الكتابة بوصفها إنقاذاً

تفتح الجمهورية باب التفاعل والنقاش حول قضايا وأفكار أثارتها النصوص التي نُشِرَت ضمن ملف عن الكتابة ومشاغلها.

لدي اضطراب شخصية حديّة، أبٌ قاسٍ في طفولة تشبه طفولة جيل الثمانينات بأكمله يحولّكَ بلا شك إلى كائن مضطرب يرى الحياة أبيضاً أو أسوداً، يشعر بقوة، ويراوح مزاجه بين القلق والاكتئاب. صدماتُ اعتقالٍ متعاقب كرّست كل ما عَلِقَ في داخلي سابقاً خوفاً لا أمسك له طرفاً، فكلما عالجتُ بالتحليل له عرضاً، نشأ آخر. الصراصير ثم ضياع الأشياء ثم السفر ثم الموسيقى الصاخبة، العمل ثم الغرباء ثم الجنس، والآن الكلام. هل تعرف كيف تفقد الكلمات من ذهنك؟ كيف تنفر الدموع بدلاً منها؟ هذا حالي اليوم.

لا يغفل أصدقائي فرصتهم في السخرية إذ أبوح بآلام مرضٍ نفسيٍ تختلط بضغط حربٍ يومي. يجدون لي عذراً في كوني ناشطةً لا زلتُ أحسّ بضغط خطرٍ إذ أعيش في مناطق النظام، وكل ما أعمل يورطني لديه، لكنهم يملون التذمر الذي يعتقدون أني أمارسه بكثرة، وأصمتُ أنا بالضرورة، ويتحول الكلام إلى رعب آخر.

أن تتحول من شخص يشارك بكثرة إلى شخصٍ صَموتٍ خشية انفضاض الناس من حولك هو بغض النظر عن كونه تعذيباً، يبقى انتقالاً صعباً ووحدة جديدة تفرضها على نفسك، كي لا تبقى وحيداً. المسألة معقدة فعلاً، ولكن ما هو الذي لا يعقّده مرضٌ نفسي؟ وماهو الذي لا تشوهه حرب؟

أين الكتابة هنا؟ إنها تلك التي رافقتني منذ الصغر. مئات الدفاتر والأوراق، مئات الملفات غير المنتهية، ومئات الكلمات التي تسكن الذهن حتى تطفح على الورق. إنها تلك التي لا شكّ فيها، ستكون الأمور أفضل بعدها، حتى لو كتبت عن عذاب يدفعك لزهد الحياة نفسها، ستكون الكتابة وحدها ما يجعل شعورك هذا بعد خروجه على الورق أقل مرارة. إنها مكافأتك على آلامك، حين تخرج لوعة تستسيغها وقع كلمات وجمل وفقرات، تراها ترسل واحدة إثر أخرى. تفخر بقدرتك عليها رغم كل شيء، حتى حين تفقد اللغة في الكلام، كم هو عجيب أن تبقى بين أصابعك!

يقول صديقي: «إن الكاتب قبل كل شيء يسعد نفسه، فإن كان فيه موهبة أسعد آخرين»، وهكذا أوقن بمسلمة أخرى. عدم مسؤوليتي عن تغيير العالم كانت الأولى. مُتعبٌ أن ترغب التغيير، وأن ترغب منه الكثير، ثم يصفعك الواقع بكل ما فيه وفيك حتى تفقد الإيمان بجدوى رغبتك الأولى، وتستسلم ناضجاً إلى أنك أصغر بكثير مما تخيلت، أنك تحتاج من ذهبوا حولك. من ماتوا ومن اختفوا ومن رحلوا ومن ملّوا، تحتاجهم لأنك أقل من أن تعرف لوحدك كل ما يجب فعله، ثم تفعله. تحتاج بشريةً وإياك كي تشتركَ في دور بحجمك. وأنت صغير كنملة ومريض كفاقد أهلية ومتعب كشيخ قديم. ومما أحسّ به أن الكتابة وحدها ما ينجيني، هي جائزة الترضية إثر فشلٍ ماحقٍ على كل صعيد. لقد فشلت، لقد فشلنا. هذا ما أحسّه كل يوم كناشطة وكسورية، ولا يبقى لي من أمل إلا أن أحكي كيف حدث هذا، علّ من يقرأ يوماً يضع إصبعاً على وصفة سحرية لم نعرف كيف نجدها لننقذ أنفسنا.

لكنها ليست كذلك فقط. لا زال اسمي مستعاراً، لا زلتُ أخاف، ومن أخشاهم يخافون أيضاً حتى يذهبوا إلى عنف عشته ورأيته وسمعت عنه الكثير. أتذكر السنوات ما قبل الثورة، تلك التي تعلمت فيها أن طريق أي تغيير أريده، وكانت قضاياي عندها نسوية ولا-دينية، لا يمرّ إلا بمعارضة النظام بدءً. كان النظام العثرة الأولى والأكبر، ولم تكن الوحيدة، لكننا إذ افتقدنا حرية الرأي والتعبير، والكتابة، افتقدنا القدرة على التغيير. وكانت المعارضة كلاماً وكتابة، لغة وأفكاراً، وكان المعارضون كُتاباً وصحفيين بالضرورة، أو قراءً نهمين بأقل تقدير، وكانت الأمور أوضح بكثير، أصعب وأسهل بكثير. أصعب لقلة المتجرئين على القول والكتابة ضد النظام، وأسهل لأنها أكثر منطقية وبساطة. كان هذا كل ما يمكن حينها، واليوم هي أقل ما يمكن، مئات المنابر لتقول ما تريد، الفعل بات أسهل. ما الذي تستطيع قوله بعد كل هذا؟ كم تصبح الكتابة عندها أصعب، لكنها لا تزال هنا تحت حكم هذا النظام فعلَ المقاومة الأكثر إمكانية، علينا أن نستمر بالكتابة كي لا يندثر ما يفعله فينا، ليدرك من يجيئون بعدنا كيف حدث كل هذا وأين كنا، ولم فعلنا أو لم نفعل.

الكتابة من هذا المكان تأخذ شكل لاعب السيرك السائر على حبل. جمهورك أو جماهيرك لا يجمعها إلا نقطة الصفر: الثورة، ويبعثرها كل شيء بعدها، ليغدو المديح هنا مذمّةً هناك، والعكس يجوز باحتمالات عديدة. وأنت إذ توجّه خطابك للمعارضين فقط دون المؤيدين، فلديك الأمل أن تتأتى لك الأفكار والمفردات التي لا تعرضّك لرمي الحجارة. لعلّ في الاسم المستعار منجىً من المعارضين أيضاً، وليس النظامُ فقط من يُخشَى قول الرأي أمامه.

أتذكر من اعتقالي الأخير أن المحقق لم يأبه بسلميتي البتة: «الكلمة أقوى من السلاح، أنتم تحاربون بالأفكار»، وشعرتُ لذلك برعشة فيها من الفخر الكثير، أحسستُ بقوة لا تنتهي أُمسِكُها بيدي وأجترح بها المعجزات، امتلكتُ الوسيلة وليس ينقصني السبب. أما اليوم وشخصيتي تصاب بالهزة تلو الأخرى، وقد انفضّ مَن حولي أفراداً وجماعات، وعمّت الكراهية وأعمَت، وحدها الكتابة من تعيدني تلك القادرة على فعل شيء في وقت مشلول كهذا، وحدها الكتابة ممكنة ومنقذة لي.

أما عمّا يحصل عندما أكتب، فليست العظمة نصيبَ سطوري كما هي في بالي. تخرج كلماتي مثل شخصيتي، مُختزلةً مُلتفّةً على بداياتها ونهاياتها كصعوبة واحدة مستمرة على شكل أحرف يصعب نطقها بالتوالي الذي تسري به في ذهني. يصعبُ عليَّ حتى أمام نص قذفت فيه من نفسي ما تجاوزت، فأنسى ماذا أردت وكيف يُقال ما كتبت. الأفكار تعزّ عليَّ بافتقاد الحلول أو الأفكار الجديدة، محشورةٌ ككل السوريين في زوايا اختيارات لا خير فيها، بل كلها آخِرُ ما حلمنا أو فكرنا به. لا زال الآخر الذي أقصده كمتلقٍ مخيفاً حتى أني أفقد الرغبة بتبسيط نفسي أمامه، يظهر خجلي عرياً فاضحاً بنصوص خشبية اللغة، أو معقدة إلى درجة من اللاوضوح تُفقدها أفكارها. يمرُّ ما فيها من مقاصدي هزيلاً، لكنها تبقى لغتي. وإن كانت مشوهة كمثلي فهي أنا، وها أنا أُنقذ نفسي وحلمي بها راغبة بكل أنفاسي ألّا أستسلم وألّا أنطفئ، وأن يبقى شيءٌ واحدٌ مني حياً بعد موتي كل يوم أمامي. ما كتبت.