الطفل الجميل

 


لا يختار الآباء والأمهات مواصفات أبنائهم، ولو أصبح ذلك ممكناً لربما فعلوا. ابتداءً من اختيار جنس المولود وصولاً إلى تعديل جيني في مواصفات الشكل، لون البشرة، الوزن، وغيرها من الصفات التي لا يتمنى الأهل أن يرثها الأبناء. ولو صار ممكناً الحصول على نموذج (prototype) يحاكي شكل الطفل لربما فعلوا أيضاً. ذلك كله في سبيل الحصول على الطفل المثالي والجميل، الذي يشبه أطفال إنستغرام والإعلانات التلفزيونية، والذين صاروا يمتلكون حسابات خاصة بهم على مواقع السوشال ميديا يديرها الأباء أو الأمهات. كما يحتل أطفال المشاهير مكانةً خاصاً في قلوب المتابعين الذين ينتظرون يومياً فيديوهاتهم، أثناء الحمام وبعده؛ ماذا يأكلون؛ كيف يلعبون؛ ومئات الفيديوهات غيرها عن أول خطواتهم وأول سن وأول يوم في المدرسة. 

لا يمكن للأم أن تعرف شكل الجنين. وعندما تتخيله، تتخيله جميلاً ومحبوباً من الجميع، وأغلب الظن أن أسباب رغبتنا العميقة بطفلٍ جميل مرتبطة بما يمثله هذا المخلوق الصغير والنظيف والطاهر من عالم هادئ ومنسجم، وصور لعائلة سعيدة ناتجة عن اختيارات صحيحة موفقة  لكلا الشريكين، تمخضت عنها هذه الثمرة. ونشعر كأن الحضور المسيطر لصورة الطفل الجميل، سواء في ألبومات العائلة الخاصة أو على المنابر الافتراضية المختلفة، يشي بطغيان مخاوف نقيضة لهذه الصورة، مثل تفكك العائلة السعيدة أو اتهامات باطلة بكآبة ما بعد الولادة، أم عدم الرضى عن الثمرة الجديدة مثلاً.

الحب الأمومي في صورة الطفل الجميل 

كما أن الرابط الأكثر حساسية، والذي يتجلى بوضوح في صورة الطفل الجميل، هو الحب الأمومي الذي يُفترض أنه  ينفجر في الأم عند لحظة الولادة، والذي نراه في صور عارضات الأزياء والمغنيات اللواتي يشاركن مع الجمهور تفاصيل علاقاتهنّ بأطفالهنّ، واللواتي يستمدنَ دورهنّ الاجتماعي المؤثر من الأمومة الحديثة. في صورة المغنية نانسي عجرم التي تُرضع فيها ابنتها، تعبّر نانسي عن حبها الأمومي بفعل الرضاعة الذي يتحول -بفعل الصورة وصاحبتها والمنبر الذي تُعرض عليه- من فعل طبيعي ويومي لكثير من الأمهات في العالم  إلى مستوى جديد من الفرجة، يجعل الرضاعة وكأنها فعلٌ استثنائي وقطعٌ عن اليومي والعادي، لتحصد الصورة بعدها آلاف الإعجابات والتعليقات التي تعكس تعجب الجماهير من فعل الرضاعة، ونانسي التي ترضع ابنتها. كما ينطوي التركيز على فطرة الأمومة وغرائزيتها في فيديوهات تتساوى فيها النساء اللواتي يبكين لحظة الولادة مع إناث القطط عندما ينقذنَ أولادهن بدافع الغريزة ذاتها، والحب الجاهز للأطفال القادمين في حقيقته ينطوي على منطق ذكوري، تمارسه النساء على أنفسهنّ أولاً. يفترض هذا المنطق الذكوري أن هذا الحب هو مسؤولية الأمهات بشكل خاص،  في وقت من المفترض «أن نُقنع كِلا الجنسين أن البعض منّا، ذكوراً وإناثاً، لديهم الرغبة في العناية بالمخلوقات الصغيرة، وهذا لا علاقة له بالهوية الجنسية، ولا حاجة فيه لشيء غريزي. ليس بالضرورة أن نولد ومعنا الميلُ لالتقاط طفل يبكي وتهدئته، لكن يمكننا أن نتعلم» كما تقول نانسي فرايدي في كتابها أمي مرآتي.

الأرباح المكتسبة من استثمارات الطفولة 

الطفل الجديد كان، منذ القدم، ولايزال، مشروع استثمار مستقبلي. إلا أن هذا الاستثمار يبدأ مبكراً جداً في حالات معينه، كأن يُستخدم فيها الأطفال وسيلة للإعلان عن نوع جديد من الفوط، مثل التي صنعتها سيرين عبد النور خصيصاً لابنها، ومن بعد صارت متاحة لكل من يريد بمجرد طلب ذلك إلكترونياً؛ وفي أماكن أخرى نجد أطفال المشاهير وجوهاً إعلانية لماركات ثياب عالمية متضمنة إشارة على ثراء العائلات وربط سعادة وراحة الأطفال بقدرة الآباء على تحمّل مسؤوليات ومصاريف الأولاد، التي كلما زادت كلفةً كلما كانت إشارة على جاهزية الآباء للإنجاب وتأسيس عائلات متينة، ذلك عدا عن إعلانات  لمنتجات تجارية لا تستهدف الأطفال بل أمهاتهم، والمثال الأقدم على ذلك هو منتجات كريمات البشرة التي يستخدمها الأطفال في الإعلانات، وتشتريها النساء في الواقع حتى تصبح بشرتهنَّ ناعمة كبشرة الأطفال. 

صورة الطفل الجميل المُعذَّب

على الضفة الأخرى من العالم، وتحديداً في صور الحرب واللجوء، لا تتلاشى جماليات الطفولة المحرّمة، إلا أنها تخضع لمعايير أشد صرامةً، وذلك لأن الأمر أشد حساسية هذه المرّة، إذ يجب التمييز بين التعاطف مع الأطفال بصفتهم كائنات بريئة من كل شرّ، وبين الاحتفاظ بالحق في إدانة آبائهم، وهذا ما نراه يومياً في صور الحرب  القادمة من سوريا، لآباء يحملون أولادهن الناجيين أو غير الناجين من القصف، أو الذين تطفو جثثهم على سطح البحر. في هذه الصورة، تفعل البراءة المسمومة فعلتها، فهؤلاء الأطفال مسلوبو القدرة وبريئون فعلاً، لكن ذنبهم أنهم هاربون مع عائلاتهم من مناطق ترزح تحت القصف والدمار، وبالتالي تنسحب لعنة الآباء عليهم ويقيد التعاطف الدولي معهم ومع حالات موتهم، كما أنه يصبح مشروطاً بالاصطفاف السياسي للأباء، ومصحوباً بالتخوف المستقبلي من أن تظهر جينات الآباء في أبنائهم، وهذا التخوف ذاته ينجح، في حالات كثيرة، في تخفيف الألم العالمي الناتج عن موتهم أو تهجيرهم.

في حالات خاصة من صور الحرب، يمكن استخدام  الطفل الجميل بشكل فعّال جداً في تحريك الرأي العام، ويتم ذلك بحيث تكون المعايير الجمالية للطفل المُعذَّب أقوى من أي روابط عائلية بين الطفل والعائلة التي انحدر منها، وعندها يتم التركيز على الطفل الجميل الفقير، وتركيز اهتمام العالم على استنكار اضطهاد وقتل الأطفال بشكل عام وتناسي الفاعل أو المسبب لعذاباتهم. هذا ما رأيناه بشكل واضح في أغلب التعليقات على صورة الطفلة الجميلة ذات العينين الواسعتين الخضرواتين، التي تبيع العلكة في شوارع الأردن، مُرتديةً سترة زرقاء. لقد طغى جمال هذه الطفلة أيضاً على أسباب لجوئها الحقيقة، وانشغل العالم بالتعاطف مع حالة الطفلة دون أي تفكير جدي بتغيير واقع الأطفال اللاجئين، الذين يعانون البرد والفقر في مخيمات اللجوء. 

الطفل الفاعل إعلامياً وسياسياً 

كما يجب التمييز بين حالتين مختلفتين فيما يتعلق بصور الأطفال في الحرب أو في بلدان اللجوء. في الصور القادمة من داخل سوريا، يجب أن يبدو الطفل أكثر جمالاً من غيره حتى يستطيع جذب أنظار العالم؛  بينما في صور الأطفال السوريين اللاجئين، على سبيل المثال، يتوجّب التأكيد على أن هؤلاء الأطفال الناجين من الموت هم في حالة مساواة مع الأطفال الأوروبيين. ربما ليسوا بيضاً وعيونهم ليست ملونة، وربما هم أقل جمالاً، إلا أنهم في نهاية المطاف  أطفالٌ مثلهم مثل غيرهم. وهذا ما نسمعه في الأخبار التي تتناول قصص نجاح الأطفال اللاجئين، الذين تمكنوا من «الاندماج» في وقت قياسي وتعلّم اللغة أسرع من غيرهم، لا بل أصبحوا متفوقين على الطفل الأوروبي. وفي هذه الحالة، يرتسم طريقان أمام الأطفال ليكونوا فاعلين في مجال الإعلام: أن يكون الطفل متميزاً على المستوى الجمالي أو المهارات الذهنية؛ أو أن يكون فقيراً مشرداً أو ميتاً  في الحالات القصوى من عمى بصيرة العالم المتوحش.

لا يمكننا أن نحلل عقلانياً السحر الخاص الذي يجعل صور الأطفال «الجميلين» أكثر تأثيراً على الرأي العام من صور أخرى لأطفال «أقل جمالاً»، إلا أنه يمكننا أن نتوقع أن شقاء الطفل الجميل يحمل معانٍ قاسية حول انهيار عالم من السعادة من خلفه، ويجسّدُ بطريقة معينة البراءة المسمومة التي تسمح للعالم أن يتأثر مع طفل ما دوناً عن آخر. ولكن لا شك أن التنافر في الصورة يلعب دوراً فعّالاً جمالياً ورمزياً  في إثارة انتباه العالم إلى قضية ما؛ على سبيل المثال انتشر مؤخراً فيديو للطفلة السويدية غريتا تونبرغ، تحذّرُ فيه من الاحتباس الحراري والتبدلات المناخية، وقد حصد هذا الفيديو آلاف المشاهدات، بينما بالكاد تُرى صور الأطفال الذين يرفعون لافتات تطالب بوقف القصف أو الإفراج عن آبائهم في المعتقلات. ولعلّ السبب في ذلك هو درجة التنافر في الصورتين؛ صورة الفتاة الشقراء الجميلة الأوروبية، التي تمتلك فصاحة في الحديث عن قضية راهنة مثل الاحتباس الحراري وقذارة الهواء الذي نتنفسه والبحار الملوثة بالنفايات، تحمل من التضاد أكثر مما تحمله صورة الطفل الفقير، ولو كان جميلاً، الذي يطالب بحقوق بسيطة للعيش ومن ورائه عالم منهار أصلاً، يأكله غبار الأنقاض وقضية عمرها ثماني سنوات.

في كلا الحالتين، ليس زجُّ الأطفال في أي نوع من النشاط السياسي والاجتماعي أمراً صائباً، لكن لنتخيل الضجة الإعلامية التي يمكن أن تحدث  عند تبادل الأدوار، كأن تأتي الفتاة السويدية في زيارة إلى ريف إدلب على سبيل المثال وتلقي خطاباً عن حقوق الأطفال، وأن يذهب طفلٌ سوريٌ إلى الأمم المتحدة للحديث عن الاحتباس الحراري!

للأسف، هذه الألاعيب  الدعائية التي يستخدمها العالم النظيف في الترويج لفوط الأطفال وماركات الثياب، هي الألاعيب الدعائية ذاتها التي تستخدمها مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الداعمة للاجئين أو حتى الجمعيات الداعمة لأطفال مرضي السرطان … إلخ. وكأنه لا يكفي أن يكون الطفل معذباً ومضطهداً، أو كأن الأفعال الشنيعة بحقه لا تكفي كي يكون محركاً للرأي العام والعاطفة الجمعية، بل يجب أن يكون جميلاً ومتميزاً ليصلح استخدامه في  الإعلام.

في حالة مشابهة لما تتعرض له المرأة من تنميط في الإعلام، يتعرض الأطفال كذلك للتنميط، عندما تستخدم البراءة والمخلوقات الضعيفة مسلوبة القدرة لتوظيف سياسي واجتماعي وتجاري، وتُشدِّدُ معايير الطفل الجميل بالمقابل قبضتها على المعاني الأخرى المرتبطة  بالطفولة، سواء في ما يخص تعاريف العائلة السعيدة أو الحب الأمومي أو التعاطف المشروط مع فئة محددة من الأطفال. البراءة التي تستند إليها الإعلانات من أجل الترويج لسلع ربحية، هي البراءة ذاتها التي تعزّزُ إدانة الجرائم الإنسانية ضدهم وجرائم الاغتصاب أو العنف المنزلي الذي يتعرض له الأطفال، وفي كلا الحالتين تحمل هذه المخلوقات الصغيرة عبئاً أمام الرأي العام، عبئاً ليسوا مسؤولين عنه ولا يمكنهم إداركه أو إدراك آثاره في أعمارهم الصغيرة.