السينما العربية المستقلة متجولةً في برلين

 

أسدل مهرجان الفيلم العربي الستارة عن آخر عروضه هذا العام مع المحاولات الحثيثة لـ جماعة الفيلم السوداني، وأملهم الذي لا يعرف اليأس، من أجل تحقيق الحلم بعرضٍ سينمائيٍّ جماهيري في إحدى صالات السينما المنسية والمتروكة في الخرطوم، بعد أن أُجهضت الحركة السينمائية السودانية لعقودٍ طويلة نتيجة أسباب سياسية قمعية بالدرجة الأولى. حصد فيلم الحديث عن الأشجار (2019) لمخرجه صهيب جاسم الباري جائزة الجمهور في مهرجان برلينالي العام الفائت، وعُرض مجدداً ضمن مهرجان الفيلم العربي، وكان خياراً ملائماً لختام المهرجان، لما يحمله هذا الفيلم من رسائل مؤثرة عن الأمل والشغف في حب السينما؛ رسائل موجّهة لكلٍّ من صُنّاع السينما في المنطقة العربية، ومنظمي المهرجانات ودور السينما  التي تواجه، بسبب جائحة كورونا، ظروفاً استثنائية تعيق إقامة العروض السينمائية في الصالات وتحدّ من نشاط وحركة الأنشطة السينمائية. 

تضرّرَ القطاع الثقافي والإنتاج الفني بشدة خلال الجائحة العالمية، فلم يكن من السهل على إدارة مهرجان الفيلم العربي اتخاذ القرار بإقامة الدورة الحادية عشرة من المهرجان في صالات السينما في برلين، كما جرت العادة في السنوات الماضية. جرى تأجيل وتغيير موعد المهرجان أكثر من مرة، بيد أن المنظمين نجحوا أخيراً بإقامة المهرجان في أيلول (سبتمبر) بدلاً من نيسان (أبريل)، وهو الموعد الذي اعتاد عليه الجمهور في برلين. 

تجوّلَ المهرجان في صالاتٍ سينمائيةٍ مختلفة، بالإضافة إلى العروض الافتراضية، لكن هذه المرة بحقيبةٍ سينمائيةٍ أخفّ من المعتاد، حيث وصل عدد الأفلام المشاركة إلى 15 فيلماً تنوعت بين الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة. وفي مقابلةٍ للجمهورية مع مديرة مهرجان الفيلم العربي، كلاوديا الجعبة، أكدت أن هذه الخطة كانت اضطراريةً واستجابةً للظروف الصعبة: «اضطُررنا هذه المرة للتأخّر خمسة أشهر عن الموعد الأصلي لإقامة المهرجان، وذلك بسبب إجراءات السلامة والتباعد الاجتماعي التي أقرتها إدارة مجلس الشيوخ (الزينات) في برلين للثقافة، كما اضطُررنا لتقليل عدد الأفلام السينمائية المشاركة وتوزيعها على مدار شهر أيلول، فاخترنا خمسة أفلام من الاختيارات الرسمية للمهرجان، وخمسة أفلام قصيرة، وخمسة أفلام ضمن بقعة ضوء (Spotlight) المهرجان لهذا العام (بقعة ضوء المهرجان هي واحدة من أقسام المهرجان التي تركز من خلال الأفلام  المشاركة على ثيمة محددة)، والتي تندرج تحت عنوان المقاومة أنثى، وشملت أفلاماً تناولت ثيماتٍ عن الحرب والحياة الاجتماعية لنساء من فلسطين وسوريا والعراق والجزائر من وجهة نظرٍ نسوية».

جمعَ المهرجان بين صيغتي عرض؛ الأولى هي العرض الحي على شاشات السينما، والثانية هي العرض الافتراضي المتاح مجاناً على موقع المهرجان الإلكتروني. وبحسب ما ذكرت لنا الجعبة، كانت فكرة العرض الافتراضي في البداية مستبعدةً تماماً «فنحن نعرض أعمالاً سينمائية لا يُفترض أن تُشاهد على شاشات اللابتوب. لكن بما أننا في جميع الأحوال سنضطرُ للقاء واستضافة مخرجي هذه الأفلام افتراضياً عبر تطبيق الزووم بسبب صعوبات السفر، قررنا أخيراً أن نجرّب طريقة العرض الافتراضي». استمرت العروض الافتراضية من 14 إلى 20 من شهر أيلول الماضي. أما عن العروض الحية في صالات السينما التي استضافتها سينما فرايلوفت الصيفي وسينما أرسنال وسينما سيتي كينو، فقد ذكرت الجعبة سلبيات وإيجابيات كلٍّ من شكلي العروض الافتراضية والحيّة: «في العرض الافتراضي لدينا أرقام ومؤشرات عن أعداد الاشخاص الذين شاهدوا هذا الفيلم أو ذاك، وماهي الموضوعات التي جذبت اهتمامهم أكثر، كما أننا استطعنا الوصول إلى جمهور خارج برلين؛ سواءً في عرض الأفلام أو خلال جلسات النقاش المفتوحة بين الجمهور والمخرجين بعد عرض الفيلم. وهذا مفيد إحصائياً للمنظمين، أما في العروض الحيّة، فقد كنت سعيدةً جداً بإقبال الناس على مشاهدة الأفلام مجدداً، وبعودة الانتعاش إلى المشهد الثقافي بعد انقطاعٍ طويل. كنتُ سعيدةً فعلاً بعودة الناس إلى السينما وتفاعلهم مع العروض والتزامهم بإجراءات السلامة والتباعد الاجتماعي، وهو ما أجده دليلاً على احترام الآخرين».

حاولت أغلبُ هذه الأفلام كسر الصورة النمطية عن الحكايات القادمة من المنطقة العربية، وتطرقت إلى قصص  نساء لاعبات لكرة القدم النسائية في فيلم حقول الحرية (2018)، وتحدثت عن نسويات سابقات في تاريخ المنطقة العربية؛ مثل الجزائرية نبيلة دجاهنين في فيلم رسالة إلى شقيقتي (2006). بكلماتٍ أخرى، نلاحظ أن أغلب هذه الأفلام حاولت اكتشاف طرق جديدة لمقاربة المواضيع الراهنة دون أن تقتصر على تطلعات المتلقي الغربي وما يرغب بمشاهدته أو سماعه عن سوريا وفلسطين والعراق. وتؤكد الجعبة في حديثنا معها: «على العكس، نحاول في المهرجان ألا نغذي توقعات الجمهور الغربي من الأفلام العربية، فعلى سبيل المثال كان من الضروري استضافة عرض الطريق إلى البيت (2018) لمخرجه وائل قدلو، لأنه من المتوقع أن يكون الفيلم السوري المنتج حديثاً عن الحرب مثلاً. فيلم الطريق إلى البيت كان فيلماً ضرورياً  بالنسبة لنا لأنه يتطرق إلى موضوع خاص وحميمي و يحاكي صورة مختلفة عن تلك التي في ذهن الجمهور الألماني». 

تعكس هذه الخيارات استراتيجية المهرجان وأهميته بالنسبة للجمهور العربي والجمهور الغربي، وموقعه من الخريطة الثقافية ضمن الأنشطة الفنية والثقافية العربية في أوروبا، لأنها تقاوم تمثلات العالم العربي في الإعلام الأوروبي ونظرة الآخر الأوربي التي تساهم بتأطير صورة النتاج الفني العربي، ونلاحظ أن هذه الاستراتيجية تنطبق أيضاً على اختيارات الأفلام ضمن بقعة الضوء- المقاومة أنثى، والتي تناولت قضايا نسوية في المنطقة العربية لنساء اخترن طرقاً غير تقليدية للحياة في مجتمعاتهن بحسب السياقات التي يعشنّ فيها وبحسب الحدود المجتمعية التي يخضعنّ لها.«في البداية كنت أحاول تجنّب مواضيع النساء لسنوات، لأن هذا ما يتوقعه الجمهور الغربي من أي نشاط فني عربي، وهو الحديث عن مشاكل وقضايا النساء العربيات. طبعاً لم يعد بالإمكان تجاهل الثيمات النسوية لمجرد أننا لا نريد أن نغذّي توقعات الجمهور، لكن في الوقت ذاته تطلّب الأمر اختياراً دقيقاً لأفلام مختلفة وسرديات راهنة، غير أنّ التطرق إليها تم من خلال منظور نسوي وما بعد كولونيالي، يرفض  تصوير النساء من موقع الضحية. صحيح أن النساء في المنطقة العربية هنّ ضحايا بالفعل، لكنهن لا ينظرن إلى أنفسهنّ على أنهنّ ضحايا، بل هنّ في الواقع مقاتلات من أجل الحياة ودفاعاً عن بعض الخيارات المصيرية». 

وذلك دفعنا لسؤال كلاوديا الجعبة عن تعريفها الشخصي للفيلم النسوي، تقول: «نقطة البداية كانت بالنسبة لي التعمق في التاريخ السينمائي في المنطقة العربية. بالتأكيد كان اختيار فيلم إلى سما (2019) للمخرجة وعد الخطيب خياراً واضحاً بالنسبة لنا، ولأنه ينسجم مع الطرح الذي نقدمه. لكنّ السؤال الأساسي الذي انطلقنا منه هو: كيف تطور النساء في مناطق الحروب والصراعات نوعاً من المقاومة والمرونة وحتى أشكال مختلفة من المواقف النسوية التي لا تشبه النسوية بحسب التعريفات الغربية لها. بالضرورة فإن الفيلم الذي يتناول قضايا النساء ليس بالضرورة أن يكون فيلما نسوياً إذا تمّ تناوله من وجهة نظر ذكورية، كما أن الفيلم الذي تخرجه امرأة ليس بالضرورة أن يكون فيلماً نسوياً. يعتمد هذا بشكل أساسي على مقاربة الموضوعات من زاوية نسوية. بالنسبة لي فيلم ذاكرة خصبة (1980) لمخرجه ميشيل خليفي هو فيلمٌ نسوي بامتياز، ومثالٌ جيد عن كيف يمكن لمخرج سينمائي أن يصور كفاح سيدتين عاملتين في فلسطين بشكلٍ نسوي من دون أن يطبّق عليهنّ المنظور الذكوري - Male Gaze. كما أن شخصية رومية حاطوم في الفيلم، وهي سيدة محافظة جداً وتقليدية جداً، فقد كانت أيضاً نسوية ضمن الحدود الاجتماعية والسياق الذي تعيش فيه».

يشكل هذا المهرجان صلة وصل بين السينما العربية المستقلة وبين الجمهور العربي والغربي في ألمانيا، ويسمح برصد بعض التغييرات التي طرأت في السنوات الأخيرة على السينما المستقلة للشباب. وبالرغم من أن الجعبة تؤكد أن رصد هذه التغييرات هو أمر صعب فعلاً لأنها تأخذ وقتاً أطول حتى تظهر ملامحها، لكن بحسب تجربتها وعملها فهي تؤكد أن «القصص ومواضيع هذه الأفلام  تتناول الآن قصصاً لشرائح أكثر تنوعاً من قبل، صارت أكثر ذاتية وفي الوقت ذاته تتطرق إلى الكثير من الأسئلة السياسية في عمقها، وبعيدة عن  آليات التوجيه الذي يُفرض على صناع السينما. في السينما الجزائرية والفلسطينية، على سبيل المثال، يبتكر صنّاع السينما تقنياتٍ جديدة لحكاياتهم، والتي قد لا تحقق بالضرورة أي ارتياح عاطفي للمشاهد الغربي. ويجب هنا أن نقول إنّ هذه التغييرات لا تنفصل عن التغييرات العالمية في المشهد السينمائي العالمي». 

استطاع مهرجان الفيلم العربي من خلال الاختيارات السينمائية المميزة لهذا العام أن يخلق حالةً ثقافيةً واجتماعيةً ممتعة ومطمئنة للجمهور الذي اشتاق للسينما العربية المستقلة بعد ستة أشهر من التقييدات والإلغاء لعددٍ كبيرٍ من الفعاليات الفنية والثقافية، على أمل أن نلتقي العام المقبل مع عددٍ أكبر من الأفلام الجديدة، وفي صالاتٍ سينمائية تستقبل العدد المعتاد من الجمهور دون الاضطرار للكمامات ولإجراءات التباعد الاجتماعي، وفي ظروف أقل قسوة وأقرب لأن تكون «عادية».