السعي إلى تأبيد الإهانة

 

تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري اليوم «استحقاقاً انتخابياً» لم يبذل القائمون عليه جهداً يُذكر لإظهاره كانتخابات حقيقية، إذ تنتشر صور بشار الأسد بشكل مذهل في كل متر مربع من البلد على ما يُظهِر شريط فيديو قصير من دمشق، ولا يتحدث النظام وأنصاره عن هذه المناسبة إلا بوصفها محطة لـ«تجديد الولاء» للسيد الرئيس، واستئنافاً لـ«الانتصارات في الحرب على الإرهاب».

وحده المرشح الرئاسي محمود مرعي، «المعارض الوطني» السوري كما يحبّ أن يصف نفسه، قام بعبء محاولة إظهارها كانتخابات، حتى أنه تحدّثَ عن الإفراج عن معتقلي الرأي في برنامجه الانتخابي، وقال عبارات من قبيل أنه سيقبل نتيجة صناديق الاقتراع. ذروة الجهد الذي بذلته الأجهزة الأمنية لمساعدته في مهمته هو أنها سمحت له بالظهور على الإعلام الرسمي وغير الرسمي، ولم تضمّه إلى قائمة معتقلي الرأي الذين يريد الإفراج عنهم، ولعلّ ما يشفع له أنه كرّس كثيراً من كلامه لإبراز تمايزه «الوطني» عن «المعارضة الخارجية»، وللمطالبة برفع العقوبات الأميركية عن سوريا.

أما المرشح الرئاسي بشار الأسد فلم يتوجه بأي حديث مباشر لشعبه الذي سـ«ينتخبه»، حتى أن حملته الانتخابية كانت مصممة كلّها، حتى في شعارها «الأمل بالعمل»، لتبدو كما لو أن أحداً غيره يطلب من الناس انتخابه. بشار لا يطلب من السوريين التصويت له، بل هم من يطلبون أن يَسمح لهم بانتخابه.

لم تَظهر هذه الانتخابات بوصفها منافسة فعلية لأن النظام السوري لا يريد لها ذلك، وإلا لكان قادراً على تحسين مظهرها. لم يفعل ذلك تحديداً لأنه يريدها مناسبة لاستعراض انتصاره على خصومه، وهو ما لا يكون إلّا بالحفاظ على مبدأ «تجديد البيعة للسيد الرئيس»، ما يعني ضرورة ألا يظن أي سوري أنّ هناك منافسين محتملين للأسد، ولا حتى في سياق مسرحية متّفَق على نتائجها سلفاً.

إذن، بعد مئات آلاف الضحايا وملايين النازحين واللاجئين والمهجَّرين، وبعد دخول قوات أجنبية لدول عظمى وإقليمية إلى الأراضي السورية، ما يزال غير مسموح للسوريين أن يتصوروا رئيساً لهم غير بشار الأسد. ولعلّ مما يذهل العقل ويؤلم القلب أن النظام السوري لا يبشّر السوريين بشيء غير ذاته، غير بقائه على حاله كنظام متوحش وفاسد، لكنه مع ذلك يستطيع أن «ينتصر» ويستعرض انتصاره على هيئة انتخابات.

وكان ملايين السوريين قد أعلنوا قبل نحو عشر سنوات أنهم لا يريدون بشار الأسد رئيساً، وطالبوا بصندوق اقتراع يعبّرون من خلاله عن إرادتهم هذه، ومن أجل هذا تم تدمير البلد فوق رؤوسهم. قد يبدو تكرار الحكاية على هذا النحو مملاً، أو حتى فاقداً للدقة بعد أن ظهرت تنظيمات متطرفة وتدخلات دولية وإقليمية وغَرِقَ البلد في عشرات الصراعات المتداخلة، لكن يبقى أصل الحكاية - مهما تراكبت فوقه من حكايات - أن ملايين السوريين كانوا يريدون ألّا يجدّدوا «البيعة للسيد الرئيس»؛ يشير إلى هذا الأصل إصرارُ النظام على تكرار طقوس تجديد البيعة كأنَّ شيئاً لم يكن.

والحال أن هذه الانتخابات تكاد لا تعني شيئاً، فهي لا تغير من أوضاع قائمة ولا تؤسس لتغييرها، ولا تزيد أو تقلل من شرعية النظام، لا داخلياً ولا خارجياً، غير أن النظام يريدها من أجل هذا بالتحديد، يريدها لأنها علامة جديدة على استعصاء التغيير. يريدها أن تكون تأكيداً جديداً على ما أعلنه مراراً بالفعل والقول والتصريح والتلميح: أنه ليس بصدد إشراك أي سوريين في السلطة مهما كان الثمن، لا عبر مفاوضات جنيف ولا عبر مسار أستانا/سوتشي ولا حتى عبر حوار داخلي مع قوى معارضة منخفضة السقف.

تقول هذه الانتخابات شيئاً إضافياً أيضاً: أن حلفاء النظام موافقون على سلوكه هذا وليسوا بصدد محاولة إجباره على تغييره، وإلا ما الذي يفعله المراقبون الروس إلى جوار صناديق الاقتراع التي ستمتلئ طبعاً بأوراق «تختار» بشار الأسد؟ وباستثناء هذه الخطوة الاستعراضية من بلد لا مصداقية لأي انتخابات يُجريها هو نفسه، لمْ يُظهِر حلفاء النظام في إيران وروسيا أي اهتمام بإبراز مصداقية هذه الانتخابات، لكنهم أظهروا اهتماماً بالغاً بالتأكيد على حق النظام في فعل ما يشاء تحت شعارات «الشرعية» و«السيادة»، حتى أن الرد الروسي على تصريحات غربية شككت في شرعية هذه الانتخابات جاء على قاعدة أنها شأن داخلي لا يحق لأحد التدخل فيه، دون أي كلام عن النزاهة والشفافية.

وكي تكتمل صورة الجريمة الانتخابية، ينزل مجرم الحرب في يوم الانتخابات لمعاينة أحد مسارح جريمته. لقد اختار بشار الأسد أن يُدلي بصوته في دوما بغوطة دمشق الشرقية، تنفيذاً لفكرة لا تتفتّق إلّا عن عقل إجرامي مثير للاشمئزاز: أن يحاصر رئيس مدينة في بلده ويأمر باستهدافها بشتى صنوف الأسلحة، بما فيها الكيميائية، ويتسبب بتشريد أكثر من نصف أهلها تباعاً خلال القصف والمعارك، ثم باتفاق تهجير قسري، ثم أن ينزل بنفسه لانتخاب نفسه فيها وسط الخرائب والدمار الذي أحدثه بنفسه.

* * * * *

ليست هذه الانتخابات شيئاً سوى استئناف لمساعي تأبيد الإهانة العامة التي اسمها الحكم الأسدي: إهانة التوريث والحكم العائلي المافيوي ونهب مقدرات البلد، وإهانة استمرار حكم اللصوص ومجرمي الحرب ومرتكبي جرائم الإبادة برعاية قوى ودول أجنبية. لكن تأبيد الإهانة لا يبدو ممكناً، وتشهد على ذلك شوارع مدن وبلدات عديدة في درعا، المنطقة الوحيدة التي استعاد النظام سيطرته عليها بعد حرب مدمرة دون أن يشمل ذلك تهجير جميع المنضوين في الثورة من أبنائها، ولا سيطرة أجهزته الأمنية التامة على سكّانها. هناك، حيث لا تصل قبضة النظام الأمنية إلى كلّ المساحات بسهولة، شارك الناس بفعالية يوم أمس في إضرابات عامة احتجاجاً على الانتخابات، وخرجوا في بعض الساحات هاتفين ضد النظام وانتخاباته.


على أحد جدران درعا، كتب أحد أبنائها قبل أيام عبارة تقول «لا استقرار للبلد بوجود الأسد». تختصر هذه الجملة النتيجة الواقعية الوحيدة لهذه «الانتخابات»: تعميق أزمات البلد كلها، ودفعها إلى مزيد من الانهيار على كل صعيد، والتأكيد المتجدد على استحالة أي تغيير بغير إزالة الأسد وأعوانه من السلطة.