العنف والذاتية والذاكرة: كتاب سلوى اسماعيل عن سورية

 

حكم العنف: الذاتية، الذاكرة والحكومة في سورية قد يكون أول كتاب عن سورية يتناول تشكّل ذاتية السوريين وذاكرتهم بحاكمية العنف الذي صاغ عالمهم طوال نحو نصف قرن من الحقبة الأسدية. سلوى اسماعيل، مؤلفة الكتاب الذي نُشر بالانكليزية، قبل شهور أستاذة في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) في لندن، مصرية الأصل وتتكلم العربية. وقد استندت في كتابها إلى معايشة حية في سورية التي أقامت فيها قبيل بداية الثورة ولأشهر بعدها، وكانت قضت أشهراً فيها من قبل بين عامي 2004 و2005.

وقبل أي تناول لمضمونه، للكتاب ميزة أولية كبيرة: لقد استند بقدر واسع إلى أقوال وكتابات سوريين، من عموم الناس ومن روائيين وكتّاب ومعتقلين سابقين، يجمعهم أنهم تناولوا بصور مختلفة حكم العنف، مستندين بدورهم إلى تجارب مباشرة. سلوى اسماعيل تحيط بكتابات السجن السورية بقدر لا مثيل له بحدود ما أعرف. وفي اعتماد الكتاب على شهادات (منها ما حصلت عليه المؤلفة عبر مقابلات شخصية) وكتابات سوريين ما يجعله مختلفاً عن كتابات خبراء واختصاصيين غربيين، حين يكونون متمكنين من إجرائيات البحث العلمي، وليس الحال كذلك دوماً، قلما يحيطون بالطبقات والطيات التاريخية والرمزية والاصطلاحية والنفسية للظواهر التي يدرسونها. اسماعيل تحيل في مرات قليلة إلى مثل هؤلاء الخبراء، ورأيي أن إحالاتها هذه ليست قيمة مضافة إلى بحثها. ولا يشمل هذا الحكم منظّرين وفلاسفة حول العنف والقتل والدولة مثل فوكو وممبه وأغامبن وآخرين استعانت المؤلفة بأفكارهم النافذة واستعارت أدوات تحليلية منهم؛ أتكلم فقط على أكاديميين وصحفيين «مختصين» في الشأن السوري.

في إطار التعريف بإشكالية بحثها، تقول المؤلفة: «في هذا البحث، أقارب العنف في سورية بوصفه صيغة للحكم، ترتب وتهيكل العلاقات بين النظام والمواطنين». فالكتاب «معني بتناول أجهزة العنف الحكومي وآلياته وممارساته، وبالمفردات التي عبرت عن تشكيل العنف للحياة السياسية في سورية». تبرز اسماعيل شكلين أساسيين للعنف: المجزرة والاعتقال السياسي، وتركيزها ينصب على مجزرة حماه التي تقول إنها تشغل في «المتخيل [الاجتماعي السوري] موقع ما لا يُقال، الموقع الذي يثير الصمت والمنازعة»، وأنها، ومعها السجن السياسي، «مساحة لفك وإعادة تركيب الذاتيات السياسية» في البلد. «بنيوياً وعملانياً، السجن السياسي هو استمرار للكيان السياسي: يضبط ويعيد تركيب العنيدين من الأشخاص، وهذا بينما يحقق طيفه [أو صورته الذهنية] غايات تعليمية [أو تأديبية] تطال عموم السكان». وعلى هذا النحو فإن العنف كصيغة حكم وعلاقة بين النظام والمجتمع من جهة، ثم المجزرة والاعتقال كتكنولوجيّتَي سلطة مطبقتين على السكان من جهة ثانية، تقومان على تغذية انقسام ثنائي في الجسم الاجتماعي: انقسام بين «نحن» و«هم». وإذ يربط الكتاب بين حال الاستثناء وتقديس حافظ الأسد ونظام الحرب الأهلية المستمرة وبين الانقسام «نحن» و«هم»، يظهر هذا الانقسام كإنتاج سياسي يضع من يوالون النظام قبالة وضد من يعترضون أو يُشك باعتراضهم عليه.

ويبرز حكم العنف الممارسات العنيفة المتمركزة حول الجسد، التي تستهدف «قلب الشخص على نفسه بمعنيين: جحدان قناعاته/ـا السياسية، وتحويله/ـا بالقوة إلى لا إنسان». وتقترح اسماعيل تأويلاً إضافياً للتعذيب يعمل على «حس الذات لدى المعتقلة» ويعوّل على «نفي» هذا الحس، أو نفي الذاتية.

يخصص الكتاب صفحات طويلة على تجربة الذل، وتستحضر المؤلفة مراراً تعبيراً سمعته من بعض من استمعت لهم: إحنا عشنا الذل! ولا يقتصر الذل على الإذلال ونزع الذاتية تحت التعذيب، بل تشارك فيها آليات اقتصادية واجتماعية يتشابك فيها الفساد والأمننة (إضفاء الصفة الأمنية على العلاقات بين النظام والسكان) والمحسوبية أو الاستزلام. عبارات مثل زلمة فلان أو محسوب على أو مدعوم أو من جماعة فلان... تظهر وجهاً من تشكل الذاتيات يتلاقى فيه السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي. وما يستخلص من دراسة الاقتصاد السياسي للتذويت ودوره، معززاً بالبعد الهوياتي، في صنع ذوات مستزلمة، هو أن «ممارسات النظام في التقريب والإقصاء تعزز التمايزات الجهوية والطائفية وتُسيّسها». وأنه عبر هذه الممارسات «تجد استقطابات المجتمع وانقساماته لغة هوياتية تعبّر عنها». وهذا واضح بحسب اسماعيل في طريقة «إدماج المهاجرين الريفيين» في كل من «الحيزات المدينية وسوق العمل وأجهزة الإكراه». تناولت مؤلفة حكم العنف مثالين بخصوص الإسكان: المزة 86 والقابون، وأظهرت اختلاف طرق «الإدماج» باختلاف المنابت الأهلية.  

يركز قسم ثان من الكتاب على الذاكرة، تذكّر حماة بوجه خاص، وتعمل على رسم ملامح إطارين للمعنى يتنازعان استذكار المذبحة. يمتزج في أولهما تقلقل الكيان مع الذل (كلمة abjection الإنكليزية تتضمن الشعور بالذل والقنوط والتدهور)، وتقول المؤلفة إنه يصف العمليات الاجتماعية التي تحط من شأن الأشخاص وتظهرهم معدومي القيمة والاعتبار؛ أما إطار المعنى الثاني فهو «الخلاص الوطني» الذي ينسب إلى المذبحة دور التخلص من خطر على النسيج الوطني مثّله وقتها الإخوان المسلمون، وعلاجاً لهشاشة هذا النسيج. وتعتني اسماعيل في فصل آخر بما تسميه «عواطفيات الحكم» أو أوجهه الانفعالية والعاطفية أثناء الثورة السورية، وتحديداً ما يتصل بالهلع وبالتوجس أو القلق الغامض مما نعرفه ولا نعرفه في آن، وهذا في إطار النظر في العنف كأداء، أي كمشهد يخاطب عموماً مشاهداً، ويستهدفه بالترويع أو التشويش. تحلل المؤلفة بإسهاب تمثيل النظام لمجازر مثل الحولة والبيضا واجتهاده في بث الالتباس بشأنها، وتتناول واقعة زينب الحصني الشهيرة التي قيل لأمها أن تستلم جسدها المقطع من مشفى في حمص قبل أن يعرضها تلفزيون النظام على شاشته، وتنقلب على يديه من ضحية لعنف نظام الحرب الأهلية إلى ضحية لتحكم إخوتها الذكور.

كتاب سلوى اسماعيل لا يشبه غيره مما كتب عن سورية بعد الثورة، لا من حيث إطار الإحالة الخاص به، ولا من حيث أدواته المفهومية، ولا من حيث انحياز المؤلفة الأخلاقي ضد «نظام الحرب الأهلية».     

لديّ مع ذلك بضع ملاحظات على الكتاب.

أولها أن تقصي العنف في الحياة اليومية للسوريين في سنوات الحكم الأسدي كان يمكن أن يغني ثنائية المجزرة والاعتقال السياسي بألوان وتفاصيل حية. الواقع أن هذا الموضوع ليس غائباً عن الكتاب، واسماعيل تذكر أمثلة متعددة عن اعتداءات يتعرض له سوريون على يد أجهزة الأمن علناً وفي الشارع (ص 118 مثلاً). لكن بقي الأمر في تقديري غير ممتزج كفاية بإشكالية الكتاب. في «سورية الأسد» ليس مقياس «حكم العنف» هو عدد المعتقلين السياسيين في أي وقت (ترد معطيات عن عدد المعتقلين في الصفحة 38)، ولا حتى عدد المجازر وعدد ضحايا كل منها، بل عدد من خبروا «تجارب أمنية» متنوعة، من الاستدعاءات المقلقة إلى الاعتداءات في الشارع، ومن كتابة التقارير إلى طلب الموافقة الأمنية على عرس أو بناء غرفة إضافية، ومن زيارة عنصر المخابرات إلى السنوات الطويلة في السجن، وهذا العدد يشمل جميع السوريين البالغين تقريباً، بمن فيهم الموالين للنظام. والتجربة منتهِكة دوماً، مذلة دوماً، تثير في النفس شعورا بالخوف والكره، يتواتر أن ينقلب ضد الذات العاجزة، مولداً الـabjection). القصد أن مساحة التّماس بين المجتمع المنتهك والنظام المعتدي واسعة جداً وعميقة وطوال جيلين، أننا حيال مجتمع منزوع الاجتماعية بعمق بقدر ما إننا حيال أفراد منزوعي الذاتية عبر إذلال تعذيبي ومعاشي مديد وأشكال متنوعة من التمييز والتيئيس.

وتقاطع هذا التكوين النازع للاجتماعية مع التكوين الطائفي لأجهزة أمن النظام (وهو عنصر لا يغيب عن تناول سلوى اسماعيل في الكتاب) ومع «سياسة الأبد»، يسوغ الكلام على دولة إبادة، وليس على نظام تسلطي دكتاتوري على ما ذكرتْ (الصفحة 100). حين يكون الجميع «تحت الطلب»، والمؤلفة تورد التعبير بالعربية، فإننا حيال إبادة سياسية، نعلم بعد ذلك أنها انقلبت مرتين خلال جيلين إلى إبادة فيزيائية نشطة واسعة النطاق. ليس هذا لوماً للمؤلفة على ما لم يأخذ بالظهور الواضح إلا بعد الثورة، لكن تحليلاتها، وكلامها على نظام حرب أهلية، تستقيم بقدر أكبر إن جرى الكلام على دولة إبادة بدل نظام دكتاتوري أو تسلطي. رأينا أمثال هذا الأخير في مصر مبارك وتونس بن علي، ولا يقارن النظامان كمياً ولا نوعياً بالحكم الأسدي.     

وبينما أعطت الكلمات والعبارات التي أوردت المؤلفة صيغها العربية بالحرف اللاتيني حساً بالمعيش السوري وتمثيل السوريين لخبراتهم النازعة للذاتية، فإن المرء كان يتمنى أن يرى في كتاب عن الذاتية والذاكرة وعلاقتهما بالحكم تعابير مثل «الشرطي الداخلي» و«جدار الخوف» و«السجن الكبير» في تعابير سوريين عن بلدهم وعن أنفسهم، وكذلك تعابير كارهة للذات مثل «نحن شعب ما بيفهم»، «هذا شعب بدو صرامي»...، وشبيهات كثيرات له تستبطن تجربة الإذلال وتخلخل الذات والإبادة الأخلاقية المديدة.

أعتقد كذلك أن الكتاب افتقر إلى فصل عن المقاومات التي تشير اسماعيل في فقرة ختامية أنها وُجِدت قبل الثورة بطرق استثنائية وغير متوقعة. المؤلفة تملك العدة الكافية للكلام على المقاومة بالتذكّر، بمحاولة امتلاك الكلام والاجتماع، بأنشطة احتجاجية متناثرة، وبالتديّن في رأيي.

هذا كتاب جدير بأن يترجم إلى العربية بأسرع وقت، وإن تكن ترجمته غير سهلة فيما أقدر. وليس أقل فوائده في سياق تناول «أطر المعنى» المتكونة حول تجربة الثورة اليوم أن سلوى اسماعيل توفر، عبر مفهوم الذاتية وتشكلها بتجارب راضة أو مهينة، شرحاً مقنعاً ومتمفصلاً مع المعاش الراهن لما ينقلب عند تيار ثقافوي كان نشطاً قبل الثورة، ويشجع نفسه اليوم أكثر وأكثر على الانبعاث بعد تعثرها الكبير، إلى شيء قارٍ في النفوس أو متأصل في الذهنيات أو مورث من ماضٍ أقدم. مفهوم الذاتية الذي يتسع تداوله في العلوم الاجتماعية يوفر إضاءة للتشكل السياسي للذاتيات هي ما يجنح إلى طمسها تناول غير نقدي لمفهوم الهوية. عبر دراسة ما قد يمكن تسميته نمط إنتاج الذاتيات، يوفر كتاب حكم العنف ترياقاً بالغ الفاعلية ضد القلب الإيديولوجي الذي يفسر السياسة بالهويات والأصول، ويزود القارئ المعني بالذهاب إلى ما وراء الظاهر بأدوات تحليلية قديرة.

في سطور مؤثرة في ختام كتابها، تذكر اسماعيل قصة لمى، امرأة سورية في الثامنة والثلاثين من القْصير، تقيم لاجئة في مسكن «على العظم» في شتورا في لبنان. تتكلم لمى بحزن عما خسرته من بيت وعمل ووسائل راحة، هي وأسرتها، ثم فجأة تخرج من قلبها عبارة: «لكن ثورتنا جميلة!» لقد نهضت هي ومواطنيها، تقول المؤلفة مستندة إلى شهادة لمى، مناصَرةً لدرعا وأهلها، وما كانوا في نظر اللاجئة السورية ليعدون من البشر لو لم يفعلوا. جمالية التمرد على الذل ونظامه، والوقوف إلى جانب أشباهنا وشركائنا في التجارب، هي ما تبقى في رفقة سوريين لا يُعدّون، بعد كل ما تعرضت له حيواتهم من تحطم ورغماً عنه.