السرطان ليس معركة وأنا لست محاربة

مقدمة المترجمة

على مدوّنتها الشخصية، شاركت الصحفية ريما شرّي في 2019 نصّاً باللغة الإنكليزية (Cancer is not a battle and I am not a warrior)، عن تجربتها مع الإصابة بمرض السرطان، ورحلة علاجها منه، ومفهومها الجديد عنه وعن التعامل معه. ورغم خصوصية النص وشخصانيته إلا أنه يخاطبنا جميعاً، ويضع يده على أجسادنا، أصحاء كنا أم مرضى.

عبر وصفها لمراحل إعادة اكتشاف نفسها وجسدها مع السرطان، اقتربت ريما من أجسادنا، وتفاصيلنا العادية، وألفاظنا، واعتيادنا، ولمست أيضاً شعرنا.

في النص الأصلي المكتوب باللغة الإنكليزية، والذي تقدر مدة قراءته بتسع دقائق -وفقاً لخوارزمية المدونة- تمشي ريما في رحلة المرض محطة محطة، انطلاقاً من لحظة التشخيص، مروراً بما اختبرته النفس والجسد من لحظات ضعف وقوة وسكون وتحول، انتهاء برسالة صغيرة لنا، وبقائمة شكر لم تنسَ ريما أن تتوجه فيها للاجئين الذين عملت معهم ولهم.

بداية من عنوان نصها، اختارت ريما ألا تقبل المفردات والمصطلحات التي ابتدعها العالم لوصف الإصابة بالسرطان، والمصابات والمصابين به، لسبب بسيط هو عدم إحساسها بصدق تلك الأوصاف، فهي كصاحبة التجربة تقول «اسمعوا: السرطان ليس معركة وأنا لست محاربة».

كما ساعد الصمت والإصغاء ريما في رحلتها مع السرطان على استقبال وفهم التجربة الجديدة وما حملته معها من تحولات، ساعدني الإصغاء لصوت وإحساس ريما في النص على ترجمته، لا من لغة إلى أخرى فحسب بل من جسد إلى جسد. الكلام كلامها، والتجربة تجربتها، وأنا استمعت لها فحسب وفق رغبتها بأن نعطي مساحة لأصحاب التجربة للتحدث عنها وفق رؤيتهم لها، لا وفق تصورنا عنها. ترجمت هذا النص بعد موافقة عائلة ريما. ترجمته لأقول لريما شرّي شكراً، أنا المرأة واللاجئة والصحفية.

لم تكن ريما في معركة مع السرطان لتربحها أو تخسرها، بل كانت في رحلة وصلت إلى محطتها الأخيرة يوم الثلاثاء 24 آب (أغسطس) 2021.

* * * * *

اليوم: الثلاثاء

الوقت: السابعة مساءً

كنت استحمّ بعد التمرين في النادي الرياضي عندما تحسستُ كتلة في ثديي الأيمن. خرجت من الحمّام وجلست على المقعد في غرفة تبديل الملابس أحدّقُ في التفاصيل المألوفة من حولي. بعض النساء في الغرفة كن يتحضّرن لدرس الزومبا، أخريات كنّ لاهيات بتجفيف شعرهن وترطيب أجسادهن. نظرت لنفسي في المرآة وأيقنت على الفور أني مصابة بالسرطان، أنا التي أبلغ من العمر 31 عاماً.

مضى أسبوعان، أجريت خلالهما التحاليل والصور الشعاعية المطلوبة. نعم، تم تشخيص إصابتي بسرطان الثدي في مرحلته الثانية.

خرجت من عيادة الطبيب وجلست على كرسي في صالة الاستقبال، وللمرة الأولى شعرت أن سكوناً كليّاً قد خيّم على حياتي الصاخبة، ما من شيء بإمكانه تشويش لحظة السكون تلك، لا شعوراً ولا فكرة، ولا حتى مواجهة احتمالية الموت. اللحظة الأصعب على الإطلاق كانت مشاركة الخبر مع العائلة.

مضت ستة أشهر، أتممت خلالها مراحل العلاج الكيماوي، والعمل الجراحي، والعلاج بالأشعّة، وتم إعلاني خالية تماماً من السرطان!

جلسة العلاج الكيماوي لأولى

جلسة العلاج الكيماوي لأولى
جلسة العلاج الكيماوي لأولى

الآن فقط أدركت أن الصمت الذي لفّني لحظة تلقي خبر إصابتي بالسرطان هو الذي ساعدني في رحلة العلاج. كنت بحاجة لحيّز من الصمت يتيح لي استقبال وعي وامتنان من نوع آخر، والتعامل مع الحياة نفسها بمفهوم جديد كلياً. أدركت أنه بمقدوري التعلم من هذه التجربة، وأنني كمريضة سرطان شابّة يمكنني أن أنسف نظرية أن هذا المرض حكر على النساء المتقدمات في العمر.

علّمني السرطان الكثير من الأشياء الإيجابية، وهنا أشارك معكم، بالصور، لحظات من هذه التجربة: هشاشتي وفرحي وضعفي، علّني أساعد بأن تصبح الإصابة بالسرطان تجربة أقل وحشة وأكثر قابلية للعيش.

أول صفة حميدة للسرطان هي أنه يجعلنا نرى العالم بمنظور مختلف وننخرط به على هذا الأساس، فعلى الرغم من أن السرطان أخذ مني أشيائي الجميلة التي كنت أعتبرها تحصيل حاصل في حياتي: حيويتي، مناعتي، قدرتي على تذوق طعامي المفضل، شعري، حاجباي، حتى رموشي.. إلا أنه جعلني للمرة الأولى أنتبه لأهمية تلك الأشياء. عندما أخبرني طبيب الأورام أنني سأفقد شعري بعد ثلاثة أسابيع من العلاج الكيماوي، نظر إلى ملامحي اليائسة وقال: أنتِ امرأة جميلة ولستِ بحاجة إلى شعر. جعلتني كلماته أبتسم في لحظتها، وأسأل نفسي لاحقاً: هل نحن بحاجة إلى شعر؟

مع فقدان شعري، راودتني مشاعر وأسئلة أكثر تعقيداً: هل ننتبه بالأساس إلى وجود شعرنا؟ هل نشعر به؟ هل نستمتع بمراقبته ينمو؟ هل نحسّ به أثناء غسله أو عند لفّه بالمنشفة؟ معظمنا لا يفعل ذلك. لا ندرك قيمة تلك التفاصيل إلا عندما نفقد شعرنا دون رغبتنا خلال رحلة علاج، وعندما نختبر شعور غسل رأس حليق.

إجازة بدون شعر

إجازة بدون شعر
إجازة بدون شعر

خلال مراقبتي لكل سنتيمتر من الشعر الجديد ينمو في رأسي بين مرحلة علاج وأخرى، بدأت ألاحظ الناس من حولي، كان هناك الكثير من الرؤوس كثيفة الشعر في كل مكان، حدّقت في شعر الأشخاص في الشوارع والمقاهي والحانات وأماكن العمل. كان للجميع شعر، أجعد، أملس، طويل، قصير، أشقر، أزرق، متموج، مربوط للأعلى، مربوط للأسفل.. تمنيت أن أخبرهم كم كان شعرهم حاضراً لكنهم كانوا مشغولين بالمشي والجري والعمل، وبتجاهل شعرهم.

في أحد الأيام، بينما كنت واقفة أمام المرآة أحصي آخر الرموش المتبقية على أجفاني، راودتني فكرة: ماذا لو أن العلاج أفقدني شعري لأنه لم يكن ملحوظاً أو محبوباً بالأساس؟ بدأت أتوق لنمو شعري الجديد الذي سأحب. لطالما تفنّنا بإيذاء شعرنا بالقص والتلوين والتصفيف، إلا أن كل ما يفعله شعرنا هو أنه يعود لينمو من جديد. الآن، كل ما أريده من شعري هو أن ينمو من جديد.

صفة أخرى حميدة للسرطان، أنه علمني كيفية تكوين ردود فعل مبتكرة. من أصعب المحطات في تجربتي كانت التعامل مع ردود أفعال الناس عندما أخبرهم بأنني مصابة بالسرطان، فليس جميعنا قادر على التحكم بردة فعله عند تلقي هذا النوع من الأخبار، كثيرون كانوا يقابلون الخبر بردود أوتوماتيكية من قبيل: «آسف لسماع لهذا الخبر»، «لا تستحقين هذا»، «ما زلتِ صغيرة»، «أنتِ قوية وستتخطين هذه المرحلة»، «بالي معكِ»، إلخ. أعلم أنهم يجيبون بحسن نية لكني كنت أجد صعوبة في الرد على تلك العبارات.

تمنيت لو كانوا يجيبون بأسئلة من قبيل: «السرطان، في أي مراحله الآن؟»، «ما هي احتمالية الشفاء؟»، «ما نوع العلاج المناسب؟»، «لماذا هذا العلاج دون سواه؟»، «كيف تشعرين؟»، إلخ. بالطبع البعض سأل تلك الأسئلة، وأنا ممتنة لصراحة هؤلاء لأنهم منحوني مساحة للتنفس والشرح، وأعطوني فرصة لأكون متحدثة بدلاً من ضحية.

آخر جلسة علاج كيماوي

فتحت تجربتي مع السرطان عيناي على المصطلحات المرتبطة بهذا المرض. تعابير مثل: معركة، ناجية، فوز، خسارة، محاربِة، إلخ.. ومع أن غرض هذه المفردات هو مساعدة المرضى، إلا أنها حفزت لدي مشاعر الذنب والإحباط فيما لو فشلت في البقاء على قيد الحياة. أولئك الذين ماتوا بالسرطان أقوياء أيضاً، تمسكوا باحتماليات البقاء على قيد الحياة، وربما بذلوا قصارى جهدهم كيلا يموتوا. قولنا أنهم خسروا معركتهم يعني بطريقة أو بأخرى أنهم لم يقاتلوا هذا المرض بما فيه الكفاية، هذا المرض الذي لم ينفع معه دواء ولا حظ.

شخصياً، فرضت استعارة «محاربة» علي شعوراً بوجوب التحلي بالقوة عنوة، حتى في الأوقات التي كنت فيها متعبة وبحاجة للبكاء والشكوى. لم أرد أن أكون مثالاً على الشجاعة والصلابة، ما الضير من أن نكون ما نحن عليه أحياناً، من أن نكون ضعفاء ونسقط، لنعاود النهوض مرة أخرى؟

العمل للاجئين ومعهم أعظم قوة حصلت عليها

العمل للاجئين ومعهم أعظم قوة حصلت عليها
العمل للاجئين ومعهم أعظم قوة حصلت عليها

أفهم أن تجربة كل مصاب بالسرطان هي شخصية، وأن لكل واحد منا الحرية بكيفية توصيف التجربة، وباختيار التعابير الأنسب لوصفها. بالنسبة لي، السرطان ليس معركة، هو رحلة، والرحلات تحمل نهايات سعيدة أحياناً ومؤسفة أحياناً.

عقب كل الأشياء الحميدة التي جلبها معه، أحب أن أفكر بالسرطان كرسول، يخبرنا أننا أكثر بكثير من شعرنا وأثدائنا. ولا أخفيكم سراً، كان طبيب الأورام على حق حين قال لسنا بحاجة لشعر لنكون جميلين، كل ما نحتاجه هو أن نعي كم فينا من أشياء لا حصر لها تجعلنا جميلين، أشياء أكثر من جسد ماديّ.

عايشت تجربة السرطان ولم أفقد فرحي، أو سلامي الداخلي. أحياناً أشعر أنها كانت حلماً أو تجربة متخيلة، وأحياناً أخرى أعيشها بكامل واقعيتها، لأن النجاة من هذه المحنة لم تكن متمثلة بعدم الموت في النهاية، بل في عيش رحلة المرض وإيجاد طريقة للاستفادة منها في حياتي. علمني السرطان أن أتقبل مخاوفي من الأمراض المزمنة، وضعفي. علمني أن أتقبل حتى الموت.

آمل أن تكون تجربتي حافزاً للآخرين لإعادة تقييم كل ما يتعبرونه تحصيل حاصل ومضموناً في حياتهم. اكتبوا قائمة ببعض هذه الأشياء، إن لم يكن كلها، وحاولوا أن تكونوا أكثر إدراكاً وحباً وتقبلاً لأبسط الأشياء. أمعنوا النظر بالحياة من حولكم بفرح، الحياة أكبر وأرحب.

الاحتفاء بالحياة

الاحتفاء بالحياة
الاحتفاء بالحياة

أخيراً، أود أن أشكر بعض الأشخاص الذين رافقوني في هذه الرحلة. أولهم أختي ريان شرّي لرعايتها وصبرها غير المحدودين، ولأنها لم تفوّت جلسة علاج كيماوي واحدة أو موعد متابعة لم تكن فيه بجانبي.

خالتو مها، صاحبة الروح المفعمة بالحيوية.

أمي، القلب الذي أمدني بالحياة وجعلني أواصل رغم أني أخفيت عنها حقيقة مرضي.

أبي، لا يجيد التعبير بالكلمات لكن حبه ودعمه حاضران بكل الأشياء التي فعلها ولم يفعلها.

أختي رولا شرّي، الملاك البعيد أميالاً لكنه الأقرب إلى القلب..

صديقتي ومديرتي إيديث شامبين لدعمها المعنوي الرائع.

طبيب الأورام د. عادل الطبشي لعلاجه لي ولروحه المرحة.

زملائي الرائعين في المفوضية العليا للاجئين، واللاجئين الصامدين الذين قابلتهم خلال رحلتي والذين علموني المعنى الحقيقي للحياة والمثابرة.

إبراهيم حلاوي لوجوده معي في كل خطوة بهذه الرحلة جسدياً وافتراضياً.

صديقي العزيز محمد الجبان لطرحه عليّ أسئلة لا منتهية، وإيجاده أفضل المنتجات لاستخدامها أثناء العلاج الكيماوي.

راغدة، صديقتي في السراء والضراء.

ثريا دالي بالتا لكونها صديقة حقيقية ولـ ليالينا الرائعة في فرديناندز.

حسام الحريري للعسل العضوي والدعم الدافئ.

خضر سلامة لدعمه الحكيم.

أصدقائي: آن سوحي جان ، جوربريت سومال، سمر، محمد عليان، قاسم، بشير، إيلي، فرح، ريم، ريان، عبد الله، ورامي لرعايتهم وحبهم الدائم.

الدكتورة شيرين بزان، الطاقة الخاصة جداً.

ميليسا فليمينغ لكونها مصدر إلهام حقيقي.

أشقائي وأقربائي، أنتم أثمن هدية لدي، فقط لكونكم أنتم.

وأخيراً، جزيل الشكر على فرصة ثانية في الحياة.