العطلة

 

طالما ردّد صديقي أن السادس من أيار من أحلى المناسبات، القلب يتفتّح والروح «تزّيز» مع بدايات شهر أيار، ويزداد صرير الأسِرّة في الحارة ظهراً وليلاً. ليس السادس من أيار بصفته عطلةً رسميةً لتذكر شهداء 6 أيار، ولكن كعيدٍ للخضر: مار جرجس. كانت عائلته شفيعة هذا العيد تتكفلّ بجلب الجبنة «الخضراء» للمقام وتوزيعها على المحتفلين بعد أو قبل الدبكات المنعقدة. لم أفهم حتى الآن ما المقصود بـ «تزيّز»، ولكن يبدو أنها كلمة مشتقة من الزيز؛ الخنفساء، عندما يلمع ظهرها الأحمر تحت الشمس إلى درجة التندّي. الروح كزِيزٍ يلتمع ندىً أحمر، صورةٌ بقيت راسخة في أيار. وهو الذي ولِد في أيلول، حين ينضج العنب حلاوةً، بعيد موسم إشعال النيران على الجبال، عاش على إيقاع المواسم برخاوة. في تلك الحياة البعيدة لم يكن هناك إجازةٌ وعطلٌ تستنفر تحضيراتٍ وخرائط وحجوزات طيارات وبحث عن فنادق مهاوِدة الأسعار ولا «إر بي إن بي»، ولا المفاضلة بين دليل «الثعلب الحذق» ودليل «ميشلان» للتعرف على المسارات والزوايا غير المعروفة، والمتاحف المكنونة الفريدة من نوعها؛ متحف السكر ومتحف الشاي ومتحف الكاتب الفلاني ومتحف السيراميك ومتحف الجنس ومتحف القصص المصورة، ولا بيوت الكتاب المهجورة ولا المطاعم الأصيلة التي تقدم اختصاصات المكان. كان أيار كفيلاً بإعطاء البدن إيعازاتٍ كي يسترخي استعداداً للصيف دون انتظار شيء، بتعفّفٍ عن اللهاث والاكتفاء بحضور الجسد المسترخي. وربما عدا قدوم أيار، كان هناك توقف الدراسة والعطلة القضائية في آخر آب، نقاط علّام.  

بعد أول أيامي في فرنسا، في القرن العشرين، استمرت الدهشة بالبلد الجديد سبع سنوات، ولم أكن أفيق من تلك الغيبوبة حين يمر الوقت متسارعاً ويبدأ الناس يسألون قبيل حزيران من كل سنة: «أين ستذهبين في إجازتكِ؟»... «أنا أصلاً في إجازة! أي إجازةٍ تقصدون؟». في صغرنا عندما كنّا نسمع عن مسافرين إلى أوربا، كنا نعتبره حلماً بعيداً غير قابل للتحقيق، وأنا الآن فيه؛ في إجازة. ارتباكي قصادة الخفّة والرشاقة التي يغيّر الناس معها أماكنهم تشبه ارتباكي ودهشتي أمام إتقان التنسيق الحركي للراقصين. لا بد أنه عطبٌ تنسيقيٌّ بين جزئيْ الدماغ اليساري واليميني، حتى أنّ أصابعي اليسارية تسبق أصابعي اليمينية على لوحة مفاتيح الحاسب. ربما يكون هذا سبب فشلي في تنظيم الإجازات والعطل، إنها أصابعي اليسارية التي تسبق أصابعي اليمينية. 

بين منتصف تموز ومنتصف آب من كل سنة، وأمام هول وفداحة إحساس التخلي والفقدان في باريس اليتيمة المهجورة، أغلّظ الأيامين بأني سأعتني عنايةً فائقةً بتنظيم العطل في السنة التالية، ويترافق هذا مع طقس شراء مفكّرة وشعورٍ عميقٍ بالذنب كأم غير مُبهحة وغير مسلية؛ غير قادرة على تعريف نفسها خارج العمل، وتهلع لفكرة العطلة كعملٍ ثانٍ لا يمكن أن نسهو فيه عن أي تفصيل، إلا أنه عملٌ ينتمي لجنس اللهو والأخذ والعطا، غير توفير الحاجات الأساسية للأولاد، مما يثير القلق. تؤول معظم محاولات استشراف الإجازات قبل أوانها بالفشل الذريع، وكأنني مُقدِمةٌ على شراء عقارٍ يجب التمعن فيه أكثر... ثم يأتي النصف الأخير من آب ليُدخل بعض خيوط طمأنينة. مع عودة أول خبّازةٍ لفتح مخبزها، تعود رتابة أيلول الحزينة بلونه الرمادي وتقاصر نهاراته، ولكنها رتابةٌ مسكّنةٌ للمخاوف من استثناءات الصيف وأزمنته المبعثرة. 

في الأصياف الأخيرة للسبعينيّات وأوائل الثمانينيّات، كان الانقطاع عن الدراسة يعني رحلة أحمالٍ مع جدتي تحمل فيها قطرميزاتٍ كبيرةً زجاجيةً من المؤن في باصات النقل التعاوني إلى قريتنا غير البعيدة عن دمشق، ويعني تمارين قسرية من التطريز الذي لم أتقن منه خلال 10 سنوات من «التصييف» إلا غرزة الغصن «التيج»، الأكثر بلاهةً بين فنون التطريز؛ كما لم أتقن خلال العشر سنوات من فنون الخياطة سوى تثبيت الأزرار. كانت الإجازة في حينها إعادةً غير منتهية لمقطع لقاء جين آير لحبيبها الذي يكبرها بالسن في رواية شارلوت بونتي الشهيرة، ومحاولاتٍ غير جادة وغير ناجحة في إيجاد معادلٍ واقعيٍّ لذلك الرجل الجذاب الكاريزمي. على كلٍّ، لـدار العلم للملايين ومنير البعلبكي فضلٌ كبيرٌ في تبهير أصياف مراهقتنا الرخوة الباهتة بقليلٍ من الحب. تطبيق وصفات الحب بقي متعذّراً، فكان علينا التركيز على ما نرسله من نظراتٍ موحيةٍ من البلاكين وفي الشارع. حظه سيءٌ من كان وسع عينيه لا يساعده عن بعد. لم أكن من المحظوظات. في هذا الزمن الممتد كنا نَعُدّ أنا وستي النسمات مساءً، بعد المغرب بقليل، مستلقيتين في البلكون على كراسي بشرائط بلاستيكية ملونة ومساند أيدٍ نرخي عليها أذرعنا. مع كل نسمةٍ صيفيّةٍ تعيد ستي نفس عبارات المديح، وأجاريها، دون أن نملّ، وكأنه طقس تسبيح: «شوفي هالنسمة!»، «دخيل الله»... ثم نعدّ دقات الجرس البعيد الذي يعلن رأس الساعة، نداعب الساعات بأصابعنا مثل حبات مسبحةٍ ملساء. لم نكن نخاف اللعب بساعاتنا الرملية وسفح ذرّاتها بهدوء.  

«الفاكانس»، الهمُّ الأزلي للفرنسيين، أصبح همّ السوريين في فرنسا أيضاً، كوثيقة أنهم على قيد الزمن، أو أنهم يمتلكون روزناماتهم وأجنداتهم، يمتلكون عيناً تضبط السنة من أولها لآخرها. يبدأ الهيجان والإعياء هنا تحت هول مهمات «العودة» (الرانتريه) وما يترتب عليها من تصرّفٍ تحت تأثير القشرة الدماغية السطحية وليس أعمق، في أيلول. أن تضمّ العين كامل الروزنامة السنوية يعني أن صاحبها لم يُمعَس ويُستلب تماماً تحت وطأة مهماتٍ لا تنتهي وغير محددة، فيبدأ التحضير لعطلة جميع القديسين، الممتدة أسبوعين، حوالي الأول من تشرين الثاني، يوم ميلادي وميلاد ثورة الجزائر من جبال الأوراس وعيد الموتى وجميع القديسين. أيُّ أرضٍ عذراء ينبغي أن نغزو قبل غيرنا؟ هذا الهوس بالعذرية والانقضاض على طزاجة أراضٍ لم تُمَس وابتلاعها مثل قطعة سوشي تُنسى بسرعة! يبدو أن عُمان مازال فيها أراضٍ نقية لم تمس، مثل لؤلؤها… هذا ما فهمته من أحاديث الأصدقاء المحمومة. هل يمكن لأهالي عُمان أن يُسبّحوا بأوقاتهم وساعاتهم لوحدهم؟ حين تتكرر الزيارات ويتعوّد أهل البلاد على السياّح يُملّ منهم، ويكتسبون صيت المرتزقة والمتكسّبين من السياحة، ويفقدون سحرهم. روى لي رجلٌ فرنسيٌّ أنه سُحر بمن يقدمون له الفستق الحلبي الأخضر على طريق حلب-حماة دون أن ينتظروا منه مقابلاً، وأنه بالقرب من مورك، على الحدود بين إدلب وحماة، سمع طقطقة شجر الفستق الأخّاذة. لم أسمعه يتكلم عن سوريا عما قريب، حتى قبل أن أعلم أنه في الواقع حاربَ مع الجيش الإسرائيلي متطوعاً في حرب «يوم كيبور». لم تعد بلادنا موجودةً على ألسنة محبّي الطزاجة.   

وبعد عطلة جميع القديسين الخريفية هناك عطلة عيد الميلاد، ومن ثم عطلة التزلج في شباط، ومن بعد عطلة الفصح الربيعية، قبل أن تأتي عطل أيار المنثورة على طول الشهر، والتي يتبارى الجميع بأمثلتها وجسرها مع نهايات الأسابيع لتصبح جديرةً بوصفها عطلة، ويتنقّل فيها البشر مبتعدين عن العاصمة. «فرمتة» العقول من أعباء السنة تبدأ في أيار. عملياً يجدر بالمرء شرعاً أن يهلع إن لم يُتمِم أوراقاً إداريةً رسميةً قبل أيار، لأن أيار بداية فقدان الذاكرة الإدارية السنوية ومسحها. عيد العمال في أول يومٍ من الشهر الفضيل، وعيد النصر في الحرب العالمية الثانية في الثامن منه، وعيد الصعود في الثالث عشر، وعيد العنصرة في الرابع عشر.  ثم يأتي حزيران كالثور الهائج، ينبغي أن تمسح عن كتفيك طعنات المهاجمين الذين يودّون أن ينهوا أعمالهم السنوية على حسابك، إن أمكن، كي يتفرغوا لعطلتهم، المحمومة هي الأخرى بانتصارات العثور على طيران أرخص وبقوائم «تو دو ليست» لا تنتهي، وتوتر الهرولة وراء قطاراتٍ وطيارات، لتضاف صورٌ أخرى إلى متحف «لقد عشت». متى دخلت مفردة «عيّيش» إلى لغتنا؟ لا أذكر أننا كنا نردّدها كثيراً قبل عشرين عاماً، وكانت الصور أقل كذلك. في التأقلم مع تقطيع أوصال الزمن هناك أثمان، منها أنّ «فرمتة» الأدمغة تُستكمل عند نهاية آب المشؤوم، ليبدأ هلع أيلول مصحوباً بشجاراتٍ بين من نسي مهمات ما قبل العطلة ويحاول استذكارها عبثاً ليُدين الآخرين.     

كانت جدة صديقي مشهورةً بأنها لا تفارق مخدّتها، تأخذها معها إن اضطُرت للبيات خارج منزلها، ولم تكن لتجعل نفسها مضطرةً إلا عند ولادة إحدى بناتها، تلزم عندها مخدتها وتذهب لتأدية واجبها وتعود إلى منزلها قبل أن «تربعن» ابنتها. 

التخييم كشكلٍ من أشكال قضاء العطلة مرهقٌ جداً رغم رفقة الطبيعة الجميلة، لكنّ قضاء العطلة في الفنادق حتماً ليس إلا تيمماً، ومخدات الفنادق ليست إلا سراباً. لم يفكر أحدٌ من كل هؤلاء المهاجرين أن يعمل بالتنجيد العربي. قد ينتصر على الصين ومنافستها في الأسعار إن انتصر على الديكرون النفطي واستنصر للخدود والرقاب الباحثة عن سندٍ في المخدات معدومة الحيل والعزم. ولكن أكثر ما يثير الشفقة في نزولنا الفنادق أنْ لا أهل لنا في هذه المدن، نحاول أن نروضها ونتملّك زواياها بالخرائط والأدلة، ونبحث عن أصدقائنا فيها. بانتظار ترويض الأزمنة المتقطعة حادة النصال، والتي لا تشبه لحظات التسبيح بحمد الله على بعض النسمات العليلة، فالبيت خيارٌ جيد، حيث التكاسل ممكنٌ دون براهين فعالية في وضع الخطط المحكمة للعطلة، وحيث المخدات والكتب والبرادات خير جليس.