العراقيون يتأهبون لاستئناف المظاهرات

 

بعد أيام من الهدوء الذي خيّم على العاصمة العراقية بغداد وعددٍ من مدن جنوب البلاد، تجّددت في مدينة كربلاء، أول أمس السبت، المظاهرات المناهضة للفساد والداعية لإسقاط حكومة عادل عبد المهدي، وذلك على الرغم من إعلان التوافق بين الحكومة وممثلين عن المتظاهرين على وقف المظاهرات إلى ما بعد انقضاء أربعينية الإمام الحسين، أي إلى غاية يوم أمس الأحد، الموافق للعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وقد جاءت هذه المظاهرة إعلاناً عن إصرار شرائح من الشعب العراقي على العودة إلى ساحات التظاهر مجدداً، وهو ما تؤكده الدعوات إلى خروج مظاهرات كبرى يوم الجمعة القادم، الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر).

وكان العراق قد شهد منذ الأول من تشرين الأول الجاري وحتى العاشر منه احتجاجاتٍ طالبت بتحسين الأوضاع الخدمية والمعيشية ومحاسبة الفاسدين، وقد عمّت التظاهرات محافظة بغداد، وحاول المتظاهرون عدة مرات الوصول إلى ساحة التحرير وسط العاصمة، كما انتشرت مظاهراتٌ في مدن الناصرية والعمارة والحلّة والبصرة وكربلاء والنجف وغيرها، ورفع المتظاهرون خلالها شعارات إسقاط النظام والمطالبة باستقالة الحكومة التي تشكلت منذ قرابة العام. ومنذ اليوم الثاني للاحتجاجات، أعلنت الحكومة فرض حظر للتجوال في عددٍ من مدن الجنوب، وعادت وفرضت قراراً مماثلاً في بغداد نفسها، وذلك بالتوازي مع عمليات قمع واسعة، شملت إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل أكثر من مئة متظاهر وإصابة المئات، وذلك بحسب ما نقلت وكالات الأنباء عن مصادر على الأرض.

وكانت المطالب الواضحة بإبعاد النفوذ الإيراني عن البلاد سبباً رئيسياً لاشتراك الميليشيات المرتبطة بطهران في عمليات القمع، من خلال نشر القناصين واستهداف المتظاهرين بشكلٍ مباشر، بالإضافة إلى تسجيل عمليات خطف وقتل للناشطين المنخرطين في تنظيم التظاهرات، غير أنّ هذا التعامل شديد العنف لم يتمكن من تقليص حجم الحراك في الشارع، بل أعطاه زخماً مضاعفاً، وأدى إلى انتشاره على نطاق أوسع.

وجاء توقف الاحتجاجات قبيل مراسم إحياء أربعين الحسين، التي تشهد فيها مدن الجنوب وتحديداً كربلاء توافد مئات الآلاف لإحياء شعائر هذه الذكرى، ليكون فرصة للتهدئة؛ فرصة للمتظاهرين من أجل التقاط أنفاسهم، وفرصة أمام الحكومة من أجل تسويق مشاريعها الإصلاحية، التي شملت وعوداً على صعيد تحسين الوضع الاقتصادي، وأخرى على صعيد التحقيق في المسؤولية عن سفك الدماء. إلا أنّ العودة للتظاهر، ومن مدينة كربلاء نفسها، يوم السبت الماضي، يرسل بإشارات واضحة تفيد بأنّ ذلك قد يكون بدايةً جديدةً للحراك، لا سيما وأنّ الخطوات الإصلاحية التي أعلنت عنها الحكومة تبدو غير مقنعةٍ لشرائح كبيرة من العراقيين.

وإذا كانت هذه المظاهرات، في بادئ الأمر، قد انطلقت على خلفية إقالة الفريق عبد الوهاب الساعدي، قائد قوات مكافحة الإرهاب، الذي تعتبره قطاعات واسعة من العراقيين شخصيةً غير فاسدة وذات دورٍ أساسي في محاربة تنظيم داعش، فلا يمكن اعتبار ذلك أكثر من شرارةٍ أعادت تأجيج الاحتقان الشعبي على عموم الطبقة الحاكمة في البلاد، التي تطالها اتهاماتٌ بالفساد والتبعية. كما أن هذه المظاهرات هي استمرارٌ لموجات الاحتجاج التي عرفها العراق خلال السنوات القليلة الماضية، إذ سبق أن شهدت محافظات جنوب العراق ذات الغالبية الشيعية احتجاجات مماثلة، وإن كانت أقلّ حدةً واتساعاً، ومنها احتجاجات شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي في محافظة البصرة، التي خرجت على خلفية تسمّم عددٍ من سكان المحافظة ونفوق كميات كبيرة من الأسماك نتيجة تلوّث المياه، فضلاً عن الجفاف الذي نتج عن تحويل إيران لمجرى عددٍ من الأنهار الصغيرة التي كانت ترفد نهر دجلة، وكان حرق القنصلية الإيرانية في البصرة واحداً من نتائجها آن ذاك.

وكذلك في العام 2016، قاد الزعيم الديني الشيعي مقتدى الصدر مظاهراتٍ اقتحمت أسوار المنطقة الخضراء المُحصّنة أمنياً، وقام المتظاهرون فيها باقتحام البرلمان العراقي، متهمين النواب بالفساد والسرقة، وتلخّص هدف تلك المظاهرات في إزالة الطبقة الفاسدة «شلع قلع» على حد التعبير الذي شاع في العراق وقتها. والجدير بالذكر أن مقتدى الصدر هو واحدٌ من الشخصيات السياسية العراقية المتضامنة مع المظاهرات الحالية أيضاً، حتى أن مظاهرة كربلاء أول أمس السبت خرجت على خلفية دعوته إلى ما أسماها «مظاهرات الأكفان». ويتخذ الصدر غالباً مواقف إلى جانب كل احتجاجات شعبية تخرج في العراق رغم تمثيله الدائم في البرلمان، وذلك في سياق صراعه مع القوى الشيعية الأخرى على السلطة، حتى أن أعضاء كتلة «سائرون» البرلمانية التي تتبع له جمدوا عضويتهم في البرلمان العراقي مؤخراً رداً على أعمال القمع. يجد مقتدى الصدر نفسه مرتاحاً في دور مؤثر في السلطة ومتضامن مع معارضتها في الوقت نفسه، على غرار الشائع من كتل وأحزاب وشخصيات سياسية نشطة في الأنظمة التوافقية الطائفية، مثل لبنان.

وهكذا فإنّ الاحتجاجات الحالية، مهما كانت أسبابها الراهنة، ما هي إلا امتداد لتأزّم الغضب الشعبي من الحكومة الحالية وسابقاتها، ورغم تراجع زخمها إلى حين انقضاء ذكرى أربعينية الحسين التي مرت يوم أمس، إلا أنها مرشحة للاستمرار مجدداً، ولكن حتى إذا توقفت الاحتجاجات الحالية عند هذا الحدّ، بعد سلسلة القرارات التي اتخذتها الحكومة ومنحت من خلالها بعض الامتيازات الاقتصادية للشباب، فإنّ أسبابها المزمنة ستبقى، حتى أنه لا يمكن اعتبار الخطوات الحكومية سوى مخدرٍ قصير الأمد سيعاود بعده العراقيون التظاهر.  

في الواقع، يُبدي العراقيّون حالةً من التّذمّر المستمر من فساد التركيبة السياسيّة الحاكمة للبلاد، وارتهانها للمشروع والقرار الإيرانيين، وافتقارها إلى الكوادر المؤهلة القادرة على إدارة البلاد وتحسين أوضاع أهلها، كما باتوا يطالبون بتغيير آليات الوصول إلى السلطة، إذ أنّه وعلى الرغم من الديمقراطية الشكلانية التي وصلت من خلالها الشخصيات التي تدير البلاد إلى مواقعها، فإن فقدان الثقة صار دافعاً للسؤال عن جدوى الانتخابات والنظام الديمقراطي، الذي يُفترض أنّه أحد أهم المكاسب السياسية التي حصلوا عليها بعد سقوط نظام صدام حسين، إذ كانت حصيلته تقاسمٌ للسلطة لا يُراعي نتائج الانتخابات إلا من زاوية حصّة كلّ مكوّنٍ سياسي من الحكومة، كما أنّ الطبقة السياسية تتعامل مع نتائج الانتخابات على أنها مدخلٌ لحساب نسب المحاصصة الطائفيّة والسياسيّة بين مكوّنات الطبقة السياسيّة التي يُعاد تدويرها، مع بعض الحذف والإضافات، منذ العام 2003.

وعلى الصعيد الخدمي، فإنّ أيّاً من الوجوه التي تتالت على حكم البلاد لم تحدث تغييراتٍ تمسّ المتطلبات المعيشيّة والخدمية المتعلّقة بالحياة اليوميّة للمواطنين، وتُظهر أرقام البنك الدولي أنّ خُمس إجمالي سكان العراق، الغني بالثروات النفطية، يقبعون تحت خطر الفقر، وقد انخفض فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 6900 دولار في العام 2013 إلى 4770 في العام 2017، كما أنّه رزح في المرتبة 169 من أصل 180 دولة شملها مؤشر مدركات الفساد للعام 2017 الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، وواصل الفساد توسعه حتى بات العراق اليوم ثامن أكثر دولةٍ فاسدةٍ على مستوى العالم وفق المنظمة نفسها.

بالعودة إلى مطالب المحتجين وسخطهم على الأحزاب السياسية، يجدر القول إنّ العراقيين باتوا يعون جيداً مخاطر شكل المحاصصة الطائفية والحزبية المتحكّمتين بالبلاد اليوم، إذ تعتمد الطبقة السياسيّة العراقيّة نموذج الديمقراطيّة التّوافقية، الذي يرونه كفيلاً بتوفير التمثيل لكافّة مكوّنات الشعب، بحيث يكبُر هذا التمثيل أو يصغُر بحسب النسب السكانيّة التي تتركّب منها مكوّنات البلد، غير أنّ حصيلة ذلك على أرض الواقع حوّلت هذه الديمقراطيّة إلى نظام مُحاصصة، تحوّلت فيه الدولة والمناصب العُليا فيها إلى سلع تُباع وتُشترى بين قيادات الأحزاب والطوائف، وهو ما أدى إلى نشوء إقطاعيّات حزبيّة وطائفيّة وعائليّة. وهذا بالضبط ما قاله النائب العراقي السابق مشعان الجبوري في مقابلةٍ مُصوّرةٍ مع قناة الاتجاه، عندما تحدَّثَ عن أنّ الطبقة السياسيّة العراقيّة، وهو واحدٌ منها، تتلقّى الرشاوى وتبيع المناصب.

واللافت أنّ كلام الجبوري الذي كان نائباً حين صرّح به، وبرغم ما أحدثه من ضجّةٍ في الشارع العراقي، لم يدفع الحكومة العراقيّة ولجان النزاهة فيها إلى إجراء تحقيقٍ فيه، رغم أنّه اعترف بتلقّيه شخصيّاً رشاوى بملايين الدولارات لقاء إغلاق ملفاتٍ مُتعلّقة بالفساد في لجنة النّزاهة. إنّ سلوك الجبوري يكاد يكون منهجاً متبعاً لدى الغالبية الساحقة من المسؤولين الحكوميين العراقيين، ويمكن معاينته من خلال البرامج الحواريّة التي تبثّها قنوات التلفزة العراقيّة، والكمّ الهائل من تراشق الاتّهامات بالفساد بين المسؤولين على شاشات التلفزة وتحت قبّة البرلمان.

ورغم أنّ تهم الفساد قد ثبتت بحق العديد من الوزراء ومسؤولي الدولة الكبار، بمن فيهم رؤساء الحكومات، فقد جرى غالباً إقفال هذه الملفات بموجب تسويات سياسيّة وصفقات حزبيّة وتقاسم للمناصب والمصالح والأموال. ولعلّ إلقاء نظرة سريعة على التقارير نصف السنوية لهيئة النزاهة العراقيّة يمكن أن يكون كفيلاً بتوضيح مدى الكوارث التي يعاني منها هذا البلد بفعل الفساد، وكذلك أقدار الأموال المهولة التي تُحرم منها خزينة الدولة، وكيف أنّ هذا الفساد يسري في مؤسسات الدولة بشكلٍ عمودي وأفقي.

لا تبدو الحلول سهلة أمام العراقيين، فكل الطبقة السياسية متورطة بالفساد والعلاقة مع الميليشيات والعصابات، كما أن معظمها متورطٌ حتى النخاع بالعلاقة مع طهران صاحبة النفوذ الأكبر في العراق، وإذا كان الخروج من هذه الحلقة المفرغة غير ممكن من دون إخراج كل هذه الطبقة السياسية من الواجهة، فإن هذا يعني استخدام طهران والميليشيات العراقية المرتبطة بها كل العنف الممكن لقمع المحتجين، وهو ما يعني أثماناً باهظةً يشهد عليها سلوك الميليشيات التابعة لإيران في سوريا.

ولكن رغم تعقيد المشهد ودمويته، لا يبدو أن شعوب المنطقة بصدد التراجع عن كفاحها من أجل انتزاع حقها في حياة أفضل وأكثر كرامة وعدالة وحرية، وهو ما تشهد عليه المظاهرات والانتفاضات المتتالية في بلدان المنطقة، والتي تشكل إيران وميلشياتها بعضاً من أكثر خصومها شراسة ووحشية.