القلمون الشرقي: مفاوضات بين التهجير والحرب

 

أصدرت القيادة الموحدة في القلمون الشرقي يوم أمس بياناً قالت فيه إنها، وبعد الاجتماع مع الجانب الروسي في دمشق، قد تسلمت عرضاً يتضمن 13 بنداً، تشكّلُ بمجموعها اتفاقاً مشابهاً لاتفاق مدينة الضمير الذي أُبرِمَ منذ أيام. وكانت وتيرة التفاوض في القلمون الشرقي قد تسارعت بعد تهجير أهالي الغوطة نحو الشمال، ليتمّ الإعلان رسمياً يوم أمس عن بدء تنفيذ اتفاق مدينة الضمير، الذي يتضمن تسليم فصائل المعارضة فيها للأسلحة الثقيلة والمتوسطة، مقابل السماح بخروج من يرغب من المقاتلين والمدنيين إلى الشمال السوري. وقد ترافق هذا مع انتشار فيديو لقائد ما كان يسمى لواء مغاوير الصحراء العامل في المنطقة، يعلن فيه انضمامه إلى ميليشيات الدفاع الوطني الموالية للنظام.

تقع منطقة القلمون الشرقي شمال شرق مدينة دمشق وغوطتها، وهي منطقة واسعة متصلةٌ شرقاً بالبادية السورية، وشمالاً بريف حمص حتى منطقة المحسّا جنوب القريتين، ومطلّةٌ غرباً على طريق دمشق-حمص الدولي، الذي تليه مناطق القلمون الغربي. وكانت فصائل المعارضة، حتى بدء المفاوضات الأخيرة، لا تزال تسيطر فيها على مدينة الضمير المحاصرة، التي دخلت فصائلها في اتفاقات هدنة طويلة متقطعة مع قوات النظام، بالإضافة إلى قطاع واسع مجاور للضمير شمالاً، يضم مدينتي الرحيبة وجيرود، وعدة قرى وبلدات صغيرة أخرى، بالإضافة إلى سلاسل من الجبال والتلال الوعرة، أهمها جبل البترا.

2682637639-crop.jpg

خريطة نشرها موقع وكالة قاسيون للأنباء، تظهر توزع السيطرة في القلمون الشرقي بتاريخ 19 نيسان 2018

بعد عدة جولات من المفاوضات خلال العام 2017، أصبحت المنطقة إحدى مناطق خفض التصعيد في البلاد، إلا أن الجانب الروسي عاد للتراجع عن هذا الاتفاق مؤخراً، وطرح خيارات محدودة أمام لجان التفاوض في المنطقة، وهي المصالحة أو التهجير أو الحرب الشاملة.

وتضمّ القيادة الموحدة في القلمون الشرقي تجمُّعَ الشهيد أحمد العبدو ولواء شهداء القريتين وكتائب أخرى، ويبدو أن المفاوضات التي تخوضها مع الجانب الروسي تسير باتجاه مشابه لما آلت إليه الأوضاع في الضمير، إلا أن رفض خيار التهجير من قبل جيش تحرير الشام العامل في المنطقة، ومعه مجموعات كانت تتبع لتجمّع العبدو، قد يؤدي إلى إطالة المفاوضات.

وقد فَتَحَ جيش تحرير الشام معارك مباغتة ضد نقاط النظام في منطقة المحسّا خلال الأيام القليلة الماضية، ودمَّرَ نقاط ارتكاز وغرفة عمليات تابعة للنظام هناك، لتعود الأخيرة وتأتي بتعزيزات لتفتح معارك ضمن المحور ذاته، لم تتوقف حتى اللحظة. ذلك في وقتٍ قام فيه طيران النظام والطيران الروسي بتنفيذ مئات الغارات خلال الأيام الماضية على المنطقة، تركزت في معظمها على منطقة جبل البترا، وهو المعقل الرئيسي لمقاتلي المعارضة في المنطقة، فيما استهدفت بعض تلك الغارات مدن وبلدات القلمون الشرقي، موقعة عدداً من الشهداء والمصابين بين المدنيين. وقد تداول ناشطون من أبناء المنطقة على وسائل التواصل الاجتماعي، أنباء عن استخدام الكلور في الغارات التي استهدفت جبل البترا.

يعدُّ تجمّع الشهيد أحمد العبدو من أهم فصائل المنطقة، لكنه عانى من انشقاقات وتفكك خلال الأشهر الماضية، بعد أن كان القوة الأكبر فيها. أما جيش تحرير الشام، الذي يبدو مُصرّاً على البقاء في المنطقة، فهو أيضاً من أكبر فصائل المنطقة، ويقوده النقيب المنشقّ فراس البيطار، من أبناء بلدة رنكوس في القلمون الغربي، الذي قام بقيادة مجموعات مسلحة لمقاومة النظام في القلمون الغربي، وانسحب نحو القلمون الشرقي بعد سقوط يبرود بيد قوات النظام وحزب الله عام 2014. وكان قبل ذلك قد سجّلَ مشاركته في معارك خارج القلمون، أبرزها معركة «ربيع المجاهدين» في حرستا عام 2013. وقد دخل البيطار ومجموعته في صراع مسلح مع تنظيم جيش الإسلام خلال عامي 2014 و2015، واتُهِمَ من قبل جيش الإسلام بموالاته لتنظيم داعش، مقابل اتهام البيطار لجيش الإسلام بتسليم المناطق جزافاً للنظام في القلمون الشرقي.

هذا وتتواجد مجموعات تابعة لجيش الإسلام وفيلق الرحمن في القلمون الشرقي، كانت جزءاً من استراتيجية الفصيلين لمدّ نفوذهما إلى مناطق كانت تعدُّ خط الإمداد الرئيسي للغوطة، قبل إغلاق هذه الخطوط تماماً أواخر العام 2013.

في القلمون الشرقي أيضاً لواءُ شهداء القريتين، ومعظم مقاتليه من أبناء ريف حمص الجنوبي والشرقي، كانوا قد انسحبوا إلى القلمون الشرقي خلال مراحل المعارك الطويلة مع قوات النظام وداعش في محافظة حمص والبادية. كذلك توجد فيه مجموعة تابعة لجيش أسود الشرقية، استقرّت في القلمون بعد الخروج من دير الزور إثر سيطرة تنظيم داعش على المحافظة. وبالإضافة إلى ذلك، كان اتفاق جرود عرسال عام 2017 قد أتى بفصيل سرايا الشام من القلمون الغربي إلى القلمون الشرقي مع عائلاتهم، ويضمّ الفصيل حالياً نحو 300 مقاتل، قالت مصادر مقربة منهم للجمهورية، إنهم غير راغبين باتفاق مصالحة جديد، مما قد يضعهم في الجانب الذي يفضّل القتال ورفض اتفاق التهجير.

لا تزال فصائل المعارضة في المنطقة تمتلك عدة أوراق ضغط يمكن أن تسمح لها بتحسين موقعها التفاوضي، منها حجم القوى العسكرية التي تمتلكها، بالإضافة إلى سيطرتها على خط الغاز الرئيسي الواصل إلى دمشق. وبالمقابل، فإن عمليات القصف العنيفة التي تنفذها طائرات النظام وروسيا، تضع الفصائل تحت ضغط كبير من قبل المدنيين، الذين يعانون اليوم أوضاعاً سيئةً للغاية بعد قطع الطرقات واستمرار القصف العنيف.

قد تحاول بعض فصائل المعارضة الحفاظ على مواقعها في جبل البترا والمناطق الوعرة المحيطة به، مقابل الخروج من المدن، وقد أكدت مصادر للجمهورية من أبناء المنطقة أن هذا الخيار مطروح، وأن هناك قبولاً مبدأياً لنقاشه من الجانب الروسي، إلا أن التطورات قد تأتي بمضاعفات تجبر المعارضة على خيار الرحيل النهائي عن المنطقة.

تعدّ منطقة القلمون الشرقي آخر المناطق الاستراتيجية التي تتواجد فيها فصائل المعارضة في المحيط الواسع لمدينة دمشق، وهي تطلّ على الطريق الدولي الواصل بين دمشق وحمص، وهو أهم الطرق الدولية في سوريا. وتضمّ قواعد عسكرية مهمّة للنظام أبرزها مطاري الضمير والناصرية، بالإضافة إلى مقرات الفرقة الثالثة التي تعدّ واحدةً من أكبر وأهمّ الفرق في جيش النظام، وتخضع لرقابة وسيطرة روسية شديدة في الفترة الأخيرة، إذ تضمّ مقراتها مندوبين روس بشكل دائم، سواءً للتفاوض مع لجنة القلمون الشرقي، أو للإشراف على الأوضاع في هذه النقاط العسكرية الاستراتيجية.

تبدو سيطرة النظام المرجّحة على تلك المنطقة، إعلاناً للسيطرة على محيط دمشق كاملاً من قبل قواته والقوات الروسية، وهو ما سيعني نهاية كل حديث عن احتمال دخول فصائل المعارضة إلى دمشق بالقوة، أياً تكن تغيّرات الموازين والتوجهات الإقليمية والدولية مستقبلاً.