العودة إلى الشعبة الأولى

 

فجأة اقتحمت الصف قبل بداية الدرس، وجلست إلى جانبي في مقعدي الصغير، لفّت ذراعها حول عنقي وغرست أصابعها بين خصل شعري وهمست في أذني: «أودّ ياقمري لو تتفهم ما سأقوله لك... سأنقلك الآن للشعبة الثانية، هناك أستاذة أفضل وهي صديقتي، ستهتم بك كثيراً».

رفعتُ يدها من على عنقي وأجبتها بصرامة: «لا... أودّ البقاء هنا في شعبتي». حينها كنتُ أفكر بمقعدي الصغير الذي اخترته بعناية، وبأصدقائي الجدد ابراهيم وياسمين ونسرين.

لم تُجب وقتها، بل سحبتني من ياقة صدريتي البنية كغنمة طوال الممر، وبينما كنتُ مغشياً من العويل والولولة، كانت تردد: «يا حبيبي يا حبيبي... كل هذا لمصلحتك، ستعرف مع الأيام لماذا اخترت لك ذلك».

لم أكن أعي ما تقوله، كنتُ أدفع بنفسي بعكس الاتجاه طوال الطريق إلى الشعبة الثانية، وأصدقائي القدامى يراقبونني بحسرة من عند باب صفي القديم، بينما أُسحَب على مرآهم من أطرافي كبهيمة إلى الشعبة الثانية في الصف الأول الابتدائي. وقتها كان عمري ست سنوات، أما تلك السيدة فقد كانت أختي التي تكبرني بسبع عشرة سنة، كانت تعمل مُدرّسة للصف الرابع الابتدائي. وقتها دخلتُ الشعبة الثانية بفم مرتجف، أشهق آخر الشهقات من أنفي بنغمة متصلة لأمنع مخاطي من السيلان، وأول ما فُتح باب الشعبة الثانية، رأيت تلاميذاً جدداً أمامي منتظمين في مقاعدهم، لايصدرون أي صوت، نظروا إلي بشفقة، وكأنهم تعاطفوا معي، وأثارهم شكل ياقتي المتكورة خلف رقبتي في مكان قبضة يد أختي. وعلى مصطبة مرتفعة قليلاً عن مستوى أرض الصف، رأيت الأستاذة الجديدة، نظرت إليَّ بطرف عينيها بينما كانت تكتب شيئاً على السبورة الخضراء، ثم بعد أن انتهت تقدمت نحوي وسحبتني إلى مقعد أجلس فيه، وطلبت مني أن أُخرج كتاب القراءة وأفتحه على الصفحة الثالثة.

*****

الحقيقة أنني لا أدخن السجائر ولا النرجيلة، وأتحفّظ عادة أمام الأصدقاء الجدد عن ذكر أنني لا أشرب القهوة، كما لم أكشف إلى الآن عن أنني أمثّلُ رغبتي بشربها أثناء زياراتي العائلية، كي لا أُسبِّبَ لهم حرجاً  فيحارون في ضيافتي، فالقهوة كما تعلمون هي المشروب المتعارف عليه في الضيافات الاجتماعية في منطقتنا.

حينما أُجبَر على زيارة من هذا النوع، دائماً ما أراقب فناجين الآخرين، لأعرف المدة الزمنية اللازمة لإنهاء فنجاني، فأحاول أن أبدأ معهم وأن أنتهي معهم كي لا أُثير شكوكهم حولي. ومرة من المرات شعرت بالحرج عندما كنت في جلسة عائلية، وأنهيت فنجاني على عجل على مبدأ «عليك وعليك»؛ لم أكن متناغماً أبداً، وخانني التوقع عندما رأيت جلَّ من حولي لم يرشفوا إلا رشفة واحدة أو رشفتين من فناجينهم... على أي حال لم تكن هذه أسوأ مواقفي في شرب القهوة، بل تكون عادة عندما تنتابني رغبة جامحة بأن أكسر هذا الإيتيكيت الرتيب، وأن أشرب كوبين من الماء بعد كل فنجان قهوة لأزيل طعم المرار من فمي وأنظّف حلقي من الطحل المترسب في أعلاه، أخبرتني أمي مراراً، إياك... إياك أن تشرب الماء بعد القهوة...«بعدين بيقولوا القهوة ماعجبتو...».

ولا غرابة في أن أقول لكم إن مكاني المفضل في الإسكندرية هو ستاربكس في فندق سان ستيفانو، فرغم أن هذا المكان لايبيع سوى القهوة، إلا أن أجمل لحظاتي قضيتها فيه، ويمكن الحديث أيضاً بهذا الصدد عن مطعمي المفضل في الإسكندرية، النادي اليوناني الذي أهوى الذهاب إليه لرؤية مشهد السفن الراسية أمامه، وتفحّص طاقم الخدم وطريقة تقديمهم للوجبات، أما الوجبات ذاتها فلا أهتم بها كثيراً، وعادة ما أطلب شيئاً كي يسمحوا لي بالجلوس وحجز مكان ليس أكثر، ولكن زبائنهم يقولون إن طعامه لذيذ، وأنه أفضل من يُحضّر أطباق السمك في المدينة.

*****

وبالحديث عن التدخين... عندما أخرج مع أصدقائي ليلاً، دائماً ما تفضي مشاريعنا إلى مشروع ثابت، الذهاب إلى«الكافيه» وشرب النرجيلة، ودائماً ما أحترم، أو أدعي الاحترام، لأول نصف ساعة من جلوسنا، التي يتم فيها طلب النرجيلة والحديث عن أنواع المعسل وجودته بين هذا المقهى وذاك... إلخ. كما أودّ أن أعلمكم أن روائح النرجيلة تبدو لي ألطف من روائح التبغ، ولهذا قد أبدو سعيداً عندما أرى النرجيلات حولي، والحقيقة أنه دائماً ما يصرّ بعض الأصدقاء على أن أدخن بعض السجائر على مبدأ المشاركة، فيلحون بتضييفي سيجارة أو سيجارتين. وعندما أقبل بذلك، كثيراً ما أحاول أن تبدو انفعالاتي طبيعية أثناء استنشاق النيكوتين، ذلك بالإضافة إلى تساؤلاتي المتكررة حول المتعة التي يمكن أن أحصل عليها من إدخال دخان إلى صدري وإخراجه، والصورة التي أتخيلها حول تحول جهازي التنفسي إلى مدخنة أثناء شربي لسيجارة.

ذات مرة دعاني الأصدقاء ذاتهم في الثالثة ليلاً إلى سهرة في فندق نوفتيل على طريق أكتوبر في القاهرة، فوافقت وتوجهت معهم إلى بار الفندق. طلبوا مشاريبهم الكحولية، ولسخرية القدر لم يكن أمامي إلا الكحول أو القهوة لطلبها، فطلبت القهوة كونها أقرب إلى نفسي، ومعها كوبان من الماء استعداداً.

وقتها خطر في بالي سؤال بعد أن شربت قهوتي وغسلت فمي بكوبين من الماء؛ لماذا لم يُحرّم الله القهوة؟ فضحكوا بصوت عالٍ حتى أنهم ظنوا أن النادل أبدل فنجاني بنبيذ أحمر كي يغيظ تحفظي على شرب الكحوليات.

وحينما هدأ الجميع، وأطبق الصمت على أرجاء المكان، بعد أن غالب النعاس جميعنا وبتنا نسند وجوهنا على طاولة البار المرتفعة بعد أن ثقُلت رؤوسنا، وقد كنا الوحيدين في البار في ذاك الوقت المتأخر جداً في الساعة السادسة صباحاً؛ سألني أحدهم: «إن كنت لا تشرب الكحول ولا تستمتع بهذه القهوة التي بين يديك ولا تشرب النرجيلة ولا تدخن السجائر، ماذا بقي من متع الحياة؟ وبماذا ترغب إذن؟».

فكرتُ للحظة وأجبته وأنا مغمض العينين، وكأن النعاس أفقدني القدرة على التركيز، أو كأن شيئاً قد تم دسّه في القهوة فعلاً: «أودّ لو أنني أعود إلى الشعبة الأولى».

*****

تقول صديقتي إن «قويدر» هو أفضل من يبيع الآيس كريم في القاهرة، وتتحدث عن «قويدر مندرين» في حي الزمالك بالتحديد على أنه يبيع ألذّ آيس كريم في القاهرة كلّها، ويمكن القول فعلاًإن صاحب محل «قويدر مندرين» وعمّاله باتوا يعرفوننا جيداً، وربما حفظوا أسماءنا.

كالعادة، عندما نكون في حي الزمالك، نستغلّ قربنا من المحلّ ونذهب لنطلب «بولتين» (كرتين) من الآيس كريم. كانت صديقتي دائماً ما تحدثني عن الخيارات التي تتمنى وجودها أثناء توجهنا للمحلّ، فهي تحب طعمي التوت والمانجو، ودائماً ما تود لو أنها تخترع «بولة» جديدة، فتضيف في كل مرة للتوت نكهات جديدة.

عندما وصلنا إلى «قويدر مندرين» طلبت صديقتي بولتي التوت والمانجو، وعندما سألني صاحب المحل عن نكهتي المفضلة للبولتين، طلبتُ منه أن يعطيني كالذي اختارته صديقتي. بعد أن اشترينا الآيس كريم، توقفت صديقتي لبرهة والتفتت نحوي بينما كنا سائرين في الشارع، توجهت إليّ بسؤال وكأنه خطر على بالها للتو: «لماذا طلبت نوعي المفضل من الآيس الكريم؟ بل لماذا دائماً تطلب ما أطلبه عادة؟ البولة نفسها والنكهة نفسها».

لم يكن لدي جوابٌ مقنعٌ حينها، لأنني أحب الآيس كريم فعلاً فهو ليس كالدخان أو القهوة مثلاً، ولا أشتريه إرضاءً لأحد، لكنني جاوبتها حينها بأنني اعتبر الآيس كريم أداة، ولكن غايتي ولحظتي التي أعيشها معها هي مرادي الأول.

*****

في الساعة الثالثة ليلاً، بعد أن نستغرق ساعتين أنا وصديقتي في تلخيص ما فعلناه خلال اليوم، تأتي تلك الأسئلة الجدية على شكل هلوسة لتنهي حديثنا بقلق يرافق كل واحد منا حتى الصباح، تسأل بصوت يرافقه خنخنة الإغفاء بينما هي نصف نائمة:

- هل ستبقى تتواصل معي بعد سفرك؟

- نعم...

- كيف؟...

- على فيسبوك.

- لكنك دائماً ماتطلب أن نلتقي، وتستنكر تواصلنا على الفيسبوك. ألا تذكر جملتك الشهير،  أن «الفيسبوك ليس اتصالاً، بل هو ادعاءٌ بالاتصال».

- لا... الأمر سيكون مختلفاً معك.

- لا... لا أظنه كذلك؟

- لماذا؟

- لأنك تحب كطفل صغير في براءته، وأظنّ أن مشاعرك التي تأسرني بها ربما ستقتلني يوماً ما. أنت تحب حتى آخر الأنفاس، وتقدّس أهواءك وأحاسيسك إلى درجة أنك تخاف أن تتفوق عليك في لحظة وأن تصير عبداً لها. هذا تحدٍّ كبير تعيشه، فأنت تصارع نفسك في أبسط الأشياء. هل تعرف لماذا ليس لديك بولة مفضلة؟ هل سألت نفسك؟ لأنك ببساطة تخشى أن تأسرك وأن تفقدها يوماً ما. ولهذا أنت تخاف مني بقدر تعلقك بي، وستفكر بقتلي عندما يحين لك فرصة يكون الموت فيها أخفَّ وطأة على كلينا، وسيكون سفرك هو الفرصة الذهبية لارتكاب تلك الجريمة.

*****

لا أملك سيارة في دبي بعد، ذات مرة احتجت لقضاء إحدى حاجاتي في المدينة فاصطحبتني فتاة بسياراتها. كنتُ قد عرفتها منذ بضعة أيام، وخلال مسيرنا مرت أمامنا سيارة فارهة، فأشارت إليها وقالت: هذه هي... هذه هي سيارتي المفضلة.

تأوهت وتمنّت لو تملك كثيراً من المال لتشتريها، وحكت لي خلال أكثر من ساعة عن أنواع السيارات والفروقات بين محركاتها. والحقيقة أنني دائماً ما أدعي الاهتمام بهذه الأمور، أو أجاري من يتحدث بها بابتسامة على أقل تقدير، ولكن هذه المرة، قرّرتُ أن أتوقف للحظة عن المجاراة... عن التمثيل... عن الادعاء بأي شيء ليس حقيقياً؛ هل من المعقول أن أعيش حياتي كلها أُحابي الناس وأداري أحاديثهم؟ ماذا عن رغباتي؟ وهل لدي رغبات حقاً؟

قلتُ لها: لحظة لحظة... أنا آسف لمقاطعتك، لكن حقيقة الأمر أني لا أكترث أبداً بالحديث عن السيارات، ولستُ متشوقاً أبداً لأن أمتلك واحدة منها، ولولا إدراكي أن الشمس ستذيب رأسي في فصل الصيف، لاخترتُ التنقل بالمواصلات. هذا ما أشعر به تجاه كل أنواع الترفيه والحداثة، التي يسعى لامتلاكها كثيرون كي تحقّق السعادة لهم.

أتمنى أحياناً أن تكون إحدى هذه الأشياء من أسباب سعادتي، أو هدفاً من أهدافي، لكنتُ وجدتها بسهولة، أو عرفتُ أين أبحث عنها، لكن الأمر ليس كذلك.

أتعلمين... قبل أن أغادر الاسكندرية بأيام أخبرتني صديقتي هناك بأنني لن أتواصل معها بعد سفري، وهذا ما حصل للأسف، كانت قد توقعت أن يكون ذلك، لأن ليس لدي «بولة آيس كريم» مفضلة. أنا أعلم أنك لا تعلمين شيئاً عن هذا الموضوع، ولكن باختصار هي ترى أنني أخشى أن أكون عبداً لشيء، وهذا ما لا أراه صحيحاً. وإذا كان إحساسها بأننا لن نتواصل قد صدق فعلاً، فذلك يعود لأسباب مختلفة.

في حقيقة الأمر أنا عبد لأشياء كثيرة غير مرئية، وهي لم تكن تراها، وهذه الأشياء الخفية غير المرئية هي التي سخّفت قيمة الأشياء في نظري، أشياء كالآيس الكريم والسيارات التي تحبينها وكل شيء محسوس مادي، أنا عبدٌ لكثير من الأفكار والأرواح التي تحكم أفعالي وأسلوبي في الحياة.

أنا أيضاً عبد لطبيعة علاقاتي مع الناس، وقد أفضل العزلة على لقاء يغلب عليه الاصطناع، فمع الأيام بتُّ لا أجبر نفسي على مدارة أحد ولو بكلمة، حتى ولو كان هذا ينافي منطق حياة البشر... منطق النفاق السائد، أنا ضد العلاقات الاجتماعية العشوائية بقصد المصلحة، ولست متحمساً لها، بل إنني أرفض أن أستمع لشخص أو موضوع لا يثيرني حقاً، وقد ويجعلني هذا الأمر أسير بقدم واحدة في هذه الحياة، وأقفز بحذر بين خطوط متصلة كلعبة الحجلة التي كنتُ ألعبها في الشعبة الأولى، وغادرتها عندما نقلتني أختي للشعبة الثانية.

*****

الحقيقة يا صديقتي أنني لست شخصاً سيكيوباتياً، كما أنني لا أشعر بالألم أو الحرمان لفقدي الإحساس بالأشياء المادية التي قد يشعر آخرون بالسوء عند فقدانها، أو ربما يخيل لهم ذلك، لأنهم يجدون السعادة في هذه الأشياء، كالشرب والأكل مثلاً. حتى أنهم، قد ينكرون عليَّ سويتي واتزاني، لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا سعادتي التي أشعر بها، أو أن يدركوها على أقل تقدير، ويظنون أن السعادة هي فقط في القدرة على استحواذ الأشياء المحسوسة.

وبالنسبة للآيس الكريم أظنك على حق، فلربما يكون اعتيادي على ترك الأشياء كي لا تستأثر بي قد أعطاني ميولاً مكتسباً فيما بعد بألا أسمح لشيء مادي أن يستحوذ على تفكيري، هو أشبه برفض العبودية المطلقة للأشياء وعبادتي المطلقة والصادقة لأشياء لا يمكن تعريفها، هي مجموعة من المشاعر والأحاسيس المعقدة.

أما فيما يخص سفري عنك وعن الإسكندرية، فهو شيء مختلف، ولكن يشبه إلى حد كبير ما حدث لي عندما كنت في الصف الأول الابتدائي، عندما سُحبت كغنمة إلى الشعبة الثانية، وقابلت هذا العالم الجديد. أما حالتي الآن عندما أرى صورك أو صور الإسكندرية، فهي تشبه إلى حد كبير تأوّه تلك الفتاة، وإن اختلفت القيمة بيننا، عندما رأت سيارة البورش، سيارتها المفضلة وقالت: «هذه هي... هذه هي».

كلانا لا يملك الخيار، ولكننا نستطيع التأوه على أقل تقدير.