العيش في جوار مركز أمني

 

على ديدن العديد من العائلات قاطني مدينة دمشق في مطلع الألفية الجديدة، باعت عائلتي المنزل عام 2009 وانتقلت للعيش في ضاحية سكنية حديثة خارج المدينة. لا أسواق هنا، ولا مراكز حكومية، ولا مؤسسات تتداخل مع المباني، بل منطقة سكنية بعيدة عن كل شيء، مملة وصامتة، تطل شرفاتها على الجرود والتلال وبعض المناطق والأحياء المنخفضة عنها من الجهة الشرقية وعلى جبال لبنان من جهة الغرب.

أحد أيام صيف 2020، خرجت بالصدفة إلى التلة المقابلة للمبنى الذي أقطنه، أحمل كاميرا فيديو صغيرة في يدي، إذ أردت التقاط مقطع فيديو قصير لشباك وشرفة منزلي. إلا أن عيني تنبهت بعد بضعة دقائق لطيف أسود يقف الى الجهة اليسرى منها، ولم أحرك رأسي باتجاه ذلك الطيف إلا بعد مرور عدة لحظات، وبشكل بطيء في محاولة فاشلة مني لتمثيل العفوية أو عدم الاكتراث. كان قد وقف على بعد أمتار مني، وقد كتّف يديه إلى صدره وباعد بين ساقيه محدقاً بي بذقن مرفوعة. وقفة ونظرة تشي بهويته، هو رمز وأنا الرمز الآخر المقابل، نحن نعرف بعضنا جيداً، ولطالما تقابل الرمزان ونظرا بوجه أحدهما الآخر وإن بوجوه مختلفة. أدركت في تلك اللحظة أن مركزاً أو نقطة أمنية لم تكن مرئية أو مدرَكة بالنسبة لي سابقاً، تعيش بالقرب مني. نظرنا إلى بعضنا وتحدثنا عن بعد بلغة غير محكية، إلا أنها مفهومة وواضحة تماما كلغة «صف عاليمين». في الحقيقة، هو من تحدث وأنا تلقيت الأوامر. والآن، أعرف أن عليّ خفض الكاميرا (حتى لو أن عدستها موجهة إلى حيز خاص) والخروج من الحيز العام والعودة إلى المنزل. نفذت الأوامر.

كان عليّ التفكير بأمني الشخصي الذي يهدده هذا العنصر الذي يحمل صفة «عنصر أمن»، القادر على الظهور في أي لحظة في أي مكان في هذا البلد ليقول لي أن لا مكان لي في الحيز العام الا إذا كنت أمارس فعل المرور فحسب. وهنا تلتبس المعاني، فتخدم الكلمة المعنى المضاد لمعناها الحرفي، بدون وعي مباشر بذلك، فنحن لا نزال حتى اليوم نطلق على هؤلاء اسم «الأمن» حتى أثناء أحاديثنا الخاصة وضمن ما نسميه مساحاتنا الآمنة، لكننا نقصد المعنى المضاد. كما أن استخدامنا هذا امتد خارج وطننا، وأضحت الشعوب المضيفة التي خرجنا إلى بلادها تعرف ماذا نعني عندما نتكلم عن «الأمن» في بلادنا.

قضيت الطفولة والشباب في أحد أحياء دمشق الشرقية، في حي مكتظ بالسكان ومرافق الحياة. وكان منزلي يقع على بعد ما يقارب 500 م من مركز أمن «الجوية»، إلا أن هذا المركز لم يحتل أي مساحة من الوعي لدي عندما كنت طفلة ومن ثم شابة صغيرة، وكأني لا أراه. تزامن تخرجي من الجامعة مع انتقالنا من الحي الى الريف الغربي لمدينة دمشق، حيث ضاحية سكنية تبعد ما يقارب 11 كم عن مركز المدينة.

أكتب «مركز المدينة» وأبتسم هازئة، فأنا ابنة مدينة دمشق ولم أع يوماً ما هو مركز المدينة هذا وأين يقع، ولطالما تجولت فيها كمراهقة وأنا أسأل نفسي أين هو هذا الـ«داون تاون»، المفردة التي استوردها أبناء وبنات جيلي من عواصم وعوالم أخرى أكثر انفتاحاً وحداثة؟ من المؤكد أن هذا المركز لم يكن في المدينة القديمة شرق دمشق، والتي كانت، ولا تزال، تتهالك وتتآكل وتغرق في ضوضاء المقاهي والفنادق دون أن نملك أي قدرة على حمايتها أو الاعتراض على استغلالها بشكل وقح بلا معايير سلامة أو تنظيم أو ترميم واضحة ومدروسة. كما لا يمكن أن يكون في حي المرجة، القديم المهمل الذي تسوده الفوضى، والذي كان المركز أيام الحكم العثماني. وكذلك ليس في الأحياء الغربية الحديثة التي نشأت على الضفة اليسرى لنهر بردى، إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا، كأحياء الصالحية والجسر الأبيض والشعلان والمالكي وأبو رمانة ومحيطها، والتي انتقلت إليها جميع المؤسسات الحكومية الهامة، إلى جانب المصارف والفنادق والمستشفيات والمقاهي، وجميع ما مثّل المدينة الحديثة آنذاك. كانت هذه الأحياء قد تشكلت وفق مخططات عمرانية وتنظيمية وضعتها حكومة الانتداب الفرنسي بما يتناسب مع المعايير الحديثة للحضارة العمرانية الغربية. ساحات كبيرة، تربط بين شوارع مستقيمة ومتعامدة، تُطل عليها المباني السكنية المتجانسة بنوافذها وشرفاتها، وهو الطابع المعاكس تماما للشكل العمراني الذي كان سائداً في الأحياء السورية القديمة، حيث لا نوافذ أو شرفات تدعو ساكني المنزل الى المشاركة في الحياة العامة أو النظر الى الخارج. أما اليوم فلا حضور فعّال لهذه الأحياء، وهي غالباً ذات طابع سكني قديم لم يطرأ عليه أيه تعديل أو تداخل حداثي، سوى بضعة مقاهي ومكاتب حُشرت هنا وهناك. فأين هو مركز المدينة في عصرنا هذا؟ 

بعد ثورة عام 2011 بدأت المراكز الأمنية تظهر في حيز الوعي لدي، وكأنها تقول لي: أنا المركز. بدأت أراها وأعيها وأسترجع جميع قصصها المرعبة التي سمعتها وقرأت عنها. بدأتْ هذه الكتل الاسمنتية الصماء فجأة بالتضخم والنمو بدون سيطرة، وكأنها خلية سرطانية آخذة في التمدد على مساحات واسعة من الحيز العام الذي لطالما شغلت أجزاء كبيرة وكثيرة منه بمكر وصمت وعملت على مصادرتها ومحوها من حيز الوعي. لكنها بدأت بعد عام 2011 بأكل المزيد من هذه المساحات بشكل فج وعلني، فقامت بإنشاء أسوار عالية من البْلوكات الإسمنتية الضخمة، كما نصبت العديد من الحواجز العسكرية على جميع المنافذ المؤدية إليها. وحوش نائمة استيقظت فجأة لتبتلعنا، وسرعان ما سنجد أنفسنا في مَعِدتها؛ مَعِدة مظلمة رطبة ذات رائحة كريهة تتفسخ فيها أجسادنا وتتعفن بصمت، فيما لو حاولنا اختراقها، مساءلتها، أو ردعها عن ابتلاع مساحاتنا العامة والتغلغل بين أنفاسنا.

يتحكم التنظيم المكاني والعمراني الذي تفرضه الحكومات في سلوك الناس بشكل مباشر وغير مباشر. فالتغلغل بين الناس، والتواجد بالقرب من أماكن سكنهم وعملهم، ومصادرة أجزاء من مساحاتهم العامة وتحويلها الى مساحات أمنية خاصة، مع ما تفرضه هذه الإجراءات من حراسة ومراقبة للحي وجمع لبيانات الناس بشكل دوري، تبدو حاجة ملحة لنظام أمني شمولي، حرص من خلال توزيع النقاط الأمنية ونشرها في الأحياء السكنية على إرباك وضبط سلوك السكان، وخلق شعور عميق لديهم بأن هناك من يستطيع معرفة ماذا يجري في أكثر أماكنهم خصوصية. يبدو أنه نجح نوعا ما، فأنا لا أذكر منذ متى بدأتُ أتصرف بانضباط كامل كما لو أني مراقبة من جميع الاتجاهات، لكني أعي تماماً أن هذا الشعور تنامى لدي في عمر صغير، وما زال معي حتى هذا اليوم. الطيف مقطِّب الجبين يعيش في تلافيف دماغي.

بينما أكتب هذا النص، أحاول قدر المستطاع استحضار الشكل المعماري لأحد هذه الأبنية، لكنها غير واضحة المعالم في مخيلتي. أخرج من منزلي قاصدة أحدها، أدور حولها في حذر، أدرك أني لم أجرؤ يوماً على رفع عيني إليها او التحديق فيها لوقت كافٍ. بناء عادي، ضخم، رمادي اللون، لا معالم محددة له، تمت إحاطته بعد ثورة عام 2011 بجدار عالي من الإسمنت المسلح، ثم وعلى بعد ما يقارب المترين المربعين من الجدار، والمأخوذة فعلياً من مساحة الشارع العام، قاموا بتسوير الجدار مستخدمين كتلاً إسمنتية ضخمة متراصفة على طول المساحة الخارجية للمبنى كاملاً. على هذا السور، تم تثبيت العديد من كاميرات المراقبة الموجَّهة بعدساتها في جميع الاتجاهات. وعلى طرفي المبنى الأمامي والخلفي، أقيم حاجزان عسكريان. كما أقيم عدد آخر من الحواجز العسكرية عند كل المنافذ المؤدية إلى الحي من الأحياء والمناطق الأخرى. قس على هذا المنوال جميع المراكز المنتشرة في أحياء المدينة، ما ظهر منها وما خفي، وما التبس بلباس آخر عن مهمته الحقيقية.

الفخ هو المصيدة في معجم اللغة العربية، وهي مفردة تصف شعوري تماماً تجاه هذه الأمكنة، فعندما أسير في المدينة ينتابني شعور بالخوف والتوتر منها، وكأنها أفخاخ تترصد الناس والمدينة.

الحياة اليومية في منطقة أمنية

تحدثني أحلام، 36 عاماً، فتقول: «لا أخطو خطوة واحدة خارج المنزل ما لم أكن قد جهزت قائمة الموسيقى الخاصة بي على هاتفي وتفقدت سماعات الأذن. غالباً ما أمشي على وقع الإيقاع الموسيقي السريع، بطاحش مطاحشة. طالما الموسيقى في أذني فأنا مسرورة ومتصالحة مع المدينة، أمشي في الأحياء وأحب كل الناس الذين أصادفهم، وقد أفتعل احتكاك كتفي بكتف أحد المارة، في محاولة مني للإحساس بوجود الآخرين والتواصل معهم في الحيز العام، ما يخرق إحساسي بالعزلة الاجتماعية التي أشعر بها».

تتابع أحلام: «في أحد أيام صيف 2019 كنت في أسوأ حالاتي النفسية. خرجت يومها من المنزل في قمة الغضب فلم أتفقد سماعات الأذن قبل الخروج، إلا أني سرعان ما تنبهت إلى الموضوع، فحاولت الحصول على حاجاتي والعودة بسرعة. وصلت الحي الذي أقطن منذ عام 2013م جادة الخطيب في دمشق المدينة. أصوات صراخ تعلو في المكان، اثنان من الجيران يتشاجرا، ويتبادلان الشتائم. توقفت كي أشاهد الشجار بمتعة شديدة. أقطن هذا المنزل الواقع على بعد ما يقارب 400 م من مركز أمن الخطيب منذ ثمانية أعوام، لم أسمع خلالها أي شجار أو صراخ، أو انفعال خارج عن السيطرة في الجوار، فلا أحد يريد أن يرى عناصر الأمن في منزله أو أن يضطر للدخول في حوار أو مشكلة معهم. تنبهت في تلك اللحظة كم انخفض صوتي منذ عام 2013 وحتى هذا اليوم، فكرت في إضاءة منزلي وكيف أني دائماً ما أقوم بخفتها كي لا ألفت النظر».

عادة ما تقوم أحلام بالالتفاف حول الحي لكي تصل الى منزلها عبر شارع فرعي ضيق عوضاً عن الطريق الأقصر والأقرب، وذلك تجنباً للمرور بجانب الفرع الأمني. تضيف أحلام منفعلة: «فار الدم إلى رأسي قبل أن أدرك أن الظل الذي ظهر خلفي فجأة، وبدأ يتحرش بي لفظياً، ليس عنصر أمن، بل شاب صغير استغل مروري وحيدة في شارع فرعي مظلم، ولأول مرة بدأت أصرخ بشكل هستيري في وجهه مستخدمة أسوأ الشتائم، فما كان إلا أن اختفى من أمامي في طرفة عين وكأنه لم يكن. في تلك اللحظة انتابني شعور جيد جداً وكأنها لحظة تماس مع المحرَّم، خروج الصوت عن المستوى المسموح به. كل الضغوط الدفينة يومها أُطلِقَت شزرة إلى الخارج». 

حاجة أحلام إلى الصراخ في وجه الخوف وعلى كل المستويات خرجت عندما سمعت أصوات الآخرين. فالصوت عندما يعلو يُعلن عن وجود صاحبه وموقفه، ما حرّض تفكيرها على الانزياح الى زوايا أخرى من حياتها، لتتأملها قائلة: «لطالما كانت اليد العليا في عائلتي مثلاً لأصوات الرجال، وإذا ما تشاجرت يوماً مع شقيقتي سيتدخل أخي، لا لكي يحل الخلاف إنما لكي يقمع الصوت المحرّم».

ليس لدى أحلام نشاطات قد تهدد أمن هذه الدولة. إلا أن سلوكها يتأثر بشكل مباشر بطبيعة الحي الذي تعيش فيه. فعندما تضطر إلى المرور بجانب هذا الفرع، تحاول غالباً افتعال عدم الاكتراث، فتصطحب معها شيئا تأكله، كتفاحة تهرشها، أو شيء تلعب به في يدها، فيساعدها ذلك على الاسترخاء والبقاء متيقظة لألا تقوم بأي تواصل بصري مع المركز أو عناصره، وبالتالي محو المرئي (مصدر الرعب) من حيز حياتها اليومية عن طريق تجاهله. لكنها تعي تماماً أنها محاولة فاشلة، فهذا الوجود يتسرب إلى عمق وعيها وأحلامها وهواجسها، ويوجه بشكل أو بآخر سلوكياتها العامة، لا بل وحتى الخاصة في منزلها، هو طيف يحتل دائماً زاوية البصر.

أن تُرى ولا تَرى

أما زهراء، 34 عاماً، فقد درست الهندسة المدنية، وتعيش اليوم عاطلة عن العمل وغير قادرة على بناء أي علاقة صحية مع المدينة. لم تكن تعي وهي طالبة صغيرة أن ساحة مدرستها الداخلية كانت تطل عليها شبابيك الفرع الأمني في منطقة سكنها. بين المدرسة والمنزل كان الطريق قصيراً، واضحاً وحتمياً، أما الطريق الفرعي الخلفي فقد تواطأ سكان الحي على عدم استخدامه لسبب ما، وزهراء كبرت بدورها على هذا التواطؤ. إلا أن وعيها بوجود الفرع تعاظم وأخذ شكلاً مرعباً بعد اندلاع ثورة 2011. فمنذ ذلك الحين وحتى سبع سنين لاحقة، كانت مداهمات الفرع لمنزلها ومنازل جميع القاطنين بالقرب منه أسبوعية أو شهرية. تصف زهراء المشهد فتقول: «كانوا يقرعون الباب بشكل فجائي بأعقاب البنادق، يطلبون من الذكور الخروج وتبقى النساء في الداخل، يدخل العناصر، يفتشون المنزل بسرعة، ويتأكدون من عدد القاطنين..». يخفت صوت زهراء بالتدريج، يتداخل مع أصداء المكان وأصوات الناس الآخرين وصوت مولّد الكهرباء، أكاد لا أسمعها، أقاطعها: «ما عم إسمعك زهراء، ما عم إسمعك»، لكنها لا تسمعني أو لا تريد أن تسمعني، إلا أن بها حاجة إلى الكلام تدفعها لمتابعة الحديث همساً بينما تحدق بي. أما أنا، فأجلس قبالتها أُنصت بعيني فقط، بينما أفقد صوتها وكأني أفقد آثار أقدام شخص أتبعه. وعندما أعاود الاتصال بها بعد فترة على أمل أن نتابع الحكي، تتراجع زهراء عن الرغبة في التحدث.

وتعود بداية قصة فادي مع الرهاب من الأماكن الأمنية وظهورها في حيز الوعي لديه، الى أيام دراسته في السنة الثانية في كلية الاقتصاد عام 2006، حيث كان عليه تأدية ما يطلق عليه معسكر التدريب الجامعي. وحضور هذه المعسكرات كان إلزامياً بالنسبة للطلبة الذكور في الجامعات الحكومية السورية، تحت تهديد الرسوب وخسارة السنة الدراسية بحال عدم الالتزام. لكن فادي هو الابن الوحيد لعائلته، ويحق له الحصول على ورقة إعفاء من المعسكر، وللحصول عليها يتحتم عليه زيارة مركز التدريب الجامعي الكائن ضمن المربع الأمني في منطقة البرامكة في دمشق. يحاول فادي استحضار المشهد من الذاكرة بإحساس ثقيل فيقول: «قبل الذهاب في هذه المهمة الصعبة، كنت حذراً جداً في اختيار ملابسي، حاولت قدر المستطاع أن يكون هندامي قديماً وبسيطاً، وبعيد عن أي صيحة من صيحات الموضة، تحسباً من لفت الانتباه أو الظهور بمظهر الشاب المرفّه أو الرقيق. فأنا على دراية مكتسبة بشكل لا-إرادي حول طبيعة هذه الأمكنة، على أنها مصنع للفحولة والذكورة، حيث لا مكان هنا لأي إشارة قد توحي بجانب أنثوي أو رقيق لشخصية الرجل».

كانت المرة الأولى التي تطأ فيها قدما فادي هذه المساحات التي لطالما سمع عنها قصصاً كثيرة تهمس بها ألسنة الناس بالسر. يتابع الحكي: «أول شيء صادفني فور عبوري من المدخل، كان عسكري أسمر البشرة ذو عينان خضراوان واسعتان، ممسوح الملامح. سألني ماذا أريد ولماذا أتيت، ثم وبعد أن تخطيت جهاز المسح الضخم، الذي شرّحني وشرّح أشيائي، والذي قال العسكري تعقيباً على ذهولي لرؤيته: نحنا حتى لون كلسونك منعرفو! تابعت أنا والعديد من الشبان الذين قدموا لأغراض مختلفة إلى الساحة الداخلية».

«عبارة عن كتل إسمنتية ضخمة»، هذا كل ما يذكره فادي حول شكل المكان، فضمن مساحات كهذه، لا أحد لديه الجرأة على رفع عينيه لتفحص المكان أو الأشخاص. يؤكد فادي: «كنت أسير بينما تعلق بصري بالأرض التي أمشي عليها وفكري في من يقبعون تحتها من المعتقلين. كان عليّ الانتباه ألا يكون لوجودي أي وقع، وأن أعبر بخفة كالظل ريثما أصل الى المكان المحدد. جلّ ما أتذكر هي مشاعر الخوف الكبيرة التي انتابتني، فأي نظرة أو سلوك خاطئ قد ينمّ عني، سيكون كافياً حتى تطبق الكماشة فكَّيها عليّ». وصل فادي يومها الى شعبة التجنيد التابعة للتدريب الجامعي بسلام، قدّم أوراقه الى المساعد الأول الذي ختمها وتركه يذهب.

شاءت الأقدار أن يتزوج فادي سنة 2020 وينتقل مع زوجته للسكن في شقة واقعة على أطراف أحد أرياف دمشق الشرقية، والتي تطل شرفتها على وادي الغوطة المدمرة بالكامل والمتداخلة مع بعض الأراضي الزراعية، كما تطل الشرفة في نفس الوقت وإلى اليسار على فرع المداهمة الأمني أو ما يطلق عليه «مدرسة أمن الدولة»، الواقع على طريق الغوطة الشرقية. كان هذا الطريق قد أُغلق طوال تسع سنوات، إلا أن الحكومة أعادت فتحه السنة الماضية، 2020، نتيجة ضغط أهالي المنطقة المحيطة حيث قاموا بدفع مبالغ مالية كبيرة لقاء فتحه وإزالة الحاجز العسكري، والذي كان يشكل مصدر إزعاج كبير لهم ولكل من يريد الدخول الى مزرعته الواقعة على هذا الطريق. هذا الطريق هو الأقصر والأقرب لكل من يريد الوصول الى مركز المدينة من هذه المنطقة، إلا أن فادي يفضل أن يسلك الطريق الطويل والمكتظ على المرور بجانب المدرسة.

يقول فادي مفصحاً عن أفكار ومشاعر المرارة التي تنتابه كلما خرج الى شرفة منزله ليتأمل المشهد: «أخرج الى شرفة منزلي بين الحين والآخر، أتأمل الفرع، المبنى الوحيد المحصن والعصي على الدمار، بينما سُوّي كل ما حوله بالأرض. أنظر إليه يقبع وسط خراب البيوت والأبنية المدنية التي أصبحت أطلالاً لم ينجُ منها شيء عدا خزانات مياه بلاستيكية حمراء تتناثر وسط العدم اللوني المحيط بالمكان». ويختم فادي: «لمشهد الشرفة المطل على الفرع هذا فائدة واحدة، فخلال انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة ومتواصلة، يخترق منزلي في الليل ضوء المبنى الذي لا ينطفئ، فيُنيره بشكل خافت، بينما تتردد في ذاكرتي جملة كانت قد كتبت على جدار قريب من أحد الحواجز العسكرية وسط مدينة دمشق. تقول العبارة العصية على النسيان بشكل مؤلم: المخابرات نور السماوات».