الفيلق الخامس إلى الواجهة مجدداً

 

عاد الحديث عن الفيلق الخامس إلى الواجهة مجدداً مع التسريبات الصحفية التي نُشرت عن مسار المفاوضات بين الروس وفصائل الجيش الحر جنوب سوريا، بعد أن تضمن البند الرئيسي من العرض الروسي انضمام مقاتلي الفصائل العاملة في درعا والقنيطرة إلى هذا الفيلق، وترشيح اسم أحمد العودة لقيادة الفيلق في جنوب سوريا، وكان العودة، الذي يتولى قيادة فصيل «شباب السنة»، قد انخرط في مسار تفاوضي مع الروس بشكل منفرد، وافق بموجبه على تسليم السلاح الثقيل التابع لفصيله.

بالمقابل تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مجموعة من البنود التي عرضتها لجنة المفاوضات التي شكّلتها غرفة العمليات المركزية في الجنوب السوري، وأشارت الورقة إلى عدم قبول فصائل الجيش الحر المنضوية في الغرفة الانخراط في الفيلق الخامس، وكان البديل المُقترح من جهتها هو تشكيل شرطة مدنية مكونة من أبناء المنطقة، ومن عناصر تلك الفصائل بالتحديد.

وليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها عرض الانضمام إلى الفيلق الخامس في سياق التفاوض على «مصالحة» تحت التهديد بالقصف الروسي، ففي الصنمين شمال درعا، أواخر العام 2016، تضمن عرض النظام خلال المفاوضات بنداً عن تسوية أوضاع الشبان الذين يقبلون الالتحاق بالفيلق الخامس.

كان «الفيلق الخامس – اقتحام» قد تشكّل في شهر تشرين الثاني عام 2016، بالتوازي مع بداية تحقيق النظام انتصارات عسكرية حاسمة في سوريا نتيجة التدخل الروسي، وضمن توجّه رأت فيه موسكو أمراً ضرورياً لموازنة نفوذ الميليشيات التابعة لإيران على الأرض، إلا أن فشل روسيا في جعل الفيلق قوة يُعتمد عليها بشكل فعّال في المعارك البريّة مع فصائل المعارضة، دفعها إلى الاستمرار في الاعتماد على الميليشيات الإيرانية خلال العمليات القتالية على الأرض، أما الآن فإن تراجع التهديد بالنسبة للنظام في عدة مناطق من سوريا وخصوصاً في محيط دمشق يساعد روسيا على تطوير استراتيجيتها من جديد، والدفع بمشروعها القديم إلى الواجهة مجدداً، باعتباره جزءً من الرؤية الروسية لشكل سوريا.

إلا أن بُنية هذا التشكيل اختلفت منذ الإعلان عنه كمشروع «واعد» بالنسبة لموسكو نهاية عام 2016، إذ استطاعت موسكو زيادة أعداد مقاتلي الفيلق من نحو عشرة آلاف مقاتل وفق مصادر صحفية في تلك المرحلة، إلى نحو خمسة عشر ألف مقاتل الآن وفق تقديرات ومصادر خاصة، لكن الأهمّ أنها استطاعت زيادة قدرات هؤلاء المقاتلين، الذين كان عددٌ كبير منهم في البداية مجرد متطوعين يرغبون بالحصول على الراتب الجيد، أو موظفين حكوميين ومطلوبين للتجنيد الإلزامي والخدمة الاحتياطية. عند تشكيل الفيلق، كان تقريرٌ لتلفزيون النظام السوري قد أظهر عناصر الفيلق الخامس، الذين بدوا رجالاً في الأربعينات من أعمارهم، ومن غير الممكن تحويلهم إلى مقاتلين بسهولة، وتم تفسير ذلك وقتها على أنه دلالةٌ على عدم رغبة النظام السوري بدعم هذا المشروع، وذلك من خلال إرسال عناصر غير فاعلة إليه.

استطاعت موسكو لاحقاً ضمَّ مقاتلين من ميليشيات تابعة للنظام، وهؤلاء خاضوا معارك حقيقية، وهم أكثر فاعلية من أولئك المطلوبين إلى الخدمة بأعمار تفوق الأربعين عاماً، لكنها بالمقابل غيرت بنية هذا التشكيل الذي بدأ كجزء من جيش النظام يعمل وفق قوانين وزارة الدفاع، إلى بنية هجينة من الميليشيات والجيوش النظامية، إذ أن قادة هذا التشكيل هم من الضباط، ويرأسهم اللواء زيد صالح، الذي شغل منصب رئيس اللجنة الأمنية والعسكرية في حلب سابقاً، فيما يضمّ مقاتلين بنوا خبراتهم القتالية ضمن ميليشيات تتبع لنظام الأسد، وينقسمون إلى مجموعات أشبه بمجموعات تلك الميلشيات.

سلاح الفيلق الخامس في معظمه مشابهٌ لسلاح جيش النظام، إذ تضم ترسانته دبابات T60 المعدلة محلياً ومدافع رشاشة مركبة على سيارات دفع رباعي، بالإضافة إلى المدفعية الثقيلة، إلا أن مقاتلي الفيلق حصلوا أيضاً على دبابات T62 ومعدات أخرى حديثة من موسكو. أما تنظيم الفيلق وتقسيماته التي يتم الحديث عنها في وسائل إعلام وصفحات مقربة من قيادة الفيلق أو من النظام، فهي مشابهة لتقسيمات قوات النمر التي يقودها سهيل الحسن، التي من الواضح أنها ليست في النهاية سوى ميليشيات بلباس جيش نظامي. ويشرح هذا التحول بوضوح كيف أن القيادة الروسية لم تكن على عداء فعلي مع الميلشيات كما كان يُشاع منذ بداية التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، بل كانت موسكو في الحقيقة تبحث عن تشكيل ميليشياتها الخاصة.

في أحد الصور المنشورة لزيد صالح قائد الفيلق، يظهر الرجل جالساً وراء مكتبه، وخلفه على الجدار صورتان لحافظ الأسد وبشار الأسد، وتحت الصورتين شعار الفرقة واسمها بالروسية إلى جانب علمي روسيا والنظام.

قد لا نجد مثيلاً لهذه الصورة سوى في صور الميلشيات التي شكلتها روسيا بعد غزوها شبه جزيرة القرم، ثم دفعتها للقتال شرق أوكرانيا ضد الحكومة المركزية المعادية لموسكو. وفي الواقع تشير الدلائل إلى أن تجربة موسكو في أوكرانيا تم تطويرها في سوريا، وتحديداً عبر تجربة الفيلق الخامس، الذي يشكل اليوم، بالإضافة إلى كونه القوة العسكرية الروسية المحلية الأبرز في سوريا، جزءً من مخطط موسكو لشكل التسوية التي تريدها حكومة بوتين في بلادنا، تسويةٌ تعطي قادة ميليشيات يرتدون زياً عسكرياً السلطة، باسم مجلس عسكري يحكم البلاد التي احتلتها روسيا بعد تسوية مناطق واسعة منها بالأرض وتهجير سكانها.