الصمود وما بعده

 

المثال الإيجابي لسلوك من هم في محنة هو الصمود، مزيج من الصبر والثبات والمثابرة إلى حين تجاوز المحنة ومن أجل تجاوزها. تبدو هذه حكمة صالحة لكل زمان ومكان، على قلة ما يحوز مثل هذه الصلاح، ويبدو أنه ليس بين الناس في مختلف الثقافات من لا يُعلي من شأن من لا يفقدون أعصابهم في مواجهة الصعاب، من يعرضون خصال الصمود والشجاعة والاستمرار في وجه المحن القاسية. أن نستمر ولا نتوقف أو نتراجع، أن نثبت أمام العواصف فلا تقتلعنا، أن نقاوم ولا نستسلم، أن نحتفط بكرامتنا وشجاعتنا فلا نتخاذل ولا نرثي لذاتنا، هذا هو المثال الطيب. المثال السلبي هو نقيضه، الخور والاستسلام والعويل والتخاذل.  

إن لم نتجاوز المحنة بالصمود، فنستغني بتجاوزها عن الصمود ذاته، فعلى الأقل نترك مثالاً طيباً يمكن أن يستند عليه من يُحتمل أن يمروا بأوضاع مماثلة. بالمقابل، يهين مثال التراجع والاستسلام الضحايا، لأنه يجمع عليهم المحنة وفقد الكرامة، يحرمهم من المعنى.  

ويبدو أن المهم في أي من مثالي الصمود والاستسلام هو الاعتبار، أن يحوز المسلك في أوقات المحنة قيمة عامة في عين المجايلين أو من يأتون بعدهم. ترتفع رؤوسنا بالصامدين ممن نتمثل بهم، ونشعر بالعار حال من استسلموا منا أو ممن يخصوننا. وبمجرد أن نتكلم على اعتبار وتمثُّل فإن الأمر يتعلق بتناقل قصة التجارب، بتعممها في  صور شفهية أو مكتوبة، بحيث تنجو من المحنة التي قد لا ينجو منها من تروى القصة عنهم. في زمننا، يمكن أن تكون الرواية بالكلمات أو الصور أو الخطوط أو النغمات. وقد يبدو حفظ القصص أمراً ميسوراً اليوم بفعل كثرة وسائط الرواية أو التمثيل، لكن الأمر ليس كذلك. المهم في القصص التي تنجو ليس بقاءها المادي بعد فناء من تروي قصتهم، بل بقاءها المعنوي إن جاز التعبير، أي أن تعني الناس في أجيال لاحقة فلا يكف بعضهم عن استحضارها. لا شيء يحمي قصص الصراع والصمود أكثر من سعي الناس وراءها، إن بغرض التمثل أو المعرفة المجردة. وهذا ما يفترض أن يحققه «الإبداع»، مزج تجاربنا الفريدة بما تتيحه تراثاتنا المختلفة من أشكال. يكمل الإبداع، وهو خاصية بشرية عامة وليس ميزة خاصة لـ«مبدعين»، ما يتصل برعاية قصصنا، جمعها وتسهيل الوصول العام لها. هذا مهم اليوم لأن نتاجاتنا متناثرة، ونفتقر إلى مؤسسات تحفظ وتؤرشف وتيسّر الوصول، فضلاً عن ضعفنا العريق في الصيانة، العمل الثاني أو العمل على العمل، الذي يُبقي العمل الأول في متناول الذاكرات والأذهان.  

على أنه ربما يتعين إعادة النظر في مثال الصمود ذاته. وفرة المحن التي عاشها سوريون تسوغ إعادة النظر، بل هي تدعو إليها. كواحد من هؤلاء السوريين وجدت نفسي في غربة عن مثال الصمود، أجده عمومياً، غير نوعي وقليل الحساسية لمحننا المتنوعة والأقسى. يبدو الصمود مثالاً خارجياً بقدر كاف، لا يخاطب حاجتنا إلى العناية، أن نعتني بأنفسنا وأن يُعتنى بنا، كي نستطيع الاستمرار. ولا يبدو أنه بذلت في أي وقت جهود لاستدخال المثال وإدخال قدر من الحياة فيه أو بث الروح في أوصاله، هذا بينما نفتقر في العربية إلى مثال غيره في مواجهة المِحَن. 

والواقع أن الدلالة اللغوية لكلمة الصمود العربية متواطئة مع التسخير الخارجي له. فالصمود هو الثبات، والصمد هو الواحد الذي لا يتغير مثل الله، والصمدية هي التحفة الجامدة كموضوع تزييني يُعرض ويُرى، والتصميد هو الادخار أو وضع أشياء قيّمة جانباً (لا نجد هذه الدلالات في المعاجم حتماً، آخذها من حياة مشتقات الجذر في التداول السوري). وفي عمومها، الجذور التي تبدأ بحرفي ص م تعطي دلالة الثبات والصلابة والواحدية. في هذا الشأن لكلمة رِزِليَنْسْ الفرنسية والانكليزية (Resilience) دلالة أكثر ديناميكية، تجمع بين المرونة والاستمرار بعد أزمة أو محنة. ولذلك نجد صعوبة في ترجمتها إلى العربية، بينما يمكن تأدية صمود العربية بكلمة مناسبة في الانكليزية: سْتِدْفاستنِس (steadfastness).   

وفيما يتعدى اللغة، لطالما كان مثال الصمود ذكورياً وبطريركياً في الإطار الثقافي العربي، قلما تتعرف فيه نساء على أداة لتمثيل خبراتهن الأقسى وتعاملهن الشجاع معها. وبحدود ما أعلم لم يكد مدرك الصمود يستخدم في أدبيات السجن التي ألفها سوريون عن تجاربهم. لا يبدو الصمود تمثيلاً صالحاً لتجاربنا. بل يبدو أن في بنية فكرة الصمود من حيث ما تتضمنه من صلابة ونقص في المرونة والتعدد الداخلي ما يتعارض مع وعي تجارب أكثر تعقيداً مثل تجارب السجون، ومعظم تجارب السوريين في سنوات ما بعد الثورة. ما يتعارض كذلك مع الإبداعية، إن في مسالك مواجهة الصعاب أو في تمثيل هذه الصعاب، في الحياة وفي الثقافة معاً.  

وبفعل خارجيته وعموميته، وبطريركيته، أمكن لمثال الصمود أن يتحول إلى إيديولوجية أقوياء بدل أن يكون عنصراً في قصة الضعفاء والمقهورين. نعلم أن الصمود هو عنصر إيديولوجي أساسي في خطاب الحكم الأسدي وأشباهه، وهو نظام إذلال شامل، حرص دوماً على نزع كرامة محكوميه؛ وكانت هناك جبهات تنتحل الكلمة التي كانت كذلك عنصراً متواتراً في أشعار وقصص، قلما التفتت إلى حياة الصامدين المفترضين. ليس الصمود هنا استنفاراً طوعياً لطاقاتنا، ترتيباً استثنائياً للنفس وقواها في مواجهة أوضاع طارئة، تزول بعد حين فينتهي استنفارنا ونعود إلى حياة عادية، بل هو وضع دائم، صمود بعده صمود، استنفار لا ينتهي، مفروض من فوق بعد ذلك. هذا الصمود الذي انقلب غاية لذاته لا يصلح موضوعاً لقصة، لأنه لا ينتهي ولأنه كاذب. الاستنفار الدائم ممتنع إنسانياً، والصمود الدائم المزعوم يسدل ستاراً من الزيف فوق اغتراب عام عن المثال وعدم تعرف الصامدين المفترضين فيه على أنفسهم. كان هذا حال السوريين طوال عقود من صمود الحكم الأسدي على رقابهم. تحالفت ضدنا أوضاع قاسية مستوجبة للصمود، لكن مثال الصمود المهيمن لم يكن مناسباً لتمثيل أوضاعنا وتفاعلنا معها. لم نخض صراع الهيمنة هذا.  

أمام ما أصابنا من محن لا تحصى وجدنا أنفسنا بلا مثال حي، ربما نقول لأنفسنا ولغيرنا كلاماً صامداً أو نضمر في أنفسنا مثال الصمود، لكنه لا ينجح في تمثيل تجاربنا الجارحة بفعل خارجيته وعموميته، وبفعل تعقيد وغنى هذه التجارب، فتبقى هناك، صامتة، مؤلمة، وربما مميتة، كأنما هي غنغرينا لم يُنتبَه ولها ولم تُعالج. 

فإن كان الصمود فضيلة مرغوبة لمن يتعرض لمحنة عامة متمادية، وهو كذلك، فإن مستقبله مرهون بتحوله إلى قوة مقاومة بصيرة لمحننا ومسببيها، بإخضاعه لمتطلبات كرامة من يعانون وليس العكس. الصمود الجدير بأن نصمده هو ما يتصالح مع محننا وما يعترف بها، وليس ما يتعالى عليها ويسكتها، وهو ما ينفتح على وعد بنهاية الاستثناء وليس بأبديته، وهي ما يتوافق مع الاعتناء بالنفس والشركاء من قبل الصامدين المفترضين. كي يصمد الإنسان على الصمود أن يتأنسن. 

لدينا في المحصلة الوضع التالي: تتعارض تجاربنا الشخصية طوال عقود مع مثال الصمود المعمم من قبل أجهزة إيديولوجية وسياسية ونظم تعليم، وفي الوقت نفسه نفتقر إلى مدرك آخر لتمثيل المسلك الأحق بالتقدير في مواقف المحنة من الصمود. هذا من الأوضاع الثقافية التي لا يبدو أنه جرى النظر فيها من قبل، ولا نتبين من وضعنا اليوم مخرجاً منها. في مثل هذا الشرط قد يكون أنسب ما يمكن القيام به عرض مثال الصمود على قصص كفاح ما لا يحصى من السوريات والسوريين ومن غير السوريات والسوريين، أي إعادة بناء مثال الصمود حول وقائع تجارب من عاشوا الصراع، بما ينتزع ملكية مثال الصمود من سلطات وقوى تستخدمه لتصميد نفسها وتثبيت امتيازاتها، وينقله إلى ترسانة أدوات من يعانون المحن فعلاً.  

في المقام الثاني، ربما نفكر في الصمود اليوم كاسم لجملة الجهود التي نبذلها لمقاومة خسارة الذات أو الانحلال، بعد أن هزمنا أمام عدونا. الصمود أن نلملم كياننا، وأن نحمي معنانا وأن نبدع. وهو هنا يتقابل مع التخلي والتراجع، ومع الإنكار.   

ماذا بعد الصمود؟ يفترض أن الصمود وقتي في كل حال مثلما تقدم، أننا نصمد في مواجهة محنة أو وقت عصيب أو «مرحلة حرجة» على ما كان يقال في أدبيات الصمود القومية العربية. في شعر محمود درويش جاءت مرحلة «حياة كالحياة» و«حب الحياة» إن كان من سبيل مستطاع لها بعد مرحلة «صامدون وصامدون وصامدون»، ما كان يفترض أنه هتاف «الفقراء في كل الأزقة». ما كان ينبغي للصمود أن يوضع في مواجهة الحياة، لكن هذا ما جرى، وما دفع إلى اختيار الحياة في النهاية، لكن دون وداع الصمود أو إعادة هيكلته، العمل على تحويله إلى سند للحياة لا إلى عبء عليها أو خصم لها. الصمود يمكن أن يكون تأهبنا النفسي والفكري والأخلاقي في مواجهة المحن، صون كرامتنا حين يكون صون الكرامة عسيراً أو مستحيلاً، ورعاية الأمل حين نبلغ من اليأس منتهاه، فلا نستطيع أن نيأس أكثر مما يئسنا، بحسب درويش نفسه. 

والخلاصة أن مساءلة مثال الصمود على نحو يؤنسنه هو مما يتوافق مع الإبداعية في قصصنا مع المحن العامة والخاصة. وهو ما يمكن أن يكون تراثاً ينتفع منه من يأتون بعدنا. الصراع من أجل الحياة والكرامة لا ينتهي، فإذا خاطبت قصصنا تجارب غيرنا وأعانتهم بقدر ما، كان في ذلك تكريماً إضافياً لتجاربنا نحن ولعنائنا.