العملية التركية في عفرين: الدوافع والاحتمالات

 

كان وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، قد صرَّحَ عقب اجتماعه مع رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، في لندن، الإثنين 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أن العملية العسكرية المحتملة في عفرين ربما تُنفّذ «اليوم أو غداً». وهو ما فتحَ الأبواب أمام عدة تساؤلات أهمها؛ هل فعلاً يمكن أن تُجري تركيا عملية عسكرية في عفرين؟ وإن كان الأمر كذلك، فمتى ستكون تلك العملية؟

في البداية، تجدر الإشارة إلى أن مقولة «اليوم أو غداً» هي جملة تركية مجازية، تُستخدم للتعبير عن النية لتنفيذ الأمر، لكن من دون وجود يوم محدد للقيام به، وليس كما تُرجمَت على أنها قد تكون الثلاثاء أو الأربعاء. إلا أنه لا يمكن نفي احتمال حدوث العملية في أي وقت، في ظل وجود طرح لتفاصيل العملية من قبل الصحف التركية.

تفاصيل العملية كما جاءت في صحف تركية

جاءت بداية الطرح التركي لعملية عسكرية مشابهة لعملية درع الفرات في عفرين ومحيطها، أواخر حزيران/يونيو المنصرم، حين ادعت صحيفة قرار، المقربة من مستشارين فاعلين في رئاسة الوزراء التركية، أن هناك عملية جديدة باسم «سيف الفرات» ستستهدف، بشكلٍ أساسي، السيطرة الكردية في عفرين ومحيطها، مشيرةً إلى أن نطاق العمليات العسكرية سيتركز في محيط تل دقنة ومنّغ، وصولاً إلى تل رفعت وعفرين. لكن العملية المذكورة لم تنطلق في حينها، وانخرطت تركيا في عملية «الانتشار» داخل إدلب وفقاً لمخرجات محادثات آستانة. واليوم، بعد تحقيق تركيا «انتشارها» في إدلب بشكلٍ جزئي، عادت لتلوح بورقة ضرورة إجراء عملية عسكرية في محيط عفرين، وحتى في عفرين تفسها، «للحفاظ على أمنها القومي على صعيد استراتيجي».

وأشارت الصحيفة ذاتها إلى أن العملية يُتوقع أن يشارك فيها 20 ألف مقاتل من الجيش الحر، و7 آلاف جندي من القوات الخاصة التركية، مضيفةً أنها ستستمر مدة 70 يوماً. ووفقاً للصحيفة، فإن القوات التركية ستنطلق من محيط تل دقنة ومنّغ باتجاه تل رفعت، وقد تمتد إلى حدود تل أبيض، والحسكة، مع الامتداد إلى العراق في محيط سنجار وشنكال، على المدى البعيد.

وضمن السياق، بيّنت صحيفة أكشام، المقربة من أروقة مؤسسات الحكومة التركية، أن مركز العملية سيكون في مدينة أعزاز، وستنطلق، في البداية، نحو جميع المناطق التي تعتبر عربية، مع النظر في إمكانيات إخراج وحدات الحماية الكردية من عفرين بالكامل، بشكل عسكري مباشر أو غير مباشر.

وفي ضوء جملة «بشكل عسكري مباشر أو غير مباشر»، يبدو أن تركيا قد تعتمد بالأساس على حرب بالوكالة في عمليتها المذكورة، وذلك بالاعتماد على فصائل الجيش الحر الموالية لها مع دعمٍ عسكريٍ تركيٍ نوعي كما تم في عملية درع الفرات، أو ربما تجنح للتفاوض الدبلوماسي الذي قد يمكنها من الضغط على روسيا لإرغام وحدات الحماية على الانسحاب من المناطق المعنية، من دون مواجهة عسكرية. لكن يبدو أن سيناريو انسحاب الوحدات عبر المفاوضات غير مرجّح، لأنه سترفض التضحية بصورتها التي لمعت بوصفها «قوات باسلة» تحارب عدوها بتحدٍ، وهو ما سيكون أكثر تأثيراً لأنها تدافع هنا عن عفرين ذات الغالبية الكردية، وهو ما يقع في صلب عقيدتها القتالية. وأيضاً يعدُّ رفضها لتسليم المناطق العربية المحيطة بعفرين عبر المفاوضات مع «لواء المعتصم»، دليلاً دامغاً على عدم رجحان هذا السيناريو.

وإلى جانب هذين السيناريوهين، أضافت صحيفة أكشام سيناريو آخر هو حصار مدينة عفرين، وتأسيس قواعد عسكرية تبعد عن حدودها مسافة 5 كم، موضحةً أن هدف هذا السيناريو هو عزل وحدات الحماية عن الخارج، ومراقبة قوافل المساعدات الإنسانية التي تدخل المدينة.

وفي الموضوع ذاته، أردفت صحيفة أكشام أن القوات التركية ستنطلق نحو عفرين من عدة محاور، هي كيليس والحاسة والريحانلي التركية وأعزاز السورية، على أن يتم تخصيص 17 يوماً من أيام العملية لضرب مناطق تواجد قوات وحدات حماية الشعب الكردية بالقذائف، ومن ثم التحرك صوب تل رفعت ودير جمّال ومنّغ.

ومن جانبها، قالت صحيفة تركيا، المحافظة المقربة من الحكومة، إن الحشد العسكري الذي قامت به تركيا على الحدود المتاخمة لإدلب وشمال حلب، يرمي بالأساس إلى استهداف عفرين، موضحةً أن رئاسة الأركان التركية تتباحث مع قوات الجيش الحر في تفاصيل العملية منذ فترة طويلة.

وفيما أشارت صحيفة تركيا إلى أن وحدات الحماية الكردية استهدفت القوات والمدن التركية الحدودية 17 مرة، أوضحت أن الجانبين الروسي والتركي، خلال لقاءات وزراء الدفاع ورؤساء الأركان المتواترة، اتفقا على انسحاب القوات الروسية المتمركزة في عفرين ومحيطها تمهيداً للعملية.

ولعل الصفقة بين تركيا وروسيا وإيران، كانت في سياق انتشار تركيا في إدلب للتخلص من هيمنة الفصائل التي قد ترفض مخرجات أستانة، في مقابل السيطرة على عفرين أو حصارها، وهذا ما يراه مدير شعبة الأبحاث الأمنية في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية سيتا، مراد ياشيل طاش، مضيفاً أن انتشار تركيا في إدلب جاء في إطار التحرك التركي / الروسي / الإيراني الوقائي المشترك ضد التمدد الأمريكي عبر القوات الكردية. وفي ضوء ذلك، تجدر الإشارة إلى أن مذكرة اتفاق «خفض التصعيد» المُبرم بين تركيا وروسيا وإيران، في أيار/مايو المنصرم، نصَّت على عدم سماح روسيا لطائرات التحالف بالتحليق غرب الفرات، وهذا ما يزيد من احتمال توافق الأطراف حول العملية.

وتتعمق صحيفة قرار في نقلها لمعلومات حول العملية، مبينةً أن العملية، وفقاً لمصادر عسكرية ميدانية، ستُجرى في كانون الثاني/يناير المُقبل، وما يزيد من صواب هذا الموعد، وفقاً للصحيفة، هو الحشد العسكري الضخم الذي استطاع محاصرة عفرين من جهة منطقة درع الفرات، وشمال إدلب، وكيليس وهاتاي.

لماذا التركيز على عفرين؟

على الرغم من سيطرة وحدات الحماية الكردية على القامشلي والحسكة وشمال الرقة، وجميعها متاخمة للحدود التركية، إلا أن الحكومة التركية توجه خطابها نحو ضرورة مهاجمة عفرين، وهو ما يطرح كثيراً من التساؤلات حول كيفية تسويق الحكومة التركية لحملتها ضد عفرين؟ ولماذا عفرين؟ وما هو الخطر الذي تشكله عفرين على الأمن القومي التركي من وجهة نظر الحكومة التركية؟

بتتبع الصحف التركية المقربة من حزب العدالة والتنمية وتصريحات المسؤولين الأتراك، نجد أن الحكومة والصحف المقربة منها تسوّقُ ذريعة تمثيل عفرين مركزاً للوحدات الكردية للتحرك من جهة تل رفعت والانطلاق نحو العريمة ومنبج لتوحيد الكانتونات الكردية من الجهة الجنوبية، والانطلاق نحو البحر المتوسط، عبر الالتقاء ببعض نقاط النظام أو التحرك بشكل مباشر، من الجهة الغربية، بما يوفر فرصة أكبر لـ «المشروع الكردي الإرهابي الساعي لتأسيس حزام على طول الحدود التركية للوصول إلى مياه البحر المتوسط، مما يُسهل لها عملية تأسيس دولة مستقلة» بحسب وكالة الأناضول الرسمية.

وطبقاً لصحيفة قرار، فإن «تفاصيل العملية تكمن في الانطلاق من محيط تل دقنة ومنّغ، صوب تل رفعت وعفرين». وفي ضوء ما تبيّنه الصحيفة، يتضح أن عملية عفرين تأتي في إطار تكميلي لأهداف عملية درع الفرات التي «أُعلنت في إطار إحباط المشروع الكردي الرامي للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، بما يوفر له إمكانية تأسيس دولة مستقلة شمالي سوريا». وتعتبرُ تركيا أنها أحبطت هدف المشروع الكردي في وصل الكانتونات عبر جرابلس وإعزاز، عبر عملية درع الفرات، ولكن في ظل توجه وحدات الحماية لفتح ممر من جهة الجنوب، أي من منبج إلى تل رفعت، يصبح، على ما يبدو، إجراء عملية جديدة «أمراً لا مفر منه» من وجهة النظر التركية.

إلى جانب ذلك، يُشار إلى أن الولايات المتحدة تدعم المشروع الكردي، وترمي إلى دفعه للتحرك نحو الغرب من عفرين، ولكن «لا يوجد قوة فعلية للولايات المتحدة في عفرين، إنما قوة روسية، وهذا ما يوفر لتركيا فرصة أكبر وأسهل لتبادل الأوراق مع روسيا». وبذلك، وفقاً لصحيفة قرار، «تستطيع تركيا إحباط المشروع الكردي المهدد لأمنها القومي».

وفي سياق ذلك، يُتوقَع أن تحظى تركيا بضعفي المنطقة الآمنة التي رمت إلى تأسيسها خلال عملية الباب بإجمالي 5 آلاف كيلو متر مربع، إذ ستؤدي سيطرة تركيا على إدلب وعفرين إلى رفع مستوى النفوذ التركي في سوريا، الأمر الذي يكفل لتركيا التخلص من التهديدات الأمنية التي تجلت في استهداف الوحدات للمدن التركية الحدودية عبر القذائف، وستتمكن من إعادة عدد كبير من اللاجئين السوريين، فضلاً عن منح تركيا أوراقاً سياسية اقتصادية جغرافية قوية خلال عملية التسوية النهائية.

وفي إطار ذلك، تقول صحيفة قرار إنه «لا يمكن لتركيا أن ترى أن عفرين تتحول إلى «قنديل جديد» يرتع فيه «الإرهابيون» ويمرحون، ويرفعون صور «الإرهابي» عبد الله أوجلان، ويجرون تدريبات عسكرية، ويتلقون دعماً أمريكياً مديداً، ولا تحرك ساكناً».

وفي صحف المعارضة التركية، كصحيفة إيفرانسال اليسارية مثلاً، يتم توجيه اتهام إلى حكومة حزب العدالة والتنمية «باستغلال عملية عفرين والتحركات الخارجية الأخرى في تصدير الأزمات الداخلية التي تعاني منها، كأزمتها مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضايا تلقي بعض وزراء الحكومة رشاوى من رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، إلى الخارج».

وعلى أي حال، فإن تركيا ترمي على الأرجح إلى إجراء عملية عفرين في وقتنا الحالي، أملاً في الاستفادة من مسار عملية التسوية التي تُجريها مع روسيا وإيران، اللتين يُعتقد أنهما قد توافقان على العملية لعدة عوامل. وهذه العوامل بالنسبة لروسيا هي:

- رغبتها في حصر «القوة البرية» للولايات المتحدة، المباشرة أو غير المباشرة، الفاعلة في سوريا. وبالأخص لأن «القوة البرية» هي ما تستمد منه روسيا هيبتها حول العالم بشكلٍ عام، وذلك بحسب ما يقوله المفكر السياسي الروسي ألكسندر دوغين، الذي يرى «أن روسيا لا تملك قوة بحرية، لذلك هي قوة برية مجابهة للقوة الغربية التي تتسم بالقوة البحرية الأطلنطية، وقد انتصرت روسيا كقوة برية على القوة البحرية في الحرب الشيشانية الثانية عام 1999، وفي الأزمة الجورجية عام 2008، ويجب عليها بذل جهودٍ حثيثة للانتصار على القوة البحرية في سوريا أيضاً».

- مواصلة التقدم في رؤيتها لـ «شيشنة» الحل في سوريا، والتي تعني الاستناد إلى «جسرٍ» إقليمي يحول الأزمة من أزمة روسية / سورية «ممثلة بالمعارضة»، إلى أزمة بين تركيا والفصائل المعتدلة أو البراغماتية من جهة، والجماعات الجهادية والجماعات الأخرى «الكردية مثلاً» الرافضة لرؤيتها، لتصبح تركيا والفصائل المعتدلة «شريكاً» أو «وكيلاً» لروسيا في احتواء الأزمة، وتحقيق رؤيتها في إنهائها بشكلٍ يكفل لها حق الصدارة في الهيمنة السياسية الدولية.

- التطابق التركي الروسي «المطلق» في قضية عدم تعريض سوريا للتقسيم.

أما إيران، فهي تتفق مع تركيا، في الإطار المطلق لمصالحهما في سوريا، على نقطة إبقاء سوريا واحدة موحدة بعيداً عن منح القوات الكردية حكماً ذاتياً، لاحتضان الدولتين عدداً واسعاً من المواطنين الأكراد الذين قد تتحرك شهيتهم للانفصال بشكل أكبر، نتيجة حصول القوات الكردية على حكم ذاتي مستقل في سوريا. وهذا ما قد يجعل موافقة إيرانية جزئية على العملية أمراً وارداً. لكن، على الرغم من ذلك، قد تعارض إيران التدخل التركي الموسع للعاملين التاليين:

- تخوفها من التمدد الميداني والنفوذ السياسي التركيين، ما قد يؤثر على مشاريعها الجيوسياسية والاقتصادية في سوريا.

- رغبتها في إبقاء ميزان قوى التعاون مع روسيا في صالحها.

ماذا عن شرق الفرات؟

وعن عدم التوجه إلى الشرق من الفرات في الوقت الحالي، يعزو الباحث في العلاقات الدولية والموظف في مكتب الاتصالات المؤسسية لرئاسة الوزراء التركية، أنس مارت دامير، في تصريحه للجمهورية، الجمعة، 21 كانون الأول/ديسمبر الجاري، ذلك إلى سلم الأولويات، إذ يرى أن غرب الفرات يشكل خطراً أكبر على المصالح القومية التركية في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن تركيا تتحرك وفقاً «لنظام التوازنات»، وتنتظر الوقت المناسب لطرح مسألة شرق الفرات على الطاولة، والوقت الحالي غير مواتٍ للحديث عن ذلك. وتوضّح تصريحات الساسة الأتراك وتقارير الصحف المقربة من الحكومة التركية، والتي تؤكد على احتمال توجه الحكومة إلى تل الأبيض ومناطق شرق الفرات بعد الانتهاء من إدلب، تراتبية سلم الأولويات ونظام التوازنات الإقليمي والدولي بالنسبة لتركيا.

مؤشرات تنفيذ عملية عفرين

ثمة عدة مؤشرات إعلامية وميدانية على احتمال وقوع العملية، ولعلّ أهمها:

- تهديد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أكثر من مرة بسعي بلاده لدخول عفرين.

- تصريح وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، في 12 كانون الثاني/ديسمبر الجاري، بأن «تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الهجمات التي تقوم بها وحدات الحماية الشعبية المتمركزة في عفرين، لذلك فإن تركيا ستدخل إلى هناك من دون سابق إنذار، لصدّ التهديدات التي تشكل خطراً على أمنها القومي.».

- توالي اجتماعات رئيس الأركان التركي، خلوصي أكار، مع رؤساء أركان وقادة عسكريين من عدة دول إقليمية وغير إقليمية، كلقائه منذ منتصف الشهر الجاري مع نظيره العراقي، عثمان الغانمي، ومن ثم قائد القيادة المركزية الأمريكي، جوزيف فوتيل، وقائد قوات الأطلسي في أوروبا، كورتيس سكاباروتي، معاً، وبعد لقائه مع القائدين المذكورين التقى بنظيره الروسي، فاليري غيراسيموف، وحلَّ أكار في 18 كانون الأول/ديسمبر، ضيفاً على رئاسة هيئة الأركان البريطانية، تلبيةً لدعوة نظيره البريطاني، ستيوارت بيتش. وبحسب صحيفة وطن الليبرالية المقربة من الحكومة، فإن المحور الأساسي لهذه اللقاءات تركز حول التأكيد للدول الفاعلة بأن تركيا أعطت الإشارة إلى القوات العسكرية لبدء تحركها صوب عفرين.

- شيوع أنباء عن انسحاب القوات الروسية من منطقة عفرين أواخر حزيران/يونيو الفائت، أي بعد فترة قصيرة من توقيع مذكرة مناطق خفض التصعيد بين تركيا وروسيا وإيران.

- استهداف مواقع لوحدات الحماية الكردية في عفرين عبر قذائف أرض أرض.

- إرسال قوات استكشافية إلى ضواحي مدينة عفرين، وإزالة كتل خرسانية من مناطق على الحدود، منها قرية بابليت في ريف جنديرس التابعة إدارياً لعفرين، بهدف فتح ممر للقوات التي ستتحرك صوب الأراضي السورية.

- اختيار جبل الشيخ بركات المطل على كامل ريف حلب الغربي والشمالي والشرقي، بما فيها عفرين، كمركز أساسي للقوات التركية.

- تأكيد مجلس الأمن القومي التركي على ضرورة انهاء التهديدات المحيطة بتركيا، والتي يشكل غرب حلب، لا سيما عفرين، أحد مصادرها.

التحديات والعوائق التي قد تواجه تركيا

لا شك أن عملية عفرين لا تشبه عملية درع الفرات التي كانت ضد داعش، التي يعتبرها العالم منظمة إرهابية بالإجماع، بينما في عملية عفرين تتجه تركيا ضد جماعة مسلحة تُقيَّمُ من قبل بعض الدول على أنها كانت الأنجع في محاربة داعش.

لكن هناك عوائق أخرى لا تقل أهمية عن هذا العامل، ويمكن أجمال أبرز التحديات في ما يلي:

- الحرب الإعلامية التي ستواجهها تركيا، والتي ستؤثر سلباً في هويتها، وتزيد من الضغوط الدبلوماسية عليها، وبالأخص في ظل عدم التماثل بين العمليتين كما تم توضيحه أعلاه؛ ولأن عفرين ذات أغلبية كردية. ولا يمكن هنا إغفال جوانب الصراع التاريخي العميق بين تركيا والجماعات الكردية، وهو ما يمكن أن يغذي روح تحدٍ لدى القوات الكردية المتمركزة في المدينة. وسيدفع هذان العاملان، الأغلبية الكردية في عفرين والصراع التاريخي بين الطرفين، وحدات الحماية الكردية للدفاع بشراسة عن المدينة. وفي إطار ضعف القدرات الإعلامية التعبوية التركية التي ظهرت إبان عملية درع الفرات، يمكننا القول إن هذا العائق قد يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لتركيا.

- انعدام «الحق الشرعي» لدى تركيا لاقتحام المدينة، إذ بخلاف المدن الأخرى المحيطة بعفرين، والتي تتسم بغالبية عربية تمُكّن تركيا من استخدام مبدأ «مسؤولية الحماية» كذريعة لدخولها، سيُصنَّفُ دخول القوات التركية إلى عفرين على أنه «احتلال»، لأنه يتم ضد رغبة معظم السكان، وهو ما سيجعل مقاومة الوحدات الكردية مقاومة شعبيةً في الواقع، على النقيض من الوضع في منطقتي إدلب أو درع الفرات. وهذا ما قد يزيد من حدة الضغوط الدبلوماسية والحقوقية والإعلامية عليها، والتي لا شك أنها سترهقها اقتصادياً ودبلوماسياً وعسكرياً.

- احتمال رفض الولايات المتحدة لمثل تلك التحركات، التي تأتي في ضوء حاجتها أيضاً لورقة ضغط في عملية التسوية. ولقد نقلت وسائل الإعلام التركية المحلية والدولية أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وعدَ أردوغان بإيقاف مد YPG بالأسلحة، غير أن الصحف التركية أوردت بعدها أن هناك جدلاً بين ترامب ووزارة الدفاع حول هذا القرار، وذكرت أن دفعات جديدة من الأسلحة وصلت، الثلاثاء 28 تشرين الثاني/نوفمبر، إلى قوات YPG. وإن دلَّ هذا الخلاف، فإنما يدلُّ على الحسابات الأمريكية الميدانية التي ترى أن الورقة الكردية لم تنته عملية توظيفها بالكامل. وهو ما يأخذنا إلى احتمال رفض الولايات المتحدة لمثل هذه العملية التي تضر بخططها الميدانية. ولنا في انتصار المؤسسات الأمريكية على ترامب الكثير من الأمثلة، لعل أهمها انتصارها إبان الأزمة الخليجية. وعلى الرغم من ذلك، قد تتماشى الولايات المتحدة مع نتائج العملية نتيجة لعاملين: سلّم أولويات مصالحها الجغرافية التي تتركز في جنوب سوريا وشرقها وشمال شرقها، وليس في محيط منطقة عفرين. وتوازن القوى بين روسيا وإيران، حيث لا تزال الولايات المتحدة، على الأرجح، ترى في تركيا عنصراً جيداً نسبياً لموازنة النفوذين الإيراني والروسي في سوريا.

- عدم قدرة تركيا المحتملة على إكساب تدخلها «مشروعية إدارية»، بمعنى أنه إذا عجزت تركيا عن توفير الخدمات الإدارية والمصادر الاقتصادية لسكان تلك المناطق، فقد تفشل في كسب «مشروعيتها الإدارية الشعبية»، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتفاض أهالي المنطقة ضد وجودها. وقد أظهرت تركيا معرفتها بهذا العائق، عبر تصريح نائب رئيس الوزراء، ويسي قاينق، بأن العملية سيتبعها دخول مستشارين تنمية زراعية وخدماتية وإدارية يوفرون فرص عمل وفيرة لمواطني المنطقة.

- اقتتال الفصائل المساندة للقوات التركية في عمليتها على المدى البعيد، وما اقتتال بعض فصائل درع الفرات عدة مرات ببعيد عن الأذهان.

 

يواجه الأمن القومي التركي، كما تراه الحكومة التركية، خطراً ماحقاً يتجسد في احتمال إقامة حكم كردي ذاتي على امتداد مساحات واسعة من الحدود التركية / السورية، يغذي شهية روح الانفصال والتمرد لدى حزب العمال الكردستاني الذي يحارب القوات التركية منذ منتصف الثمانينات. ولعلَّ كون عفرين إحدى «الكانتونات» الهامة على طريق تنفيذ مشروع الحكم الكردي الذاتي، هو ما دفع تركيا لاتخاذ إجراءات وقائية تحول دون سقوط فأس ذلك الخطر على رأسها قبل فوات الأون. وستأتي هذه العملية، في حال حدوثها، في هذا الإطار.