القيمة القانونية لتقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

 

قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في بيان لها، صدر يوم الثامن من شهر نيسان (أبريل) الحالي، إنّ «فريق التحقيق وتحديد الهوية» التابع لها، المعروف اختصاراً (IIT)، قد توصل إلى نتائج نهائية فيما يخص التحقيق بثلاث حوادث تم فيها استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين في مدينة اللطامنة، بريف حماة الشمالي، خلال شهر آذار (مارس) من العام 2017.

وأضاف البيان أن القوات الجوية التابعة «للحكومة السورية» مسؤولة عن ثلاثة استهدافات في 24 و25 و30 آذار على مدينة اللطامنة، استخدم فيها السارين وغاز الكلور. وقد استطاع فريق التحقيق تحديد نوع الطيران وأسماء القواعد الجوية التي انطلقت منها الطائرات الحربية والمروحية التي نفذت تلك الهجمات، كما حدَّدَ في حالتين أسماء الفرق الجوية التي تتبع لها تلك الطائرات.

وقد تمّ إنشاء «فريق التحقيق وتحديد الهوية» بقرار من الجمعية العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وذلك في شهر حزيران (يونيو) عام 2018، بهدف تحديد هوية مرتكبي الهجمات الكيماوية التي أشارت تقارير لجان سابقة تابعة للمنظمة إلى تنفيذها. ولم تكن هذه الإدانة الدولية هي الأولى من نوعها، فقد أعلنت تقارير أصدرتها آلية التحقيق المشتركة بين منظمة الحظر والأمم المتحدة (JIM) مسؤولية نظام الأسد عن هجمات سابقة، من بينها الهجوم على مدينة خان شيخون جنوب إدلب بغاز السارين عام 2017، إلا أنّ الجديد الذي يحمله هذا التقرير أكبر من مجرد نتائجه، إذ أنه الأول الذي يصدره فريق IIT الذي يحقق في عدة هجمات كيماوية وقعت في سوريا خلال السنوات الماضية، كما أنّ الفريق الذي تشكل بقرار من مؤتمر الدول الأعضاء في منظمة الحظر، سيكون محمياً من الفيتو الروسي في مجلس الأمن، وهو ما يضمن، نظرياً على الأقل، استمرار عمله بعد إصدار تلك التقارير، خلافاً لما حدث بعد صدور تقرير الآلية المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة الحظر (JIM)، التي عطلت روسيا عملها بعد إدانتها للنظام.

ويمتلك التقرير عدداً من الآثار القانونية والسياسية بالغة الأهمية، بحسب فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الذي قال في حديث مع الجمهورية إنه يشكّل «دليل إدانة للنظام السوري، ومن الممكن لأي مدعٍ عام وأي محكمة الأخذ به أو البناء عليه. وبالطبع سيكون هناك تحقيقات أخرى من قبل تلك المحاكم، إلا أنّ التقرير قد قطع مسبقاً شوطاً كبيراً بالنسبة لعملية التقاضي». كما يثبت التقرير، حسب عبد الغني، عنصراً هاماً يجب توفره في أي إدانة جنائية وهو النية، «إذ أن الهجوم قد تمّ ترتيبه وفق عوامل الطقس، عبر توقيت الضربة بغاز السارين في ساعات الفجر، عندما يكون تيار الهواء في أبطأ سرعاته، في يوم كانت حالة الطقس فيه مثالية لانتشار غاز السارين القاتل على أوسع مساحة ممكنة، الأمر الذي يحتاج تخطيطاً دقيقاً يثبت النية المسبقة للنظام».

في هذا السياق يصف محمد العبد الله، مدير المركز السوري للمحاسبة والمسائلة، التقرير بأنه «دقيق للغاية»، فهو قد ركز على قضية واحدة، ما «سمح له بأن يكون دراسة معمقة للحالة، وسمح له بجمع شهادات دقيقة، وأدلة جنائية مادية أخرى مثل عينات كيميائية تمّ تحليلها في مختبرات عالية التقنية، وأجزاء من الذخائر المستخدمة مثل البرميل الذي استُخدم في ضربة الكلور». كما أن التحقيق جرى على مستوى عالٍ من الكفاءة والمهنية حسب العبد الله، الأمر الذي يشرحه بقوله: «لقد وضعت اللجنة كل السيناريوهات الممكنة في حسبانها، ومنها احتمال أنّ الضربة مفبركة، أو أن تكون الفرقة العسكرية التي وجهت ضربة السارين منشقة عن النظام أو تعمل بدون أوامر، وقد تمّ دحض كل تلك السيناريوهات، وتأكيد الفرضية التي تقول بأن النظام هو الذي أعطى أوامر مباشرة باستخدام السارين والكلور في هجمات اللطامنة في آذار 2017».

ومن أبرز أوجه أهمية هذا التقرير أنه صادرٌ عن لجنة لا تحكمها شروط عمل اللجان التابعة للأمم المتحدة، أو التي تشارك فيها هذه الأخيرة، والتي لا يمكن الاستناد إليها في اتخاذ أي إجراءات قانونية، خلافاً لتقرير لجنة منظمة الحظر، الذي يمكن استخدامه في عمليات التقاضي التي قد يتم البدء بها ضد مسؤولين في النظام السوري بتهمة ارتكاب جرائم باستخدام السلاح الكيماوي.

يقول الدكتور محمد كتوب، مدير المناصرة والسياسات في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، للجمهورية: «يشكل التقرير الأول لفريق التحقيق وتحديد الهوية، الذي شكلته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، خطوة مهمة نحو الأمام في ملف التحقيقات الخاصة باستخدام السلاح الكيميائي في سوريا. لكن على الرغم من أهمية التقرير، قانونياً أولاً، وسياسياً وإعلامياً ثانياً، إلا أن مسار العدالة والمحاسبة ما يزال شائكاً، ويحتاج إلى إرادة دولية من خلال قيام دولة، أو مجموعة دول، باللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، حيث أن استخدام الغازات السامة يقع تحت تفويض المحكمة الجنائية الدولية تبعاً للمادة الثامنة من نظام روما الأساسي».

وفي هذا السياق، قال الأمين العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية إن «IIT ليست هيئة قضائية أو شبه قضائية مخولة بسلطة تحديد المسؤولية الجنائية الفردية، وهي لا تملك سلطة إصدار نتائج نهائية بشأن عدم الامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية. (...) يعود الأمر الآن إلى المجلس التنفيذي، ومؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية، والأمين العام للأمم المتحدة والمجتمع الدولي ككل، لاتخاذ أي إجراءات أخرى يراها مناسبة وضرورية».

يعني ما تقدّم أنّ إثبات استخدام النظام للسلاح الكيماوي لا يكفي لتحديد المسؤولية الجنائية الفردية، وهو ما سيكون العائق الأساسي أمام أي عملية تقاضٍ قد يلجأ إليها السوريون في المحاكم الأوروبية، على غرار ما حدث خلال العام الماضي من بدء عمليات قضائية ضد أفراد في الجيش أو الأمن التابعين للنظام، بناءً على ادعاء فردي أو جماعي بارتكاب انتهاكات ضد الإنسانية. لكن بالمقابل، يؤكد التقرير أنّ استخدام السلاح الكيماوي لا يمكن أن يكون قد حدث في سوريا إلا من خلال قرار من أعلى المستويات، وأن تفويض السلطة لا يعني تفويض المسؤولية من الناحية القانونية، وهو ما قد يكون مفتاحاً لتجاوز تلك العقبة.

هناك عدة خيارات نظرية لملاحقة مجرمي الحرب ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية، من بينها المحاكم الدولية، أو المحاكم الأوروبية التي تمتلك صلاحيات عالمية نتيجة قوانين تم إعدادها لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية، إلا أن تطبيق ذلك في الواقع يبدو صعباً للغاية للأسف، لأن الذهاب إلى محاكم دولية يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، وهو ما يبدو شبه مستحيل بسبب الفيتو الروسي. أما الذهاب إلى محاكم أوروبية، فهو لن يكون سهلاً أيضاً، إذ يحتاج إلى أدلة على تسلسل القيادة تفضي إلى تحميل المسؤولية الجنائية لأفراد بعينهم، ليكون التحرك الدولي هو المحرك الأساسي لأي من عمليات التقاضي، أو لغيرها من الإجراءات السياسية والقانونية التي تجد في هذا التقرير دليلاً على خرق النظام للقرارات الدولية.

يقول فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان: «التقرير يثبت خرق النظام لاتفاقية حظر استخدام السلاح الكيماوي، كما يثبت خرقه لقرار مجلس الأمن 2118 ، الذي يقرر في البند 21 التدخل وفق الفصل السابع في حال عودة النظام لاستخدام أو تصنيع أو نقل الأسلحة الكيماوية، وهو ما يضع أدوات سياسية وقانونية بيد القوى الدولية للتحرك إذا ما أرادت فعلاً وقف النظام».

قد يكون من المبكر الحديث عن إتخاذ إجراءات قانونية ضد مسؤولين في النظام السوري بناءً على التقرير الذي أصدرته منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، إلا أن صدوره قد يكون نقطة البداية في عملية طويلة للوصول إلى العدالة من أجل الضحايا في سوريا؛ مدنيون قتلوا في بيوتهم، تم خنقهم بغازات سامّة، وثبت على نحو لا يمكن دحضه أن نظام بشار الأسد مسؤول عن استخدامها.