الفيروسات ونهاية العولمة

 

العولمة هي رحم الجوائح والأوبئة. فإن كانت التحوّرات الجينية التي تُنتِجُ لنا فيروسات شديدة الفتك والتفشي ظواهرَ بيولوجية؛ فإن قدرة هذه الفيروسات على التحوّل لأوبئة وجوائح مرتبط بشكل وثيق بالخصائص السياسية والاقتصادية التي تخلقها العولمة. فالجسيمات الصغيرة من نوع فيروس كورونا كائنات «عولمية» بامتياز: لا تعترف بحدود، ولا طبقات، ولا قوميات، ولا أعراق، ولا أديان؛ وتنتقل عبر خطوط التجارة والتنقل السريعة والمعقدة التي تمثل قلب العولمة. والعولمة لا تلد الجائحة فقط، بل، في حالات كثيرة، تموت أثناء وضعها. فالعلاقة بين العولمة والجوائح جدلية بالمعنى الهيغلي للكلمة: فالأولى بما تمثله من تسهيل وتحفيز وتسريع وتكثيف لحركة البشر وتنقلهم عبر الحدود تسهّل من تفشي الأمراض وانتشارها وتحويلها إلى جوائح. وبالمقابل، عندما «يتعولم» المرض، تبدأ الدول بتشديد الحدود وتضييق حركة البشر وتقييدها وتبطئتها، أي تعطيل أهم ركن من أركان العولمة. وهذه العلاقة- وإن بدت مؤقتة، وضرورية- تعرّي بشكل فاضح «الطبيعة غير العادية، غير المستقرة، المعقدة، وغير الموثوقة، والمؤقتة للنظام الاقتصادي» كما تَحدَّثَ قبل قرن من الزمان الاقتصادي الشهير جون مانيارد كينز.  

فبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والتي راح ضحيتها ما يقارب العشرين مليون إنسان، كتب كينز كتاباً بعنوان التبعات الاقتصادية للسلام منتقداً المعاهدات التي أسفر عنها مؤتمر باريس للسلام، وهي المعاهدات التي أصبحت الأساس للنظام العالمي الذي لم يصمد لفترة طويلة، إذ قضت عليه الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، والتي راح ضحيتها ما يقارب الثمانين مليون إنسان. يبدأ كينز كتابه بملاحظة عن النفس البشرية، إذ يقول: «لعلّ من الخصائص المميّزة للإنسان قدرته الهائلة على التكيّف مع الظروف». ذلك أن هناك قلّة في عهده «يدركون بحقّ الطبيعة غير العادية، وغير المستقرة، والمعقدة، وغير الموثوقة، والمؤقتة للنظام الاقتصادي الذي عاشته أوروبا الغربية في نصف القرن الماضي». وهذا «النصف قرن» هو الفترة التي نسميها نحن اليوم «الموجة الأولى للعولمة»، وهي الفترة التي بدأت تقريباً من منتصف القرن التاسع عشر وتعرضت لضربة قاضية مع الحرب العالمية الأولى، لتعلن موتها مع الكساد الكبير الذي هزّ الأسواق العالمية مع بداية الثلاثينات الميلادية. وهي فترة «عولمة» لأن فيها ما في العولمة من سِمات عامة: تقدم علمي وتقني يدفع باتجاه مزيد من التعاظم في التجارة المشتركة بين أطراف العالم، ومزيد من التعاظم في حركة رأس المال، ومزيد من التعاظم في حركة البشر عبر الحدود. إنها فترة نشر كيابل التلغرام في أرجاء المعمورة، وبناء شبكات سكك الحديد، وشقّ قناتي السويس وبنما، وتصنيع السفن البخارية الضخمة والسريعة. في الفترة من 1879-1914، غادر ما يقارب 36 مليون إنسان أوروبا- استفادت بلدانهم التي هاجروا منها بعدم تحمّل أعبائهم، والبلدان التي هاجروا إليها بتحريك الاقتصاد فيها، أو هكذا ظنّ البعض حينها.

إلا أن كينز عندما يصف «نصف القرن» هذا يستعير أوصافاً نوستالجية مثل «إلدورادو الاقتصادية»، «اليوتوبيا الاقتصادية»، «الزمن السعيد». وفي فقرة مطولة يصف الحياة فيه بالتالي:

كم كان ذلك العصر مرحلة استثنائية من التقدم الاقتصادي في تاريخ الإنسان، والذي انتهى في أغسطس من عام 1918! صحيح أن الجانب الأعظم من الشعب كان يعمل بكدح ويعيش في مستوى متدنٍ من الراحة، إلا أنهم كانوا بشكل معقول راضين بحالهم. كما أن أي امرئ يمتلك مستوى فوق المتوسط من الشكيمة والإصرار يستطيع الفرار إلى الطبقات المتوسطة والعليا حيث تمنحه الحياة، بتكلفة وعناء قليلين، ملذات ومتعاً ومؤناً تتجاوز تلك التي كان يتنعم بها أقوى ملوك العصور الأخرى. يستطيع أي شخص يقطن لندن، وبينما هو يحتسي كوبه الصباحي من الشاي على فراشه، أن يطلب بالهاتف منتجات متنوعة من كافة أركان الأرض، بالكميّات التي يراها ملائمة، ولا يساوره الشك بأنه سيجدها قريباً على عتبة منزله.

صحيح أن هذه النظرة الوردية لذلك العصر تعترف بوجود طبقية، وإن كانت ترى الطبقات مفتوحة تسمح لأفرادها بالصعود لأعلى، إلا أنها نظرة أوروبية جدّاً. ذلك أنه قد غاب عن كينز الاعتماد الكبير لصاحبنا محتسي الشاي في لندن على الاستعمار والعبودية والحروب والإستغلال وسلسلة طويلة، غير مسبوقة في التاريخ البشري، من المظالم. وحتى نقدم صورة غير أوروبية لهذا النظام العالمي، لنأخذ مثال صناعة القطن، التي مثلت قلب تلك العولمة الأولى، ولننظر إليها من عدة زوايا جغرافية. ففي مطلع القرن التاسع عشر، كان القطن يزرع ويحصد في الولايات الجنوبية في أميركا، في أراض تم الاستيلاء عليها من السكان الأصليين، وبواسطة يد عاملة سوداء تُخطَف وتُستعبَد من القارة الأفريقية. بعدها يتم تصديره إلى مصانع النسيج في بريطانيا بشكل رئيسي، أكبر مصنّع للأنسجة في العالم آنذاك، وكذلك إلى الولايات الشمالية في أميركا، أو فرنسا بدرجة أقل. في هذه المصانع المتقدمة تقنياً في قدراتها الإنتاجية، تشرف على العملية الإنتاجية يد عاملة كانت إلى فترة قريبة مكونة من مزارعين وفلاحين من رجال ونساء وأطفال، ويتم تشغيلها في ظروف استغلالية. وبعد إنتاج المنتجات القطنية يتم تصديرها بواسطة سكك الحديد والسفن البخارية إلى المستهلكين في كافة أرجاء العالم، خصوصاً في المناطق الخاضعة للاستعمار البريطاني في أفريقيا وآسيا، والتي تم تدمير الصناعات القطنية التقليدية فيها. ولا تكتفي هذه الصناعة العالمية بأن تعتاش على نهب الأراضي، والعبودية، واستغلال العمالة، والاستعمار، بل إنها تتسبب في حروب وأزمات اقتصادية داخلية، فبعد أن تسببت زراعة القطن والعبودية المرتبطة به بنشوب الحرب الأهلية الأميركية، انتقلت المصانع في أوروبا إلى مصر، والهند والبرازيل، لاستيراد القطن، ولتغطية هذا الطلب تم تحويل قرابة 40٪ من الأراضي الخصبة في مصر لزراعة القطن. لكن في أقل من عشرين سنة، وبعد نهاية الحرب الأميركية وانخفاض أسعار القطن، غرقت مصر في الديون، وأعلنت إفلاسها، واحتلتها بريطانيا.

بدأت هذه الصناعة القطنية الهائلة عديمة الرحمة تتآكل بطرق متنوعة ومختلفة مع الاقتراب من الحرب العالمية الأولى وما تلاها. ففي نهاية القرن التاسع عشر، تسللت من المكسيك مجموعة من الخنافس تسمى «بول ويفيل» إلى ولاية تكساس في الجنوب الأميركي. هذه الخنافس تعتاش على القطن، وتتكاثر بسرعة هائلة تجعل مجموعة صغيرة منها قادرة على إلحاق أضرار كبيرة ودائمة على حقول القطن. انتشرت هذه الخنافس في كامل الجنوب الأميركي، مما جعلها تدمر زراعة القطن هناك وتلعب دورا كبيرا في الهجرة الكبرى للسود من الجنوب إلى الولايات الشمالية. في الشمال الأميركي وفي أوروبا، لعبت الحركات العمالية واليسارية دوراً كبيراً في تحسين ظروف العمال ورفع أجورهم، ما أدى إلى رفع أسعار المنتجات وفتح المجال للتجار خارج أوروبا لدخول هذه الصناعة والاستحواذ عليها تدريجياً فيما بعد. ولعل الضربة الأخيرة للهيمنة البريطانية، والأوروبية، على هذه الصناعة، جاءت من حيث انطلقت، من الهند، وذلك عندما أعلن غاندي مقاطعة المنتجات البريطانية، وأهمها القطن، ودعى الهنود لحياكة ملابسهم بأنفسهم، في حركة تحررية انتهت باستقلال الهند من بريطانيا.

لم تكن الخنافس والحركات اليسارية والتحررية والمناهضة للعبودية هي وحدها العوامل التي قضت على تلك الموجة العولمية، فبالإضافة لهذه القوى القادمة من «الخارج»، كانت هناك علل داخلية، بنيوية، دفعت بالنظام كله للتهاوي، هذه العلل هي التي انتهت به إلى الحرب العالمية الأولى، وبعدها الكساد الكبير، وهي نفسها العلل التي هيأت المناخ لتفشي انفلونزا عام 1918، والتي عرفت حينها بالإنفلونزا الاسبانية، والتي أصابت في بضعة شهور ثلث سكان الكرة الأرضية، وقتلت أكثر بكثير من العدد الذي قتلته الحرب العالمية الأولى، وكانت واحدة من تلك الجوائح التي تسببت بقتل أمها- العولمة- أثناء ولادتها.

*****

 

يكاد يكون من المسلّم به اليوم، في الأوساط العلمية والعامة، أن نسبة كبيرة من الأمراض تنتج عن وتنتقل بواسطة جسيمات صغيرة جداً لا ترى بالعين المجردة كالبكتيريا والفيروسات. هذه النظرية تسمى بـ «النظرية الجرثومية للأمراض». وقبل قرن ونصف من الزمان، عانى المدافعون عنها كثيراً لإثبات صحتها مقابل نظريات أخرى منافسة لها. من بين هذه النظريات المنافسة، كانت هناك نظريات تركز على العوامل الوراثية لانتقال المرض، وأخرى تركز على العوامل البيئية، وغيرها تركز على العوامل الأخلاقية. هاتان الأخيرتان كانتا سائدتين في الأوساط الثرية والطبقات العليا في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر، ومنها خرجت حركة «المعقمين»، التي رأت أن تنظيف المنازل من الأوساخ والقاذورات سيقود للنقاء الأخلاقي وسيقضي على انتشار الأمراض وتفشيها لدى الطبقات الفقيرة، وهي الحركة التي تركت أثراً كبيراً في تأسيس ومأسسة الصحة العامة في أميركا.

في الستينات والسبعينات من القرن التاسع عشر، وبعد التجارب الناجحة التي أجراها كل من لويس باستور وروبرت كوش، والتي قوّت من النظرية الجرثومية، زادت ثقة الأطباء والعلماء بقدرة العلم على الوقاية من الأمراض ومعالجتها. في عام 1889-1890، انتشر أول وباء للإنفلونزا في النظام العولمي الذي وصفناه سابقاً، مسبباً أول تحدّ للمجتمع العلمي والطبي حديث الولادة آنذاك. كان الارتباك والانقسام كبيرين، فمن الأطباء من اعتبر المرض إنفلونزا، ومنهم من اعتبره حمى ضنك، ومنهم من اعتبر أعراضه محصورة ومحددة، ومنهم من اعتبرها عامة ومتفشية وتشمل كل أجزاء الجسد. وهذا الخلاف يعود في جزء كبير منها لخلاف حول علّة المرض. ففي تلك الفترة لم تكن الفيروسات معروفة، ولم تُعرَف إلا في ثلاثينات القرن العشرين، ذلك أن التقنية المتاحة قبل ذلك لم تسمح لأنصار النظرية الجرثومية بالتعرّف على الفيروسات. وهذا الأمر وضعهم في مأزق أمام تطبيق نظريتهم على الإنفلونزا كما طبقوها على الأمراض التي تسببها البكتيريا، لكون البكتيريا أكبر حجماً ويمكن التعرف عليها بتقنيات ذلك الزمان. هذه الصعوبة التي واجهها أنصار النظرية الجرثومية فتحت الباب لأنصار النظريات الأخرى لمهاجمتهم واقتراح تفسيرات أخرى لسبب الإنفلونزا، كظروف متعلقة بالبيئة المحيطة، ومشاكل في الهواء، وغيرها. وبسبب هذه الخلافات النظرية حول علّة المرض، تم اقتراح العديد من العلاجات والأدوية.

في السنوات اللاحقة لوباء إنفلونزا 1889-1890، تقوّت ونمت النظرية الجرثومية للأمراض واستطاعت أن تكشف عن كثيرٍ من الجسيمات المسببة للعديد من الأمراض، واحتلت مكانها المهيمن في المجتمع الطبي، لكن بقيت الإنفلونزا معضلة لم تتم الإجابة عليها، ولم يتم التعرف على الجسيم المسبب لها رغم كثرة المحاولات والاقتراحات. ومع ذلك، كانت الحركة في أوروبا وأمريكا وغيرها من الأماكن حثيثة باتجاه تحمّل مسؤولية الصحة العامة، وذلك عبر بناء المختبرات البحثية والمستشفيات والمرافق المتعددة، بالإضافة لسنّ التشريعات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية المتعلقة بالصحة العامة. كانت الثقة عالية جداً بقدرة العلم والمؤسسات على منع تفشي الأمراض، بما في ذلك الإنفلونزا، الذي رغم أنه لم يعرف الجسيم المسبب له، إلا أن الإجراءات الوقائية كانت كافية لردع تفشيه وانتشاره.

هذه الثقة والمؤسسات والمعرفة العلمية تم امتحانها في 1915-1916 عندما تفشّت الإنفلونزا مرة أخرى. في أميركا، كانت ردّة الفعل الفورية تركّز على نصح المواطنين بالطُرُق التي تمنع انتقال العدوى عبر تحميل المسؤولية للشخص السليم بعدم الاختلاط بالمصابين، وللشخص المصاب بعدم نشر العدوى لمن حوله. وكمثال على الإجراءات المشددة في منع الاختلاط ونشر المرض، نشرت النيويورك تايمز خبراً في 13 كانون الثاني (يناير) 1916 بعنوان تقديم 465 شخصاً للمحاكمة لنشرهم الإنفلونزا، نقلت فيه عن منسوب لمديرية الصحّة قوله «سيكون من المستحيل طبعاً أن تجبر مديرية الصحة كل شخص على ارتداء الكمامات... لكننا نأمل أن نعطي درساً لكل أولئك الحمقى من المخالفين بأن يبقوا جراثيمهم لأنفسهم. لو كان بمقدورنا القبض على الجرثومة نفسها لفعلنا، لكن طالما قام المخالفون بنشر الكثير منها فإن أقل ما يمكننا عمله هو اعتقال أولئك المثقلين بها وتغريمهم». وفي مقالة أخرى ظهرت على الصحيفة نفسها في نهاية كانون الأول (ديسمبر) من عام 1915، نُشرت النصائح التالية لتفادي المرض: «تفادى منشفة المكتب، لا تتنفس من خلال فمك، لا تكن بصّاقاً، احرص على التهوية…». هذه التجربة منحت النخبة المشرفة على الشؤون الصحية مزيداً من الثقة بقدرتهم على احتواء تفشي الأمراض المُعدية. تضاعفت هذه الثقة أضعافاً كثيرة مع دخول الولايات المتحدة للحرب العالمية الأولى عام 1917، ذلك أن الحرب هيأت لهذه النخبة فرصة للدفع بمزيدٍ من الإصلاحات والإنفاق والبرامج، مما جعل الثقة كبيرة بأنهم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قادرون على التحكم بالأوبئة والأمراض المعدية، وواثقون بشدّة بأن مستقبلهم، إن لم يكن مستقبل البشرية، سيكون متحرراً من الأوبئة.

*****

 

في 28 يونيو من عام 1914، اغتال الانفصالي البوسني غافيرلو برنسيب ولي عهد إمبراطورية النمسا، في حادثة مثّلت البداية الرسمية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، والتي بدورها مثّلت نهاية الموجة الأولى للعولمة. وعندما نقول إن الحرب مثّلت نهاية العولمة، فإننا نقصد ذلك بكلا المعنيين المتضمنين للنهاية. فهي، من جهة، مثّلت نهايتها، بمعنى أنها تسبّبت في إنهائها؛ وهي، من جهة أخرى، كانت نهايتها القصوى. مثل بالونة الهواء التي تنتفخ وتنتفخ لتصل ذروتها في اللحظة التي تنفجر فيها. فالحركة الدولية للبشر والبضائع والمعلومات المُتجاهِلة للحدود والعابرة لها وصلت مداها الأقصى مع الحرب ومتطلباتها وجبهاتها المتعددة. أي أنها، بما تمثله من حالة قصوى من حالات العولمة، أصبحت البيئة المفضّلة للجوائح.

هناك خلاف بين الباحثين حول نشأة الفيروس المسبب للإنفلونزا الإسبانية وطريقة انتشاره، وأكثر النظريات إقناعاً هي التالية: مع تزايد القتلى في الحرب، رأت بريطانيا في عام 1917 استقدام مجموعة من اليد العاملة من الصين لسد حاجة الأعمال اليدوية وغير العسكرية للعمالة، ونظراً لكون الصين محايدة في بداية الحرب، فإن الاستقدام تم بطريقة ملتوية وبموافقة شبه رسمية، حيث تم تكليف مجموعة من الوكلاء باستقدام عمالة من المناطق الشمالية في الصين المتاخمة لميناء ويهايوي، الذي كان مستعمرة بريطانية. قبل تكديس عشرات الآلاف من العمالة في هذا الميناء، كان هناك وباء جديد قد انتشر في المناطق الشمالية الصينية في شهر نوفمبر 1917. التقارير الأولية اعتبرته «طاعوناً رئوياً»، وهو نوع من الطاعون البكتيري الذي ينتشر بين البشر عبر الرذاذ المصاحب للعطاس والسعال، مشابه للطاعون الذي كان منتشراً في المناطق نفسها قبل سبعة سنوات. ضغطت الوفود الأوروبية الموجودة في الصين على الحكومة الصينية من أجل اتخاذ تدابير تحدّ من انتشار الطاعون، لكن الحكومة كانت تصرّ على أن المرض ليس «طاعوناً رئوياً» بقدر ما هو موجة حادة من الإنفلونزا الموسمية المعتادة، الأمر الذي لم يتقبله الأوروبيون واعتبروه سلوكاً معتاداً من «التخلّف» الصيني. بعد عدة محاولات لمعرفة طبيعة المرض من عدة أطباء وباحثين، لم يتم إثبات أنه طاعون رئوي، ووجدت عدة إلماحات لتشابهه مع الإنفلونزا الموسمية.

العمال الصينيون المتكدسون بالآلاف في ميناء ويهاوي قدموا من هذه المناطق الشمالية التي كان هذا المرض منتشراً فيها. ولأجل نقلهم إلى فرنسا، كانت أسلم الطرق هي نقلهم بالبحر إلى فانكوفر في كندا، ومن هناك يعبرون القارة بواسطة القطار إلى الساحل الشرقي حيث يبحرون من ميناء هاليفاكس في كندا إلى فرنسا. وبسبب وجود مخاوف كندية من هروب العمال الصينيين واستقرارهم في كندا، تم وضع فرقة حراسة كندية لمرافقتهم وتسليمهم للميناء الآخر، وتم منع الصحف الكندية من نشر أي خبر عن الموضوع، في الوقت التي كانت الصحف تنشر فيه أخبار الوباء المنتشر في شمال الصين ذلك الوقت.

بعد اندلاع الحرب، تم اختيار مرفأ فرنسي صغير شمال فرنسا اسمه إيتاب ليكون مقرَّ معسكرٍ تدريبيٍ بريطاني ومعبراً للجنود المتجهين إلى ساحات القتال المختلفة، والجرحى القادمين منها. كانت سمعة هذا المعسكر سيئة جداً، وكان مشهوراً بقذارته واكتظاظه بالجنود والجرحى بمعدل يومي لا يقل عن مائة ألف جندي، بالإضافة للحيوانات، من دجاج وخنازير وخيول وأوز وبط، وحاويات غاز ضخمة لها قدرة على إحداث طفرات جينية. في آخر سنة 1917 وبداية سنة 1918، بدأت تصل بعثات من العمالة الصينية إلى مجمّع خاص بالعمالة الصينية بجانب المعسكر. انتقل الفيروس منهم إلى الجنود في المعسكر، ومع انتشار الجنود في الجبهات والحركة الكبيرة في مرفأ إيتاب بدأ الفيروس بالانتقال إلى كل مكان. هذه كانت الموجة الأولى للإنفلونزا الإسبانية، التي استمرت من شهر آذار (مارس) إلى تموز (يوليو). ولم تلفت هذه الموجة الانتباه، وكثير من المنخرطين في المجال الصحي اعتبروها موجة متكررة، وإن كانت أشدّ، من الإنفلونزا الموسمية. 

في منتصف الصيف، تحوّر الفيروس المسبب للإنفلونزا جينياً ليصبح معدياً ومميتاً بشكل كبير جداً، وبدأ بضرب ثلاثة أماكن مختلفة من العالم في أسبوع واحد. في 10 آب (أغسطس) انطلقت باخرة من مرفأ بوليماوث في بريطانيا إلى ميناء فريتاون، عاصمة دولة سيراليون الحالية في غرب أفريقيا. في تلك الفترة كان هناك عدد من حالات الإنفلونزا المنتشرة في بوليماوث، وعندما وصل طبيبان لتفحّص المرفأ، كانت الباخرة المتجهة لفري تاون قد أقلعت وعلى متنها مجموعة من الجنود المصابين بالفيروس الجديد. عندما رست الباخرة في فري تاون، انتشر الفيروس في الميناء، وبين أهالي المدينة، وبين السفن الأخرى. في 22 آب (أغسطس) وصلت سفينة إلى ميناء بريست في فرنسا الذي يستقبل الجنود الأميركيين المشاركين في الحرب، كان على متنها أشخاص مصابون بالفيروس، لينتشر الفيروس بينهم ومن خلالهم إلى بقية أوروبا. في 27 آب (أغسطس)، وصل الفيروس أميركا بواسطة ثلاثة أشخاص وصلوا إلى ميناء بوسطن، ليصيبوا خلال بضعة أيام أكثر من ألفي جندي في مقاطعة البحرية الأميركية. في 3 أيلول (سبتمبر) أُصيب أول مدني في بوسطن، ومنها إلى بقية أميركا.

ولأن الجائحة انتشرت وقت الحرب العالمية الأولى، فإن أغلب الدول المتقاتلة كانت تُخضِعُ التقارير والإحصاءات عن الإصابات للرقابة، ما عدا إسبانيا التي كانت محايدة في تلك الحرب. وبسبب نشر إسبانيا لأرقامها، بدا الأمر لمن حولها أن المرض متفش فيها أكثر من غيرها، ولهذا تمت تسمية الجائحة بالإنفلونزا الإسبانية. في الولايات المتحدة، أُغلقت الجامعات، الاحتفالات، المسارح، الألعاب الرياضية، المناجم، والمؤسسات العامة والسياسية وغالب ما فيه تجمّع بين الناس. تعاظم عدد الموتى، وأُصيب المجتمع العلمي والطبي بصدمة كبيرة أمام عجزهم عن التعامل مع الوباء. والأوبئة، مثلها مثل الثورات والحروب، تُظهِرُ الناس على حقيقتهم: فمنهم من يسعى لخلاصه الفردي، ومنهم من يضحي للآخرين، ومنهم من يتنفع من الأزمات. ففي الولايات المتحدة، هبّ الكثير من الأميركيين لمساعدة منظمات كثيرة، كالصليب الأحمر، واتُّهِمَت قطاعات معينة بالتكسّب من الوباء: مثل باعة الورد الذين ازداد الطلب عليهم بسبب كثرة الموت، وكذلك حفاري القبور والعاملين في القطاع الصحي. وكما أن الوباء استدعى أفظع نظريات المؤامرة والتبشير بنهاية العالم، فهو أيضاً، بعدم تمييزه بين الأعراق والأديان، استدعى كثيراً من النقد للتقسيمات والعنصريات القائمة.

انتشر الفيروس في كل أرجاء المعمورة، وأصاب تقريباً 500 مليون إنسان، أي ثلث سكان الأرض حينها، وقتل عُشر هؤلاء المصابين، أي ما يقارب الخمسين مليون إنسان. أكثر الوفيات كانت في الهند، حيث مات ما يقارب 17 مليون إنسان، تليها الصين بما مجموعه 8 مليون إنسان. قتل الفيروس شخصيات شهيرة في ذلك الوقت، مثل الفيلسوف ماكس فيبر، وأيضاً جدّ الرئيس الأميركي الحالي واسمه فريدريك ترمب. عادةً تصيب الإنفلونزا الصغار والكبار، لكن هذا الفيروس كان يحصد من متوسطي الأعمار، ومن الرجال خصوصاً، عدداً كبيراً. في الولايات المتحدة وحدها، التي انطلق منها، والتي كان مسؤولو الصحة العامة فيها في قمّة ثقتهم بقدرتهم على منع حدوث جوائح وأوبئة، قتل الفيروس ما يقارب 675 ألف إنسان في بضعة أشهر. وحتى نفهم هول هذا الرقم، فإن مجموع القتلى الأميركيين في كلا الحربين العالميتين اللتين استغرقتا سبعة سنوات من القتال في جبهات متعددة هو 533 ألف.

*****

هناك عدّة دراسات نُشِرَت عن التبعات الاقتصادية والسياسية للجائحة، بعضها ركّز على آثارها السياسية المباشرة من إعاقة حضور الرئيس الأميركي ودرو ويلسون توقيع الاتفاقيات الأخيرة للسلام بعد الحرب، والتي كان من الممكن أن تكون نتائجها مختلفة على العلاقة مع ألمانيا وعلى احتمالية نشوب حرب عالمية أخرى، وبعضها ركّز على تأثير المرض على مواليد تلك السنة، وكيف أن مستواهم التعليمي والاقتصادي كان أقل من غيرهم من الأجيال التي سبقتهم والتي تلتهم. وهناك من حاول معرفة الآثار الاقتصادية الكبرى على المجتمع ولاحظ أن الجائحة تسببت بانخفاض كبير في الناتج المحلي والاستهلاك، جاعلاً منها مكافئة في تأثيرها للأحداث الكبرى المصاحبة لها، كالحربين العالميتين والكساد الكبير. إلا أنه على الرغم من القوّة الهائلة التي كشفت فيها هذه الجائحة قصور معرفة الإنسان وهشاشة وضعه العام، إلا أنها سرعان ما تم طيّ ذكراها. فبالمقارنة بالأحداث الأخرى -من حروب وأزمات اقتصادية- فإن الإنفلونزا الإسبانية نالت حظّاً قليلاً من التخليد والتذكر. وكثيراً ما تبدأ الكتب والأبحاث القليلة التي تناولتها بالتأكيد على النقص الهائل في المكتبة الإنسانية عن تناول هذه الحادثة بالبحث والتقصي. 

إلا أن ما يهمنا هنا هو هذا الدور الذي تلعبه مثل هذه الأحداث في رفع الغطاء عن «طبيعية» النظام الاقتصادي الذي نعيشه، وتعريته بشكل فاضح تبرز عيوبه الهيكلية ومظالمه الكامنة للكثير، والأهم من ذلك تورطه. فلا يمكن فهم انتشار هذه الإنفلونزا بدون القرارات والسياسات والشبكات التي نُسِجَت وكُوِّنَت بغرض زيادة أرباح ورفاهية قلّة من البشرية، ولا يمكن فهم العجز أمامها بدون اجتماع إزالة الحواجز الصحية الرسمية، باسم تسهيل حركة السوق، مع الغرور العلمي التقدمي المؤمن بقدراته الاستثنائية على تخليص البشرية من الأوبئة.

إن الظروف الحالية التي نعيشها استثنائية من زوايا متعددة، لعلّ أهمها: أنها استثنائية في قدرتها على تسهيل التفكير في الوضع القائم بشكل أكثر نقدية وأقلَّ استسلامية.