض، فبقي تمثاله في الحديقة، أما مسرحيتنا فقد منع عرضها حداداً عليه». في الحكاية رمزية من الكوميديا السوداء، حيث في الأنظمة الشمولية يعتبر الفن فائضاً عن الحاجة إن لم يكن متعلقاً بالقائد - المحور الموضوعي لكل الفنون. 

السخرية فن التواطؤ بين المبدع والمتلقي

هناك أرث فني سوري كبير في السخرية والفن النقدي قبل العام 2011. وبإمكاننا ذكر العديد من كتاب القصة، تحديداً حسيب كيالي، وزكريا تامر، وقصائد محمد الماغوط التي تبتكر الكوميديا السوداء (سأخون وطني، 1987)، لكن ربما كانت كاميرا فيلم طوفان في بلاد البعث (2003) للمخرج عمر أميرالاي هي أكثر التجارب الفنية التي نقلت إلى الذائقة السورية هذه الدرجة العالية من التهكم والسخرية لكن بالإتقان المهني. لقد اعتقد أهالي قرية الماشي الصغيرة على بحيرة سد الفرات، ومعلمو المدرسة، ومسؤولو الحزب، والنائب البرلماني، أن الكاميرا التي يحملها المخرج هي عدسة التلفزيون السوري الرسمي، عدسة السلطة، وبناءاً عليه بنوا تصرفاتهم، وأقوالهم، وعلاقتهم مع الكاميرا. هذا التواطؤ بين المخرج والمتفرج، ما كان ليتم على هذه الدرجة من الأخلاقية لولا مهنية عمر أميرالاي. وهكذا، استطاعت كاميرته، الساخرة أو النقدية، أن تنقل لنا نظام التعليم المدرسي، وتبعية الأساتذة والمدرسين، وكذلك حكاية أقدم وأكبر عضو برلمان في سورية، والمصنف على مستوى العالم، إذ بقي 55 عاماً في البرلمان عن بلدته، دياب الماشي (1915-2009). لقد أبقت الكاميرا المتواطئة على ما انكشف لها، لتكشف عبر هذه التقنية للمتلقي الواقع المدرسي، والفكري والثقافي في القرية. ليغادرنا من بعدها المخرج تاركاً تحفة استثنائية ستصبغ برهافتها وذكاءها التجديد الفني في المرحلة التالية.

الالتزام السياسي والسخرية

يعتبر النقاد المختصون أن الفن السوري منذ العام 2011 قد بدأ باكتشاف مناحي الالتزام السياسي بطريقة لم تكن حاضرة قبلاً، وإن كانت هناك ميزة فنية تالية تلحق بها مباشرةً، فإنها ميزة حضور عنصر السخرية أو التهكم، اللذين لا يُحبَّذَان من قبل كل الأنظمة الدينية أو الشمولية. وهنا ولابد من ذكر أنه من بين الفنانين الذين اصطدموا مع القمع الممارس من قبل السلطات، كان فنان الكاريكاتير علي فرزات، ما يؤشر على مدى سخط أي نظام حاكم على عنصر السخرية أو فن الكاريكاتير، كما أن الرسّام أكرم رسلان فقد حياته في سجون النظام.

nsr_lskhry_fy_lfnwn_lswry_lmsr-web-4.jpeg

قلعة الكرتون، علاء حسن

أولاً: السخرية من القيم الثقافية السائدة

مع العام 2011، كان لا بدّ للأعمال الفنية الساخرة أن تشكل الوعي بما كان عليه الماضي. لذلك، ركز الفن قدراته على تحقيق الوعي النقدي لدى المتلقي والمجتمع بالثقافة التي شكلت ماضيه. قدم الفنان علاء حسن مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي يبين من خلالها الثقافة البصرية السائدة في المدن السورية، وخصوصاً العاصمة دمشق، من خلال إغراق الشارع والمجال البصري بصور الرئيس السوري الحاكم. لقد أطلق الفنان على مجموعة صوره هذه عنوان قلعة الكرتون، في ربط ساخر بين الصمود والهشاشة. صوَّرَ الفنان تشكل الوعي بالإغراق البصري في المدن السورية برموز السلطة والحكم، وذلك كمحاولة للتعريف بتأثير الظواهر البصرية على القابلية الذهنية. كذلك، سيرسم الفنان محمد المفتي لوحة «سبورة المدرسة» ليذكر عين المتلقي بالعوالم الهندسية والجمالية التي تشكل صفوف المدارس، وتظهر في اللوحة طاولة المعلمة، ومن خلفها السبورة، وهي ألوان يعرفها طلاب المدارس السوريون، وعلى اللوح كتب بالطبشور الأبيض: «من أقوال القائد الخالد…». تمنح اللوحة الناظرَ إليها القدرة على إدراك العالم التربوي الذي تشرب قيمه الفكرية، وخصوصاً البصرية، في النظام المدرسي السوري. لا تحمل السبورة أية معلومات علمية أو تربوية، بل عبارة واحدة مكتوبة بالطبشور: «من أقوال القائد الخالد». إن هذه الأعمال تحاول أن تنقل إلى المتلقي نظرة نقدية، تكشف الواقع الثقافي من حوله، في ماضيه.

nsr_lskhry_fy_lfnwn_lswry_lmsr-web-2.jpg

من مشروع جمهرة لمحمد عمران وعُدي الزعبي

كما انتقدت الفنانة سلافة حجازي في سلسلة من أعمالها الرقمية موضوعة انتشار ثقافة العسكرة في المجتمع، وانتقدت الثقافة الحربية في المدارس، وانتقدت حضور السلاح. أما كتاب جمهرة لكل من الفنان محمد عمران والكاتب عدي الزعبي، فقد جمع بين السخرية في الموضوعة المختارة، وهي كيفيات تجمع السوريين خلال الثمانينيات بحسب رغبات السلطة، وكذلك على مستوى أسلوب الرسم الذي يجنح إلى السخرية القاتمة والتعرية للفعل الجمعي؛ وكذلك في النصوص التي اختارها الكاتب في بعض الأحيان، حيث برزت لديه دوافع السخرية والتهكم. يشكّل كتاب جمهرة، الذي يجمع الرسم إلى النصوص، النموذج الأبرز لما يكتب عنه باتريس بافي في المعجم المسرحي، بإعتبارها «كوميديا العادات»، وهي الكوميديا التي تهتم بدراسة سلوكيات الإنسان، وانتقاد الحياة السياسية والمهنية والاجتماعية.

nsr_lskhry_fy_lfnwn_lswry_lmsr-web-1.png

الديمقراطية المؤجلة، عبد الكريم مجدل بك

يمتلك المشروع الفني بعنوان الديمقراطية المؤجلة للفنان عبد الكريم مجدل بك العناصر التي تجعله بارزاً في التعبير عن غياب الممارسة الديمقراطية في سورية. يتألف المشروع من عملين: الأول يتشكل من مجموعة من الأصابع المرفوعة، والمنصوبة في حلقة حلزونية تصاعدية، كلها ملونة الأنامل كأنها مارست للتو عملية الاقتراع بالحبر، لكن عنوان العمل مع التشكيل المتكون من التجهيز يضفي عليه طابعاً من السخرية. الأصابع التي تقوم بالاقتراع لا تملك إرادة؛ أو، بقول أدق، ربما كان دورانها تعبيراً عن شوقها أو توقها للقيام بعملية الانتخاب. يحمل هذا التجهيز عنوان «الخروج إلى الضوء أو الديمقراطية» لكن شكله الهندسي يوحي بخواء التجربة، بعدم القدرة على الخروج من الحلقة المكرورة لأيادٍ يحلم أصحابها، أو أفراد مجتمعها، بممارسة حق الاقتراع النزيه والشفاف. أما العمل الثاني، بعنوان «صندوق الاقتراع»، فلا نجد فيه إلا أصابع مبتورة وكثيرة التلون. يشرح الفنان أنه استلهم عمله من صندوق الشكاوى الموضوع في الدوائر الحكومية الرسمية، والتي يراها مهملة بشكل مأساوي، فالجميع يدرك، من موظفين ومواطنين وإدارة، أن الشكاوى لا تصل عبر هذا الصندوق، الذي يبقى مجرد شكل، لا يخدم أحداً، بل إنه مجرد برهان على سوء الإدارة.

ثانياً: السخرية كتمرّد سياسي

بعد توصيف الواقع السياسي والثقافي، تبرز الأعمال التي دعت إلى التمرد. كذلك، استُعمِلت الكوميديا للتعبير عن رغبة التظاهر. يصور الفنان خالد ضوا مجموعة من شخصيات تماثيله وهي تتظاهر في المرسم، شخصيات طينية تحمل معها لافتات كتبت عليها مطالبها: الحرية، أوقفوا القتل..إلخ، ويكتب الفنان على هذه الصورة: «مظاهرة تماثيل المرسم». يعبر هذا الفعل الخارق الفانتازي، أي تظاهر تماثيل طينية، على رغبة التمرد. لكن تنطوي الفكرة على تعبير عن صعوبة التظاهر أيضاً، والقمع الذي يواجهه، لتبدو مظاهرة تماثيل المرسم تعبيراً عن القمع إلى درجة أصبح معها التعبير من داخل طاولة الطين في غرفة مغلقة. في المعجم المسرحي يوصف هذا النوع بالمهزأة-البورلسك، والتي تعرف: «نوع من الهزل ينطوي على المبالغة كرسالة هجاء، وقدح اجتماعي وسياسي لاذع». كما نلمح في فكرة الفنان البُعد المسرحي-الحكائي.

 

هذا الأسلوب في المبالغة الساخرة نجده أيضاً في تجربة الفرقة الغنائية أبطال موسكو الأقوياء، والذين اختاروا اسم فرقتهم بناءاً على هذا الأسلوب الساخر. توضح ذلك أغنيتهم الأكثر شهرة، «بدنا نعبي الزنزانات وبدنا نملي المعتقلات»، وهي مبالغة بالانتماء إلى النظام السلطوي، وطاعته والقيام بأعمال عنفية لأجله: «لعيونك منهد الدار، أنت الديمقراطية»، ومن ثم تتبنى الأغنية خطاباً سلطوياً قمعياً ساخراً بنوع من التهكم: «بلا حرية بلا بطيخ، مؤامرة جاية من المريخ»، وتسخر الأغنية من مفهوم الحرية، لصالح الركوع لصباط الرئيس الحاكم، مما يجعل الأغنية نموذجاً لاستعمال المبالغة لوصف قباحة الواقع.

في أسلوب أقل مغالاة، اشتهرت الفرقة الغنائية الدب السوري، وخصوصاً أغنيتها بعنوان «يُمل»، وهي تروي أن الشعب قد ملّ من الأبد مع العائلة الحاكمة، ملّ الشعب من الأمن المزيف ومن الفوضى. وتنصح الأغنية الرئيس بالتحول إلى الطب، باستثمار الأرض، المهم هو الابتعاد عن الحكم. كذلك، نتعرف في هذه الأغنية على أسلوب التهكم السوداوي، وخصوصاً عند الاهتمام بأسلوب أداء الفرقة الذي لا يتسم بالكوميدية التي تنطوي عليها الكلمات، ولذلك يتحقق هنا تعارض بين الكلمات الكوميدية الساخرة من جهة، وبين الأداء الموسيقي والغنائي الميال إلى الميلانكولية من جهة أخرى. يرد أيضاً في «المعجم المسرحي»، تحت عنوان «المهزأة»: «إنها وصف للمواضيع الأكثر جدية بتعابير مثيرة للضحك. هي أسلوب ومبدأ جمالي في التأليف يقوم على تبديل مفاهيم العالم المعروض ويعالج بطريقة نبيلة ما هو مبتذل، وبابتذال ما هو نبيل».

ثالثاً: السخرية من السلطة

حقق العديد من الفنانين التشكيليين أعمالاً تجسد السلطة لتسخر منها، فعرفت لوحات منيف عجاج الديكتاتور والشبيح في مجموعة لوحات، ومحمد عمران المبالغات الغروتسكية. كذلك تظهر السخرية النقدية في شخصية «زعيم الخراب» عند النحات خالد ضوا. وكذلك حققت فرقة مصاصة متة للدمى المسرحية سلسلة عروض قدمتها عبر الفيديو بعنوان «يوميات ديكتاتور صغير»، جسدت فيها شخصية الرئيس السوري بشخصية الدمية «بيشو»، التي نتابع عبر سلسلة العروض حكاياتها وتفاصيل حياتها في ظل الثورة والتظاهرات الشعبية.

mhmd_lmfty_10.jpg

محمد المفتي

تندرج مجموعة نصوص الكاتب عمر الجباعي المنشورة تحت عنوان أرض السنافر في سلسلة «شهادات سورية» تحت أكثر من تصنيف موضوعاتي، فهي تتضمن السخرية من العديد من المواقف والسلوكيات العائدة إلى السلطة أو إلى المجتمع. لكن خصوصيتها تأتي من تجربة الكاتب كمسرحي يُجبَر على الالتحاق بالخدمة العسكرية. ومن هنا تأتي المفارقات الخاصة في النص الذي يحمل عنوان «كيف تحول مايرخولد إلى كلاشينكوف»، وتبرع اللغة في اللعب اللفظي على التعارض بين الفن المسرحي والثقافة العسكرية. فالراوي، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، يلتحق بالمسرح العسكري ليجد نفسه يتحسن فقط في حمل السلاح: «أين يمكن الاستفادة من  شهادتي المسرحية بين صناديق الرمانات اليدوية ولوحات الرادارات والسبطانات. هذا ما كنت أفكر فيه قبل الفرز، واتضح لي بشكل قاطع أن خيالي أضحل بكثير من أفعال القيادة الحكيمة، التي تجيد غسيل الأدمغة تماماً كما تجيد مسح المدن، فالاهتمام بمخ المقاتل من أولويات قيادتنا، لذلك كرست قسماً خاصاً بتعقيم عقول المقاتلين تحت اسم المسرح العسكري». مع مرور الزمن، يكتشف الشاب المسرحي التناقض بين عالم المسرح وعالم الإدارة العسكرية، ويكتشف أن العقيد المسؤول عن المسرح العسكري كان نهماً فقط في قراءة كراسات الحزب والإدارة السياسية، وعندما يتدخل الراوي ليعرض عليه القراءة عن المسرح، يعتقد العقيد أن المسرحي الروسي التاريخي مايرخولد ليس إلا نوعاً من البندقية كالكلاشينكوف. هكذا، يروي النص بتداخل في المفردات واللغة بين المسرح والسلاح، وبين دور الفن ودور العسكر. وهنا، يدرك القارئ أن وراء السرد معانيَ نقدية تهكمية. يكتب باتريس بافي في تعريف التهكم: «يكون النص ساخراً عندما يتجاوز معناه البديهي الأولي، والمعنى العميق، والمختلف وحتى المتناقض. وهناك تكمن متعة السخرية، وهي القدرة على الاستقراء ما وراء المعطى الأولي».

كما سخرت الفنانة هبة الأنصاري في مشروعها الفني الديكتاتورية الجديدة من قوى التشدد الديني بمظاهره السلطوية العنفية، فارتدت أقنعة جلادي مقاتلي داعش السوداء بعدما زينتها بخامات وألوان مختلفة لتبدو كأقنعة دمى الأطفال، والتقطت فيها مجموعة من الصور الفوتوغرافية. العمل النهائي هنا هو الصورة الناتجة عن العملية، والتي توحي بالهزل إزاء هيئات مرعبة، ومرهبة.

رابعاً: السخرية من واقع الحرب

كثافة حضور آثار الحرب في الحياة السورية خلال السنوات الماضية انعكست في الأعمال الفنية أيضاً، أبرزها رواية سرير على الجبهة التي تعبر عن اقتحام الصراع المسلح للحياة الفردية، حيث يُعلَن المنزل الذي تعيش فيه عائلة الرواي مكاناً عسكرياً، ومن خلال هذه المبالغة الغروتسكية ينجح الروائي مازن عرفة بابتكار الحبكة التي تسمح له بمعالجة الموضوعة. تشمل الرواية أنواعاً متعددة بين الكوميديا والسخرية والمبالغات، وصولاً إلى الأسلوب الهزلي في الكثير من فقرات الرواية. وفي السياق نفسه، تحمل الفرقة الموسيقية طنجرة ضغط في عنوانها المبالغة الغروتسكية ذاتها. الأغنية الأساسية في ألبومهم 180 درجة، تحمل عنوان «تحت الضغط»، ويشرح المغني فيها عبر الكلمات مقدار الثقل الذي يمارس عليه من قبل العائلة والحرب، ويعترض على المصير المفروض عليه بأن يحمل السلاح ويصبح مقاتلاً، فيتساءل في كلمات الأغنية: «ليش قدري صير مقاتل؟». أما الفنانة هبة الأنصاري فقد ركزت في مشروعها الفوتوغرافي مسلخ على كثافة حضور الجثث وأشلاء الجسد الإنساني في الحرب السورية، فصنعت أشلاءَ بشرية من مواد صناعية وارتدتها لتلتقط صوراً فوتوغرافية تعرضها على المتلقي. تسعى المقاربة النقدية هنا للتذكير بعدد الضحايا الكبير، الذي يرمز له بإمتداد الأشلاء الميتة على الجسد الإنساني السليم للفنانة. كما تنطوي العديد من أعمال الفنان تمام عزام على السخرية من تسيد حضور الخراب في المشهد البصري العمراني والمديني السوري.

nsr_lskhry_fy_lfnwn_lswry_lmsr-web-3.jpg

زعيم الخراب، خالد ضوا

مجموعة من الأعمال الفنية وظفت السخرية لمعالجة الشرائح الاجتماعية السورية ومواقفها السياسية في ظل الأحداث الجارية. يختار الروائي فواز حداد في روايته الأخيرة تفسير اللاشيء أن يطلع القارئ على المصير الفكري والمهني لشخصيتين مثقفتين، مؤرخ ورسام، يختاران تجاوز الأحداث الجارية في سورية ونكرانها، ومع تطور أحداث الرواية نتابع مآلاتهما، عبر السخرية حيناً وعبر التحليل المفاهيمي حيناً آخر، ونتابع أثر قرارهما بتجاوز الأحداث السياسية والدموية السورية، لتتحولا إلى شخصيتين منفصلتين عن الواقع. كذلك، يرصد عدي الزعبي في مجموعته القصصية كتاب الحكمة والسذاجة تلك الشخصيات الإجتماعية التي لا تعي أثر الأحداث السياسية والإجتماعية من حولها على حياتها ومصيرها، فتكون السخرية أسلوب الكاتب في تصوير هذه الشخصيات. بينما يرسم الكاتب خليل الرز في روايته الحي الروسي صورة للمجتمع السوري بكونه مثل أهالي الحي الواحد الذين يختلطون في حياتهم مع الحيوانات، وهم يتفرجون إلى التلفاز الذي ينقل لهم أحداث البلاد الجارية. أما فيما يتعلق بتجربة النزوح القسري والهجرة، فيأتي العرض المسرحي ردد معي لو سمحت للمخرج زياد عدوان في إطار السخرية وتفكيك الصورة النمطية للجوء، مستعملاً تقنية خلق الصورة النمطية على المسرح لتماهي الجمهور معها، ومن ثم إعادة تفكيكها عبر السخرية لدفع المتلقي إلى إعادة التفكير بها.

هذه تنويعات من حضور عنصر السخرية في الفنون السورية المتعددة، من الفن التشكيلي إلى الموسيقى، والأدب ومسرح الدمى؛ وقد تنوعت أساليب حضورها بين العمل الفني والآخر في مستويات أربع: السخرية في الموضوعة المختارة؛ والسخرية في المعالجة النقدية؛ والسخرية في الأسلوب الفني؛ والسخرية في الإيحاء المرسل إلى المتلقي.