العودة إلى قنديل

 

أفاد الكاتب والصحفي هوشنك أوسي، قبل عدّة أيام، أنّ مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، وبدعم وطلب أميركيين، اتخذ إجراءات أفضت إلى إخراج صبري أوك من سوريا. وأوك هو رجل حزب العمّال الكردستاني (PKK) الأهم في سوريا، ويؤكد أوسي، المطلع على التطورات الجارية ضمن حزب العمّال، أنّ إخراجه من سوريا جزء من عملية أوسع تهدف لتحييد قيادات العمّال الكردستاني عن مفاصل حيوية في إدارة الجزيرة السورية.

مصادر خاصة للجمهورية أكدت بدورها كلام أوسي، وقالت إنّ الأمر تمّ بطلب من الولايات المتحدة بناءً على ضغوط تركية، وإنّ هذه العملية جزء من إزاحة نفوذ العمّال الكردستاني والشخصيات المرتبطة به عن إدارة مفاصل الحياة في مناطق سيطرة قسد. وقد عاد هوشنك أوسي ليؤكد أنّ طلب الولايات المتحدة إخراج عناصر حزب العمّال الكردستاني كان بسبب مطالب تركية متكررة، وهو ما وافقت عليه واشنطن التي ربطت وجودها في سوريا بإخراج هذه الأسماء، حسب ما أكدت مصادر متطابقة.

عملية إخراج أوك من سوريا نحو قنديل لم تكن التحرك الوحيد في هذا الاتجاه خلال الفترة الماضية، إذ كان قد تمّ عزل علي شير، المسؤول عن مبيعات النفط والغاز، والمرتبط مباشرةً بحزب العمّال الكردستاني، من منصبه مع عدد من مساعديه، وهو ما وصفه أوسي بأنه جزء من عملية «إزالة دولة جميل بايك من روجافا». وأضاف المصدر الخاص الذي تحدثت إليه الجمهورية بأنّ توجه قسد لإبعاد شخصيات من العمّال الكردستاني، على رأسها صبري أوك، كان بطلب من موسكو أيضاً، التي تريد الحفاظ على الهدوء في مناطق انتشارها ضمن الجزيرة السورية.

وصبري أوك، الذي يدير استخبارات حزب العمّال الكردستاني، كان وما يزال الساعد الأيمن لجميل بايك، أحد مؤسسي حزب العمّال وأحد القيادات الرئيسية له. ويعرف عن بايك قربه من طهران، وهو ما قد يكون سبب طلب موسكو أيضاً إبعاد أوك عن سوريا وعودته إلى قنديل، خاصةً بعد التحرشات الإيرانية في عدد من المناطق الأخرى في سوريا مثل محافظة دير الزور، ذلك بالإضافة طبعاً إلى الضغوط التركية على كل القوى الدولية المتدخلة في سوريا بخصوص هذا الملف.

 تعود العلاقة المعقّدة والمتداخلة بين حزب العمّال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إلى تاريخ تأسيس الأخير عام 2003، من قبل عناصر فاعلة في حزب العمال من أصل سوري، ليكون فرعاً غير رسمي للعمّال الكردستاني في البلد. وقد عاش الحزب علاقة متقلبة مع النظام السوري، الذي قاد حملات اعتقال ضده ومن ثم سمح له بهامش من الحركة في المناطق الكردية. وتنتمي القيادات التي أسست لاحقاً وحدات حماية الشعب، والإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، لكنها لا تعترف بأي رابط رسمي بين تلك الهيئات والحزب، على الرغم من وجود عدد هائل من الأدلة على العكس، والتي تقود في النهاية إلى أن تكون تلك المؤسسات طوال السنوات الماضية مرتبطة بشدّة مع حزب العمّال الكردستاني.

وتسيطر اليوم على الجزيرة السورية عدد من القوى المحلية والدولية بشكل مباشر، إذ قامت تركيا العام الماضي بعملية عسكرية سيطرت من خلالها على المنطقة الممتدة بين مدينة رأس العين في محافظة الحسكة ومدينة تل أبيض شمال محافظة الرقة، وتسيطر قوات تابعة لأنقرة وقوات تركية على تلك المنطقة بشكل مباشر اليوم، فيما بدأ النفوذ والحضور الروسي مباشرةً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحابه من سوريا بالتوازي مع إعلان أنقرة بدء عمليتها تلك. وقد تراجعت الولايات المتحدة بعد ذلك عن قرارها بالانسحاب، وأعادت تموضع قواتها شرقي الجزيرة السورية، ما أتاح لموسكو توقيع اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية لبسط «حمايتها» على مناطق واسعة غربي الجزيرة على وجه الخصوص، مع حضور للقوات الروسية إلى جانب قوات النظام في شمال شرقيها بمحافظة الحسكة.

وتحتفظ القوات الأميركية بقواعدها في ريف دير الزور الشرقي، وشرقي وشمال شرقي الجزيرة السورية، متيحةً دعماً سياسياً وعسكرياً لقسد التي كانت تنفرد بالسيطرة العسكرية في المنطقة بعد القضاء على تنظيم داعش، وقبل العملية العسكرية التركية التي بدأت في شهر تشرين الأول من العام الماضي.

وكانت أنقرة قد بدأت عملياتها العسكرية ضد مناطق سيطرة قسد في عفرين أولاً، التي سيطرت عليها بالكامل وتخضع لنفوذ قوات سورية تتبع لها اليوم، ومن ثمّ المنطقة الممتدة بين رأس العين وتل أبيض، بحجة تبعية قسد لحزب العمّال الكردستاني، وهو ما تعتبره تركيا تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وقد أدت العمليات العسكرية التركية إلى تهجير واسع للمدنيين، وسيطرة فصائل عسكرية تقوم بارتكاب انتهاكات في مناطق سيطرتها، ضمن أوضاع شديدة السوء، وهو ما تحاول واشنطن على ما يبدو تفاديه مستقبلاً، الأمر الذي يفسر الضغط الشديد من قبلها على قيادات قسد السورية، وعلى رأسها مظلوم عبدي، لإخراج قيادات العمال الكردستاني من سوريا، بهدف تطبيق اتفاق يهدئ التوتر مع تركيا، التي طلبت إخراج ثلاثة آلاف قيادي وعنصر من العمّال الكردستاني لتجنب عمل عسكري جديد، وهي قائمة كانت قد قدمتها سابقاً قبل عمليتها في الجزيرة السورية حسب المصدر الذي تحدثت إليه الجمهورية.

تأتي هذه التحركات بالتوازي أيضاً مع طاولة حوار كردي-كردي بين حزب الاتحاد الديمقراطي وأحزاب المجلس الوطني الكردي، بهدف دعم استقرار منطقة التي تشهد تزاحماً للدوريات العسكرية الأجنبية على طرقاتها، كتكثيف للأوضاع القلقة التي تعيشها الجزيرة السورية خلال الفترة الماضية.

مصادر محلية، فضَّلت عدم الكشف عن هويتها، قالت للجمهورية إنّ ما أغضب الولايات المتحدة، هو التجاهل المستمر والاستخفاف الذي عبّرت عنه عناصر العمال الكردستاني بالحوار الكردي-الكردي الذي يجري بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا. وقد نُقِل عن مسؤولين في العمّال الكردستاني رفضهم التام للحوار ولأي مخرجات تنتج عنه. وفي هذا السياق، يتحدث نشطاء محليون عن قيام مجموعة تسمى الشبيبة الثورية «جوانن شورشگر - Ciwanên Şoreşger»، وهي مجموعة رديفة لحزب العمّال، بزيادة عمليات خطف الأطفال لتجنيدهم ضمن معسكرات الحزب في قنديل، بالإضافة إلى اعتداءاتها المتزايدة على السكان، وهو ما فُهم على أنه رسالة من حزب العمّال بأنهم القوة المسيطرة على الأرض، الأمر الذي كان القشة الأخيرة على ما يبدو في سلسلة تحمّل واشنطن لوجود وتحكم عناصر العمّال الكردستاني بالأوضاع في الجزيرة السورية.

ويبقى أن السؤال الأساسي الذي يواجه مثل تلك التحركات، هو قدرة القيادات السورية ضمن قسد على إبعاد أو تخفيض نفوذ حزب العمّال الكردستاني ضمن بنيتها العسكرية والأمنية والإدارية، وهي مهمة ليست بالسهلة أبداً، إذ يسيطر حزب العمّال على مفاصل حيوية للغاية في إدارة المنطقة، كما ترتبط به عناصر تمتلك نفوذاً واسعاً على كل مستويات السلطة في الجزيرة السورية، ما قد يمكِّنه من قلب الطاولة على الجميع، والمساهمة في فرط عقد تلك الإدارة إذا ما أراد، وهو ما تخشاه واشنطن بالتأكيد.

ليس من المتوقع أن تتجاوز تحركات التيار السوري في قسد مستوى التصعيد الحالي ضد حزب العمّال الكردستاني، الذي يشمل عمليات سرية لا تتضمن استفزازاً علنياً واسع النطاق لنفوذ حزب العمّال الطاغي في المنطقة، إلّا أن ما تحقّّقَ حتى اللحظة هام للغاية، وستكون له بالتأكيد تأثيرات واسعة، بينما سيكون التحدي الحقيقي هو قدرة الشخصيات السورية ضمن قوات سوريا الديمقراطية على فرض نفوذها التام في صراع القوى الذي يجري منذ فترة في الظل. وهو تحدٍ لا يمكن التأكد من نتائجه، إلّا أنه خطوة تأسيسية بالتأكيد للوصول إلى نقطة تلاقي مع القوى السياسية السورية الأخرى الكردية والعربية في منطقة الجزيرة أولاً، وكل سورياً لاحقاً، خطوة لا يمكن من دونها تجاوز أي من الملفات الضرورية لتحقيق استقرار مستدام.