الفن السوري في ألمانيا بين أربعينات القرن الماضي واليوم

 

يجد السوسيولوجي آلان تورين (1925) أن المصطلحات البحثية التي تسعى إلى دراسات شاملة مرت في مراحلها عبر مفاهيم محددة، في البداية كانت المفاهيم السياسية قادرة على احتلال مساحة قاموس المصطلحات البحثية، ومن ثم حلّت محلها المفاهيم والدراسات الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية، أما اليوم فإنه يرى أن المفاهيم والدراسات الثقافية هي التي تتضمن القدر الأكبر من المعلومات وآليات التحليل الأكثر شمولاً، وأن الدراسات المتعلقة بالقطاع الثقافي هي الأشمل في وقتنا الراهن.

ومن هذا المنطلق، تؤسس الباحثة هبة محرز لتقديم بحثها المعنون (المنتج الثقافي السوري في المهجر بين الاندماج والمثاقفة: ألمانيا نموذجاً بين الهجرة الطوعية والقسرية)، المنشور ضمن كتاب بعنوان أربع أوراق بحثية عن أسئلة الراهن السوري (دار ممدوح عدوان للطباعة والنشر بالتعاون مع اتجاهات، 2018، إشراف د.جمال شحيد)، وتقارن فيه الباحثة بين المنتج الثقافي لفنانين سوريين هاجروا إلى ألمانيا في فترة الأربعينات والستينات من القرن الماضي، وبين فنانين هاجروا خلال موجة اللجوء الأخيرة بعد عام 2011. ويتناول نوعين من أنواع الفنون: الفنون التشكيلية، والفنون الكتابية. أما مفاهيم الاندماج والتثاقف والمثاقفة، فهي تعني التزام الباحث بالبحث في أعمال الفنان التشكيلي أو الشاعر أو القاص عن الموضوعات التي تتصل بحدلية ثقافة المنشأ وثقافة الملجأ.

من تجارب الأربعينات والستينات السورية في ألمانيا، يتطرق البحث إلى تجربة الفنان التشكيلي مروان قصاب باشي، والشاعر عادل قرشولي. أما من التجارب الفنية السورية المعاصرة، التي انتقل أصحابها إلى ألمانيا بعد العام 2011، فنتعرف على تجربة فنانة التجهيز إيمان حاصباني، الفنان التشكيلي علي القاف، والقاصّة رشا عباس، والشاعر محمد مطرود.

أولاً: الهجرة الأولى سنوات الأربعينات والستينات من القرن العشرين

مروان قصاب باشي (1934 – 2016)، فنان تشكيلي

ولدَ مروان قصاب باشي في دمشق العام 1934، اهتمّ بالرسم والنحت، وسافر إلى برلين في العام 1957 للدراسة، وبعدها استقر في ألمانيا لحين مغادرته الحياة في السنة قبل الماضية.

لا تبلغ الباحثة محرز مبتغاها في البرهنة على البعد السياسي والاجتماعي للوحات الفنان قصاب باشي، وهي حين تختار ست لوحات من أعمال الفنان، تعتبرها موجهة للمتلقي العربي لمجرد حضورها في معارض عربية، لا تساعدها خياراتها على توضيح وجهة النظر التي تستنبطها في خاتمة البحث عن تجربة هذا الفنان.

اللوحات الستة التي تختارها الباحثة من تجربة الفنان قصاب باشي لتحليلها في البحث، تنتمي إلى فن البورتريه. انتقل الفنان مروان قصاب باشي في رسم البورتريه بين مرحلتين، مرحلة البورتريه التعبيري، ومرحلة البورتريه التجريبي. لكن ما يواجه الباحثة من صعوبة هو تطبيق قراءتها عن تجربة الفنان وعلاقتها مع موضوعات التثاقف والمثاقفة والإندماج الثقافي على لوحات من فن البوتريه. اللوحة الرابعة هي وحدها التي تتضمن موضوعة يمكن دراستها وفق هذا الإطار، وهي تلك المعنونة (ثلاثة أطفال فدائيين فلسطينيين)، لأن موضوعتها تتعلق بقضية ترتبط بماضي الفنان الثقافي أي منطقة الشرق الأوسط.

من الصعب استخراج موضوعة البحث من لوحات تشكيلية تندرج ضمن إطار عمل البوتريه التجريدي المعتمد على الجماليات أكثر من اعتماده على حمل المضمامين ثقافية، وكذلك لا يكفي الاستدلال بما كتبه الروائي عبد الرحمن منيف عن تجربة مروان قصاب باشي في كتاب مروان رحلة الحياة والفن (1996): «فمروان الذي عاش في أوروبا أربعين عاماً تقريباً، من أكثر الفنانين العرب ارتباطاً بجذوره وتراثه، إن إرتفاع القامات الفنية يشبه ارتفاع الأشجار، إذ بمقدار ما تنغرز عميقاً في الأرض، وبمقدار ما تتكيف وتستفيد من المحيط ومن كل جديد، ترتفع أيضاً هذه القامات في الفضاء الفني والإنساني»، خصوصاً أن نص منيف هنا يرتبط بالرأي الشخصي أكثر من اعتماده على التحليل الفني-المضاميني للعمل الفني، وهو نابع عن فكرة في ذهن الكاتب غير مثبتة عبر تحليل العمل فنيّاً.

ورغم أن الباحثة تذكر أن الفنان قصاب باشي قد رفض في عدة لقاءات صحافية التطرق إلى موضوعة ارتباطه بدمشق أو برلين، ولم يعتبر سؤال تقديمه كفنان سوري أو ألماني من اهتماماته، رغم ذلك، تستنج الباحثة أن مروان عاش في المنفى ارتباطاً عاطفياً كبير بالوطن.

عادل قرشولي، شاعر

بالمقابل، يختلف البحث حين ينتقل إلى الحديث عن تجربة الشاعر عادل قرشولي، وذلك من خلال قدرة الباحثة على إسقاط استنتاجاتها البحثية بدقة على التجربة الشعرية للقرشولي. ذلك يظهر من بعض عناوين الدواوين التي أنتجها هذا الشاعر: موال في الغربة (1968)، الخروج من الذات الأحادية (1985)، كالحرير من دمشق (1968)، عناق خطوط الطول (1978)، مرة أخرى في غريبا (1984)، لو لم تكن دمشق (1992)، إلى أي مدى هي فلسطين (2003).

رغم أن الشاعر عادل قرشولي قد توقف عن النشر باللغة العربية بعد ديوانه الثاني، الخروج من الذات الأحادية (1968)، واتخذ اللغة الألمانية لكتابة ونشر الشعر، إلا أن المضمامين المتعلقة بالوطن، الحنين، دمشق، الهوية، والأنا المشتتة هي موضوعات واضحة من عناوين دواوينه، وهنا تُصيب الباحثة في التحليل بين موضوعتها وبين مضامين المقتطفات الشعرية التي توردها من قصائد هذا الشاعر، ومنها قصيدة (نذراً عليّ، 1961):

نذراً عليّ أن أعد

أن أكتب الأشعار

في حبكم ليلاً نهاراً، أن أغني زغردات الدار

أن ألثم الأحجار

على ضفاف بردى،

في قاسيون،

في طريق الغوطة المفروش بالشرار.

ها مر عام آخر يا إخوتي الصغار

فلتفتحوا لي..

إنني بردان في هذه القفار

ها هي موضوعة الحنين، العودة والعلاقة مع الوطن، وبالتالي مفاهيم علاقة الشاعر المتأرجحة بين ثقافة المنشأ وثقافة الملجأ، حاضرةٌ كما أردات الباحثة أن توضح. ها هو الشاعر القرشولي بنفسه يوضح: «أرفض فكرة الفناء في الآخر أياً كان. فالفناء في الآخر يعني فلسفياً نفياً للازدواجية. ويعني ذلك بدوره نفياً للتعددية. وعندما أقول إني أريد الحفاظ على هذه الازدواجية أقرن هذه الرغبة بشرط البحث عن سبل للتواصل الودي بين هذه الازدواجيات». إنه تصريح وطريقة تفكير نقيضة تماماً لما عبَّرَ عنه الفنان قصاب باشي في رفضه الحديث عن هذه الازدواجية، واعتبرها ليست من موضوعاته الأساسية.

استمرّ الشاعر القرشولي حتى التسعينات، يبرع في الكتابة عن الآثار العميقة للغربة في تأثيرها على الذات، وذلك يتجلى في قصيدته باللغة اللألمانية (قال لي عبد الله، 1995):

في تلك البلاد البعيدة

قال عبد الله لي

أنت لم تعد أنت

فلو كنت أنت أنت لما قبلت بما تقبل.

وفي مقطع آخر من القصيدة يكتب:

وقال لي من يفقد الجذر يفقد الثمر

ومن يفقد الثمر يفقد الجذر

لأن الجذر دون ثمر عقيم

والعقم ناشف كالحجر.

وفي خاتمة الحديث عن هاتين التجربتين الفنيتين كتمثيل لمرحلة الهجرة ما قبل العام 2011، تكتب الباحثة: «لا نعتقد أنه يمكن أن نطلق على مروان قصاب باشي أو عادل قرشولي صفة مثقف سوري. يمكننا أن نحترمهما كما نتعامل مع بريشت أو رامبو أو بيكاسو، بشكل إنساني واسع. أما التصنيف القومي فنعتقد أننا إذا اضطررنا إليه فعلينا ربما أن نقول إنهما فنانان ألمانيان لهما خلفية سورية».

عالج المترجم والأكاديمي كمال أبو ديب هذه الموضوعة بطريقة مختلفة عند حديثه عن نتاج المفكر إدوارد سعيد (1935 - 2003)، محاولاً الإجابة على تساؤل إن كان إدوارد سعيد مثقفاً عربياً أم إنكليزياً بحسب اللغة التي أنتج أعماله بها؟ وتوصّلَ إلى قناعة مفاداها أن موضوعة الإنتاج الفكري، الفنيّ في بحثنا هذا، هي التي تبيّنُ انتماء المفكر أو الفنان لأي ثقافة. بما معناه، أن نتاج إدوارد سعيد كان يحاول تحليل الثقافة العربية، مثل كتابه الاستشراق (1978)، وكذلك الأمر ينطبق على تجربة الشاعر عادل قرشولي، التي وإن كانت قد كُتبت باللغة الألمانية، إلا أن الموضوعات التي تتناولها عن الوطن، الغربة، الإزدواجية الثقافية، كلها تعتبر موضوعات تمسّ الثقافة العربية عموماً، والسورية خصوصاً.

ثانياً: الهجرة الثانية منذ العام 2011

إيمان حاصباني، فنانة تجهيز

في القسم الثاني ينتقل البحث إلى تجارب فنيّة سورية في ألمانيا نتجت عن الهجرة التي تمت في الأعوام القريبة الماضية، وتبدأ كما في الفصل الأول بالمنتج الثقافي البصري السوري، مع تجربة فنانة التجهيز إيمان حاصباني، في ثلاثة أعمال أنجزتها بين دمشق وبرلين. الأول بعنوان «هنا أقف»، حيث تتجلى بوضوح موضوعة الهجرة، فقد قدمت حاصباني فيه مجموعة من العناصر في فضاء فارغ، تمثلت بحقيبة سفر وعقود آجار منتهية المدة، وذلك للحديث عن أزمة المكان وفكرة التنقل الدائم. العمل الثاني بعنوان (أنا وهم، 2017). والعمل الثالث بعنوان (هنا، هناك، وأماكن أخرى، 2017)، وهو عمل مبني من التركيب الصوتي لتسع نساء سوريات من خلفيات متعددة، تجمعهنّ برلين للحديث عن أشياء مرتبطة بذاكرتهنّ.

علي القاف، فنان تشكيلي

تجربة تشكيلية أخرى يقترحها البحث للفنان علي القاف. العمل الأول هو من مجموعة أعمال تمت بين عامي 2004 – 2009 بعنوان (راس راس رقم 3)، وتقدّمُ الباحثة لهذا العمل الفني دون أن تبين بدقة المراد من اختياره في خدمة موضوعة علاقة الفنان بثقافته المنشأ.

العمل الثاني من معرض غبار في غاليري رفيا في دمشق، حيث قدّمَ الفنان مجموعة لوحات موضوعتها التناقض مكتفية باللونين الأبيض والأسود، يصفها الفنان قائلاً: «إن الأبيض والأسود ليسا ببعيدين عن هوية الممنطقة التي أنتمي إليها وما تحمله من تناقضات، ومنها الضياع الحاصل في تعريف الهوية الشخصية والفنية لأبناء هذه المنطقة».

العمل الثالث تم إنجازه في منتصف 2016 في برلين، وعنوانه (صندوق الألم)، وهو على حسب تعبير الفنان في لقاء أجرته الباحثة معه: «امتدادٌ لقصيدة الشاعر جولان حاجي التي تحمل ذات الإسم». تقدّمُ الباحثة هذا العمل الفني كعمل تركيبي يستخدم الفيديو ويقدم داخل كامل البناء، ويمزج بين الفن البصري التشكيلي والشعر، في محاولة لتقديم نظرة أكثر تفحصاً للأم السوري. وتلحظ الباحثة في أعمال علي القاف: «ارتباط المنتج الثقافي البصري السوري في ألمانيا بالأحداث السورية بشكل كبير»، مما يتطابق مع المعايير الفكرية التي وضعها البحث في تحليل الأعمال الفنية التشكيلية والنصية.

رشا عباس، قاصّة

يمكن اعتبار المجموعة القصصية الثانية للكاتبة رشا عباس بعنوان كيف تم اختراع اللغة الألمانية؟، والذي كتب بعد وصولها إلى ألمانيا، عملاً فنياً يندرج ضمن موضوعات البحث والتي منها الاندماج الثقافي. وذلك لأنه يحمل خصوصية إنتاج لفنان سوري أو أي فنان مغترب يتناول قضايا اللجوء في كتابته. يضم الكتاب 16 نصاً قصصياً ساخراً، تبين كيف تحوّلَ تعلُّمُ لغة البلد المضيف إلى هاجس أساسي لتقدم الحياة الإجتماعية والمهنية للكاتبة، فالمجموعة القصصية تتناول خصوصية السوري اليومية المعاشة في ألمانيا اليوم.

محمد مطرود، شاعر

ومن تجربة الشاعر محمد مطرود نقرأ من قصيدة (ظل يتحايل على جثته بالأمل، 2016):

لو أنك حكيم

لكنت شقياً مفرطاً في كره نفسك

كأنك أحد سواك وطائش بما يكفي بلد

لو كنت جسوراً سترى وجهك في المرآة وتكسر المرآة

وتلمّ صورتك من على كسرها كعرافة تهتم بالخرز

ولو أنت تحب: إلعن كل شيء دارجٍ إلا البلاد التي أحببت.

وكذلك نورد من قصيدة (حروبي السبعة مع النسيان، 2017):

حربي السابعة، حربي الأخيرة، مثل الحرب التي تدور رحاها هناك، وتطحن الذكريات مع ما تطحن، لستُ بوارد الحديث عنها، كيف تتحدث عن وحش يسكنك، يسد فمك بقطعة شاش الموتى، والكلمة التي ستخرج – فيما لو خرجت – أشبه بالنار التي أكلت وما زالت تأكل أبناءها وأبناء التراب.

في النص ليس هناك مجالٌ للشك بأن «الحرب الدائرة هناك»، والتي تصفها القصيدة، تحمل إشارةً إلى الحرب التي تدور في بلد الأصل للشاعر، أي الحرب السورية.

ميزتان أساسيتان أوردتهما الباحثة فيما يتعلق بالمنتج الثقافي السوري في ألمانيا 2015 - 2016، الميزة الأولى تركيز الفن السوري المعاصر في المهجر الألماني على أسئلة «الذات» في بلد اللجوء، وأشارت الباحثة إلى صعوبة تقديم تعريف واضح للهوية، لذلك نجد الفنان أو الشاعر ضالعاً في محاولات إعادة صياغة هذه الهوية.

أما الميزة الثانية التي ميزت بها الباحثة المنتج الفني السوري في ألمانيا اليوم، فهي ميزة «الفردانية». الفردانية موضوعة تقدم الباحثة حيالها إشارة ذكية تنجح في ربطها مع الهمّ العام: «مع الفردانية أصبح الهمّ المشترك هماً واسع الطيف، ربما بسبب أن الحدث السوري اليوم كبير جداً ومعقد، ولا يمكن للسوريين أنفسهم أن يتفقوا على تعريف أو اهتمامات مشتركة فيما يحدث فيه. وقد تبدو الفردانية هنا حلاً للخروج من أزمة التحيز إلى صف دون آخر، أو ربما تحول الفن السوري بالعموم في المنفى إلى صيغة واحدة. وكأن الناجي من الحرب ليس عليه أن يعيش إلا ليحكي لنا عن الحرب».

مهما اختلفت رؤانا وآراءنا في تأويل الأعمال الفنية التي اختارتها الباحثة، إلا أنه مما لا شك فيه أنها استطاعت أن تقدم نموذجاً للأبحاث الثقافية التي تتناول موضوعة الفن السوري في المهجر، وفتحت ببحثها باب المحاولات لتطبيق هذا النوع من الأبحاث على الفن السوري المنتج في أماكن أخرى من المهجر السوري كفرنسا، بريطانيا وعديد الدول الأخرى، ما سيكون مفيداً لكامل المنتج الثقافي والفني السوري في المستقبل.