العملية التركية وينابيع الحروب اللاحقة

 

رغم كثافة التصريحات الدولية والعربية الرافضة للعملية العسكرية التركية التي انطلقت بعد ظهر الأربعاء الفائت، ورغم التصريحات الأميركية المتعددة التي تحدثت عن عقوبات قاسية ستتعرض لها أنقرة في حال تجاوزت خطوطاً حمراء لم يعلنها أحد بوضوح، إلا إن حجم وطبيعة العمليات العسكرية التي يشنها الجيش التركي بمساندة فصائل سورية تابعة له، يشي بأنّ تركيا قد حصلت على موافقة ضمنية من الدول المتحكمة بالجغرافيا السورية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، لانتزاع السيطرة على مدن وبلدات سورية من قبضة مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية على الشريط الحدودي معها.

وكانت الطريقة التي أعلن فيها ترامب عن سحب القوات الأميركية من سوريا، صباح الإثنين الفائت، قد أعطت انطباعاً بأن هناك ضوءاً أخضر أميركياً مفتوحاً أمام الجيش التركي للتحرك كما يشاء، وأن الولايات المتحدة ستنسحب نهائياً من الجزيرة السورية، إلا أن التصريحات التالية لترامب نفسه، ولمسؤولين في البنتاغون ونواب في الكونغرس، عادت لتخفف من هذا الانطباع، ودفعت إلى الاعتقاد بأن العملية العسكرية التركية ستكون محدودة جداً، وربما تقتصر على المنطقة الممتدة بين رأس العين/ سري كانييه وتل أبيض ودون التوغل كثيراً في عمق الأراضي السورية.

لكن بداية العملية التركية جاءت عبر قصف صاروخي ومدفعي وجوي تركي شمل سائر المناطق الحدودية، على طول نحو 400 كم من عين ديوار قرب نهر دجلة في أقصى شرق الحدود السورية حتى الريف الغربي لمدينة عين العرب/ كوباني قرب نهر الفرات، مروراً بمناطق المالكية/ديريك والقامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين وتل أبيض، كما شمل القصف الجوي مواقع لقسد في عمق محافظة الرقة قرب بلدة عين عيسى. ونتيجة هذا الاتساع في رقعة المناطق المستهدفة، فقد بات صعباً التكهن بحجم العملية وحدودها البرية، إلا أن المحاور الرئيسية التي تركزت عليها المعارك والاقتحامات البرية، التي بدأت منذ ليل الأربعاء الخميس، لا تزال حتى كتابة هذه السطور محصورة بشكل أساسي في محيط مدينتي تل أبيض ورأس العين، حيث تقدمت القوات التركية والقوات السورية التابعة لها وسيطرت على عدة قرى وتلال غرب وشرق المدينتين، بعد اشتباكات متفاوتة العنف مع مقاتلي قسد.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد أدى القصف التركي خلال اليومين الأولين من العملية إلى عشرة ضحايا بين المدنيين في عدة مناطق، وأدت الاشتباكات والاستهدافات المتبادلة إلى مقتل أكثر من أربعين من مقاتلي الطرفين، وإلى نزوح نحو سبعين ألف مدني معظمهم من سكان تل أبيض ورأس العين والدرباسية، اتجه أغلبهم إلى مناطق بعيدة عن العمليات في محافظة الحسكة على وجه الخصوص. وقد ردّ عناصر قسد على القصف التركي بقصف بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا على جرابلس ومحيطها بريف حلب الشمالي الشرقي حيث تسيطر فصائل عملية درع الفرات الموالية لتركيا، ما أدى إلى ضحايا وجرحى في صفوف المدنيين، وأيضاً على مدن أقجة قلعة ونصيبين في تركيا ما أدى إلى ضحايا وجرحى في صفوف المدنيين أيضاً.

ويبدو أن القوات التركية تسعى إلى تطويق مدينتي تل أبيض ورأس العين بهدف إجبار مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية على الانسحاب منهما خشية الوقوع تحت الحصار، ما سيسهل على القوات المهاجمة دخول المدينتين، كما يبدو من مسار العمليات البرية أنها تهدف إلى السيطرة على المدينتين والشريط الحدودي بينهما، مع التوغل في عمق الأراضي السورية إلى مسافة غير معلومة تماماً.

وبالنظر إلى تصريحات ترامب ومسؤولين أميركيين عن أن القوات الأميركية تم سحبها من منطقة العمليات، وعن أن لأنقرة حدوداً لا ينبغي تجاوزها، فإن المرجح أن التوغل البري لن يتجاوز عمق ثلاثين كيلومتراً، وهو العمق الذي لا وجود فيه لقوات أميركية اليوم في مقابل تل أبيض ورأس العين والشريط الواصل بينهما. ويتفق هذا التحليل تماماً مع ما أعلنه وزير الخارجية التركي يوم أمس، من أن المرحلة الأولى من العملية تستهدف فقط شريطاً بطول 120 كم وعمق 30 كيلومتراً، لكن يبقى أن ضبابية الموقف الأميركي واتساع نطاق القصف إلى مناطق أخرى، وإصرار المسؤولين الأتراك على القول إن هذه مرحلة واحدة من العملية فقط، يترك الباب مفتوحاً على احتمال أن تشمل عمليات التوغل البري كامل الشريط الحدودي شرق نهر الفرات في وقت لاحق.

_1_.jpg

الخريطة نقلاً عن موقع liveuamap
الخريطة نقلاً عن موقع liveuamap

عربياً، أدانت مصر والسعودية والكويت والإمارات والبحرين العملية مع دعوتها إلى وقفها فوراً، كما دعت مصر إلى اجتماع طارئ للجامعة العربية يوم غد السبت بهدف بحث المسألة، فيما انفردت قطر بإعلانها الصريح عن تأييد العملية. أما دولياً فقد أعلنت فرنسا وألمانيا وبريطانيا رفضها للعملية داعية إلى وقفها فوراً، فيما كان الموقف الروسي ملتبساً وغير حاسم على غرار الموقف الأميركي، غير أنه يسير في اتجاه آخر، إذ قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم أمس إن بلاده تتفهم «القلق الشرعي لتركيا حيال أمن حدودها»، داعياً إلى ضرورة أن تعمل تركيا على معالجة مخاوفها عبر اتفاقية أضنة، ومعلناً أن بلاده «ستدفع نحو إطلاق الحوار بين أنقرة ودمشق، وكذلك بين دمشق والأكراد»، وأن العملية التركية هي نتيجة طبيعية لسلوك الولايات المتحدة في المنطقة. أما طهران، وعلى الرغم من تكرارها الإعلان عن تفهمها لمخاوف أنقرة الأمنية، إلا الخارجية الإيرانية دعت في بيان لها يوم أمس إلى وقف العملية فوراً وانسحاب القوات التركية من سوريا.

وقد أنتجت المواقف الدولية المتباينة، والموقف غير الحاسم لروسيا والولايات المتحدة، جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي يوم أمس الخميس، انتهت دون اتخاذ أي قرار أو إعلان أي مواقف حاسمة حيال العملية، ويبدو واضحاً أن الجهات الدولية الوحيدة التي يمكن أن تؤثر في مسار العملية فعلاً هي الولايات المتحدة في حال واصلت أو لم تواصل سحب جنودها من مناطق أخرى، ثم روسيا التي سيكون دورها حاسماً في حال واصلت القوات الأميركية انسحابها وتخليها عن قسد. ويبدو واضحاً أن موسكو ستحاول تجيير المسألة لصالح نقل أكبر قدر ممكن من المناطق إلى سيطرة قوات النظام السوري وحلفائه، وهو الأمر الوحيد الذي قد يدفع الولايات المتحدة إلى عدم الانسحاب من مزيد من المناطق، خشية انتشار قوات إيرانية فيها وهو ما سيضعف موقفها في صراعها مع إيران.

ليست واضحة بعد ما هي نقاط القوة التي يمكن أن تستند إليها قسد في هذه المعركة، إذ في مقابل عزم تركيا على تفكيك «وحدات حماية الشعب»، الجناح العسكري السوري لحزب العمال الكردستاني الذي هو العمود الفقري لقسد والحاكم الفعلي في مناطق سيطرتها، وفي مقابل عزمها الواضح أيضاً على تغيير التوازن الديمغرافي في المنطقة عبر توطين مئات آلاف اللاجئين فيها وفق ما أعلن أردوغان أكثر من مرة، فإنه لن يكون أمام قسد في حال واصلت الولايات المتحدة انسحابها سوى الاحتماء بروسيا والنظام السوري، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تفكيكها وإلغاء مشروعها بدوره أيضاً، على ما أكد نائب وزير خارجية النظام السوري فيصل مقداد يوم أمس، عندما تحدث عن أن جيش النظام مستعد للذهاب إلى المنطقة وحمايتها، ولكن بعد إجراء «المصالحات اللازمة»، ومعروفٌ أن مفهوم المصالحة عند النظام السوري يقتضي تفكيك القوى المسلحة والتنظيمات السياسية غير التابعة له وخضوع أعضائها والسكان في مناطق انتشارها لجيش النظام وقواته الأمنية دون قيد ولا شرط، وهو ما قاله المقداد صراحة عندما تحدث عن رفض الحوار «مع من يتحدثون بمنطق انفصالي أو بمنطق أنهم أصبحوا قوة على أرض الواقع تفرض نفسها».

وليس لدى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ومقاتليه تحالفات جدية في المنطقة يمكنه الرهان عليها، ذلك أن أسلوبه في الحكم والسيطرة سيجعل الجميع ينفضّون عنه سريعاً في حال خسارته الكاملة للاحتضان الأميركي، باستثناء الشريحة الموالية له في المجتمع الكردي. لقد قمع هذا الحزب كل الأصوات المعارضة له بين أبناء الشعب الكردي، وارتكب انتهاكات وجرائم لا تحصى بحق كثيرين من سائر مكونات المنطقة، وثمة كثيرون من أبناء المنطقة يتطلعون إلى العملية التركية بوصفها طريقاً محتملاً للعودة إلى قراهم وبيوتهم التي هُجّروا منها على يد قسد.

لكن حتى لو أدّت هذه العملية إلى حصول بعض المهجرين على حقهم في العودة إلى ديارهم، فإن الهدف منها ليس إعادتهم، بل هي تأتي في سياق الدفاع عن الأمن القومي التركي كما تراه الدولة التركية، وهي ستحمل في طياتها عناصر كارثة جديدة تحيق بمجمل سكان الجزيرة السورية، بعد سلسلة الكوارث التي حلت بهم جراء وحشية النظام السوري وسلوكه الإبادي، ثم جراء وقوع أجزاء واسعة منها في قبضة تنظيم داعش الإجرامي، وبعدها عمليات التحالف الدولي المدمرة وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على كل المنطقة، وما رافق هذه السيطرة من انتهاكات وقمع وتهجير وتأزيم للعلاقة المتأزمة أصلاً بين مكونات المنطقة من عرب وكرد وسريان وآشوريين.

ستساهم العملية التركية في مزيد من تأزيم هذه العلاقة وتعقيدها عبر إغراق ذاكرة سكان المنطقة بمزيد من العداوات وسفك الدماء والتهجير، وسيرشح عنها تبعات إنسانية قاسية على السوريين القاطنين في المناطق المستهدفة شمال الجزيرة السورية، لا سيما أنّ هذه المناطق استقبلت أعداداً ليست قليلة من النازحين، كونها ظلت، في معظمها، شبه آمنة طوال السنوات الماضية. وتقول عملية عفرين أشياء كثيرة عن المستقبل المحتمل للمنطقة في حال استمرار العملية وتوسعها، إذا أنها كانت قد أسفرت عن تهجير عشرات آلاف السكان الأكراد من بلداتهم وقراهم في عفرين وريفها، وعن سيطرة فصائل تتصرف مثل العصابات، تعتقل وتختطف وتسطو على الأرزاق، وتفرض منطقها وعقائدها وتعصبها كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، على ما تشرح وقائع نسف عدد من المقامات الدينية وفرض اللباس الشرعي على النساء في مناطق كثيرة من عفرين.

وليس بين أيدينا ما يجعلنا نتوقع أن سلوك هذه الفصائل سيكون مختلفاً في مناطق الجزيرة، وفوق هذا نعرف جميعاً أن سيطرتها ستعني نزوح عشرات آلاف الأكراد من بيوتهم خشية الانتقام والتنكيل بذريعة العلاقة مع وحدات حماية الشعب الكردية. في أقل الاحتمالات سوءاً، ستؤدي هذه العملية إلى تغيير في التوازن الديمغرافي في تل أبيض ورأس العين ومحيطهما، مخلفة جروحاً غائرة جديدة في النسيج الاجتماعي للمنطقة. وفي أكثرها سوءاً، سيؤدي انسحاب أميركي كامل إلى سيطرة تركيا وحلفائها على معظم الشريط الحدودي، أي على معظم المدن ذات الكثافة الكردية تاريخياً، ما سيعني كارثة كبرى تستمر آثارها لأجيال وأجيال، وبالمقابل سيؤدي هذا إلى سيطرة النظام وحلفائه على ما تبقى من مناطق الجزيرة بما فيها الرقة وريف دير الزور الشمالي ومساحات واسعة من محافظة الحسكة، مع ما يعنيه ذلك من كارثة كبرى على سكان المنطقة والقضية السورية كلها، وهو الأمر الذي سيكون بوابة تطبيع حتمي بين النظام وتركيا برعاية روسية، ينتهي إلى تصفية القضية السورية سياسياً بعد تصفيتها ميدانياً.

ثمة سيناريو آخر لا يقل رعباً، وهو أن تنسحب الولايات المتحدة من سائر المناطق ذات الكثافة الكردية، وتبقى في المناطق ذات الكثافة العربية في جنوبي محافظة الحسكة وفي ريف دير الزور الشمالي والرقة، وهو ما سيعني حرفياً تبادلاً لجزء من السكان، ومهزلة تراجيدية تسيطر فيها قوات عربية بدعم تركي على مناطق كردية تاريخياً، وقوات كردية بدعم أميركي على مناطق عربية تاريخياً، في تكرار لما حدث في عفرين وتل رفعت، عندما تذرعت فصائل المعارضة المشاركة في المعركة بسيطرة القوات الكردية على تل رفعت العربية وتهجير أهلها منها، لينتهي الأمر بطرد المقاتلين الأكراد من سائر المناطق الكردية، وبقائهم مسيطرين على تل رفعت التي لا يزال أهلها العرب مهجرين حتى اليوم.

فضلاً عن النتائج العسكرية والإنسانية للعملية التركية، التي لم تتضح مقاديرها بعد، وأمام التفاوت الكبير في موازين القوى بين القوات المُهاجمة والمُدافعة، فإنّ في يد قسد ورقةً يخشى الجميع من استخدامها على سبيل الانتقام أو خلط الأوراق، وهي إفراغ سجونٍ مُكتظة بأكثر من 14 ألف مقاتلٍ من تنظيم الدولة من بينهم أجانب ترفض دولهم إعادتهم إليها، والتحاقهم بجيوب التنظيم الأخيرة في البادية وخلاياه العاملة في مناطق الجزيرة، وهو ما يعني انبعاث التنظيم مجدداً، بل وقدرته على تهديد مناطق شرق سوريا جميعها.

ولن تقتصر تبعات العملية التركية على الجغرافيا السورية، لأنّ مقتل عسكريين من الجيش التركي أثناء العمليات، وسقوط ضحايا مدنيين داخل الأراضي التركية بفعل القذائف التي تُطلقها قسد، لن تكون نتائجه طيبة على اللاجئين السوريين في تركيا، وقد يفتح الباب أمام موجة عنصرية جديدة تتهمهم مجدداً بالتقاعس والجبن، بينما يخوض الأتراك عنهم معركة تحريرهم من «الإرهاب». كما قد ينجم عن العملية، على ما تُبيّنُ التصريحات التركية الرسمية، ترحيل قسري لأكثر من مليون لاجئ سوري من تركيا نحو المناطق التي تتم السيطرة عليها بعد العمليات العسكرية.

ليست النتائج السابقة التي قد تنجم عن العملية التركية وحدها ما يجعل شطراً كبيراً من المعارضين السوريين يقف ضدّها، إنما أيضاً المعنى العاطفي والسياسي لمسخ راية الثورة السورية على يد «الجيش الوطني»، وإظهارها كراية تابعة لتركيا ومتطلبات أمنها القومي، وحقيقةُ أن هذه العملية لا تساهم سوى في مزيد من تمريغ القضية السورية في أوحال انتهاكات وجرائم تُرتكب باسمها ومن قبل محسوبين عليها، وأن هذه العملية لا تندرج في سياق الصراع مع نظام الأسد مهما حاول داعموها قول عكس ذلك، بل إنها ربما تساهم في تقوية موقفه وموقف حلفائه، وأن هذه العملية تدشين لمزيد من الحروب والصراعات المستقبلية في المنطقة، وأنها حلقة جديدة من مسلسل انتهاكنا كسوريين، وتسخير دمائنا لصالح قوى ودول أجنبية غير معنية بحقوقنا وكرامتنا وقضايانا.