الصحافة والعدالة النسوية: حوار مع لينا عطاالله

منذ شهور والمشهد المصري العام يتصدره عنوانان أساسيان: جرائم العنف الجنسي، وعلى رأسها ما بات يُعرف باسم قضية «الفيرمونت»، من جهة، وخطاب بثّ الذعر الأخلاقي الذي عاد إلى السطح مجدداً مع قضية «فتيات التيك توك»، من جهة أخرى. الارتباط المباشر بين هذين العنوانين بات جلياً في الأيام القليلة الماضية عندما قامت السلطات المصرية باعتقال شاهدة في قضية الفيرمونت وصديق لها وتوجيه تهم إليهم تتعلق بالفسق والفجور، في ما يبدو وكأنه محاولة واعية للالتفاف على واقعة العنف الجنسي بقضية ثانية، تطعن في «أخلاق» الشهود، وتحمُل الناجيات من جرائم العنف الجنسي ضمنياً مسؤولية ما يحدث لهن. الجمهورية التقت رئيسة تحرير موقع مدى مصر، الزميلة لينا عطاالله، على هامش هذه التطورات الأخيرة. سألناها عن السياق السياسي والاجتماعي لما يحدث، عن المدونات النسوية المعنية بنشر شهادات الناجيات، وعن فهمها لمفهوم العدالة النسوية:معناه السياسي، وكيفية ممارسته في الصحافة وداخل مؤسسات العمل، وتجلياته الحالية في الفضاء العربي

لنبدأ من الأخبار الأخيرة عن اعتقال شاهدة في قضية الفيرمونت وصديق لها، وتعرّضهم لفحوص مهينة وتسريب صور شخصية لهم عبر حسابات تويتر، وظهور محاضر تحريات تشير إلى وجود قضية ثانية مختلفة تماماً عن قضية الاغتصاب تُستهدف الشاهدات فيها. كيف تفهمين هذه التطورات؟ وهل هناك سياق سياسي واجتماعي أوسع يجب على المتابع لقضية الفيرمونت من خارج مصر الانتباه إليه؟

بدايةً، انتشار قضية الاغتصاب التي حصلت في فندق في القاهرة عام 2014، والمعروفة باسم قضية الفيرمونت، لتصبح قضية رأيٍ عام في مصر، لم يكن عبر المنصات الإعلامية بشكلها التقليدي، بل عبر منصات مستقلة أُسِسَت بشكلٍ خاص من أجل تفجير قضايا عنف جنسي بعينها.

كان التقاطع في القضية مع فكرة القوة واضحاً منذ البداية. في هذه الحالة بالذات نتحدث عن قوة رأس المال، بمعنى أنّها جريمة اغتصاب قام بها مجموعة من الشباب المنتمين لأسر ثرية جداً ولديها علاقات مختلفة بالسلطة السياسية. كانت الصفة المشتركة بين المغتصبين هي نفوذهم ونفوذ أسرهم. استطاعت القضية أن تُنتج زخماً كبيراً، على الانترنت بشكل أساسي، وتُحَرّك حملات تضامن ومساندة ومطالبة بتعقّب المُغتصِبين.

وفي إحدى المراحل، دخلت القضية في مسار العدالة الرسمية؛ عدالة الدولة، حيث وصلت إلى سلطة النيابة العامة، وهذا غير منفصل عن قضايا أخرى؛ أي قضايا عنف جنسي تفجرت في الفترة الماضية، ودخلت مسار العدالة بوساطة من نسوية الدولة (المجلس القومي للمرأة). في تلك اللحظة، كان لدينا جميعاً تساؤلٌ أساسي: كيف سيتقاطع ثراء ونفوذ هؤلاء المُغتصِبين وأسرهم مع مسار العدالة في هذه القضية؟

معظم المغتصبين كانوا قد هربوا خارج مصر، وكانت التوقعات بأنّ أحداً لن يستطيع القبض عليهم وإحالتهم للمحاكمة. توقعنا بأن يتم القبض على أضعفهم وأقلّهم نفوذاً مثلاً، والانتهاء بأحكام مخفّفة. ولكن لم يخطر ببالنا أبداً أن يحدث هذا التغيير الفظ في المسار، لدرجة أن يتعرض الشهود في هذه القضية إلى الإدانة والملاحقة. وقد تمّ القبض على 4 شهود على الأقل، واثنين من أصدقائهم الموجودين معهم٬ وجرى تحويل القضية إلى التحريض على الفسق والفجور، وتعاطي مواد مخدرة، وتشويه سمعة مصر، بدلاً من قضية اغتصاب.

في الحقيقة، لم نكن نتوقع الكثير من مسار العدالة الرسمية، لكنّ الذي حدث خلال الأيام الماضية أخافنا جميعاً.

 

لنتوقف قليلاً عند الدولة المصرية. تبدو سياسة بثّ الذعر الأخلاقي متأصلةً في الخطاب الرسمي المصري منذ ما قبل ثورة 25 يناير، ولكنها عادت إلى الواجهة مؤخراً مع قضية فتيات التيك توك. الآن، مع ما يبدو أنها محاولةٌ ممنهجة للالتفاف على قضية العنف الجنسي من خلال الحديث عن الأخلاق العامة، هل تقرأين ما يحدث خلال هذا الصيف بوصفه جزءاً من توجّهٍ مدروس؛ سِيَاسَوِي لكسب المجتمع المحافظ، في وقت تنحسر فيه شعبية النظام العامة؟ أم أن الدولة في هذه الحالة هي جزء من مجتمع محافظ متخبّط لا يعلم كيف يتعامل مع أدوات جديدة، كمدونات الكشف عن التحرش الجنسي أو منصات كالتيك توك، إلا من خلال السيطرة والعنف وبث الذعر؟

لا أوافق كثيراً على المحاججة القائلة بأنّ الدولة تعمل على تتبع هذه القضايا تحت راية حماية القيم وإثارة الذعر من أجل جذب جمهور، بطبعه محافظ، إلى هذا النظام. بمعنى آخر، لا أعتقد بأنّ هذا النظام مهتم أصلاً بجذب أحدٍ لكي يسانده بشكلٍ تطوعي وبكامل رغبته. هذه ليست أولوية سياسية في نظام لا يمتلك أي نوع من أنواع التقارب السياسي مع المجتمع.

أعتقد بصراحة أن هذا النظام، وامتداده عبر التاريخ الذي يتجاوز النظام الحالي، وفي تجلياته؛ سواء في جهاز الشرطة أو النيابة أو نظام العدالة كاملاً، هو محافظ جداً في جوهره، أما فكرة السيطرة على أجسادنا ونفوسنا فهي متجذرةٌ لديه. وفي ظل الأمْنَنَة الزائدة التي نعيشها الآن٬ هناك حالة ارتباك شديدة من المساحة التي لا يزال الإنترنت يتيحها، رغم فروغ هذه المساحة من معانيها وآثارها الأكثر خطورة ربما، والتي تمثلت في ثورات 2011 وما سبقها من محاولات تنظيم.

ومع ذلك، فإنّ هذه المساحات التي ما زال يتيحها الإنترنت تُربك السلطات باعتبارها هامشاً خارج إطار السلطة الكاملة للنظام. وهذا يوضح الدور الذي تلعبه النيابة على مدار الشهور الماضية، من خلال تحريك قضايا من نوع قضايا الـTik Tok، حيث يُصار إلى إدانة سيداتٍ ظهرن على التطبيق في مقاطع فيديو «بنشر صور ومقاطع خادشة للحياء العام والاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية». استحدثت النيابة العامة في مصر وحدةً لرصد الأنشطة على الإنترنت، وركّزت في عملية الرصد تلك على أنشطة ترى النيابة أنها تؤذي «قيم الأسرة المصرية». وتصف النيابة، في كلامها عن وحدة الرصد، وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت بأنها الحد الرابع للدولة، أي مثل الحدود البرية والبحرية والجوية.

هناك حالة ارتياب واضحة إزاء أي شيءٍ يحدث في هذا العالم. وبالنسبة لي، تجلّى هذا التوجه بشكلٍ واضح جداً في قضية الـTik Tok؛ لأنها تعبّر عن مجموعة من الشابّات اللواتي وجدن مساحةً للتعبير الحر، والتعبير بطريقتهن عن حيواتهن وأفكارهن. ونضيف إلى ذلك أن بعض هذه المنصات٬ ليس بالذات Tik Tok، أصبح مصدراً دخل لهن. بالنسبة للسلطات، من غير المفهوم أو المقبول وجود علاقة اقتصادية مباشرة بين المنصات ومستخدميها من دون سيطرةٍ للدولة، لا سيما عند استخدام هذه المنصات للتعبير عن الذات، وخاصةً إذا كان المستخدمون من النساء، وخاصةً المهمشات اقتصاديا منهن. 

 

تتصدر قضايا التحرش والعنف الجنسي المشهد العام المصري حالياً. هل تعتقدين أن الدور الأساسي في هذا يعود لحضور ونشاط مدونات مثل «دفتر حكايات» و«مغتصبون» و «Cat Calls of Cairo»؟ وهل لكِ أن تعطينا لمحة عن ظروف نشوء هذه المدونات وتقييمك لطريقة عملها؟ كيف تتعاملين معها كصحفية، وهل تجدين أنها تغيّر طبيعة التغطية الصحفية لقضايا التحرش والعنف الجنسي؟

أعتقد أنّ بروز هذه المنصات خلال الفترة القريبة الماضية، وهدفها الأساسي يتمحور حول تجميع لشهادات ضحايا اغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي، هو امتداد لمحاولة استخدام المساحة التي يخلقها الإنترنت في أنواع مختلفة من النضال. ومن المؤكد أن هذه المنصات قد استوحت عملها من موجات البوح؛ بوح النساء بالأساس عن تجاربهن مع العنف الجنسي. 

بطبيعة الحال، هناك اختلافات في العمق السياسي للقائمين على هذه المنصات، والذي يظهر لنا من طريقة تعاملها مع الشهادات، ومن طريقة تعاملها مع الإعلام، وأيضاً من طريقة تعبيرها عن نفسها. بالرغم من إخفاء هوية القائمين على هذه المنصات، فإنه توجد اختلافات عديدة بين تلك المنصات؛ من بينها طريقة تعاملها مع الإثارة التي تنتُج عن القضايا والشهادات التي ينشرونها؛ بمعنى ما هي المسؤوليات المختلفة التي تقع على عاتق تلك المدونات والمنصات في اللحظة التي تتحول القضايا والشهادات التي ينشرونها إلى قضايا رأي عام؟ في بعض الحالات، مثلًا٬ ليس هناك سياسات واضحة للتعامل مع الإعلام، وتحويل منصات إعلامية محلية تقدمية لحلفاء في القضية. هناك مثلاً الاعتقاد بأن الأهم هو الوصول للإعلام الدولي دون حساب الإشكاليات الفكرية المرتبطة بتغطية منصات إعلامية دولية لقضايا المرأة والعنف الجنسي في بلادنا. إلى جانب الإعلام٬ من هم الحلفاء الذين قد تحتاجهم هذه المنصات عندما تتحول شهاداتهم وقضاياهم إلى قضايا رأي عام؟ وما هي التقاطعات الممكنة مع نضالات ممتدة، سواء على صعيد الحراك النسوي أو الحركة الحقوقية، أو غيرها من أشكال العمل العام؟ وكيف نتقاطع بشكل عام مع الوضع السياسي الراهن وأبوية الدولة التي تطبق القانون الذي ربما سنلجأ إليه. 

بعد أن تتحول تلك القضايا والشهادات التي يتم نشرها إلى قضايا رأي عام، أظن أنّ هناك مسؤولية سياسية على تلك المنصات، بجانب المسئولية الأساسية في دعم وحماية الضحايا والناجيات. طبعاً أقول هذا الكلام وأنا مدركة تماماً أن كثيراً ممّن بادر بنشر شهادات في الفترة الأخيرة تعرّض للقمع المباشر وغير المباشر من قبل أجهزة الأمن، وأصبح العمل من خلال تلك المنصات لمناصرة قضية مواجهة العنف الجنسي شديد الصعوبة ومليئاً بالخطورة، مثله مثل أيّ عملٍ عام آخر في بلادنا اليوم. ما لدي تساؤل حوله هو الوعي بالعمق والتعقيد السياسي لهذا العمل التنظيمي المتمثّل في نشر شهادات عنف جنسي على الإنترنت. 

لدي هذا التساؤل لأن ذلك يمسّنا ويمسّ مجتمعنا، وأعتقد أنه، بالتوازي مع النشر والفضح، تقع علينا جميعاً، كصحفيين وكنسويات وكقائمات على هذه المدونات، مسؤولية أن يكون هناك حوار موازي حول أسئلة التحالف والتنظيم والنشر، وأسئلة العدالة وأسئلة العقاب، وتعامل الدولة مع هذه القضايا في مقابل تعاملنا نحن. 

هناك كثير من المؤسسات والمجموعات، مثلاً، تواجه تلك الأسئلة بالدخول في حال أدائية للعدالة، ولكن في جوهرها ليست حالة مُعبّرة عن نقدنا الذي يُفترض أنه تقدّمي لجهة عدالة الدولة من ناحية، وتطلعنا لأنماط أخرى من العدالة قد تكون أكثر تقدميةً وأكثر تعبيراً عن قيمنا، سواءً القيم النسوية أو القيم التقدمية المرتبطة بنظرتنا للعدالة.

 

كيف تفهم لينا عطاالله كصحفية مفهوم العدالة النسوية؟ وكيف يحدد طبيعة علاقتها مع مفاهيم إبستمولوجية كلاسيكية متجذّرة في العلم والقانون الحديثين؛ كالقرينة والدقة والدرجة، عندما تبدو هذه المفاهيم مستحيلة التحقّق بنيوياً في سياقات بعينها؟ هلّا تشاركينا أمثلةً من عملك اليومي في تغطية قضايا العنف الجنسي ساعدتك على بلورة صياغتك لهذا المفهوم، ومايعنيه بالنسبة للصحافة التحررية التي تعمل مدى مصر على تقديمها دوماً؟

دورنا بشكل أساسي كصحفيين، ضمن التجلي الحداثوي للمؤسسة الصحفية، هو الاستقصاء والبحث عن المعلومة والبناء والتحليل من هذا المنطلق. ولكن بما أنّنا نضيف فكرة التقدمي لممارساتنا، فإن هناك مسؤوليات أخرى تقع على عاتقنا في تطوير أنماط الاستقصاء طبقاً لما نتعلمه ونكتسبه من خبرات وقيم٬ وتحديداً القيم النسوية والعدسة الجندرية التي تلهمنا للتعامل بوعي أكبر مع علاقات القوة وتأثيرها على فكرة المعلومة.  

عندما بدأ نشر شهادات ضحايا العنف الجنسي، خضنا نقاشاً داخلياً حول أهمية نشرنا عبر منصتنا، كصحفيين، لتلك الشهادات، كما يقع على عاتقنا مسؤولية التحقّق من الشهادات. ولكن، كيف نفعل ذلك مع الوضع في الاعتبار علاقات القوّة الأصيلة التي تحكم قضايا الاعتداء الجنسي؟ هنا تأتي فكرة مركزية قصة الناجية في عملية الاستقصاء.  

تجارب العمل مع قصص الضحايا أعطتنا تعليماً أساسياً حول كيف تشكك أقل في رواية الناجية في مقابل الاستقصاء أكثر حول الطرف الآخر؛ في سلوكيات المُعتدي وتاريخه وإمكانية تكرار الاعتداءات على أطراف مختلفة. أنا لا أرى أن هناك استحالة في أن يصبح لدينا منطق تقدمي ونسوي في عملية الاستقصاء يسمح لنا بالوصول إلى حقائق. ولا أرى استحالةً في أن نَنْشط بعدساتنا النقدية في التحقيق في قضايا العنف الجنسي إذا ما تقاطعت هذه العدسة مع أمرين: الوعي بفكرة القوة والقوة المنهجية المستشرية٬ والوعي بسيولة العلاقات بين الأجناس المختلفة بشكلٍ يتجاوز سطحية ومحدودية التعريفات. ومن هنا٬ أعتقد أن دورنا يتمثّل ليس فقط في التحقّق والنشر والفضح، ولكن أيضا في الإسهام في مساءلة وتطوير مفاهيمنا ومواقفنا في قضية بهذا القدر من الديناميكية. 

 

لنتخيل أن أحد أقرب أصدقائك أو زملائك في العمل الإعلامي أُشيع عنه أنه متحرش، كيف تتصرفين؟

لقد تبنينا سياسة لمناهضة العنف الجنسي في مؤسستنا (مدى مصر) منذ أكثر من سنتين. تبنّي هذه السياسة جرى بعد عملية نقاش مفتوحة بين أفراد فريقنا جعلتنا نتعامل مع السياسة كعملية فكرية تعليمية وتحوّلية، وليس مجرد سياسة للتطبيق. واستشرنا أناساً مختلفين، تحديداً نسويات عملن على سياسات مناهضة للتحرش والعنف الجنسي، واستخدمن فكرة العدالة التحويلية بشكل أساسي.

العدالة التحويلية تضع فكرة القوة في مركزها، وتذكرنا بأنّنا كلنا نمتلك علاقات مختلفة بالقوة، وبالتالي كلنا معرضون لأن نكون معتدين. فبدلاً من تقسيم العالم إلى معتدين ومُعتدى عليهم بشكل قاطع٬ والحديث عن الإقصاء أيضاً بشكل قاطع٬ تحاول العدالة التحويلية أن تصل مع المعتدي إلى حالة اعتراف وتفكير في فعله، وربما أيضا إعادة تأهيل؛ بحيث لا يكون الإقصاء هو الحل الوحيد، ولا أن نكون واهمين بأننا من خلال الإقصاء سنصل إلى مجتمع طاهر أبيض وخالي تماماً من إمكانية الاعتداء.

تبنينا لتلك السياسات كان جزءاً من محاولة تعلّم وتطوير جماعي، لنستطيع تطبيقها في حياتنا اليومية كفريق عمل، ولتكون مساحة مشتركة، وليس مجرد سياسة عقابية نضعها في الدرج أو ننشرها في حالة أدائية تطهّرية لنقول إننا من المؤسسات التقدمية التي تبنّت سياسةً ضد العنف الجنسي.

وعملية بناء السياسة عبّرت عن هذا الاهتمام بالتعلم ومساءلة ذواتنا حول كيف نبني بيئة عمل آمنة. فكان لدينا، مثلاً، أسئلة عديدة من نوع: ما هي حدود مسؤوليتنا في التحقيق في أحداث العنف الجنسي؟ وهل مسؤوليتنا تتوقف على مساحة العمل الرسمية في المكتب، أم تمتد لمساحات أخرى؟ ماذا بالنسبة للمساحات الخاصة إذا تمّ الإبلاغ عن حالات هناك؟ ما هي حدود مسؤوليتنا، خصوصاً إزاء شخصين من مدى من مستويين إداريين مختلفين، كمثال؟

هناك أسئلة كثيرة تمّ طرحها، قامت ببناء وعينا حول طريقة التعامل مع قضايا العنف الجنسي بتطّلعٍ نحو العدالة التحويلية، التي تتمركز بشكل أساسي حول مركزية وحماية الضحية/الناجية من ناحية، والعمل الدؤوب، بالتوازي، مع المعتدي من أجل الوصول إلى الحقيقة، وربما محاولة إثارة إعادة تفكير ذاتي من قِبله. ولكنّ الأمر ليس سهلاً، وفي الأحداث التي حصلت لنا واضُطررنا إلى أن نُحقّق فيها، لم يكن سهلاً أن نصل إلى هذه الحالة، واضطررنا إلى استخدام الأنماط الأكثر تقليديةً في العقاب؛ مثل الإقصاء والطرد، وقد كانت مسألة صعبة ومعقدة. 

 

بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة ازدياد الوعي حول السلوكيات الذكورية في مكان العمل والبيت والشارع. لكنّ هذه السلوكيات ليست بالضرورة واضحة (مثل التحرّش اللفظي أو الجسدي) بل يمكن أن تقتصر على طريقة في الكلام أو حركة محددة صادرة من الطرف الآخر (الذي ليس بالضرورة أن يكون رجل). هل يمكن أن نسأل عن المعيار الذي يمكّننا من تسمية سلوك معين على أنه سلوك ذكوري؟ 

المعيار الأساسي برأيي هو إحساس الشخص المُتلّقي لتصرف أو أداء معين من شخص آخر، سواء كان رجل -كما في معظم الأحيان- أو أي أحد آخر. يعني ما هو إحساسك تجاه هذا السلوك. مشكلة العدالة الجنائية هي أنّها تتعامل مع مسألة التراضي بمنطق الثنائية، إما قبول أو إكراه. ونحن نعرف بأنّ معظم حوادث الاغتصاب تحدث، في مكانٍ ما، ضمن المنطقة الرمادية. المثال الأكثر شيوعاً والأكثر بساطةً هو الاغتصاب في سياق العلاقة الزوجية مثلاً، وهو أمرٌ لا تعترف به القوانين في بلادنا بالرغم من شيوعه. 

الذي نحاول قوله هو أنّ هناك أهمية لتصديق شعورك وامتلاك الأهلية للقول إنّ هناك أشياء غير مقبولة أو غير مريحة في سلوك الشخص الآخر. أعتقد أننا يجب أن نعود مرةً آخرى لفكرة الأهلية (Agency) في قدرة الشخص على أن يعبّر عن التجربة على أنها تتضمن إيذاءً، والتصديق بأن هذا الشعور بالإيذاء هو الذي شعر به هذا الشخص في تلك اللحظة.

عشان كده ربما في حاجة كويسة في شهادات me too، وعشان كده في حاجة كويسة في حالة البوح في بعض الأحيان؛ لأنه في أحوال كتير النساء ما عندهمش أريحية أصلاً في التعبير عن عدم راحتهم، عدا تحديد حالة الراحة؛ علشان الأبوية مهيمنة قد كده في أوقات كتيرة، بنلاقي نفسنا في سياق أنه في اعتياد اللاراحة في العلاقات مع الجنس الآخر مثلاً، وبالتالي القدرة على بلورة إحساس بأنه عدم الارتياح مش حاجة سهلة. عشان كده مهم إن احنا نفضل نتكلم ونفضل نشارك تجارب من اللاراحة تبقى هي بالنسبة لي بداية فتح الكلام. طبعاً إشكالية الاعتماد على البوح هو إن احنا بنحط المسؤولية كلها عند الضحية. أنه الضحية هي لازم تتكلم وهي لازم تقول وهي لازم تعمل وهي لازم تقود ثورة الوعي. في عالم مثالي، أتمنى يكون في حالة بوح موازي بنفكر فيها بصوت عالي، وفي آماكن آمنة حوالين تصرفاتنا وتقاطع درجات مختلفة من العنف فيها ومدى حساسيتنا ووعينا بالعنف ده ومصدره.

دعونا نقول إن حالة الغضب التي أُشير إليها أحيانا كصفرية سياسية، ربّما تكون حالة حتمية لا مفر منها، وربما تكون مساراً سيوصلنا لمكان آخر تماماً.

 

ما رأيك بالإماتة الثقافية، على سبيل المثال قضية الرسام غوغان التي أبرزت الوثائق التاريخية أنه كان مغتصباً، وبظرف أكثر تعقيداً لأنه كان يغتصب نساء قاصرات في فضاء كولونيالي. هناك مطالبات بحذفه أو إماتته كرسام في الفضاء الثقافي، أو المطالبات بمقاطعة أفلام بولانسكي من كل مهرجانات الجوائز، ما رأيك بذلك كإعلامية؟ وخاصةً أنّ التحرش في الفضاء الثقافي تابو أكثر من غيره؟

إحساسي وليس موقفي، أن رولان بارت وفكرة موت المؤلف وامتلاك الجموع للعمل الفني في اللحظة التي يتم نشره بها قد يساعد في حل هذه الأزمة.

سيكون العمل الأدبي أو الفني في تلك اللحظة ملكنا، ونعطيه جزءاً من المعاني في ظل اكتشافاتنا عن المؤلف ربما، وجزءٌ من ذلك أن نعيد قراءة تلك الأعمال بعدسة جندرية ما. السؤال بالنسبة لي هو: هل هذا يُتيح لنا أن ننظر إلى العمل الفني بشكلٍ مختلف؟ هل يعطينا فهماً أعمق للعمل الفني؟ 

بالنسبة لي، فكرة تغييب أعمال كانت موجودةً في واقعنا في اللحظة التي يتم اكتشاف حقائق عن أخلاقيات الشخص المُبدع أو الخالق أو الصانع للعمل الفني غير سهلة الهضم. بالتأكيد ليس لدي إحساس إيجابي تجاه فكرة التغييب، أشعر أنها حالة غير طبيعية للتعامل مع واقع موجود بالفعل. ربما أكون أيضاً منطلقةً من عدم اكتراثي في أوقات كثيرة لفكرة الأخلاقيات داخل العمل الفني الذي أستهلكه، لجهة مستويات أكثر تعقيداً، تضم السياقات والجماليات وهكذا.