السرديات السينمائية للحرب العالمية الثانية

 

قد يكون من المثير للاستغراب أن صناعة أفلام عن الحرب العالمية الثانية ما زالت حتى يومنا هذا تعد تجارة رابحة لكل صناع الأفلام، وترتفع نسبة المشاهدين الذين يتلقون هذه الأفلام بتعطش شديد مع كل فيلم جديد في صالات السينما. يخلق هذا الأمر سؤالاً مقلقاً عن سر الرغبة الهائلة لدى المشاهدين بحضور لحظات الرعب الأكثر إيلاماً في القرن الماضي، للبلدان وللبشر وللحجر، في حرب طالت كل شيء. ما هو المغري في إعادة سرد الحكايات التي يحفظها الناس عن ظهر قلب؟ وحتى في البلاد البعيدة التي لم تشارك فعلياً في الحرب، كيف يمكن أن تتحول الحرب إلى لحظة مثيرة مع كل الدمار والفظائع الملازمة لها؟ خطرت لي هذه الأسئلة بعد بحث سريع لتحضير قائمة أفلام من أجل الحظر الصحي الذي نعيش فيه الآن، فكانت كل القوائم المقترحة تحوي فيلماً أو فيلمين، على الأقل، عن الحرب العالمية الثانية. وبالطبع فإنه من المفاجئ بالنسبة لي أن أعود لأسمع صوت الطائرات الحربية والرشاشات مجدداً، تلك الأصوات التي أعرف فعلاً ماذا يمكنها أن تفعل، إلا أنه من المفاجئ أكثر أنني، بقراءة متأنية للإحصائيات، وجدتُ أن هنالك أكثر من 1300 فيلم عن هذه الحرب بالتحديد، ناهيك عن الأفلام القصيرة أو المسلسلات أو الوثائقيات، هذا دون التطرق إلى ألعاب الفيديو.

إذن هو سؤال مشروع فعلاً. ويبدو أنه قد شغل حيزاً من التفكير في مناطق مختلفة من العالم. فقد نشرت صحيفة الغارديان مقالاً مطولاً، مبنياً على حوارات مع بعض منتجي ومخرجي أفلام الحرب، لسؤالهم عن أسباب الهوس بإنتاج أفلام عن حقبة 1939-1945 من وجهة نظرهم. لكن إجابات صانعي السينما لم تكن أكثر من جمل عابرة، ما يعود بنا إلى السؤال الأساسي في عالم السينما، الذي تحوَّلَ إلى صناعة أصبح شُبّاك التذاكر معيارها الوحيد. وقد بات من الطبيعي ضخ الأفلام الرائجة، وإعادة تدوير كل الأفكار المربحة، وتحويل المُشاهِد إلى زبون فقط. مما يجعلنا نسأل: لماذا لم يَملَّ الناس من رؤية تضحيات الجنود والقصص الأليمة على المحك في لحظات مفصلية؟ يمكننا مناقشة الموضوع من وجهتَي نظر؛ إنتاج هذه الأفلام، واستقبال المُشاهِد لها.

في البداية، يمكننا التذكير بأن سينما البروباغندا الوثائقية في لحظة الحرب نفسها كانت عاملاً مهماً وفعالاً في جرّ الناس إلى الحرب، أو إقناعهم على الأقل بأن الحرب هي فعل أخلاقي ضمن ما يحدث. ويمكن أخذ نظرة عن دور الدعاية السينمائية عبر الاطلاع على مقالة سلسلة خمسة عادوا.

أما اليوم، وبعد خمسة وسبعين عاماً على توقيع اليابان على استسلامها غير المشروط الذي أنهى الحرب بشكل فعلي، ما زالت المدافع والرشاشات تقصف في صالات السينما، والطائرات الحربية تلقي قنابلها من منصات العرض المنزلية. وربما يمكننا الانطلاق من التساؤل عن ماهية الحرب نفسها في ذاكرة الشعوب، حيث أنه من الواضح أن الأفلام الحرب الكثيرة هذه، وحبّ المشاهدين لها، تنبع من مكانة هذه الحرب العالمية التي غيرت تشكيل العالم للأبد. وهنا يمكننا أن نقتبس من أندرو ويتمارش (Andrew Whitmarsh)، الصحفي المؤرخ، قوله إن «الحرب موضوع مثير للجدل، ليس فقط بسبب الموت والدمار والمعاناة، بل لأنه غالباً ما تشكل ذاكرة الحرب جزءاً من الصورة الذاتية للأمة، وبالتالي فإن اتخاذ موقف حاسم تجاه الحروب الماضية قد يثير اتهامات بعدم الوطنية». 

تسمح إعادة تجسيد هذه الحرب على الشاشات بإعادة النظر إلى التاريخ ومحاكمته أو مساءلته، وحتى ربما إعادة خلقه وتصنيعه كل حسب ما يشتهي. ومن المثير فعلاً أنه إذا ما نظرنا إلى الحرب العالمية الثانية في الأفلام والمسلسلات، فإننا سنرى أنها ليست حرباً واحدة تلك التي تظهر في الأفلام هنا وهناك، بل هي قطع وتفاصيل يأخذ كلٌّ منها ما يحب. وبالنظر إلى قائمة الأفلام المنتجة حسب البلدان، نرى أن هناك نمطاً ما، حيث أن كل دولة كانت قد تورطت في الحرب العالمية الثانية تشيد بالأحداث ذات الأهمية الخاصة: الاتحاد السوفياتي عبر معارك موسكو، وستالينغراد وكورسك، وحصار لينينغراد والمعركة النهائية في برلين. بينما الولايات المتحدة في تصوير الهجوم على بيرل هاربور، وإنزال نورماندي، وحرب المحيط الهادئ. بولندا في المقاومة البطولية لجنودها في ويستربلات وانتفاضة وارسو. أما اليابان فالقصف النووي لهيروشيما وناغازاكي. في حين أن ألمانيا اهتمت بقصف الحلفاء لهامبورغ ودريسدن، وطرد ملايين الألمان من المقاطعات الشرقية، والاغتصاب الجماعي للنساء الألمانيات. هكذا، صُنعت أفلام حفرت في الذاكرة، مثل إنقاذ الجندي ريان (Saving Private Ryan)؛ والعدو على الأبواب (Enemy at the Gates)؛ والهروب العظيم (The Great Escape)؛ وعملية فالكيري (Valkyrie)، وغيرها الكثير. وقد حوّلت هذه الأفلام الحرب نفسها إلى حروب مختلفة، تُعيد تشكيل مفاهيم الخير والشر تبعاً لمصلحة البلد المنتج، وترسم الأخلاق الموضوعة على المحك لترسيخ نظرة مسبقة عن «أهداف سامية قادت إلى حرب قذرة». وفي اللحظات القاسية والسريعة، تكون تلك القرارات مبنية على إحساس البطل، الذَكَر والجميل طبعاً؛ الذي يحارب من أجل الحس الوطني العام. بالتالي، هي أفلام عن الحرب ولكن ليس للحديث عن الحرب نفسها، الحرب في حقيقتها التاريخية المجردة، بل تكاد تتحول بعض تلك الأفلام إلى وثيقة مضادة للحقيقة التاريخية، وهذا ما يقودنا إلى سؤالنا عن حقيقة الحرب العالمية الثانية في الأفلام؟

هنا لا بد من العودة خطوة إلى الوراء، والبحث في هدف تقديم أفلام عن حقائق تاريخية، أي التساؤل عن ماهية الفيلم التاريخي، حتى التخيلي منه. ويمكننا أن نوافق أندرو ويلمارد (Andrew Wormald) في تساؤلاته عن سر الرغبة بالتحقق من مصداقية الأفلام ذاتها، في حين أن الذاكرة التاريخية الأصيلة ذاتها هي مفهوم مشكوك فيه، وهكذا «يمكن اعتبار أن أي رؤية حقيقية للتاريخ في الفيلم أمرٌ مستحيل» حسب قوله. حيث يُعرف ذلك بمفارقة الفيلم التاريخي، التي تتلخص بأن الفيلم يملك نقطة قوة من حيث أنه يحاكي الطريقة التي يستطيع المشاهد فيها أن يختبر الحياة الحقيقية، ولكن هذه النقطة في الوقت ذاته، تشكّل مشكلة رئيسية في الفيلم التاريخي، إذ أنه مضطر لإعادة بناء الحقائق التاريخية بطريقة خيالية بحتة1.

ويمكن هنا نقل الحديث إلى مستوى آخر، حيث البحث في تفاصيل حياة شخصية معينة، ورغم أن ذلك يمنع الحقيقة التاريخية المجردة للحرب، إلا أنه يعزز فكرة التعاطف. يضع المشاهد نفسه مكان أشخاص معنيين ويعيش الدور من جديد، فيحزن معهم ويتألم، ثم حينما تتضاعف المصائب على الشخصيات الفيلمية، وتكسر الحرب بِشناعتها دائرة حياتهم، ينجو المشاهد، إذ يتطهّر (Catharsis) ويشعر بأنه أكثر امتناناً لزمنه ووقته الراهن. ومع التأكيد على أن الحرب العالمية الثانية منبع كبير لتفاصيل لا تنتهي من الحكايات الجانبية للمدنيين. وربما، من هذه الزاوية، وعلى المستوى الجندري، يمكن فعلاً نقاش دور المرأة في هذه الحرب، ثم التساؤل عن صورتها النمطية في أفلام ومسلسلات الحرب. يعرف المُشاهد، وخاصة في البلاد التي كانت متضررة بشكل مباشر من هذه الحرب، أن أجداده عاشوا هنا في تلك اللحظة ولكنه اليوم منتصر -في أي جبهة كانت- ويستطيع أن ينظر بعين حيادية إلى تلك الحرب. أما ما تستطيع صناعة أفلام الحرب أن ترسخه في الأذهان، فهو تقوية الشعور العام بأن ما حدث لا يمكن أن يتكرر، وأن الجميع استفاد من أخطاء الماضي، وأن اليوم لا يشبه تلك اللحظة، وأن أبعاد الحرب وضعت حداً للانجراف اليميني المتطرف.

وبقدر ما تبدو سينمائية هذه الحرب ونتائجها المباشرة أو البعيدة للمُشاهد القادم من البلاد التي لم تشارك فعلياً في الحرب -أي البلاد التي لم تكن فعّالة وحصلت على نتائج الحرب فقط، مع التغير السياسي والمعسكراتي الذي وضعنا نحن السوريين تحت لواء الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي- فإنه وعلى الرغم من بُعد تأثير هذه الحرب المباشر علينا، إلا أنه لا بد من الوقوف أمام فكرة أن ذلك كله لم يجعل حضور أفلام الحرب العالمية الثانية أقل تأثيراً أو وطأة علينا. وإن كان هنالك تأثير أكثر تعاطفاً مع الأفلام القادمة من المعسكر الشرقي في تصوير بطولات الاتحاد السوفيتي وتوابعه لدى بعض الأجيال، فقد كنا أكثر تسامحاً مع البطل الأميركي في معركته مع الوحش النازي، خاصة أن وجهة النظر الهوليودية عن الحرب هي التي غَزَتنا عبر منصات الأفلام التلفزيونية. وبالتالي، تخلق لنا إعادةُ مشاهدة الحرب العالمية الثانية سينمائياً -نحن المشاهدون من عالم خارج دائرة الحرب الفعلية- أبعاداً مختلفة مع المعركة. إعادة إنتاج الحرب بالنسبة لنا ليست عملاً تصالحياً مع التاريخ أو فعلاً تعاطفياً، فقد شكلت هذه الأفلام نظرة مختلفة لنا عن فكرة الحرب. وقد تكون إعادة الحديث عنها اليوم، بعد خبرتنا الفعلية بالحرب، فعلاً استنكارياً تساؤلياً بعد تشكل وعي حقيقي لدينا بأن ما يُعرض على الشاشات لا يمكن أن يكون مقاربة أبداً للهول الفعلي. وهنا يمكننا المساءلة من جديد عمّا تلقيناه سينمائياً من المعسكرين، وعمّا حضر على الشاشات وغاب عنها. ما الذي بقي من حكايات الحرب هذه؟

لعلَّ بإمكاننا، انطلاقاً من هذه النقطة، الاتفاق على أن الأفلام التي تتناول أي جانب من الحرب العالمية الثانية، على تعدد خطط وأساليب وزوايا النظر إليها، تعيد تجسيد التاريخ وكتابته. وحتى بالابتعاد عن أفلام البروباغاندا أو التركيز على تفصيل دون آخر، نستطيع أن نجد أن صناعة أفلام الحرب بشكل عام، والحرب العالمية الثانية بشكل خاص، لا شأن لها بجوهر الحرب نفسها بالضرورة، إلا أن تكاتف العديد من العوامل والحيثيات يجعل الموضوع مُجدياً على صعيد الإنتاج والمشاهدة. على صعيد الإنتاج، فإن أهم ما فيها هو أنها مدرة للأرباح، كما تؤكد الباحثة إستر مارجريت أونيل (Esther Margaret O'Neill): «العامل الحاسم بشكل لا لبس فيه في أي تقييم هو أن صناعة الأفلام تحفزها الأرباح بشكل أساسي. فقد كانت أفلام الحرب البريطانية مربحة». الفكرة الثانية هي التجييش، ففي كل مرحلة من السنوات الماضية كان هناك هدف مختلف لتقديم أفلام عن بطولات الحرب العالمية الثانية، لكنَّ ما يبقى ثابتاً هو أن المستهدف الأساسي هم الذكور الشباب، الأمر الذي تجده أونيل واضحاً في بحثها عن أثر تجديد أو إحياء الحس الوطني في أفلام الحرب العالمية الثانية البريطانية، فتقول عن أفلام حقبة الستينات: «كان الجمهور المستهدف لأفلام الحرب بشكل رئيسي هو الذكور من منتصف المراهقة إلى منتصف العشرينات، وهم الذين يشكلون جزءاً من ثقافة الشباب الناشئة والمحظوظة، التي كانت قد بدأت في الآونة الأخيرة غارقة في قصص الحرب والمغامرة والبطولة الإمبراطورية». أما الفكرة الثالثة فهي تحقيق رسم أسطوري للحرب، لأخلاقيتها وآلياتها وقدرتها على إعادة تشكيل الوعي الجمعي. أما على مستوى المشاهدة، فإن تحقيق حالة من التطهير بعد حضور فيلم مليء بالدراما الحربية هو فعل مرتبط باللحظة الراهنة للمشاهد، وتقديم وجبة كبيرة على مستوى الأحاسيس والانتصار، وتعاضد ذكوري مطلق في القتال والمعارك، بالشراكة مع المعارك الفردية السينمائية الصغيرة التي تثري الفيلم.

إعادة إنتاج أفلام عن حقبة 1939-1945 بكل ما تحمله من ثقل في الحديث عن الحرب وما تحولت إليه اليوم، هو سؤال عن صورة الحرب وكيف تصبح بالتقادم، كيف تصبح لاحقاً، وما الذي يبقى منها في أذهان الناس؟

«يمكنك بالطبع أن تفكر أنه لم يعد هناك أي قصص متبقية لتصويرها، وأنه لا يوجد شيء آخر يمكن قوله، إلا أن الأفلام القادمة ستثبت خطأنا».