القُيّام. القُيّام

شاعَ الحديث عمّا يسمى «تأثير موتسارت» منذ بداية عقد التسعينات، خَرَجَت دراساتٌ وتجارب تصرُّ على أن الاستماع إلى موسيقى المؤلف النمساوي الشهير يؤثر على أداء الدماغ ويحسِّنُ وظائف معينة، ودراساتٌ أخرى ظهرت فيما بعد لتنفي مزاعم الأولى.

في ذكرى عيد ميلاده الـ 262، التي مرَّت منذ أيام قليلة، تبرَّعَ كل من المشاركين في الملف بأن يجرِّبَ تأثير موتسارت، على طريقته، عبر كتابة نص تحت تأثير مباشر لإحدى مقطوعاته، لذلك يُنصَحُ بقراءة كل نص مع المقطع المختار المرافق له، عدا مقالة: «لماذا يتوجب على المرء أن يكره موتسارت؟»، التي يُفضَّلُ أن تُقرأ بعيداً عن أعمال صاحب المناسبة.

Mozart - Requiem - Dies irae - Herreweghe

بدأت حياتك هنا. لا تذكر شيئاً، لم ولن يكون لديك أصلاً أي أشياء تتذكرها. ولا حتى مجرد القدرة على التذكر، أو التخزين، تخزين الأحداث بصوتها أو صورتها. حتى صوت دورة أمك الدموية لا تعرفه، فأنت لم تكن يوماً جزءً من أم، حاجتك الدائمة للألفة لها أسباب مختلفة كلياً. لكي تتمكن من الإحساس بحدود جسدك، لكي تحقق هذه الحاجة الدائمة، تقوم بممارسة عنفك المعتاد ضد الأجساد المحيطة بك، ارتطام أدواتك البدائية، البهيمية، يداك، رجلاك، رأسك، أسنانك الطاحنة، بالأجسام المحيطة يعيد إليك إحساسك بالحدود. حدود جسدك الثقيل، حدود أبعادك التي يجهلها عقلك البدائي تماماً. أنت تشعر بعظامك الصلبة فقط، ولكنها ليست الحدود النهائية لجسدك، فأنت مكسو بطبقات من اللحم والدهون المشبعة بالماء والدم والعديد من السوائل الأخرى، جميع هذه الكثافات هي أنت. يجب عليك أن تشعر بها، ببدايات الأشياء وبانتهاءاتك.

نضطر بعد كل جولة من جولات عنفك المتزايد لإجبارك على العودة الى حالة السكون، المتعب، المؤلم، الحالة الكهربائية، الممتعة، المدغدغة، لتقوم بعدها بالاختفاء، عنّا. تماماً.

تبدأ حياتك من هنا، مجدداً، بالنسبة لك على الأقل، إنه يوم الخلق في كل مرة، يوم البداية الأولى، فأنت تخلق في كل مرة لأول مرة. موت ذاكرتك التام التي قتلها تتالي سلسلة الكهرباء، الغياب، والعودة تُنسيك جميعُها حدودَ جسدك في كل مرة، تنسيك ذاكرة الحدود التي اكتسبتها أثناء الصحوة الأخيرة. أنت لا تتذكرها ولكننا نتذكرها جيداً، فآثار يديك ما تزال تعانق رقبة مراقبتك السابقة. الأربطة الخمسة التي تشعرك الآن بالثبات، الأربطة المُثبِّتة لقدميك، ليديك، لخصرك، تشعرك بالوزن، كحبال المنطاد تشدك دوماً إلى الأرض رغم محاولاتك المستمرة غير الإرادية للإفلات. موت ذاكرتك التام التي قتلتها الكهرباء لا ينسيك حاجتك المستمرة غير الإرادية للإفلات. الإفلات ليس بحاجة الى ذاكرة ربما، يحتاج إلى أن تكون على قيد الحياة فقط. أصعب اللحظات هي اللحظة الأولى بعد استعادتك لوعيك المحدود، لحظة الخوف الدماعي الخلقي، خطر الوجود في الهواء، والتحرك السريع باتجاه ما، عادة ما يكون هذا الاتجاه هو للأسفل، في حالتك هو سقوطٌ يبدأ من داخلك ويتسارع إلى جميع الاتجاهات.

عند بداية كل الصحوات عقب الكهرباء، تصاب بحالة من الذعر الحيواني الشديد، تستمر هذه الحالة الى أن تكتشف وزن أربطتك مجدداً، عندما يبدأ دماغك البدائي غير المُمَّرَن على إدراك حقيقة أن وهم السقوط هو مجرد وهم، فبعض النهايات الممتدة الذي لا يعرف بعدُ ما هي والتي سرعان ما سيكتشف أنها نهاياتك الاربعة، الموثقة، الثقيلة، وأنه من المستحيل الإفلات منها إلا إذا فُصلت عنه، عنك، سيكتشف أنه بحاجة لمعرفة حدوده الباقية، الأجزاء الرمادية المسجلة لديه، الأجزاء خافتة الصوت واللون، معدومة الحرارة. أنه يشعر بنهاياتك الأربعة فقط، وبأسنانك وفمك أحياناً، يشعرُ بأقدم أجزائك وأكثرها بهيمية.

سوف تكون هنا في كل مرة، بعد كل صحوة، فترات تثبيتك بهذا الشكل إلى الأرضية الإسمنتية تزداد بشكل ملحوظ، لكنك لا تعي هذا لأنك في كل صحوة تُخلَق لأول مرة، لو كنتَ على أي درجة من درجات الوعي، أي قدر من الوعي حقاً، استجاباتٍ شرطية، لكنتَ استطعت إدراك النهاية الحتمية لكل موجة من موجات عنفك، إنها الكهرباء، دوماً الكهرباء، ثم الاختفاء، ثم الولادة. ولكن للأسف فإنك لم تعد قادراً على إدراك ما يعيه أبسط الحيوانات وأكثرها بدائية، لأنك بلا ذاكرة، بلا حدود، جسدك ممتد وواسع أكثر بكثير ممّا يمكن لعقلك البدائي استيعابه من مساحة.

أعتقدُ أنه لو أنكَ ولدتَ بلا نهايات، بلا رجلين ولا يدين، كان ذلك سوف يحد من احتياجاتك ومن عنفك المزمن، ربما لو أنكَ ولدتَ بلا أطراف ممتدة، كان من الممكن أن تكون الآن بين مجموعة من الأشخاص اليوميين العاديين، تتحدث معهم عن أمر عرضي غير مهم، تمارس التذكر بشكل جيد، قادر على التحليل البسيط وعلى فهم الثواب والعقاب وعلاقتهم بالحاجة والممنوع. تباً للطبيعة، وتباً لمحاولاتها الدائمة للوصول إلى الكمال. كيف سمحت لنفسها بإيجادك على هذا النحو؟ المكتمل فيزيائياً، بدماغٍ بدائيٍ جداً. دماغ يحاول اكتشاف المكان لأول مرة، دماغ الكائنات البدائية التي أعلنت بداية القدرة على استشعار النور والظل. ولكن هذه الكائنات لم تكن عنيفة على أي حال، كانت عبارة عن استطالات هلامية غير مؤذية، لا تمتلك عظاماً ولا ذاكرة.

أعتقدُ أنه يجب عليك أن تتحول إلى كائن ما يشبه كائنات الهلام المخاطية هذه. أتمنى لو كانت أعضاؤك هذه، المثبتة، التي لم تعد تشبه شيئاً، مكسوة بطبقة سميكة من الهلام، أو ماذا عن ولادتك ضمن قالب كبير من الجيلاتين القادر على استيعاب نمو جسدك. ماذا لو كنتَ الان سابحاً، مثبتاً داخل هذا القالب الشفاف، سيمنحك ضغط الجيلاتين المطبق على جميع أنحاء جسدك بالتساوي إحساسَ الألفة والحدود، وهمَ الوجود والقدرة. ولكن ماذا لو مع مرور الوقت، مرور فترة طويلة على وجودك ضمن هذا القالب، وبعد اعتيادك على الشعور الدائم بجسدك ونهاياتاك، بدأت الحاجات البدائية الثانوية لديك بالظهور، كالخروج مثلاً، الإفلات، عندها سوف نعود إلى نقطة الصفر، فبعد فترة قصيرة من خروجك من القالب سوف تعود إلى حالتك الأولية، سوف تزول ذاكرة أعضائك بالتدريج وسوف تعود إلى مزاولة عنفك الأول، وإلى تقديم ذاكرتك مجدداً للكهرباء. سوف تعود إلى فقدان إحساسك المتتالي بأعضائك وبنهاياتك وببداية الأشياء. سوف يعود دماغك إلى العجز مجدداً لحظةَ ترك القيود لك، قادراً على التحرك في فضاء مبهم الاتجاهات، غير قادر على استشعار خط أفقه أو منظوره الوهمي، لأن أنانية الطبيعة، الباحثة دوماً عن الكمال، سمحت، بإعطاءك جسداً ثقيلاً موجَّهَاً بدماغ بدائي، بحاجة مستمرة لمساحات كبيرة من الألفة، مستحيلة الإشباع.