العمل الثقافي والاستقلالية والمأسسة

لطالما ارتبط العمل الثقافي في المنطقة العربية سابقاً بالحكومات والأطر الحكومية، واقتصر العمل المستقل على تجارب فردية لم تشكّل حالة مؤسساتية، لكن مع بداية القرن الجديد بدأ البحث عن مخرج من هذه السيطرة الحكومية شبه المطلقة على الإنتاج الثقافي والفني العربي، وبدأ بعض المثقفين في تأسيس أطر ثقافية تنشد الاستقلالية وتدفع بعجلة الحركة الثقافية العربية نحو مزيد من الانعتاق.

اليوم، لا يبدو الحال الثقافي شبيهاً بما كان عليه سابقاً، إذ تمكَّنَ العمل الثقافي المستقل من تأسيس شبكة مؤسساتية تنشد الاستقلالية وتسعى إلى دعم الإنتاج الثقافي العربي عموماً والسوري على وجه الخصوص، وذلك ما تم بعد أن عملت مجموعة من الفاعلين الثقافيين على تأسيس هذا الإنتاج المستقل والمحافظة على استمراريته في هذا الجو الصاخب في العالم العربي.

أحد هذه الأسماء كانت بسمة الحسيني، الفاعلة الثقافية التي سعت إلى تأسيس مجموعة من المؤسسات الثقافية العربية المستقلة، بدءاً بمؤسسة المورد الثقافي التي انطلقت من مصر، وانتهاءً بمؤسسة العمل للأمل، وبينهما كثيرٌ من العمل الثقافي والدعم المستقل.

مع بداية الألفية الجديدة ، تحديداً عام 2003، انطلقت مؤسسة المورد الثقافي، فكانت النواة الرئيسية لمجموعة مؤسسات ثقافية مستقلة ودعمَت العديد من المشاريع والمؤسسات الثقافية المستقلة، كيف كان البدء؟ وما هي السمات الأساسية لمرحلة التأسيس تلك كونك من المؤسسين؟

بدأ تأسيس المورد بدعوة مني لمجموعة متنوعة من الفنانين والناشطين الثقافيين العرب لاجتماع في القاهرة في سبتمبر 2003 لمناقشة فكرة تأسيس مؤسسة ثقافية غير حكومية وغير ربحية في المنطقة العربية. حضر هذا الاجتماع -على ما أذكر- 11 شخصاً من مصر ولبنان وتونس وفلسطين، منهم روجيه عساف وحنان الحاج علي وهبة صالح وإيفا دادريان وعز الدين قنون وعادلة العايدي وغيرهم. لم تكن لدي فكرة نهائية عن كيف ستكون المؤسسة وما هي أهدافها، ولكن الاجتماع نتج عنه الاتفاق على أن دعم المبدعين الشباب في بداية عملهم في الفن والثقافة يجب أن يكون الأولوية. خلال عملية التأسيس التي تلت الاجتماع، وخلال العام الأول من عمل المورد الثقافي، كان هناك سمتان أساسيتان: الأولى داخلية، وهي استمرار النقاش حول ما إذا كان المورد يجب أن يكون مؤسسة مانحة تدعم مؤسسات ومشاريع ثقافية، أو مؤسسة تعمل بشكل برامجي لدعم المبدعين الشباب. مالت الكفة نحو الاختيار الثاني ولكن تضمن بيان التأسيس الرسمي للمؤسسة أن أحد أهدافها يتمثل في تأسيس صندوق عربي للثقافة والفنون، وهو ما حدث لاحقاً. كذلك، اشتملت برامج دعم المبدعين على دعم مالي محدود، كان في البداية 5 آلاف دولار.  

السمة الثانية، وهي شائعة في المشاريع الجديدة، هي الحماس الكبير بين الأعضاء وأصدقائهم لتأسيس المؤسسة والتبرع لها والتطوع للعمل في أنشطتها. على مستوى الإعلام، حظيت المؤسسة الجديدة باهتمام إعلامي كبير، صاحبها خلال السنوات الثلاثة الأولى.

بالرغم من حضور مفهوم «الاستقلالية الثقافية» قبيل الانفجارات العربية، إلا أنه ازداد حضوراً وألقاً بعد الثورات، بعدما كانت المؤسسات في المجتمعات العربية مرتبطة بالحكومات والأطر الحكومية لعقود من الزمن. من خلال تجربتك الطويلة في العمل المؤسساتي المستقلّ، هل يمكن للعمل الثقافي أن يكون مستقلاً عن مموله؟ بعبارة أخرى، ما هي شروط هذه الاستقلالية، ما هو المقصود بالاستقلالية في هذا الإطار؟

أفهم الاستقلال في العمل الثقافي – والعمل العام كله– على أنه استقلال قرار المؤسسات والناشطين من حيث تحديد أولويات العمل وأهدافه، بل وطريقة العمل ووسائله. بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني بشكل عام، يمكن أن يهدد التمويل الذي تتلقاه، سواء من جهات حكومية وطنية، أو جهات مانحة أجنبية، أو تبرعات من شركات أو أفراد، هذا الاستقلال؛ أو على الأقل يحاول الانتقاص منه. يمكن لهذا التهديد أن يؤثر جدياً في مصداقية عمل منظمات المجتمع المدني وفي قدرتها على الوفاء باحتياجات مجتمعاتها بحسب رؤيتها هي في حالتين: الأولى، قلة أو انعدام مصادر التمويل، أو الاعتماد على مصدر أو مصدرين لتمويل المنظمة، إذ تجد المنظمة نفسها مضطرة للإذعان لشروط الممول كي تبقى على قيد الحياة؛ والثانية، في حال لم يكن لدى منظمات المجتمع المدني رؤية واضحة لعملها ولا قاعدة اجتماعية تستند إليها، تصبح في هذه الحالة مجرد مُنفّذ مدفوع الأجر للرؤى والأهداف التي تحددها مصادر التمويل. من ناحية أخرى، ليس مستحيلاً ولا صعباً جداً على منظمات المجتمع المدني الاحتفاظ بقدر كبير من استقلاليتها رغم اعتمادها على التمويل الوطني أو الأجنبي، إذا كان لدى هذه المنظمات تلك الرؤية الواضحة والأهداف المعلنة، وكذلك بتنويع مصادر تمويلها وتعددها، بالإضافة إلى القاعدة الاجتماعية التي تحميها وتساندها. يساعد في ذلك أن تكون هناك صورة إعلامية ايجابية لتلك المنظمات. تسعى الأنظمة القمعية دائماً إلى تشويه هذه الصورة بشكل منظّم ومتواصل، وتستخدم هذا التشويه في إضعاف القاعدة الاجتماعية لمنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن تقليل مصادر التمويل المتاحة، بل وتجريم هذا التمويل في أحيان كثيرة.

شرّحتِ في مقالك المطول «الفن تحت وطأة الصراع» أوضاع الثقافة في البلدان العربية التي استحالت الثورات فيها إلى حروب دامية (سوريا، ليبيا، اليمن...)، وقدّمتِ فيه أجوبة وأثرتِ تساؤلات حول الحال الثقافية في هذه البلدان.

في مصر لم يحصل ذلك، بل سيطرت على الحكم مجموعة من العسكر، وفُرضت تقييدات وتحديدات لعمل مؤسسات المجتمع المدني في مصر، كيف ترين حال الثقافة في مصر اليوم، وإلى أي مدى يحضر فيها العمل الثقافي المستقل؟ لا سيما وأن مصر كانت مهد العمل الثقافي المستقل في الوطن العربي مطلع القرن.

العمل الثقافي في مصر، وفي كل مكان، هو في جوهره عمل مستقل لأنه يستند إلى إبداع الفنان أو الأديب الذي يفترض ألّا يخضع لقيود سياسية أو اجتماعية أو بيروقراطية خارجة عن إرادته، بل يعبّر عن خيال وضمير هذا الفنان أو الأديب. لهذا أرى أن «تجنيد» الفنانين والأدباء والمشتغلين بالثقافة في المؤسسات الحكومية وبرامجها هو تشويه للعمل الثقافي يخرج به عن جوهره ويحوله إلى أنشطة وأعمال، لها سمات فنية أو أدبية ولكنها تخدم أهدافاً سياسية في نهاية المطاف، ولا تعبّر عن خيال وضمير المبدعين. هذا لا يعني أن كل من يعمل في الإطار الحكومي ليس فناناً، إذ هناك أمثلة كثيرة لفنانين وأدباء معروفين يعملون في المؤسسات الحكومية ولخدمة الأنظمة، ولكنه يعني أن عمله لا يمكن تلقيه ولا تفسيره بمعزل عن الدور السياسي الذي يقوم به، والذي قد يكون ضد حركة التاريخ.

ما سبق يفسر وضع الثقافة في مصر حتى أعوام قليلة ماضية، ولكن الوضع حالياً يختلف كثيراً. هناك تغيير كبير في نظرة النظام للثقافة كأداة سياسية، إذ لا يبدو أنه يسعى إلى إيجاد أو دعم بنية هيكلية في الثقافة يمكنه الاعتماد عليها على المدى الطويل أو حتى المتوسط، كما لا يسعى إلى تغيير تدريجي عميق في المفاهيم الثقافية والاجتماعية العامة عبر أعمال فنية لفنانين راسخين أو معروفين. يبدو النظام غير مهتم على الإطلاق بدور الفن في إحكام قبضته السياسية، إلا بالقدر الذي يخدم فيه الفن أنشطة إعلامية سريعة التحضير، تحمل رسائل سياسية مباشرة وجسورة، لشيطنة كل أعداء النظام. على مستوى العمل الثقافي المستقل، لم يعد الهامش الذي كان النظام يفسحه للمؤسسات المستقلة وفنانيها موجوداً، وما تبقى منها هو في حالة احتضار طويل. العداء الأكبر هو تجاه المؤسسات والمجموعات الثقافية والفنية التي لعبت دوراً علنياً مؤيداً لثورة يناير، إذ لم يعد ممكناً لهؤلاء ممارسة العمل الثقافي أو الفني على الإطلاق.

لا أعرف ما هو مستقبل العمل الثقافي في مصر، المستقلّ أو حتى الحكومي، إذ أن هذا المستقبل مرهون بالشرط السياسي الذي يبدو مجهولاً ومنذراً بالسوء.

بعد أن أدرتِ مؤسسة المورد الثقافي لوقت طويل، تشغلين اليوم منصب مديرة مؤسسة «العمل للأمل»، كيف تُقيّمين عمل هذه المؤسسة بعد مرور سنوات على تأسيسها، لا سيما أنها تمكنت من تكوين أطر ثقافية في مجتمعات اللاجئين، وأنتجت العديد من الأعمال الثقافية والفنية؟

المؤسسة بدأت عملها في مارس 2015 أي أنها لم تكمل خمس سنوات بعد، وبالتالي من الصعب تقييم عملها. هناك مؤشرات على نجاح في خلق نماذج للعمل الثقافي على الأرض ضمن مجتمعات اللاجئين، يمكن للآخرين الاستفادة منها، ولكن هذا لن يحدث قبل أن تقوم المؤسسة بتوثيق هذه النماذج وإيجاد آليات لتعديلها وتطبيقها في أماكن أخرى، وهو ما بدأنا في عمله هذا العام. من ناحية أخرى، نحن مهمومون بالتغيير الاجتماعي وبقضية «التأثير» فيه، ويزداد اقتناعنا بأن قدرة الفن على التأثير في عمليات التغيير الاجتماعي مرتبطة بأن يكون لدى الفنانين والناشطين الثقافيين نظرة واسعة خارج حدود المجال الفني، تشمل كل ما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي، وتبتعد عن القطبية التقليدية بين «وظيفية الفن» و«الفن للفن». من ناحية الأنشطة، بدأنا العمل في هذا الاتجاه بإطلاق مبادرة جديدة في نهاية العام الماضي هي «مساحات الأمل»، أي تلك المساحات الخالية بين مجالات العمل المدني التقليدي، وشكلنا شبكة صغيرة من منظمات المجتمع المدني لبحث ونقاش إمكانيات التعاون خارج حدود مجالات تخصص كل منظمة.

تعمل مؤسسة «العمل للأمل»، بالإضافة إلى عملها في لبنان، في كل من الأردن والعراق مؤخراً، لكن يبقى للبنان النصيب الأوفر من عمل المؤسسة. لماذا كان اختيارك لموقع المؤسسة في لبنان، وكيف تُقيّمين العمل المؤسساتي فيها اليوم؟ وما هي مخاطره وتحدياته؟

العمل للأمل مؤسسة دولية مسجلة في بلجيكا، ونعمل في لبنان والأردن والعراق، عبر إجراءات قانونية تناسب كل بلد. على الرغم من كل التحديات، يظل لبنان في المنطقة البلد الذي يتمتع فيه الناس بالقدر الأكبر من الحريات المدنية، خاصة للمشتغلين بالثقافة والفنون، وتتيح القوانين فيه حرية نسبية لمنظمات المجتمع المدني. التحدي الأكبر الذي نواجهه هو حملات الكراهية ضد غير اللبنانيين، بالذات السوريين والفلسطينيين، والتي تروج لقدر هائل من الأكاذيب ضدهم، وتؤدي إلى تجييش الشعور العام نحو تبرير أي اضطهاد لهم، وينتج عنها تصاعد محاولات هؤلاء الخروج من لبنان بأي شكل. لو استمر هذا الوضع فسيؤدي بالطبع إلى تقلّص عمل منظمات المجتمع المدني التي تستهدف اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، ربما لصالح العمل معهم في بلدان أخرى. نحن، بشكل استراتيجي، ومنذ البداية، نستهدف المجتمعات المأزومة في المنطقة بشكل عام، وتركيزنا على العمل مع اللاجئين السوريين يأتي من الحجم المرعب لمأساتهم، ولكننا نخطط لاستمرار العمل معهم في بلدان أخرى، بالإضافة إلى توسيع عملنا في الأردن والعراق، واستكشاف آفاق العمل في السودان واليمن وليبيا. لا نسعى إلى العمل على الأرض بالطريقة نفسها التي نعمل بها في لبنان، لأن هدفنا كان خلق واختبار نماذج العمل، وإنما إلى دعم الكوادر والمبادرات في هذه البلدان وتمكينهم من استخدام النماذج التي خلقناها بالطريقة المناسبة لهم.

منذ اندلاع الثورة السورية، ثم نزوح الملايين خارج سورية، بدأ نشاط الدعم النفسي والدعم الاجتماعي عبر الفنون للاجئين السوريين، وذلك من خلال العديد من المراكز والمؤسسات المدنية، بيد أن بعض النتاجات الفنية من هذا السياق انتفت فيها المنفعة الاجتماعية والنفسية للاجئين المشاركين. برأيك، وكون برامج «العمل للأمل» تتوجه بجلّها إلى السوريين، ما هي النتائج المرجوة من أعمال كهذا مع اللاجئين ومنكوبي الحروب؟ بعبارة أخرى، كيف تحقق المؤسسات هدفها بالإغاثة الثقافية والمقاومة عبر الثقافة؟

هذا سؤال صعب جداً. لا يمكنني الحكم جيداً على أنشطة «الدعم النفسي الاجتماعي» لأنها تقع خارج نطاق خبرتي الشخصية وخبرتنا المؤسسية ككل. أحد الافتراضات الهامة التي نبني عليها عملنا هي أن ظروف الحرب والتهجير المأساوية تخلق فرصاً استثنائية لكي يكون العمل الثقافي جزءاً من إعادة التكوين الاجتماعي للناس في ظروفهم الجديدة. قد يكون صعباً جداً إقناع الناس الذين يعيشون منذ مئات السنين في قرى أو أحياء مستقرة ومنغلقة بأن الفن هام ومفيد، ولكن هذا ممكن عندما تتخلخل العلاقات الاجتماعية المحافظة والمستقرة بسبب الحرب والتهجير. قد يبدو هذا للبعض نوعاً من الانتهازية، ولكن يجب ألا ننسى افتراضاً هاماً آخر ينبني عليه عملنا، وهو أن أحد الدعامات الأساسية لأنظمة القمع التي تقتل الناس وتتسبب في تهجيرهم هي غياب الحيوية والحرية التي يحدثها العمل الثقافي في المجتمع، وبالتالي فنحن نسعى إلى ألّا يستمر هذا الغياب، وألّا يتكرر.

ساهمتِ في تأسيس مؤسسة المورد الثقافي (2003) والصندوق العربي للثقافة والفنون (2007)، كما ساهم برنامج «عبّارة» الذي أسستِه في المورد بدعم العديد من المؤسسات والمجموعات الثقافية المستقلة. كيف تنظرين إلى عمل هذه المؤسسات اليوم، وما هو المطلوب منها لتبقى قادرة على تكوين مجال ثقافي مستقل في المجتمعات العربية؟

دائماً أجد نفسي موزعةً بين قناعتين: الأولى هي أن أي تغيير ثقافي أو اجتماعي أو سياسي يتطلب هياكل مؤسسية منظمة تضمن حداً معقولاً من الثبات والاستقرار والدفع المتواصل؛ والثانية هي أن ظروف المنطقة العاصفة تتطلب قدراً كبيراً من المرونة والتحايل والمبادرات السريعة التي لا يمكن لمؤسسات مستقرة أن تقوم بها. أعتقد أن مزيجاً ما بين الحالتين مطلوب بدرجات متفاوتة حسب كل بلد. مؤسستا المورد الثقافي والصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) هما بالتأكيد الرافعتان الرئيسيتان للعمل الثقافي المستقلّ في المنطقة العربية، ولكن وضع مؤسسات «عبّارة» وغيرها مختلف، إذ أن كثيراً منها استفاد من ظروف التغيّر السياسي الصعبة واكتسب قدراً أكبر من المرونة وحرية الحركة.  المؤسف هو توقف بعضها عن العمل في ليبيا واليمن ومصر بسبب الأوضاع الصعبة جداً في هذه البلدان، ولكن ربما تأتي لحظة مناسبة لعودتها إلى العمل بخبرة وروح جديدة.