الشوق والذوق والجوق

 

قبل سنوات قليلة، كنتُ أعدّ بحثاً عن المدائح النبويّة في دمشق، حينها كان عليَّ أن أستمع طوال النهار تقريباً لأناشيد يؤديها مشاهير منشدي دمشق الذين كنتُ مشغولاً بهم؛ أناشيد لكلّ من الأخوة أبي شعر، وفايز الحلو، ونور الدين خورشيد، وغيرهم. لكنّي يومها لم أكن أستطيع تمرير كلّ تلك الجرعة من الأناشيد اللي يغلب فيها الغثّ على الثمين، دون أن أبدأ نهاري ببعض الإنشاد الذي يطرب فعلاً.

في ذلك الوقت كنتُ أسكن شقّة في زقاق ضيّق في حيّ جيهانغير الإسطنبولي. المسافة بين نافذتي ونافذة جيراني لم تكن تتعدّى الأربعة أمتار، وعلى الطرف المقابل، تجلس يومياً جارتي التركيّة المتقدّمة في السن، كلانا يستيقظ في الوقت ذاته تقريباً، ثمّ يحشر نفسه إلى جوار النافذة طمعاً في شمس أبريل البخيلة.

يومها، ولمدّة شهرين تقريباً، كنت أستمع كلّ صباح لوصلة للمنشد الحلبي حسن الحفّار (أبو أديب) وفرقته على مقام الحجاز. بعد أيّام قليلة من الاستغراب، بدأت عدوى الطرب بالانتقال إلى جارتي المسنّة، ورغم عدم فهمها للكلمات، إلاّ أنّ الاستمتاع كان واضحاً على ملامحها المبتسمة أثناء شربها لقهوة الصباح قرب نافذتها. كنّا نتبادل ابتسامات عفويّة قبل انشغالي المفترض بعملي، واستسلامها هي الأخرى لروتين حياة الوحدة والتقدّم في العمر.

ذات صباح ودون مقدّمات، لم تفتح نافذة جارتي. استمرّ الأمر ليومين، قبل أن أعرف أنّها غادرت شمالاً لقضاء وقت عند ابنها المقيم في إحدى مدن البحر الأسود. زال حينها انقباضٌ مؤقّتٌ شعرت به خوفاً من احتمال أسوأ، كان ذلك الاحتمال هو الموت طبعاً، الموت الذي لم يُغيّب جارتي في ذلك الصباح، لكنّه غيّب صباح الاثنين الماضي أحد آخر معلّمي الإنشاد السوريّين، وصاحب الفضل في صباحاتنا تلك.

لا إنشاد دون شوق

حاله كحال الغالبيّة العظمى من منشدي سوريا، لا يضمّ المحتوى العربي على الإنترنت معلومات أو تغطيات وافية لعمل المنشد حسن الحفّار، ذلك في حين تحقّق المقاطع المرفوعة لأناشيده على مواقع الاستماع مئات آلاف المشاهدات، الأمر الذي يدلّ على شعبيّة أناشيد الراحل في أوساط سوريّة وعربيّة وحتّى عالميّة مختلفة. يُستثنى من ذلك التهميش اهتمامٌ متأخّرٌ جدّاً من بعض المنابر الصحفيّة المحليّة في مدينة حلب، التي أجرت مقابلات مع الراحل، كان واضحاً احتفاؤها بحالة بقاء الرجل في أحياء حلب الخاضعة لسيطرة النظام السوري، أكثر من اهتمامها بعمله الفنّي.

ما نعرفه عن حسن الحفّار أنّه ولد عام 1943 في حلب، غير بعيد عن قلعتها في ساحة بزّة. لم يتلقَّ الراحل تعليماً رسميّاً، بل تعلّم القراءة شيخ كُتّاب فقط، دون أن يعرف الكتابة. ولاحقاً عند اكتشاف موهبته في الإنشاد، التحق الراحل بفرق إنشاد مختلفة وعمل مع منشدين مختلفين أهمّهم صبري مدلّل، الذي عمل الراحل في فرقته طويلاً قبل أنّ يؤسّس فرقته الخاصّة لاحقاً. كما أنه عمل مؤذّناً لأذان العصر في الجامع الأموي في حلب قرابة الأربعين سنة، مُنوِّعاً في أذانه بين المقامات المختلفة.

ومنذ سنّ مبكّر كان الرجل قد حقّق شهرة أوصلته إلى إحياء حفل في باريس عام 1975 مع منشدين آخرين منهم صبري مدلّل مجدّداً، وعبد الرؤوف حلّاق وعمر دربي، وهو الأمر الذي تكرّر وسط التسعينيات، بالإضافة إلى أمسيات في كلّ من المغرب والبحرين. لاحقاً، سيشتهر الراحل بألوان خاصّة سيفضّلها مستمعوه دوناً عن غيرها، مثل السبعاويّات، والموشّحات الأندلسيّة، وحتّى الكلثوميّات، أي الأغنيات الّتي غنّاها الراحل من تراث أم كلثوم.

في فيلم صُنع بسحر الذي أنتجته الجزيرة الوثائقيّة عام 2010، يردّد الراحل مقولة متداولة عن صفات المنشد الجيّد، وهي «الشّوق والذوق والجوق»؛ الشّوق أو الحب لمن تُغنّي له، والذوق في اختيار الكلمات والألحان، والجوق الذي هو الجوقة المناسبة لتلك الكلمات والألحان. في ذلك الفيلم، يظهر الحفّار بكامل عافيته، مرتدياً وشاحه الأبيض الذي يشتهر به، وينشد مع فرقته قرب القلعة مع لقطات واسعة ومزاج احتفاليّ، مزاج أقرب ما يكون لاجتماع الشوق والذوق والجوق سويّة.

أمّا في آخر مقابلاته مع إذاعة نينار في حلب، فيظهر أبو أديب مكسوراً كحال الجدران المتصدّعة خلفه، يتذمّر مّمن يغنّون على اليوم على مسرح قلعة حلب، ويأسى لرحيل أهل المدينة عنها، ويناور مع محاوره الشاب الذي يريد انتزاع تصريح سياسي من الراحل؛ «أنا بحفظ كرامتي» يقول أبو أديب، معلّقاً على عدم تلقّيه أيّ تكريمات «رسميّة».

دمشق وحلب وثنائيات أخرى

في المقابلة ذاتها، وجواباً على سؤال عن وجود حساسيّة بين منشدي حلب ودمشق، يردّ الحفّار على محاوره بأنّ «النمط الشامي بالإنشاد بدّو تصفية.. ما كلّن بيعرفوا يغنّوا»، ثمّ يضيف ساخراً من الفرق الدمشقيّة التي تكثر عدد المنشدين الذين لا يقومون بشيء سوى فتح أفواهم وإغلاقها، فيما يبدو إشارة إلى فرقة أبي أيّوب الأنصاري، أو فرقة الإخوة أبي شعر. في المقابلة أيضاً، يضيف الرجل تعليقات سلبيّة مبهمة على «تكريم» صباح فخري من قبل المؤسسات الرسمية لدى النظام. باختصار، يبدو الرجل في آخر أيّامه غير راض عن الكثير ممّا يدور حوله، ولا يُحرّضُ مشهد سيره وسط بقايا الدمار في حلب القديمة على الرضا على كلّ حال.

لكنّ شعور الرجل بالغبن من أعلام الغناء الدنيوي (غير الديني)/ من «جنّوا نطّوا» إلى صباح فخري، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض منشدي دمشق الأقرب إلى مغنّي البوب، ليس أمراً طارئاً، فموسيقا المدائح النبويّة في سوريا المعاصرة كانت دائماً محشورة في زاوية حرجة، فهي من جهة موسيقى ملتصقة بالمؤسّسة الدينيّة التي تعمل بطبيعة الحال وفق ميكانيزمات مختلف تماماً عن سوق الغناء الدنيوي العادي، إذ أن المنشد ليس فنّاناً فحسب، بل هو صاحب صفة دينيّة أيضاً؛ «المنشد لازم يكون مرشد» يقول الحفّار.

من جهة ثانية، يريد معظم المنشدين ذلك الاعتراف الدنيوي، أي الاعتراف بأنّهم فنّانون وبأنّ موسيقاهم رفيعة المستوى والصنعة، بغضّ النظر عن كلّ محتواها الديني، المحتوى الذي لا يتجاوز في الحالة الكلاسيكيّة سوى مدح شخص الرسول وأصحابه وأهل بيته. زِد على ذلك كلّه حساسيّات وتنافساً سوريّاً داخليّة بين سوقين رئيسيّين للإنشاد، أي سوقي دمشق وحلب، مع فُرص محدودة للسفر والمشاركة في مهرجانات عالميّة، إسلاميّة الطابع أو أخرى تحمل طابع «الموسيقى الروحيّة». وسط هذا العالم الملتبس أنجز حسن الحفّار أعماله، أكثر من خمسين عاماً من الإنشاد والإطراب، في مدينة تغيّر وجهها مرّات عدّة، وهُجٍّرً نصف سكّانها ودُمِّرَت كثيرٌ من معالمها.

رغم كلّ ذلك، ورغم اختلافاتنا الفكريّة المحتملة مع المؤسسة الدينيّة الملتصقة بمشهد الإنشاد، يبقى في صوت أبي أديب وموهبته الفطريّة هدهدة عذبة، تشعل شوق واحدنا للبلاد، أو ربّما تساعده على إنشاء صداقات مع جيرانه العجائز، في بلاد تسكنها أجساد لا تطرب إلّا لأصوات تُشعِلُ الشوق دون أن تخبرنا عن سبيل لإطفائه.