الفلسفي والسياسي عند حنّة آرنت

 

ينقسم كتاب حنّة آرنت، في السياسة وعداً، إلى قسمين أساسيين1؛ في القسم الأول تتابع آرنت عبر تاريخ الفكر تلك العلاقة الإشكالية بين الفلسفة والسياسة، ابتداءً من فكر اليونان وحتى ماركس. وما دفعها للقيام بهذه الدراسة هي مجموعة من الأسئلة التي لطالما طرحها الفكر الإنساني عبر مسيرته: ما العلاقة بين الفلسفة والسياسية؟ هل يمكن للفيلسوف أو المثقف أن يتخصص في التفكير الفلسفي بعيداً عن الشأن السياسي؟ هل السياسة من الموضوعات التي يتوجب على الفيلسوف الاهتمام بها؟

القسم الثاني من الكتاب عنوانه «مقدمة في السياسة»، وموضوعاته تتعلق بأسئلة من مثل: ما هي السياسة؟ وما هي النماذج التي بنيت عليها الشراكات الإنسانية؟ وما هي أشكال الحكم السياسي التي سادت عبر التاريخ؟ وهكذا، عبر محاولتها الإجابة عمّا هي السياسة، تربط في صفحات رائعة بين السياسية والحرية، السياسة والخير، السياسة والشجاعة، وحرية الرأي، والتلقائية.

الفكر التقليدي عن العلاقة بين الفلسفة والسياسة

ترى آرنت أن الهوة انفتحت بين الفلسفة والسياسة تاريخياً مع محاكمة سقراط وإدانته، وأن بدء تقليد الفلسفة السياسية يعود إلى حينما دفع موت سقراط بأفلاطون إلى اليأس من الحياة داخل المدينة، وفي الوقت نفسه، إلى الشك في بعض تعاليم سقراط الأساسية. إن عدم قدرة سقراط على إقناع قضاته ببراءته واستحقاقاته التي كانت بينة أمام أفضل مواطني أثنيا الشبان، هو ما جعل أفلاطون يشك في صلاحية «الإقناع»، هذا المفهوم الذي تعتبر آرنت أنه كان أساساً للفكر السياسي.

مشهد سقراط وهو يُخضِع رأيه الخاص للآراء غير المسؤولة عند الأثينين، ويُرفض بغالبية الأصوات، هو ما جعل أفلاطون يبتعد عن جدل تبادل الآراء ويتوق إلى المعايير المطلقة، وهكذا توجّه اهتمام الفيلسوف للتعلق بالأشياء الخالدة، الثابتة، وغير الإنسانية.

ولو حاولنا الحديث بشكل مختلف، فسنقول إن الصراع بين الفلسفة والسياسة، بين الفيلسوف والمدينة، قد اندلع لأن سقراط كان قد أراد ألا يلعب دوراً سياسياً، وإنما أن يجعل الفلسفة ملائمة للمدينة. ولم يتمكن الفيلسوف من حماية نفسه من شكوك وعداوات العالم المحيط به إلا انطلاقاً من القطع الشهير مع السياسة، اللامبالاة وازدراء عالم المدينة، تلك الخاصية التي تسم الفلسفة ما بعد الأفلاطونية بكاملها.

يبدأ تقليد الشقاق بين الفلسفة والسياسة مع أرسطو حينما لم يعد الفيلسوف يشعر بأنه مسؤول عن المدينة، ولا يعني ذلك فقط أن الفلسفة لا تملك مهمة مخصوصة في عالم السياسة، بل يعني بالمعنى الأوسع أن مسؤولية الفيلسوف إزاءها أقلّ من أي واحد من أقرانه من المواطنين، إذ أن أسلوب حياة الفليسوف مختلف. وهكذا أُرسيَ تقليد انقطاع الفيلسوف عن الفكر السياسي، وترسّخَ تقليد التفريق بين الفلسفي والسياسي.

ويميز أرسطو بين ثلاث طبقات: أولئك الذين يعملون من أجل الآخرين وهم عبيد، أولئك الذين يعملون من أجل أنفسهم لتحصيل معاشهم وهو ليسوا مواطنين أحراراً، وأولئك الذين لا يعملون لا لأنفسهم ولا لغيرهم، إذ هم يمتلكون عبيداً، وهم المقبولون في الفضاء العمومي. الفضاء العمومي هنا هو المشاركة في الحياة العامة والنشاط السياسي، وتذكر حنة آرنت هذا التقسيم عند أرسطو كي تشير إلى جعله العمل السياسي مقصوراً على الطبقة الثالثة، وهو ما سنرى كيف سيتغير لاحقاً عند مونتيسكيو، ثم خصوصاً عند ماركس.

تنتقل بعدها آرنت إلى مرحلة الحضارة الرومانية، لتبين أن أصول الفكر السياسي فيها بنيت على ثلاثة تجارب اجتماعية وسياسية أساسية: العيش الإجتماعي المشترك (الشراكة)، ومن ثم تأسيس المدينة، وتجربة الاستعمار، أي مغادرة المواطنين لبيوتهم، مترحلين بحثاً عن أرض جديدة وتأسيس مدينة جديدة.

في الفكر السياسي الروماني، عُدَّ النشاط السياسي والديني بمثابة الشيء عينه. يكتب شيشرون في كتابه الجمهورية: «لا يوجد شيء تبلغ فيه الفضيلة ما هو أقرب إلى السبل المقدسة الخاصة بالآلهة من تأسيس مدينة جديدة أو الاحتفاظ بمدينة قائمة من قبل». لقد كان الدين هو القوة التي أمنت التأسيس عند الرومان، وذلك بواسطة توفير مقرّ إقامة للآلهة في صفوف الناس، إذ أقامت آلهة الرومان في معابد روما، وذلك خلافاً لآلهة اليونانيين، التي وإن كانت حامية لمدن الناس، فإنها امتلكت دائماً مسكناً لها في الأولمب، بعيداً عن مساكن الناس الفانين، وبالتالي لعب الديني في التجربة الرومانية دوراً في تأسيس المدن وهندستها المعمارية وبالتالي السياسية.

بعدها حضر مونتيسكيو، وحاول دراسة أشكال تنظيم الحياة الإنسانية المشتركة، فاهتمّ بتصنيف أشكال الحكم، وأعاد كلاً منها إلى أصلها من الأفعال، فقدّم ثلاث مبادئ للفعل: 1) الفضيلة التي تلهم الأفعال داخل الجمهورية 2) الشرف الذي يلهم تلك الأفعال في صلب النظام الملكي 3) الخوف الذي يوجه كلّ الأفعال في النظام الإستبدادي، ويعني خوف المواطنين من الطاغية وخوفهم من بعضهم بعضاً، وكذلك خوف الطاغية من مواطنيه. واعتبر مونتسكيو أن الطغيان هو أسوأ أشكال الحكم، وهو في نظره ينهار بموجب طبيعته، بينما تُهدَم أشكال الحكم الأخرى أساساً بواسطة ظروف خارجية.

رأى مونتسكيو أن الأنظمة الإستبدادية محكوم عليها بالفشل لأنها تدمر الوحدة بين الناس، وهي إذ تعزل الناس عن بعضهم بعضاً تعمل على هدم التعدد البشري. إنها تقوم على التجربة الأساسية الوحيدة التي يكون المرء فيها وحيداً تماماً، أي أنه يكون فاقداً للعون (كما سبق لأبيقور أن حدد الوحدة)، عاجزاً عن الاستفادة من عون الناس أقرانه.

أمّا آرنت فتعرّفُ السلطة الاستبدادية على أنها سلطة اعتباطية، وكان ذلك يعني في الأصل الحكم الذي لا يُحتاج فيه إلى تقديم حساب، حكمٌ لا يُطالَب فيه أي أحد بأي مسؤولية. والأمر نفسه صحيح بالنسبة للحكم البيروقراطي الذي لا يقوده أحد، على الرغم من أن ذلك يعود إلى سبب مختلف تماماً.

تعتبر آرنت أن ماركس هو صاحب الانقلاب الحقيقي في نظرة الفيلسوف إلى السياسة، وذلك بقوله: «لقد أوّلَ الفلاسفة على الأرجح العالم بطرق شتى، والحال أن الأمر يتعلق بتغييره»، متأثراً بمقولة المفكر روهان: «إن الملوك يحكمون أمماً، وإن المصالح هي التي تحكم الملوك». إن الدراسات الإقتصادية التي أجراها ماركس أدّت به إلى الربط بين مفهوم «المصالح» الذي يَرِدُ في مقولة روهان ومفهوم «الكدح»، وما يدعم هذه القناعة ويشكّل الأساس لديه هو تعريفه الجديد للإنسان، الذي لا يحدّدُ الإنسان من خلال عقلانيته (الحيوان العاقل)، ولا من خلال صناعته للأشياء (الإنسان الصانع)، ولا بكونه خُلِقَ على صورة إله (خليقة الله). كان ماركس هو أول من عرّفَ الإنسان على أنه حيوان عامل، على أنه خليقةٌ كادحة.

وبالتالي، يمثّل العمل بالنسبة لماركس مبدأ العقلانية وقوانينها، وهو ما يحدد التاريخ في إطار تطور قوى الإنتاج، وما يجعل التاريخ قابلاً لأن يُفهَم من طرف العقل. إن العمل هو مبدأ الإنتاجية، فهو ينتج العالم الإنساني الحق على الأرض.

أما أشكال الحكم الأربعة التي يحددها ماركس، فتبدأ مع بِدء تاريخ التحكّم بالعبيد، وذلك هو ما شكّلَ الجسد السياسي في العصور القديمة. ثم انبثق بعد ذلك حكم النبلاء على الأقنان، وذلك هو ما شكّلَ الجسد السياسي الإقطاعي. ثم برز حكم البرجوازية على الطبقة العمالية، ومن ثم في رأي ماركس ستأتي لحظة اكتمال أنظمة الحكم في دكتاتورية البروليتاريا، حيث ينزاح حكم الدولة لأن الحكام لن يجدوا أي طبقة جديدة للسيطرة عليها، أو للدفاع عن أنفسهم ضدها.

كما أوضحنا سالفاً، إن التقليد في الفلسفة السياسية كما تراه آرنت يعود إلى ازدراء أفلاطون للسياسة، وقناعته بأن شؤون الناس وأفعالهم لا تستحق أن تحظى بجدية كبرى، وأن السبب الوحيد الذي يفسّر حاجة الفيلسوف لأن يشغل نفسه بها هو الحقيقة المُخيبة المتمثلة في كون الفلسفة تغدو مستحيلة فعلياً دون ترتيب عقلاني لكل الشؤون الخاصة بالناس في عيشهم معاً.

مقدمة في السياسة: ما السياسة؟

كانت غاية حنّة آرنت في القسم الأول من الكتاب، الذي درست فيه تاريخ العلاقة بين الفلسفي والسياسي، هي الوصول إلى الموضوعة التي ترغب بدراستها في القسم الثاني من الكتاب، الذي حاولت فيه الإجابة على سؤال: ما هي السياسة؟ هنا سنجد كيف ربطت آرنت بين السياسة وبعض المفاهيم الإنسانية الأساسية.

السياسة والتعدد البشري: تقوم السياسة على واقع أساسي هو التعدد البشري. فالسياسة تتعامل مع التعايش بين مختلف الناس على تنوعهم وتنوع أنماط اجتماعهم، وينظّم البشر أنفسهم سياسياً على ضوء بعضٍ من الاشتراك الأساسي القائم بينهم.

السياسة والمساواة: المساواة لا تتجلى بدورها إلا في تمايز الأفراد عن بعضهم بعضاً، وفي هذا السياق تكتب آرنت: «لا يوجد الإنسان، على النحو الذي تعرّفه الفلسفة واللاهوت، أو كما هو مُستنتج في صلب السياسة، إلا على أساس الحقوق المتساوية التي يضمنها لبعضهم بعضاً أولئك الذين يكونون على أشدّ الاختلاف فيما بينهم». وهكذا فإنه إذا ما كان الفعل والقول هما النشاطين السياسيين الأساسيين، فإن التمايز والمساواة هما العنصران المكونان للأجساد السياسية.

السياسة والحرية: إن معنى السياسة هو الحرية. السياسة هي أن يكون في مقدور الناس أن يتفاعلوا مع بعضهم بعضاً من دون إكراه، وأن يحكموا بعضهم بعضاً باعتبارهم متساوين وسط متساوين، لا يأمرون أو يُخضعون بعضهم بعضاً إلا في الحالات الطارئة كما في زمن الحرب، وما عدا ذلك فإنهم يُسيّرون كامل شؤونهم بواسطة الإقناع والتكلمّ فيما بينهم. ومن هنا تأتي نظرة آرنت بأن الحرية هي المساواة في حق الكلام.

في محاولة الربط بين السياسية وحرية التواصل، ومن ثم ربط الحرية بالتلقائية، تكتب حنّة آرنت: «إن القدرة الإنسانية على رؤية الشي نفسه، والقدرة على تبادل المواقع مع وجهات نظر أشخاص آخرين نشترك معهم في العالم نفسه، هو ما يُنتِجُ حرية حقة في الحركة داخل عالمنا الذهني، توازي حريتنا في الحركة في العالم المادي».

السياسة والشجاعة: ترى آرنت بأنه لم تندثر من وعينا بالكامل تلك الفكرة القائلة بأنه لا يكون حراً إلا من يكون مستعداً للمخاطرة، وذلك يظل صحيحاً بشكل عام في الوصل بين السياسة والخطر والمخاطرة. فالشجاعة هي أولى الفضائل السياسية، وما تزال حتى اليوم واحدة من الفضائل الرئيسية القليلة للسياسة، لأننا لا ندخل العالم العمومي المشترك الذي يمثل فضاءنا السياسي الحق إلا حينما نغادر وجودنا الخاص والعلاقات العائلية التي ارتبطت بها حياتنا.

السياسة الخطاب: إن حرية الرأي تعني حق الاستماع إلى آراء الآخرين، وامتلاك رأي خاص يُسمَع من طرف الآخرين. أي بما يعني المبادرة. ولذلك لم تكتف الأنظمة الشمولية بسحق حرية الرأي فقط، وإنما وضعت كذلك في اعتبارها من حيث المبدأ تدمير التلقائية الإنسانية في كل المجالات.

تقول آرنت: «من خلال حرية الحديث مع بعضنا بعضاً وحسب، ينشأ العالم الذي نتحدث عنه في موضوعيته ومشهديته من جميع الجوانب. أن نحيا في عالم حقيقي وأن نتحدث مع بعضنا بعضاً عن هذا العالم، هما الشيء عينه»، أي أن وجود العالم غير متحقق دون التواصل البشري، الذي يتم تناول العالم من خلاله عبر التفكير والكلام.

في خاتمة هذا الكتاب، تكتب آرنت عن عالم الصحراء المجازي، عبر واحات من الفلسفة والفن، من الحب والصداقة، تهب الحياة. هذه الواحات هي عرضة للخراب بسبب أولئك الذين يسعون إلى تعديل وجودهم بحسب ظروف الحياة الصحراوية، وكذلك أولئك الذين يحاولون الهروب من الصحراء إلى الواحة. في كلتا الحالتين، يتوغل عالم الصحراء إلى الداخل ويدمر الواحات وحياتها الخاصة. إن الصحراء هي مجازٌ ينبغي الأخذ به حرفياً بوصفه إحالة على أرض مقفرة أو أرض بور، يُنظر إليها على أنها المنتوج الأخير لتوسع صناعي أُطلق له العنان لاستنزاف المصادر الطبيعية من الأرض، وتلويث محيطها، وتسخين مناخها، وهدم إمكاناتها على وهب الحياة. الصحراء هي مجاز عن خسارتنا المستمرة للعالم. الشمولية والقنبلة الذرية هما التجربتان اللتان تلهبان السؤال عن معنى السياسة في زماننا، إنهما التجربتان الأساسيتان لعصرنا، وإذا تجاهلناهما، فكأننا لم نعش قط في العالم الذي هو عالمنا.

يوضح المترجم مُعزّ مديوني في مقدمة الترجمة العربية فيقول: «لمَ اخترنا ترجمة The promise of politics إلى السياسة وعداً، بدلاً من الصيغة المبسطة، وعد السياسة؟ لأن الأمر يقوم عند حنّة آرنت على جعل السياسة مطلباً يتحقق بتحقق ما تَعِدُ به. وما تَعِدُ به السياسة هو الحرية من حيث هي القيمة المشتركة، لا تتحقق هي بدورها إلا سياسياً».

في تقديمه للكتاب، وهو محرّره، يوضح جيروم كوهين المواضيع الأساسية التي رغبت حنّة آرنت في تناولها فيه، كما حددتها هي وبتعابيرها:

- الفعل والفكر.

- المفاهيم التقليدية والأطر المفهومية للفكر السياسي.

- مجالات العالم والحياة الإنسانية السياسية.

- الوجوه المختلفة للتعدد الإنساني والمؤسسات التي تتناسب معها.

- أشكال الحكومات ومبادئها وضروب فعلها.

لا يصف جيروم كوهين حنّة أرنت بالمفكرة الصعبة، وإنما يشير بدلاً من ذلك إلى الصعوبة القائمة في ما أرادت فهمه.

  • 1. الكتاب من تحرير وتقديم جيروم كوهن، وقد صدر بالعربية عام 2018 عن منشورات دار الجمل، بترجمة معزّ مديوني.