الغوطة: الإبادة هي السياسة الوحيدة المسموح بها

 

لا يبدو أن وتيرة القصف اختلفت بعد يومين من إصدار قرار مجلس الأمن 2401 مساء يوم السبت الفائت، الذي طالب بفرض هدنة على كامل الأراضي السورية «بأسرع وقت ممكن»، لكن ما الذي يمكن أن يوقف عمليات الإبادة هذه؟

يبدو أن لا أحد سيقوم بالمزيد بعد قرار مجلس الأمن سالف الذكر، في الحقيقة من الواضح أن لا أحد يملك خطة للتصرف حيال ما يجري في سوريا اليوم، ويبدو أن «دولة إمارة الحرب» في موسكو تمتلك خطة وحيدة الآن؛ الإبادة طالما كانت بالإمكان.

تقع الغوطة اليوم في قلب خارطة معقدة من التحالفات والنفوذ الدولي والإقليمي، خارطة من التدخل والتجاهل، إذ يتم تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ دائمة ومشاريع سياسية محددة عبر تفاهمات أمرٍ واقع، أصبحت شبه معلنة بين الجهات «الفاعلة» في الملف السوري، وضمن هذه الخطوط تقع الغوطة الشرقية في هامش التجاهل من الولايات المتحدة ومن الحلفاء التقليديين للمعارضة في المنطقة، فالغوطة الواقعة شرق العاصمة دمشق قد خسرت حسب فهمهم موقعها الاستراتيجي في صراعهم على النفوذ، بعد أن أصبحَ هدفُ إزاحة الأسد عن السلطة أمراً غير مفيد ضمن حساباتهم الجديدة.

أما بالنسبة لموسكو فهي اليوم بحاجة إلى نصر عسكري جديد، تؤكد به إمساكها زمام الأمور في سوريا، بعد أن أخذ مسار الأحداث اتجاهاً لا يمنح حكومة بوتين النفوذ الذي طمح إليها في سوريا، وخاصة بعدما بات جلياً أن الولايات المتحدة لن تمنح سوريا بسهولة لشرطي المنطقة السكران، في ذات الوقت لا يبدو أن واشنطن تمتلك أي استراتيجية حول ما يجب فعله، فالغوطة تقع في اللامكان الأمريكي والإقليمي اليوم.

أكثرُ من 540 شهيداً من المدنيين في الغوطة خلال الأسبوع الفائت فقط، وأوضاعٌ يعيشها سكانها، لا يبدو أن وصف «الجحيم» الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة البارحة يستطيع التعبير عن حقيقتها.

كان قصف قوات النظام وحلفائه الروس قد تصاعد منذ بداية العام على الغوطة، إلا أن الأسابيع الماضية منذ بداية شهر شباط كانت الأعنف، بصورة مشابهة لما حدث لأحياء حلب الشرقية نهاية عام 2016. تصريحاتُ المسؤولين الروس أكدت ذلك عندما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن «تجربة حلب قابلة للتطبيق في الغوطة»، وغضُّ الطرفِ الدولي والاستجابةُ المخجلة أحياناً كانت مؤشراً واضحاً على أن الأمر ممكنٌ سياسياً بالنسبة لموسكو، لكن تخبط تحركات النظام العسكرية خلال اليومين الماضيين، وخساراته المرتفعة على جبهات الغوطة، أظهرت أن الخطة الروسية قد تكون مُرتجلة، وأن أعمال العنف هذه التي تقودها موسكو قد تكون مجرد تكتيكات آنية في معركة فقدت أُفقها الواضح بالمعنى السياسي على الأقل.

إعلانُ بوتين عن هدنة لمدة ساعات تمدد بشكل يومي، وتصريحُ وزير دفاعه سيرغي شويغر عن فتح ممرات إنسانية لخروج المدنيين، هي وسيلتهم الوحيدة لاستعادة زمام المبادرة بعد أن فشلت مشاريع موسكو السياسية في سوريا. في الحقيقة، الإبادةُ كانت سياستهم الوحيدة حتى الآن.

لا يملك أهالي الغوطة كثيراً من الخيارات تحت نيران مئات غارات الطيران والقصف المدفعي المكثف ضمن هذه الصورة، فالممرات «الإنسانية» التي تكلم عنها شويغر قد لا تعني سوى الانتقال من سجن الغوطة الجماعي إلى أحد أقبية مخابرات النظام في دمشق. وفي الوقت الذي ينخرط فيه الدبلوماسيون الغربيون بنقاشٍ حول شكل إدارة أطراف سوريا «الموجودة» (بالنسبة لهم)، لا يبدو أن أي قلق يساورهم حول الوضع في الغوطة، حتى تصريحاتهم كانت تتسق بشكل أو بآخر مع ما تراه روسيا ممكناً، وهو خروج قوات المعارضة من الغوطة.

أصبحت السيناريوهات الممكنة غير معقولة، كيف سيخرج قرابة النصف مليون من الغوطة، أو حتى نصفهم؟ وإلى أين؟ وهل تقبل الأردن مثلاً باستقبالهم في درعا؟ ترانسفير مثل هذا سيكون الأكبر منذ عشرات السنين في العالم كله، جريمةٌ أخرى لا يمكن تصورها.

البقاء تحت نيران القصف والإبادة غير معقول، لا يجب أن يكون المشهد هذا الذي نراه في دوما وحرستا وحمورية وعربين معقولاً، لكنه ممكنٌ ويحدثُ الآن، هذه الثنائية القاتلة؛ تقاسمُ النفوذ الدولي والإقليمي، النظام وحلفاؤه، جعلوا من الممكن في هذا العالم أن يتم إبادة نصف مليون إنسان دون أن يكون ذلك مدعاةً لأي تحرك عالمي.

لكن لا يكفي أن نقرأ استراتيجياتهم في سوريا لتكون هذه المقتلة مفهومة. لا شيء يجعلها كذلك.