الكتاب في سوريا: السياسة والربح

 

«أريد أن يكون الإعلام السوريّ كله مثل سمفونية يقودها مايسترو وهو وزير الإعلام، وكل عازفيها ينظرون إلى العصا التي يحملها المايسترو ويعزفون حسب حركتها».  

أحمد اسكندر، وزير الإعلام في السبعينات بعد استلام حافظ الأسد للسلطة

 

تملأ مئات العناوين شوارع دمشق هذه الأيام، ومن البرامكة إلى الحلبوني وصولاً إلى سور قلعة دمشق، تنتشر بسطات الكتب ومكتبات القرطاسية التي بدأت بتجارة الكتب، أو محلات تجارية عادية باشرت بعرض الكتب أيضاً، بعناوين مختلفة متنوعة وأسعار زهيدة، وهي تشهد إقبالاً واسعاً من قبل الشباب والشابات اليوم.

وسابقاً كان البحث عن كتاب أشبه بالبحث عن إبرة في كوم قش، إذ تراجع حضور المكتبة بشكلها الكلاسيكي في سوريا خلال العقود الماضية، وكان عدد المكتبات قليلاً جداً، يأكلُ الغبار رفوفها ويندر زبائنها، الذي كانوا بغالبيتهم يزورونها للاستفسار والسؤال أكثر من الشراء، ما اضطر أصحاب مكتبات عدّة لإغلاقها واستثمار نقودهم في مشاريع أخرى.

أما اليوم فينتعش سوق الكتب، ليصبح الكتاب زميل الأدوات الكهربائية في مكتبة اليقظة في شارع الثورة، ورفيق القرطاسية والطباعة في مكتبات شارع الحلبوني، وهذا بفضل سوق قرصنة الكتب الجديد الذي أنعشته وغذّته أرضيةٌ خصبة من قوانين الرقابة وقوانين حقوق النشر، وساعدت في نجاحه تركيبة القراء السوريين اليوم.

القوانين الرقابية التي تفرض عقوبات صارمة على أيّ انتهاك يمس حرمة «مؤسسات الدولة»، تسمح في الوقت ذاته بكل أشكال الانتهاك لحقوق النشر والناشرين. القوانين ذاتها التي تخفي كتاباً من الأسواق، تسمح ببيع كل ما هو مزور أو منسوخ بشكل غير نظامي. القوانين التي كان يتم التحايل عليها بتغليف الكتب بورق الجرائد وتهريبها سراً، تسمح اليوم بنشر عشرات الكتب دون تقييم أو دراسة مضمونها.

المادة 1: تعد المطابع والمكتبات والمطبوعات على اختلاف أنواعها حرة، ولا تُقيّدُ حريتها إلا في نطاق القانون.

بالرغم من أن المادة الأولى من قانون المطبوعات السوري تفسح المجال أمام حرية الرأي والتعبير للصحفيين والكتاب والناشرين، إلا أنه يليها عدة مواد تجرّم اختلاف الرأي، ولا تضع محددات لهذا التجريم، بل تستخدم عبارات فضفاضة قابلة للنقض والتأويل، ما يجعلها تنطبق على أي حالة لا تعجب السلطة ولا تتوافق مع توجهاتها. 

تتطرق المادة رقم 29 لمحظورات النشر في سوريا، ومنها: «وسائل التحقيق الجنائي وأوراق الاتهامات قبل انتهاء التحقيق، ووقائع دعاوة القدح والذم والافتراء، ووقائع المحاكمات الخاصة كالطلاق، وتقارير الأطباء الشرعيين ومذكرات مجلس الشعب السرية». وتهدف المحظورات أعلاه إلى حماية النظام القضائي بوضوح، بينما يليها بندان آخران يفتحان المجال على العديد من الحالات والممنوعات: «المقالات والأخبار التي تمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع، وكذلك التي تتعلق بأمن الجيش وسلامته وبحركاته وعدده وتسلحه وتجهيزه ومعسكراته، باستثناء التي تصدر عن وزارة الدفاع أو التي تسمح هذه الوزارة بنشرها.

ونشر الكتب والرسائل والمقالات والتحقيقات والرسوم والأخبار التي تتضمن طعناً بالحياة الخاصة».

تندرج تحت هذين البندين سلسلة كاملة من الممنوعات والمحرمات، كونهما يفتحان الباب على جميع أشكال التأويل التعسفي، وتترتب عليهما غرامات وعقوبات تصل إلى حدّ حبس القائمين على المادة المطبوعة، وإغلاق دار النشر.

يلي تلك التحذيرات بنودٌ تتضمن حالات «التجّريم المتعددة»، التي تتسم بسعة القدرة على التأويل، وعدم تعريف الأطراف المعنية بالجرم، أو حتى تحديد واضح المعالم له. ومنها جرائم القدح والذم والتحقير والافتراء والتعرض للآداب العامة، وغيرها العديد من الجرائم التي يمكن اتهام أي نص مطبوع بأنه يتضمنها. ومنه المادة 51 التي تقول في بندها الأول:

«أ_ يعاقب من ينقل الأخبار غير الصحيحة أو ينشر أوراقاً مختلقة أو مزورة منسوبة كذباً إلى الغير بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من خمسمائة ألف ليرة سورية إلى مليون ليرة سورية، أو باحدى هاتين العقوبتين. ويُقضى بالحد الأقصى للعقوبتين معاً إذا كان النشر أو النقل قد تم عن سوء نية، أو سبب إقلاقاً للراحة العامة أو تعكيراً للصلات الدولية أو نال من هيبة الدولة أو مسّ كرامتها أو مسّ الوحدة الوطنية أو معنويات الجيش والقوات المسلحة، أو ألحقَ ضرراً بالاقتصاد الوطني وسلامة النقد، ما لم ينطبق الفعل على عقوبة أشد».

وأيضاً المادة 56، التي تركز بشكل أساسي على الدعوة لأي تغيير سياسي، وتقول الفقرة د منها:

«د- كل مطبوعة تدعو إلى تغيير دستور الدولة بطرق غير دستورية أو إلى العصيان ضد السلطات القائمة بموجب أحكام الدستور، يعاقب المسؤولون عنها بإلغاء رخصتها علاوة على العقوبات المنصوص عليها في القوانين النافذة».

تتضافر هذه البنود لتصنع هيكلاً رقابياً صلباً في وجه الناشرين، وتخلق رقابة داخلية من قبل الناشر على ما ينشره، فمن الصعب التحايل على أي منها، ومن السهل جداً أن يسقط أيّ ناشر تحت وطأة اتهامه بتهمة تندرج تحت بند من بنودها، التي تجعل القانون يتناقض مع ذاته، وخصوصاً مع المواد الأولى من قانون المطبوعات، التي تشيد بحرية التعبير، وتفتح المجال أمام تسهيل الحصول على تراخيص للنشر.

أما فيما يتعلق باستيراد المطبوعات، فإن هذا الأمر مرهون بموافقة وزارتي الإعلام والأوقاف، اللتان يجب أن تطلعا على المطبوعات وتوافقا عليها، والموافقة التي تأتي من هاتين الوزارتين هي موافقة أمنية بحتة، ذلك أن عمل كلتيهما مرهون بموافقة أفرع أمنية عدة.

تحت وطأة هذه القوانين، واحتكار المؤسسة العامة للمطبوعات والتوزيع لكل ما ينشر في سورية، تم توقيف واعتقال واستدعاء العديد من الصحفيين والكتاب السوريين، وإيقاف العديد من الدوريات المطبوعة والكتب والتقارير الصحفية والمواقع الإلكترونية والنصوص الدرامية.

السوريون والكتاب

لسوق الكتب والمطبوعات في سورية سمات وملامح متناقضة، يصعب تحديدها والبحث فيها على وجه الدقة دون إجراء دراسات واسعة واستبيانات لم يقم بها أحد حتى الآن، ويصعب القيام بها بشكل مستقلّ في الظروف السائدة. وكذلك هو الحال بالنسبة للقارئ السوري الذي يشكل دعامة هذا السوق. ولكن يمكن القول إن الإقبال على سوق الكتب قد ازداد في الأعوام القلية الأخيرة، وازدهرت تجارتها بشكل ملحوظ، فأصبحت لا تقتصر على مكتبات وأماكن بيع كتب مخصصة، بل غدت منتشرة في كثير من المحلات دون التقيد بمكتبات أو دور نشر محددة، ودون التقيد بالمساءلات القانونية حول معرفة مصادر هذه الكتب الرخيصة كثيرة العدد، التي باتت ترسم ملامح نوع جديد من الثقافة الرائجة في سوريا اليوم.

بالاعتماد على ملاحظاتي الشخصية، وعلى أحاديث أجريتها مع أشخاص من شرائح عمرية متنوعة، أستطيع القول إن القراءة لم تكن ظاهرة عامة في المجتمع السوري، وهي في الوقت نفسه لم تكن حكراً على شريحةٍ دون غيرها، ومع هذا تولّدت ملامح مشتركة بين القراء السوريين دون أن تتطور لتشكل نموذجاً عام واضح المعالم. وعلى العموم، تحضر القراءة على وجه الخصوص بين أبناء الطبقة الوسطى، وكانت تعتبر من الرفاهيات بالنسبة لشرائح واسعة من السوريين خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وذلك بسبب الظروف الضاغطة التي تفرض البحث عن أولويات وأساسيات الحياة الأخرى. كذلك كانت القراءة تعكس حالة من التمرد والثورة لدى شرائح معينة في مراحل سابقة، إذ كان كثيرون يرون أن القراءة باب من أبواب فعالية المثقف في المجتمع، غير أن هذا بدوره كان قد تراجع أيضاً خلال السنوات الماضية، مع تراجع الإيمان بقدرة المثقفين على التأثير في الواقع.

أما اليوم، فتتزايد وتتضخم القراءة في اتجاه استهلاكي تجاري، يشكل برفقة وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث الإلكترونية مصدراً لما يمكن أن نسميه «الثقافة السهلة والسريعة». وكان سوق القراءة الاستهلاكي في التسعينيات يقوم على المجلات ومجموعات الروايات القصيرة مثل روايات عبير والألغاز، لكن هذا النوع يتضخم اليوم بسبب توسّع دور النشر وازدياد عددها، ليشمل الروايات الجديدة المختصرة وكتب الطاقة والتواصل وغيرها.

يقوم هذا السوق دون معيار ثقافي محدد أو توجه خاص، بل تفرض شروط التجارة نفسها عليه بالدرجة الأولى، وهو سوق يساهم في صناعة الرائج ويسّوق له عبر دعايات تجذب الزبائن، ويهدف بشكل أساسي إلى الربح، الذي استطاع تحقيقه مستفيداً من غياب القوانين الحامية لحقوق النشر، وازدياد إقبال الجيل الشاب على الكتاب المطبوع.

ويمكن القول إن تطور السوق في هذا الاتجاه ليس خاصاً بسوريا، بل هو توجه عالمي، وخصوصاً فيما يتعلق بكتب علم الطاقة وكتب الدعم النفسي والتفكير الإيجابي، ولكن الجديد على السوق السورية هو الإتجار بالروايات والكتب الفلسفية إلى جانب تلك الكتب واسعة الانتشار عالمياً، وما يلفت النظر هو زيادة الإقبال والاستثمار في المجال الثقافي، وتحوله إلى سوق رابحة تعتمد كلياً على المواطن السوري.

السوق اليوم

«ما منبيع كتب هون»، يقولها أبو عمار، صاحب بسطة للكتب المستعملة في دمشق، لأول زبون جاءه ذاك النهار. طرد أبو عمار زبونه الشاب، الذي جاء برفقة فتاتين، وكانوا جميعاً على الأرجح طلبة جامعيين. طرده بعد أن طلب كتاب حيونة الإنسان لممدوح عدوان، مطلقاً نكات حول عنوانه أمام الفتاتين، ومتفاخراً بأنه سيضيف الكتاب السابع والعشرين إلى الكتب الستة والعشرين التي كان قد قرأها. أرسله أبو عمار إلى بسطة مجاورة تختص ببيع الكتب الجديدة (غير المستعملة)، علّه يجد ضالته هناك، لاعناً القراءة والقرّاء، إذ يرى أن كتاب حيونة الانسان يجذب كثيراً من الشباب فقط بسبب عنوانه وانتشاره الكبير على أرصفة الطرقات والمكتبات، وقد أحسّ بالضيق عندما شعر أن ذلك الشاب يطلب الكتاب على سبيل التبجّح وليس الرغبة بالمعرفة.

لم تكن سرقة الترجمات والمطبوعات في سورية أمراً جديداً، فلطالما وجدت مطبوعات مزورة دون وجود اسم ناشر أو مترجم، إذ لا توجد حماية قانونية جدية لحقوق النشر أو الترجمة في سوريا. وقد تم تقديم شكاوى عديدة من أصحاب دور نشر مرخصة بحق سماسرة الكتب والمكتبات الصغيرة التي تسرق الطبعات لتوزعها بنسخ مزورة، ولكن هذه الشكاوى لم تلق أي رد، لأن الرقابة على فعل النشر نفسه والحقوق المتعلقة به في سوريا شديدة الضعف، بعكس الرقابة الشديدة والقاسية على مضمون ما يتم نشره.

يزداد الإقبال اليوم على الكتب المزورة، فيما نشهد شبه انعدام للكتب الأصلية، وقلة في عدد المطبوعات التي تنتجها دور النشر السورية، لأن سوقها أصبح شبه معدوم، ولا يرتاد معارضها سوى عدد قليل من الناس. وتختص مكتبات قليلة فقط بعرض المنشورات المرخصة، سواء كانت محلية أم مستوردة. على سبيل المثال، فإن المكتبة المختصة باستيراد كتب المنظمة العربية للترجمة، موجودة في حي من أحياء منطقة الحجاز، وهو حي تم إغلاق مدخله بحاجز للجيش، حتى أصبحت المكتبة على مدى سبع سنين شبه مهجورة، لا يعلم بوجودها سوى روادها القدامى، كما أن أسعار كتبها عالية جداً مقارنة بدخل المواطن السوري.

تختص دور النشر غير النظامية بتحقيق أوسع انتشار للكتب الرائجة، كروايات باولو كويلو وأحلام مستغانمي وإليف شافاك، إضافة إلى كتب علم الطاقة وبعض المطبوعات الدينية وغيرها. ومع زيادة انتشارها وزيادة الطلب عليها، أصبحت تعيد نشر روايات لأمين معلوف وحيدر حيدر وممدوح عدوان وجورج أورويل، وكتب لنيتشه وفرويد. لا توجد سمة معينة لما تنشره هذه المطابع، حتى أنها أصبحت أشبه بسلطة تحدد ما يقرأه الناس، وتحدد ما هو سائدٌ بسبب ضخامة إنتاجها وسرعة انتشارها، حيث تنتشر طبعة الكتاب الجديد المزورة أمام أعين المارة، سواء في الشارع أو على واجهات المحال والمكتبات وأماكن بيع القرطاسية ومكتبات محاضرات الجامعة، وتصبح أشبه بموضة رائجة تقتنيها الأغلبية.

معلبات الخوف: انطباع الطفل السوري حول الكتاب

الفئة التي يستهدفها سوق قرصنة الكتب بشكل رئيسي هي فئة الشباب والشابات بين العشرين والأربعين عاماً، وهم الشريحة التي يتنوع تعريف الكتاب بالنسبة لها ويختلف استخدامه، والتي كان أول لقاء بينها هي والكتاب عبر المناهج الدراسية السورية، التي تصنع أول انطباع عند السوريين تجاه الكتاب، وهو انطباع يصعب التخلص منه دون جهد وتمرد.

يخلق اللقاء الأول مع الكتاب انطباعاً من الصعب تغييره، وخصوصاً إذ استمرّ اللقاء نفسه لفترة زمنية طويلة. وبالنسبة للطفل السوري، استمرّ لقاؤه مع مناهج وزارة التربية حتى شبابه، وخلق نفوراً من الكتاب، وصعوبة في تحديد تعريف واحد للكتاب بالنسبة للفرد السوري.

منذ السبعينيات، قدَّمَ البعث جهازاً تعليمياً متكاملاً يضمن السيطرة الفكرية عن طريق المدرسة والجامعة ومؤسسات طلائع البعث وشبيبة الثورة والاتحاد الوطني لطلبة سوريا، إضافة إلى المراكز الثقافية. وهيأت هذه المؤسسات المناخ لمجتمع الخوف الذي نراه اليوم، وكوّنت علاقة خاصة بين الفرد والكتاب، ساهمت في تحديد توجهات ونوعيات القراءة.

ولَّدَت علاقة السوري الأولى مع الكتاب نفوراً وقطيعة، لأن بداياتها كانت عبر المناهج الرسمية التي تطبعها وزارة التربية، بِدءاً من نسخها القديمة في ثمانينات وتسعينات القرن الفائت، وصولاً إلى تطويراتها المتعددة في الألفية الثانية، وهي التطويرات التي تدهورت حتى تحولت إلى فضيحة العام الفائت، مع التعديلات الأخيرة الذي تشوبها أخطاء معرفية، إلى درجة أن الطلاب استطاعوا ملاحظتها بأنفسهم.

كانت المدرسة ولا تزال من أهم عناصر صناعة الأفراد المؤطرين بالخوف، وكانت مهمتها الأساسية في سوريا أن تخلق أجيالاً تحمل فكراً أحادياً، فساهمت في تكوين نسخ من مواطنين لا يمكنهم النظر خارج حدود المؤسسات. ومن المؤكد أن المؤسسات التعليمة ليست كافية لوحدها لتكوين الفكر الأحادي، ولكنها من أهم العوامل التي تؤثر في الطفل، الذي يجد نفسه في مواجهة أبنية بنية اللون تكرس القسوة والصمت، تملؤها الشعارات، يقف فيها الطفل المواطن باستعداد، مرتدياً الزيّ الموحد، البني سابقاً والأزرق اليوم، ويُلقَّنُ دروسه في غرف رمادية موحدة تزينها صور القائد.

هذه العلاقة التي تستمر منذ الطفولة وحتى المراهقة في المرحلة الثانوية، تخلق فرداً مضاداً للكتاب بكل أشكاله، إذ كان الكتاب المدرسي وما يزال عقبة في مسيرة الطالب السوري، ينبغي عليه تخطيها عن طريق الحفظ السريع والنسيان الأسرع. في سائر أرجاء سوريا، أصبح تمزيق الكتاب المدرسي في آخر يوم من كل عام دراسي طقساً متبعاً، حتى أنه بات يتم تصويره اليوم ، ويأخذ تمزيق الكتب شكل احتفالات أوسع وأشد قسوة، إذ يتم حرقها وبعثرتها أمام المدارس.

تعكس المناهج السورية شرخاً كبيراً بين الواقع وبين ما هو مكتوب فيها، فهي لا تشبه الحقيقة في شيء، ومستواها دائماً أدنى من مستوى الطلاب، كما تُغيّب عنها معلومات شائعة في المجتمع، ليحلّ محلها نوع من الكذب المنمق. القراءة بالنسبة للطفل السوري هي مجرد واجب، والكتاب بالنسبة له هو كاذب بالمجمل. ويتخرج الطالب السوري من المرحلة الثانوية وهو لا يدرك ملامح تاريخ سوريا، لأن النظام التعليمي السوري يعزز الشرخ في المجتمع السوري، حتى أصبح جيل الشباب بعد أربعين عاماً من مناهج البعث جاهلاً تماماً بتاريخ البلد قبل حقبة البعث، والمعلومات التي يحصل عليه عن حقبة البعث موجهة ومفصلّة تماماً على قياس السلطة الحاكمة.

الكتاب ليس حقيقياً، هذه هي صورة الكتاب لدى الطفل السوري، ما يجعل لديه نفوراً ذاتياً من فكرة القراءة. وفي سن المراهقة والمرحلة الثانوية، سيقود هذا النفور للانضواء تحت ثقافة مؤسسات الدولة التي تغذي عنصري الدين والقومية، أو إلى معاداة السائد لدى فئة قليلة، تذهب إلى ثقافة حالمة لا تتناسب دائماً مع الواقع، لكنها ثورية تستطيع استقطاب هؤلاء المتمردين.

مؤسسات حزب البعث الثقافية تنتشر فعلياً في كل أرجاء سوريا، وهي الخيار الأول للثقافة. وفي كثير من المناطق، وخاصة في الأرياف، لا يكاد يوجد سوى هذه المؤسسات لنشر الثقافة. في الثمانينات والتسعينات كانت الثقافة المتمردة والمتوافرة بكثرة هي الثقافة السوفييتية، التي استطاعت احتواء النفور من المؤسسات الرسمية، عبر كتبها التي كانت تغزو الأسواق والمكتبات، فكان مثقفو تلك المرحلة في معظمهم يساريين.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع الشيوعية واليسار في العالم، انهارت الثقافة سوفيتية المنشأ، وأغلقت مكتبة الزهراء التي كانت إحدى أهم المكتبات المتخصصة بالأدب الروسي، وتوقفت ترجمات دار التقدم بعد أن كانت واسعة الانتشار وبأسعار زهيدة. وعوضاً عن ذلك، انتشرت سريعاً مكتبات دينية مختصة ببيع كتب التفسير والتجويد والحديث وعلوم الدين، لتصبح هي المكتبات الأكثر انتشاراً وفخامة في دمشق. وقد اكتسب هذا النوع من المكتبات تأثيره وقوته واستمراريته بعد ترخيص معهد كفتارو للعلوم الشرعية وتخرّج الدفعات الأولى منه، الذي كان يغذي الجانب الديني من التعليم في المدرسة.

ارتبطت كثافة القراءة بالانتماء الفكري والسياسي ارتباطاً كبيراً في سوريا في التسعينيات، مع الركون إلى الانتماءات واضحة المعالم ومحددة الهوية. أتذكرُ كيف أنه كان لا يستطيع شخصان أن يقوماً بنقاش مريح واضح المعالم، دون تأطير أحدهما للآخر في تعريف محدد، هذا «الشخص قومي» أو هذا «الشخص متدين متشدد»، أو غيرها من التصنيفات. لكن التصنيف الأكثر عدائية ونبذاً للآخر، كان ذاك المتعلّق بالقارئ غير محدد الهوية الثقافية، القارئ الحر إذا صحت التسمية، وهو وصف «الشخص العدمي»، الذي كان يُطلَق على العم إبي عمار لفترة طويلة من حياته.

كان أبو عمار يقابل هذا الوصف بضحكة واستهزاء، فهو لا يصنف نفسه كعدمي، مُشيراً إلى أن العدمية حالة معقدة، وتحتاج إلى دراسة عميقة قبل أن نطلقها على أي شخص بسبب أفعال غير مبررة أو توجهات غير واضحة، لكنه يقول إيضاً إنه كان يستمتع لسنين طويلة بهذا الوصف.

اختلط أبو عمار خلال عمله وحياته بشرائح متنوعة من القراء السوريين، بحيث يمكنه أن يقول اليوم إنه شاهدٌ على تحولات آليات وسلوكيات القراءة، وإنه يعرف نوعية القارئ من خلال أسلوب بحثه بين الكتب المبعثرة على البسطة. وهو يقول إننا انحدرنا اليوم إلى مرحلة بات يتمنى فيها ألّا يقرأ المراهقون قراءة عميقة، كي لا يصيبهم اليأس والإحساس باللاجدوى، وكي تبقى القراءة وسيلة للترفيه والتسلية، عبر بعض الروايات الدرامية والرومانسية التي تُجمّلُ قبح الواقع.

الوصول الى الكتاب

كان معرض دمشق للكتاب الفسحة التي يستطيع عبرها المواطن السوري اقتناء كتب متنوعة، والحصول على نُسخ أصلية من مختلف دور النشر العربية، إذ كانت تشارك في المعرض العديد من دور النشر، التي كان يصل عددها إلى ثلاثمئة دار أحياناً في سنوات ما قبل الثورة. غير أن الوضع اختلف بعدها، إذ توقف المعرض لمدة أربع سنوات، ثم أعيد افتتاحه عام 2016 بمشاركة دور نشر محلية وبأسعار مرتفعة جداً. إلّا أن دورتي العامين 2017 و2018 أعادتا المعرض إلى سياقه القديم، عبر إفساح المجال أمام بعض الاختراقات الرقابية، فشاركت في المعرض العام الماضي دور نشر لبنانية لا تتوافق سياستها في النشر مع توجهات النظام السوري السياسية، مثل «الدار العربية للعلوم».

ولا تفارق بروبغندا النظام السوري أي مساحة من المساحات الثقافية في البلاد، إذ يقترن اسم المكتبة الوطنية الأكبر في سورية باسم الأسد «مكتبة الأسد»، حتى أن الأسد بات خلال أربعين عاماً رمزاً يقترن كل شيء في سوريا باسمه. وقد تصدَّرَ المعرضَ في العام الماضي كتابُ سامي كليب، الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج، بخصم وصل إلى حد 70% بحيث تم بيع النسخة بسعر خمسة آلاف ليرة سورية. وإلى جانبه كتاب بشار الجعفري، المندوب السوري لدى الأمم المتحدة، المعنون سياسة التحالفات السورية. أما باقي أقسام المعرض، فقد طغت عليها الصبغة الدينية لدور النشر اللبنانية الشيعية، ودور النشر الإيرانية، وحتى السعودية. وعلى أي حال، لم يحظَ المعرض بإقبال كبير من السوريين، خلافاً للإقبال الواسع على بسطات الكتب المقرصنة، والكتاب الإلكتروني.

يستخدم العمّان عصام وأبو عمار، صاحبا بسطات للكتب المستعملة تحت جسر الرئيس في دمشق، الكتب الإلكترونية، ويجدان فيها حلاً مجدياً لأزمة الكتب في سوريا، فالعديد من الكتب المستوردة أو الطبعات القديمة لم تعد موجودة، أو أن سعر الواحد منها يفوق ربع دخل المواطن السوري. أما الكتاب الإلكتروني فقد سهّل عملية القراءة والوصول إلى الكتب الأصلية كما يسمونها. لم يرضَ أبو عمار بعرض الكتب الحديثة المقرصنة رغم الربح الذي سيجنيه، مكتفياً بتجارة المكتبات المستعملة، بينما يخصّص العم عصام جانباً من بسطته لهذا النوع من الكتب، لكسب لقمة العيش.

يقول أبو عمار إنه يمتلئ شوقاً للعودة إلى التسعينيات، حين كانت القراءة تكتسب قيمتها، فهي كانت كسراً لأعراف وتابوهات اجتماعية ثقيلة. وهو يقول إننا اليوم «نعيش في عصر التهكم والسخرية»، إذ أصبح شائعاً خرق أي نمط اجتماعي بواسطة التهكم، وهذا ما وهبته وسائل اتواصل الاجتماعي للسوريين اليوم في نظر باعة الكتب المعتقين الذين التقيتُ بهم، فهم يرون أن هذه الوسائل أعطت مساحة من التفريغ الحر والمسموح به، وأعطت الشباب دليلاً سريعاً لاكتساب ثقافة وانتماء مُحدَّدين، وكل هذا عبر اقتباسات مختصرة تعطي ملامح عامة عن مواضيع ضخمة، حتى أصبحت الثقافة اليوم ثقافة «كليشيهات».

يحاول العم أبو عمار شرح إشكاليتنا المعرفية اليوم باختصار، وذلك عبر ضرب مثال هو إعجاب فئة كبيرة من الشباب في سنّ العشرينيات بأغاني فرقة بينك فلويد، دون إدراك كافٍ لمضامينها. لا يعرف أبو عمار لغات أخرى سوى العربية، لكنه يدرك بشكل أو بآخر أنه من السخف الإعجاب بألبوم «أنيملز» لبينك فلويد، الذي يعني بالعربية «حيوانات»، دون قراءة رائعة جورج أورويل، مزرعة الحيوان.

لا يتمنى أبو عمار لابنه أن يتورط في قراءة عميقة، لأنه يؤمن أن هذا سيدفعه إلى حال تشبه حال والده اليوم، وهو أن الإدراك في سوريا هو حكم بالقتل البطيء، وأن الوعي بالحقيقة وقراءة الواقع وقسوته ستحكم على صاحبها بالكآبة والإحساس بالعجز: «ستدرك ضعفك والمأساة التي تعيش فيها، وأنك لم تكسب من هرم الحياة سوى مستواه الأول، مستوى تأمين المتطلبات الأساسية، وستكمنُ المأساة في أن يدرك المرء ما فاته عبر القراءة».

سوق الكتب المزورة والمطبوعات الاستهلاكية ليس آفة وليس هو المشكلة، بل هو وسيلة ابتدعها المواطن السوري ليهرب من الواقع، وسيلة جديدة لخلق ثقافة ومساحة للنقاش، ينفتح عبرها على عوالم سحرية مع ماركيز، ويستمتع بقصص حب أحلام مستغانمي البسيطة، ويجرّب أن يفهم حيونة الإنسان مع الابتعاد عن واقعه الشخصي قدر المستطاع، ليجمع راتبه الشهري ويؤمن أجار شقة وطعاماً يكفيه حتى نهاية الشهر، ويتعلم الصمت ويبدع به.

بات الكتاب اليوم وسيلة جديدة لتمضية الوقت الطويل وفتح أحاديث جديدة، في الجامعة التي تحافظ على مناهجها منذ الأزل، وفي بيروقراطية مؤسسات الدولة، وباتت وسيلة للتفكير خارج الإطار العام الذي يُقال إنه لا يجلب سوى الهموم. أما  سماسرة الكتب المزورة، فهم أشبه بعملة ذات وجهين، لأنهم ينجحون في مواصلة عملية احتيال كبيرة، ويلبّون في الوقت نفسه واحدة من حاجات السوريين الذين تساوي مرتبات معظمهم سعر كتابين من كتب المؤسسة العربية للطباعة.

كثيراً ما أسمع عبارات ممن هم أكبر مني، من مثقفي وقرّاء الستينيات: «كانت القراءة أجمل»، «لقد كنا نقرأ لهدف، كنا نقرأ لننتمي». يقولون إن القراءة كانت تحمل هدفاً، وكانت أملاً لأجيال باتت اليوم تنظر إلى الماضي بحنين، وتتهكم لاعنة التكنولوجيا واليأس: «كم نشتاق لنعرف ونتعرف على الآخر من خلال الكتاب الذي يحمله».