السويداء: الأمن مقابل الخدمة العسكرية

 

اتجهت الأوضاع في محافظة السويداء إلى مزيد من التأزم خلال الأيام الماضية، نتيجة تفاعل ملفين متوازيين؛ الأول يتعلق بالأحاديث المتكررة عن نية الأجهزة الأمنية اتخاذ مزيد من الإجراءات لسوق شباب المحافظة إلى الخدمة العسكرية في جيش النظام، ولنزع سلاح المجموعات المحلية التي تشكل عائقاً أمام تنفيذ هذا الأمر. والثاني هو أعمال الخطف التي تشهدها مدينة السويداء وأريافها، والتي تتسبب بنزاعات وصدامات داخل المحافظة، ومع أهالي محافظة درعا المجاورة.

وفي تفاعلات الملّف الأول، أعلنت عدة فصائل محلية يوم الثلاثاء الماضي اتحادها في «شريان واحد»، بهدف «منع أجهزة النظام من تنفيذ الاعتقالات والمداهمات داخل المحافظة» بحق المطلوبين للخدمة العسكرية، مؤكدة أنها ترفض فكرة تسليم أسلحتها. وجاء ذلك عبر بيان تم تصويره في بلدة المزرعة أمام منزل الشيخ وحيد البلعوس (أبو فهد)، مؤسس حركة رجال الكرامة، الذي اغتالته قوات النظام بتفجير سيارتين مفخختين في موكبه في أيلول 2015.

بعد اغتيال الشيخ البلعوس، تراجعت فعالية حركة رجال الكرامة التي كانت قد أخذت على عاتقها مهمة منع النظام من سوق الشبان إلى الخدمة العسكرية بالقوة، ولم تعد الحركة موحدة كما كانت عليه، إلا أنها احتفظت بوجودها في مناطق وقرى عديدة في المحافظة. وإذا كانت الفصائل التي أعلنت توحدها قبل يومين تتبنى نهج الشيخ البلعوس، وتحمل في أسمائها ما يشير إلى ذلك بوضوح (قوات مشايخ الكرامة، مغاوير الكرامة، قوات الفهد)، وإذا كان ليث البلعوس الابن الأوسط للشيخ وحيد، والشيخ مروان معاز القيادي السابق في حركة رجال الكرامة، من بين الشخصيات التي حضرت اجتماع التوحيد، إلا أن الجسم الرئيسي الذي يحمل اسم حركة رجال الكرامة لم يكن له حضور في هذا الاجتماع، وهو ما يشير إلى أن قيادته الحالية لا ترغب في تصعيد الصدام مع سلطات النظام السوري.

وأياً يكن الحجم الفعلي للفصائل المتحدة، وأياً تكن نوعية التناقضات التي حالت دون اتحاد جميع أنصار تيار رجال الكرامة مجدداً، فإن هذا يشير بوضوح إلى مواصلة دوائر في المجتمع المحلي رفضها الانخراط في الحرب الدائرة في سوريا، رغم الضغوطات الواسعة التي يمارسها النظام بهدف إخضاع محافظة السويداء إلى سلطته المطلقة، والاستفادة من جهود آلاف المطلوبين للخدمة من أبنائها في معاركه القادمة.

وكانت هذه الضغوطات قد بلغت أعلى ذروة لها أثناء معركة النظام في درعا، عندما حاول الأخير زج أبناء السويداء إلى جانبه فيها، ورشحت أنباء وقتها تفيد بأن الجانب الروسي قد هدّد، في أحد الاجتماعات مع وجهاء السويداء، باعتبار حركة رجال الكرامة والفصائل التي تسير على نهجها منظمات إرهابية، وإخضاعها بالقوة.

وليست فصائل تيار رجال الكرامة، التي تتميز بموقفها الصريح الرافض للاندراج في صف النظام، هي الفصائل المسلحة المحلية الوحيدة في السويداء، بل تنتشر في المحافظة وبلداتها وقراها عشرات الجماعات والفصائل المحلية، التي بدأت تنشأ تباعاً مع تصاعد المواجهة المسلحة في البلاد، نتيجة انشغال النظام وقواته بالمعارك الواسعة التي تخوضها ضد فصائل المعارضة. وإذا كانت هذه الفصائل تتنوع في توجهاتها، بين فصائل «الكرامة» التي يحمل موقفها صبغة سياسية، وفصائل تشكلت تحت شعار حماية مناطقها من الفلتان الأمني فقط، وأخرى مرتبطة بشكل مباشر بالنظام وأجهزته الأمنية وميليشياته الرديفة، إلا أنها كلّها لعبت أدواراً هامّة في مفاصل عديدة، من بينها التصدي لهجوم داعش، والمذبحة الرهيبة التي ارتكبها عناصره في ريف السويداء الشرقي في تموز الماضي 2018.

وفي هذا السياق يتفاعل الملّف الثاني المتعلق بأعمال الخطف، إذ رغم وجود عدد كبير من الفصائل المحلية التي يفترض أن مهمتها الرئيسية هي ضبط الأمن بدل قوات النظام وأجهزته الأمنية ذات الوجود المباشر المحدود، إلا أن أعمال الخطف بغية طلب فدية، أو لأسباب أخرى متنوعة، لم تتوقف منذ سنوات في محافظة السويداء، ولا في في مناطقها المتداخلة مع محافظة درعا المجاورة.

وفي واحدة من آخر حوادث الخطف والخطف المضاد، تم اختطاف الشاب محمود الزعبي أحد أبناء محافظة درعا في السويداء أواسط شهر تشرين الثاني الماضي، وبعدها بأسابيع قليلة ردّ أقارب الشاب الزعبي في درعا بخطف الشابين تمام الغجري وهادي الحلبي من أبناء السويداء أثناء مرورهما في ريف درعا، مؤكدين أنهم لا يطلبون سوى إطلاق سراح ولدهم.

على إثر ذلك، قامت مجموعة مسلحة محلية في السويداء بمهاجمة أماكن تواجد العصابة التي اختطفت الزعبي، ونجحت في إطلاق سراحه، وفي اعتقال يعرب الأشقر أحد عناصر هذه العصابة، المتهمة بالتورط في خطف عشرات الأشخاص خلال الأشهر الماضية، معظمهم من أبناء درعا. بعدها توجّه عناصر الفصيل المحلي إلى أجهزة النظام الأمنية لتسليم الأشقر لها، إلا أن هذه الأجهزة رفضت استلامه. وقد أكدت مصادر محلية للجمهورية أن الأجهزة الأمنية بررت رفضها هذا بأنها لا تريد الدخول في صدام مع الجماعة المسلحة التي ينتمي لها الأشقر، وبأنها تخشى احتشاد المواطنين أمام مقراتها ومهاجمتها بغية إطلاق سراحه، كما حدث سابقاً في حوادث عديدة.

أمّا الحوادث التي تذرعت بها أجهزة النظام لرفض استلام يعرب الأشقر وتحويله إلى القضاء، فهي تتعلق باحتشاد الأهالي عدة مرات لإطلاق سراح محتجزين مطلوبين للخدمة العسكرية، أو معتقلين على خلفيات سياسية، على غرار مع حدث وقت اعتقال الشاب جبران مراد في حزيران 2017، ولم يحدث أن احتشد مواطنون من أبناء السويداء مطالبين بإطلاق سراح أي معتقل على خلفية جنائية.

تتحدث مصادر محلية متنوعة عن ارتباط كثير من عصابات الخطف بأجهزة النظام الأمنية، وعن أن معظم متزعميها معروفون بالأسماء، كما تؤكد تقارير صحفية أن عدداً منهم سبق أن شاركوا في معارك إلى جانب قوات النظام خارج السويداء. وأياً تكن درجة الارتباط تلك، فإن ما تؤكده حادثة اختطاف الشاب محمود الزعبي وما تلاها، هو أن أجهزة النظام الأمنية تربط بوضوح بين استعدادها للقيام بمهمة ضبط الأمن العام في محافظة السويداء، وبين قبول أبناء المحافظة بالخضوع الكامل لها في ملفّ المطلوبين للخدمة العسكرية، والمطلوبين بسبب نشاطاتهم السياسية المناهضة للنظام.