الكلوم والكلمات: في تمثيل الأزمات وأزمة التمثيل

مقالات إلى سميرة (7)

 

«فللكلمة أثر في نفس السامع، لهذا سميت كلمة في اللسان العربي، مُشتقة من الكَلْم وهو الجرح، وهو أثر في جسم المكلوم»

«للكلام التأثير والفاعلية، فيلتقي في ذلك مع الذكورة، وسُمي الكلام كلاماً لأنه يخرج من الكلم أو الجرح كما يخرج المولود من فرج أمه»

محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية

 

تنظر هذه المقالة في تمثيل وجودنا في العالم وتجاربنا فيه، وتقترح شرحاً للتمثيل يتقاطع فيه التعبير عن التجارب مع التشكيل المستفيد من التراث، وتنظر في أعطال التمثيل أو فشله، وتربط ذلك بجراح الوجود أو رضوضه، وبالشر.

*****

1- في العربية رابط اشتقاقي بين العناء والمعنى، يسوّغ إمكانية القول بأن المعنى وليد العناء أو المعاناة. غير أنه ليس للمعاناة «رحم» يولد منه المعنى، وإن أمكن للشعر أن يصوغ صورة كهذه. ومن شأن نقل مباشر للعناء إلى معنى أن يجعل هذا المعنى شكوى حزينة أو تعبيراً عن التألم، مسلكاً يقارب النحيب. هل هناك نقل غير مباشر؟ الإجابة على السؤال تحيل إلى أفق تفكير نال اهتماماً محدوداً في إطار العربية: التمثيل. نحن لا نكفّ عن تمثيل تجاربنا، خبراتنا، أزماتنا، مشاعرنا... نُحوّلها إلى كلمات أو صور أو أصوات أو ألوان. هذه الترجمة أو النقل «تحاكي» التجارب أو «تماثلها» بصور مختلفة، متبدلة تاريخياً، ومعقدة. التمثيل هو المستوى الوسيط بين التجربة والفكرة، بين المعاناة والمعنى، بين الكلوم والكلمات إن استعرنا ربط ابن عربي بينهما، وهو ينتج تعبيرات وأشكالاً مستقلة عما يجري تمثيله من عناء أو تجارب أو أزمات. تجاربنا ليست معاناة وألماً حتماً، ولا أزماتنا كذلك، لكن بوصفها أوضاعاً مضطربة وبلا شكل، الأزمات محفز للتفكير والتمثيل، للضبط بشكل، وعبر ذلك نُحوِّل أزماتنا وعناء حياتنا إلى أفكار وصور ومعان عامة، تساعدنا من جهة على الانفصال عنها، فتُعين على تحملها (أي على أن يصير لنا تاريخ)؛ وتقبل من جهة أخرى المشاركة من آخرين (فتكون إسهاماً في تشكيل مجتمع).

عبر التمثيل نجرد تجاربنا المؤلمة من الألم، مما هو جارح وراضّ. نفعل ذلك عبر صنع ألم غير مؤلم إن جاز التعبير، ألم مثيل أو محاكٍ، ننسج في ذلك على منوال آخرين أو «نبدع» منوالاً جديداً، وربما ينسج على منوالنا آخرون. يقوم التمثيل على المحاكاة، إيجاد مثيل لما نمثّل. ومن شأن إنتاج الأزمات المثيلة والرضّات المثيلة، المحاكية لأزماتنا ورضّاتنا الفعلية، أن يساعد على التخفف من هذه الأخيرة والتغلب عليها، فيحوز التمثيل بذلك فاعلية علاجية.

الربط بين المحاكاة والتمثيل يعود إلى إريك أويرباخ، في كتابه Memesis الذي ألّفه في اسطنبول وقت كان منفياً من بلده ألمانيا أيام النازيين. العنوان الفرعي للكتاب هو: تمثيل الواقع في الأدب الغربي.

 

2- لكن قد نستعير من المتاح التمثيلي لتمثيل تجاربنا. نمثل الحب بمقطع شعري من نزار قباني أو محمود درويش، أو المتنبي أو عنترة، أو أراغون أو نيرودا...، أو بمقاطع من أغنيات مشهورة، ونمثل الصبر بآية من القرآن أو التوراة أو من المأثور أو أغنية لأم كلثوم، والأمل بشعر قديم أو بقول لسعد الله ونوس، والسياسة بأقوال نبوية أو مقتبسات من ابن خلدون أو ابن تيمية أو لينين أو كارل شميت. نتمثل بمثل هذه الأقوال والأفكار تجاربنا، ونتشاطر تراثاً مع جماعة، أو تراثات مع جماعات/ جماعاتنا.

في كل حال، نحن لا نكفّ عن تمثيل تجاربنا، نحاول صوغها في كلمات أو غيرها، إلى حد أنه يمكن اعتبار التمثيل حاسة تضاف إلى حواسنا الخمسة أو الستة الأخرى. التمثيل حاسة بمعنى أنه وسيط دائم بيننا وبين العالم. والواقع أن وولتر بنيامين كان قد تكلم على «ملكة محاكاة» في مقالة له عام 1933، ويحتمل أن أريك أويرباخ، وكانا صديقين، استفاد منه في ذلك. المحاكاة والتمثيل مترابطان عند الأخير.

ولا يقتصر التمثيل على اللغة التي ننسى أنها هي ذاتها تمثيلٌ للعالم، وسيطٌ اجتماعي اصطلاحي بين تجاربنا وتعبيراتنا، بل تشمل «لغات» أو وسائط متعددة، منها الصوت في الموسيقى والخط واللون في الرسم والصورة في السينما، والكتل الصلبة المشغولة في النحت والعمارة، والأداء الجسدي والكلامي في المسرح... وغيرها كثير ومتجدد. في كل حال، عبر تمثيل العالم نخلق مثيلاً للعالم، عالماً آخر. فكأننا لا نستطيع العيش في عالم وجدناه إن لم نُعِد خلقه من جديد.

وتحيل مفردات في لغة كلامنا العادية مثل حَكَى وتصوّرَ إلى نظرية ضمنية في المحاكاة. فالتصور هو انطباع في النفس عن شيء خارج النفس، والحكي هو أن يكون كلامنا مشابهاً لما جرى، يحكيه ويحاكيه.

 

3- لكن كيف ننتج التجارب المثيلة أو المحاكية؟ إذا تألم الواحد منا أو خاف، فكيف يكون التعبير عن الألم والخوف في الكتابة أو الموسيقى أو التشكيل ألماً مثيلاً أو خوفاً مثيلاً؟ وكيف تكون قصة الحب المكتوبة أو المصورة سينمائياً حباً مثيلاً؟ هذا سؤال حارت به الألباب وتاهت به الأفكار كما يقال، بخاصة لكون تمثيلات الحب والألم والخوف شديدة التنوع، مع كون الحب حباً والخوف خوفاً. لا تشبه لوحة الغرنيكا لبيكاسو شيئاً واقعياً، لكنها تمثيلٌ فظيعٌ للفظيع، يحاكي المذبحة بصورة لا تشبه تمثيلات سابقة ولا تستبعد صيغاً أخرى من محاكاة المجزرة. المحاكاة تالياً لا تقتضي أن يكون التمثيل نسخة ذهنية «مطابقة» للشيء أو صورة «أمينة» له، بل إنها تتضمن فاعلية تحويلية أو إنتاجية، يتولاها «الممثل»، منتج التمثيل. لعل الغرنيكا متفوقة لكون تمثيلها للمذبحة غير «واقعي»، غير مسبوق، مع كونه «محاكياً» لها بـ«صورة ما»: تكسّرٌ وحشيٌ للحياة، مشحونٌ بتوتر أقصى. وقد تتفوق خريف البطريرك لماركيز في تمثيلها للدكتاتورية بأسلوبها الكابوسي القاطع للأنفاس. في هذين المثالين لدينا ابتعاد عن «الواقعية»، قد يمكن تعريف «الحداثة» به، بمسافة تتسع عن «الموضوع». يحمل مدرك الواقعية تصوراً للأدب والفن يحيل إلى «الواقع»، وتتمايز إلى واقعية تقليدية وواقعية اشتراكية وواقعية نقدية وواقعية سحرية وغيرها، تولدت عن اختلاف تمثيل الموضوع الواقعي، وعن تراث من تمثيلات مختلفة أنتجتها هي ذاتها وظَهَرَ عدم كفايتها.

ويُظهر هذان المثالان أيضاً أن التمثيل، إلى جانب المحاكاة، يتضمن فاعلية منشئة، قراراً، فعلَ لا محاكاة إن جاز التعبير، أو خروجاً على قواعد اللعب المقررة، بحيث لا يمكننا توقّع تمثيل التجارب قبل تمثيلها. القاعدة أو الشكل لا يسبقان التمثيل، يتولدان عنه. وهو ما يبقى صحيحاً حتى لو كنا نعتنق المذهب الواقعي في التمثيل. فحتى حين يقتصر الأمر عل تمثيل شيء جامد، مثل «الطبيعة الصامتة» في الرسم أو شعر «الوصف» العربي، فإن التمثيل أغنى من أن يكون «نسخة طبق الأصل» من الشيء. هناك تدخل الوسيط من خط ولون وضوء، ومن كلمات ونظم وإيقاع، وهناك «نَفَس» الشاعر أو الرسام، قراره في أن لا يحاكي وهو يحاكي، في أن لا يكون آلة تنتج المثائل وحدها. قد تكون النتيجة فناً رديئاً، لكن في التمثيل الفني فاعلية منشئة في كل حال، تتجاوز المحاكاة.

ولعل ما يمكن أن يؤخذ على الواقعية بكل تياراتها هو مركزية «الواقع» في تفكيرها، وليس التجربة، مع تصور شيئي للواقع يجعله قابلاً للنسخ، وما يفتح باباً لمدى مطابقة النسخ للأصل وعدم مطابقتها له. تفكر الواقعية في أشياء وأوضاع تبقى مماثلة لذاتها، أو في هوية ذاتية قبل تمثلنا لها وخلاله وبعده. هناك واقع من جهة وهناك إدراك له من جهة ثانية. كأننا منفصلون عن العالم وكأن العالم منفصل عنا، كأن الإدراك يأتي الأشياء من خارجها، والواقع من خارجه. وهذا في تصوري أساس النظريات المثالية والدينية حول الفكر والروح. فإذا كنا لا نوجَدُ في العالم إلا بالعالم (نحن منه، متكونون فيه مع كل ما فيه، وهو منا)، وكان إدراكنا متشكلاً في العالم بالعالم، وجب أن يتمركز تفكيرنا حول التجربة، حول اختبار العالم و«معاناته»، أعني الوجود فيه ووجوده فينا. من شأن ذلك أن يضيّق المسافة بين الوجود والمعرفة، ويلغي شرعية السؤال عن شرعية المعرفة، وربما يسبغ طابعاً وجودياً على المعرفة بقدر ما يسبغ طابعاً معرفياً على الوجود.

مفهوم التجربة، خلافاً لمفهوم الإدراك، يستوعب أن لنا تاريخاً، أننا نختبر العالم ولنا خبرات سابقة في الاختبار، تاريخ من التمثيل و«المعاناة». هذا واضح أكثر في مفهوم الخبرة. الكلام على إدراك أو معرفة عند «المثاليين» و«الماديين» يغفل هذا العنصر التاريخي.

وأهم من ذلك أن مفهوم التجربة يلغي فكرة الأصل والمطابقة. التجارب متغايرة، ومغايرتها مكونة لها.

المعاناة هنا ليست توجعنا من العالم أو آلامنا فيه، بل هي وجودنا في العالم واختبارنا له وتمرسنا به. والمعنى هنا وثيق الصلة باختبار الوجود.

 

4- تقترح هذه المقالة أن التمثيل نقطة تقاطع بين خطين، أفقي وعمودي، إن جاز...التمثيل. الخط الأفقي هو الذي يتوسط فيه التمثيل بين التجارب والأفكار أو بين الوجود والمعنى، والخط العمودي يتمثل في التراث، وما يوفره لنا من لغات وأشكال وقواعد وأدوات لتمثيل العالم. أعني بالتراث المتاح من مخزون التمثيلات الكلي الذي نستند إليه في إنتاج تمثيلاتنا اليوم، الكتابية منها والموسيقية والأدائية وغيرها. على الخط الأفقي يمكن أن نتكلم على تعبير، نُعبِّر عن التجربة بفكرة أو عن معاناة الوجود بمعنى أو عن الخبرة بمثل إلخ. التعبير «يحاكي» التجربة أو الأزمة المحفزة ويتجاوزها، «يُعبِّر» عنها ويعْبُرها، إلى المعنى أو «العِبْرة».

وعلى الخط العمودي نتكلم على تشكيل للتجربة أو الخبرة، مُستندين إلى ما يتيحه التراث من أشكال وصور وقواعد، ولاعبين بها وخارجين عليها. أو قد يكون الأنسب أن نتكلم على تراثات بالجمع لا على تراث بالمفرد، لـ«تمثيل» مُتاحيّات مختلفة لمخزون الأشكال، بعضها قديم وبعضها أحدث، بعضها موروث وبعضها مكتسب، فيها المحلي والوافد، الشعبي والعالِم، نشارك من هم حولنا في تراث، ونشارك آخرين في تراث آخر، وغيرهم في تراث ثالث إلخ. فإذا كان الواحد منا روائياً شيوعياً عربياً على سبيل المثال، فإنه شريك في جوانب من تراث العربية، وهو شريك في تراث الرواية في العالم، ثم شريك في تراث شيوعي له رموزه وأغراضه ومراجعه، هذا فضلاً عن تراث عائلي ومحلي، مكتسب في سنوات الطفولة واليفاع. التوافق بين التراثات أو التنسيق بينها على نحو «مبدع» (أي مختلف وجديد وجذاب) هو تحدٍ يضطلع به الكتّاب، فيوفقون قليلاً أو كثيراً.

ويتسنى لنا بفعل وجود تراثات متعددة إدخال النسبية على إكراهات قواعد كل منها، وبالتالي الإفلات من التبعية لأي منها، أو مساحة استقلال عن كل منها، بما ييسر لنا الحركة واللعب بحرية أكبر. ضمن تراث واحد نكون أقل حرية، ثم نازعين إلى تكرار ما يتيح من تمثيلات، والعيش في عالم مغلق، حَلَقيّ التاريخ.

التمثيل في كل حال تركيب بين التعبير (محور تجارب/ أفكار) والتشكيل (محور التراث/ التراثات)، يمكن أن تتولد عنه أفكار وصور جديدة تضاف إلى التراثات وتضيف إليها. الفن الشعبي تعبيريٌ غالباً لأنه وصلٌ أقرب إلى المباشرة بين العناء والمعنى، يستفيد على نحو محدود من التراث. واللغة المحكية تعبيرية لأنها غير مُدونة وتكاد تكون بلا تراث، بلا تراث مدون ومحفوظ على الأقل، أي فقيرة إلى الشكل. وبالعكس، يمكن تعريف المدرسية، أو السكولاستيكية، بما فيها غير قليل من الأكاديميا المعاصرة، بأنها تشكيلية، تشتغل على تراث/تراثات معطاة وتعيد تشكيله/ـا في صور مخلتفة، مع صلة محدودة بتجارب اليوم وأزماته. الإسلامية المعاصرة عموماً، والسلفية بخاصة، تشكيلية بقدر كبير، تغفل محور التعبير، أي ما يتصل بأوضاع عيانية، بتجارب ومِحن، بأزمات اجتماعية أو سياسية (سأستدرك على هذا لاحقاً)، وتذيبها في مخطط مسبق جاهز، مستمد من التراث الواحد، بل من جزء منه. ولأن التراث هنا واحد أو أقل (جزء من تراث)، فإن مجال اللعب والتغيير يبقى ضيقاً، ولا تُتاح مساحة استقلال تتيح النظر إلى التراث من خارجه ورؤية نواقصه وميزاته. يعيش الإسلامي مثلاً في داخل تراثه، يرى بعيني التراث، ويحتمي به من تجارب وأزمات و«كلوم» محرومة من التعبير والكلمات الجديدة.

 

5- إذا كان التمثيل حاسة، فليس بيننا من لا يمثلون. لكن هناك تمثيل يضيف معنى أو قيمة إلى التراث، تمثيلٌ مُنتج أو «مُبدع»، وهناك تمثيلٌ لا يضيف، عقيمٌ أو اجتراري. الإبداع هو مركب تعبير/ تشكيل لا سوابق له في التاريخ، ليس نسخة من شيء سابق الوجود. يأتي الإبداع، من تغاير التجارب والأزمات، وقد تقدَّمَ القول إنها أوضاع مضطربة فاقدة للشكل، «تدعونا» إلى تشكيلها. لكنه يأتي كذلك من استقلال الأشكال عن التجارب ومن تعددها (الأشكال)، وتعدد التراثات ذاتها.

ولعلنا نوظف في الإبداع الكلامي قدرات توليدية على إنتاج عبارات جديدة، القدرات التي يعتقد تشومسكي أنها فطرية وتعم الناس جميعاً. ميزة هذه النظرية أنها تجعل الإبداع فاعلية لصيقة بالإنسان بما هو كذلك، وليس بمبدعين موهوبين دون غيرهم. لكن لعل الإبداع في الأدب والفن والعلم هو هذه القدرات التوليدية وقد صارت مقصداً مُدركاً ويقبل التعلم، أو وقد وَظَّفَ فيها «المبدعون» طاقات وجهوداً خاصة. يمكن إبداع الإبداع بالرعاية الخاصة.

قد لا يكون افتراض الفطرية لازماً، وربما يتولد الإبداع عن تجارب المعنى التي تعود علينا بتوجه أفضل في الحياة أو سداد أكبر في الوجود. بعبارة أخرى، ربما نبدع لأن بعض تمثيلاتنا مُحْيية أكثر من بعض آخر. حين نقول الشيء نفسه أو نعبر عن تجاربنا المختلفة بالكلمات أو الصور نفسها، فإن التجارب تبقى غير مُمثلة، فنبقى ملتصقين بها لا ننفصل عنها. من تجاربنا ما ليس مختلفاً، شأن كثير من أوجه الحياة اليومية (تفاعلنا مع عبارات التحية، مع تعبيرات المجاملة، السلوك الطقسي المتكرر...)، وتكفي التقاليد والتعابير اليومية لتمثيلها. المجتمع يتكون حول ما يتكرر، حول دليل من التعابير والمسالك التكرارية التي نسميها عادات وتقاليد. ليس هناك معنى هنا، هناك نظام وتفاهم واستقرار. لكن التجارب المغايرة تحتاج إلى تمثيل مغاير، توليد للمعنى نُكافأ عليه بوجود أرسخ. الإبداع بهذا المعنى فعل وجود، إنتاج للمعاني التي تعود علينا بوجود أجود.

ونقيض الإبداع هو بالضبط التكرار من حيث أنه لا يضيف معنى، أو من حيث أن المعنى هو المعنى المضاف، وأن معنى دون إضافة هو لا معنى. الوجود يستهلك ويهترئ دون تجدد في المعنى. وقد نشخص مشكلة الإسلامية هنا بأن معاناة الوجود الحديث لم تُمثَّل، لم يواكبها إنتاج معان مُضافة. الوجود السيء هو الوجود بلا تمثيل، معاناة بلا معنى.

في كل حال، تعدد وتغاير التجارب، وبالتالي التعبيرات، ثم تعدد التراثات، وبالتالي الأشكال، ثم المهارات المكتسبة المتطورة، هذا التعدد هو سند الإبداع. أفراداً وثقافات، إبداعيتنا تتدنى حين تكون تجاربنا محدودة النطاق، لا تتحدى مألوفنا ولا تقلق عاداتنا في التعبير والتشكيل، ولا تدعونا إلى خوض مغامرات تمثيلية، وحين لا نتعهد قدراتنا التوليدية فنجعل منها اكتساباً يتطور، وكذلك حين نكون محصورين في تراث واحد بدل تكثير تراثاتنا. ولعله صار واضحاً الآن أن التراث ضروري للإبداع، وأن الإبداع لا يكون قرين الخروج من التراث إلا حين يكون هذا تراثاً واحداً لا نخرج منه كأنه سجن، فنجد أنفسنا بعد حين يطول أو يقصر نكرر أنفسنا ونجتر ما يتيحه لنا التراث الواحد من أشكال وصور.

وتوفر التراثات المختلفة قدرات غير متساوية على التشكيل. التراث الشعبي أفقر بالأشكال من التراث العالِم، وإن يكن أغنى تعبيراً. التمثيل تعبيري هنا. ومثل ذلك ما كان يسمى قبل جيل أو أكثر المباشرة في الأدب أو الفن. المباشرة هي استغناء بالتعبير عن التشكيل، وبالتالي هي تمثيل ناقص. ما يميز المباشرة في الأدب من إعلاء للمضمون على حساب الشكل هو وقوع في أسر التعبيرية الفجّة، حيث الأزمة تنقل مباشرة إلى الأدب والفن والفكر، ربما طمعاً بأثرها الانفعالي التعبوي. ويقترن ذلك بازدراء للتراث/ التراثات وغفلة عن نفعهما التشكيلي. كانت المباشرة تلقى تعزيزاً في نظرية الانعكاس الماركسية (المعرفة انعكاس للواقع) التي كانت بدورها تختزل الفكر والفن إلى تعبير، وتلحق التمثيل إما بالمعرفة العلمية أو بمتطلبات عملية (الحزب، الصراع الطبقي، الثورة الاجتماعية...)، فتعلي من شأن «المضمون» وتهمل التراثات أو البعد التشكيلي للتمثيل. الأدب الذي ينتجه إسلاميون هو أدب تعبيري أيضاً، مضمون بلا شكل، رغم أن القوم تراثيون. وقد يكون في جذر هذه المفارقة أن ذاتية الإسلاميين الحديثة هي ذاتية قائمة على الصراع والنفي، تبحث عن تأكيد ذاتها بحشد الانفعالات والتعبئة ضد جبهة واسعة من الأعداء تشمل العالم كله تقريباً. لن نرى هنا انشغالاً بالشكل، أو هو يقتصر على سجن التراث الواحد الذي لا يضيف معنى.

التراث الثقافي العربي يوفر قدرات تمثيلية أفقر مما يتيحه التراث الغربي الحديث، متعدد اللغات والأغنى بالأشكال (الموسيقى، الرسم، النحت، العمارة، فنون الأداء...). التراث الديني الإسلامي يناهض بعض وسائط تمثيل العالم كالنحت، وموقفه ليس إيجابياً حيال الموسيقى والرسم (غير الزخرفي والخطوطي)، والمسرح والسينما. وفي جذر ذلك على الأرجح رفض منازعة الله على الخلق. لكن قتل خلقية الإنسان من أجل حماية خلقية الله هو درب إلى البدائية، ويعطي فكرة غير طيبة عن الله ذاته، فإما أنه يخاف من خلقية الإنسان أو إبداعه، أو أنه لم يكن يعرف أن الإنسان خالق، أو أنه كان يعرف ثم غير رأيه. وفي عمومه هذا مُفقر، ويضعنا في موقع أضعف حيال أزماتنا. مقابل هذا الإفقار الديني للغات تمثيل العالم، هناك ضغط شديد على التمثيلات اللغوية، ما يرهق العربية ويحد من نجاعة تمثيلاتها ومن الثقة بها.

 

6- لكن التمثيل ليس مضمون النجاح.

والفشل يمكن أن يتأتى عن فشل التشكيل أو فشل التعبير أو فشلهما معاً.

نفشل لأن تمثيلنا لم يُضف جديداً إلى المخزون المتاح من أشكال وصور ومقولات ومفاهيم، أي لأننا نكرر، أو لأننا لا نعمل على تطوير تمثيلاتنا بما يعطي تجاربنا قيمة صانعة للمجتمع وفاتحة له على المثيل المغاير. أو لأن المتاح التراثي لا يستوعب التجارب والأزمات الجديدة.

لدينا أمثلة قريبة من المتناول لمشكلات فشل التمثيل ذات المنشأ التراثي، منها ما يتصل باللغة العربية ذاتها، وما يتصل بالشعر وكتابته، وما يتصل بالدين وأحكامه. كأن نكتب الشعر ملتزمين العمود والنظم والقافية والأغراض الموروثة، ونتكلم وفقاً لما يفترض أنها أصول الكلام العربي الصحيح، متجنبين المُولَّدَ والمُعرَّبَ من الكلمات، ونتدين وننضبط في سلوكنا الديني بقواعد وموجبات قررها فقهاء في أزمنة قديمة، أزماتها تختلف عن أزمات زماننا، بذريعة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان. قد نتكلم في الحالات الثلاث على نزعة أصولية، لغوية وشعرية ودينية، تنحاز للولاء الحرفي لصيغ في التمثيل تنفي تغيّر الأزمنة والتجارب والأزمات والكلوم، فتترك المستجد من هذه غير مُمثَّل وغير معالج. فشل التمثيل ينعكس على الوجود تلعثماً وركاكة.

كانت قضايا التراث شغلت المفكرين العرب بين سبعينات القرن العشرين ونهاية القرن. شخَّصَ محمد عابد الجابري مشكلات «العقل العربي» في أنه «عقل قياسي»، يعتمد آلية عقلية خاصة: قياس الغائب على الشاهد. الشاهد في الفقه هو قضية فيها حكم معلوم، تقاس عليها نوازل أو مستجدات للحصول على حكم بشأنها. وكان استخدم المنهج نفسه في النحو، وعليه في الأصل قام تقعيد العربية. في المصطلحات بالذات لدينا عالم مقلوب، يحل النص فيه محل العالم وتجاربنا في العالم. «الغائب» (وليس «الشاهد») هو التجربة أو الأزمة أو السؤال أو الوضع غير المستقر الذي نعاينه ونعانيه اليوم، و«الشاهد» (وليس «الغائب») هو نص قديم، مكرس. بعبارة أخرى الغائب هو العالم المتغير، والشاهد هو النص المنتهي غير المتغير. ولما كان التماثلُ بين «غائب» الشؤون الإنسانية (مستجدها المتغير أبداً) و«شاهد»ـها (ما سبقت معرفته و«الحكم» في شأنه) ممتنعاً، ولما كان التماثل هو «علة» القياس أصلاً، كان القياس آلية متعسفة، تدفع نحو سوق الغوائب المختلفة إلى الشواهد المتماثلة، فتُخضِعُ اللامتناهي للمتناهي، وتشجع على نظرية تماثلية وتكرارية للعالم. وعبر تضييق العالم المتغيّر على هذه النحو، يُحال دون تولد المعنى المضاف، أي المعنى. هنا محور التعبير لا يعمل، وتُحرَمُ التجربة أو العناء من التمثيل أو تفرض عليهما «الاستقالة»، إن استعرنا من الجابري نفسه. وهنا أيضاً «يستقيل» المجرِّبُ لمصلحة القائس، وهذا وكيلٌ لقاعدة نصية مقررة سلفاً، لا ينتج معاني. القاعدة تُخضِعُ الحاضر للماضي، لما سبقت معرفته، فلا تمثّلُ الجديد ولا تتجدد به. وما ليس قياسياً يُقصى إلى مجال الشاذ الذي لا يُقاس عليه.

هذا فشلٌ للتمثيل بسبب التراث. تبقى التجارب غير مُمثَّلة، وغير متمثلة، أي مُستوعبَة وغير مُمتلَكَة.

في كل حال، نحن هنا حيال فشل التمثيل بتأثير مشكلات تتصل بضغوط التراث وما يوفره أو لا يوفره من أشكال. يلزم فقط تخصيص كلمة فشل. فبما أن التمثيل حاسة كما تقدم، فنحن نمثل في كل حال، وتقمصنا التراث حصراً يجب أن يتصل بأوضاع اليوم وتجاربه.

 

7- وهذا ما أريد التركيز عليه هنا: فشل التعبير، أعني ترجمة تجارب وأزمات إلى عبارات وأفكار، إلى فكر وفن، العناء إلى معانٍ. ليس مضموناً بحال أن نستطيع تعبير المعاناة إلى معان، ننقلها خارجنا فنشكل مع من نقلناها إليهم مجتمعاً، وتسعفنا في نزع رضتها والانفصال عنها، فيتشكل لنا تاريخ. قد تقتلنا حين تتجاوز حداً من الرضية لا نطيقه. أو قد تحطم قدراتنا التعبيرية أو رغبة التعبير عندنا. من ذلك تجارب كالتعذيب والاغتصاب وشروط الاعتقال المديدة القاسية... مما كان نصيبَ كثيرٍ من السوريين في سنوات ما بعد الثورة. هنا لا نعبّر، والمعنى لا يتولد. من تجاربنا هذه ما يقتل أياً تكن وسائطنا وأهليتنا التمثيلية. لكن لعل هناك تجارب يتجاوز تمثيلها قدرة ما لدينا من وسائط وأشكال، وربما كل التراث أو المتاح البشري. تجارب قاسية، جارحة، مُكربة. قد يمكن تعريف الكرب بأنه نتاج فشل التعبير، حالنا حين نعيش مع عنائنا لا نستطيع جعله معنى عاماً (لا مجتمع)، ولا ننفصل عنه (لا تاريخ). نعيش في أسره، لا شريك لنا فيه ولا بُعد لنا عنه.

بيننا من يتحملون المصاعب أكثر لأنهم تمرّسوا بها، يستطيعون تمثيلها، يحولون الأزمات الصعبة إلى بدايات جديدة. لكن المسألة في كل حال مسألة نسبة وتناسب. قد تبلغ الصعاب حداً يتجاوز كل تمرّس وقدرة على التمثيل. رضّتها تبقى معنا، نعيش جرحى، منطوين على جروحنا، مزامنين لوقت الرضّة لا ننفصل عنه. ربما لو استطعنا التعبير، ولو توفرنا على أشكال، لساعدَنَا ذلك ونَجونا.

على أننا قد لا نمثّل لأننا لا نريد أن نمثّل. ندرك أن التمثيل جهدٌ للسيطرة على رضّاتنا وخطوة نحو الانفصال عنها، والسير خطوة نحو التصالح مع عالم تسبب لنا بها. لا نريد. الاكتئاب أو الميول الانتحارية، أو «السنّة» في مفهوم عبد الله العروي الذي سأتناوله للتو (الالتصاق بالرضة أو الدوران في مدار ضيق حولها)، أو التحول إلى قنابل متفجرة، قد تكون كلها متصلة برفض التمثيل، وإرادة حماية رضّاتنا من التمثيل (مقابل حمايتنا من رضاتنا بتمثيلها وتوديعها). وقد نريد معاقبة أنفسنا على تجارب راضّة فنقاوم تمثيلها، نريدها أن تبقى جارحة عقاباً للنفس.

في كل حال، عالمُ التعبير سياسيّ، يتصل بتجارب اليوم، وهي تجارب سياسية حتى حين لا تكون بالغة القسوة كتجاربنا السورية، أعني أنها تجارب تتحدد بقدر كبير بالدولة ونواظمها، وبالدخل وفرص العيش، وبالعالم والقيود على الحركة والتغير فيه.

أتوقف هنا لتوضيح ضروري. تَقدَّمَ أكثر من مرة أن تمثيل تجاربنا يساعد على «الانفصال» عنها أو أخذ مسافة منها، فيصير لنا تاريخ على هذا النحو. لكن استعارة مسافة الانفصال هذه لا تمثل تجربة التمثيل على أنسب وجه. بالتمثيل وإنتاج المعنى نحن نتملك تجاربنا، نتغير بامتلاكنا لها وإضافتها إلينا. ولذلك فقد تكون الاستعارة الأنسب هي استعارة العمق: عبر تمثيل التجارب، أي تعبيرها وتشكيلها، نضعها مُرتّبةً على رف في خزانتنا الداخلية. مُرتبة أي مُستقرّة في شكلها لا تخرج منه ولا تفيض عليه. تصير وراءنا في الماضي لأنها استقرّت في شكل في الداخل العميق. ليس الأمر أمر توديع إذن، وإنما هو أمر إيداع. تجاربنا الجديدة تبني على سجل من تجارب مخزنة على نحو مرتب كثيراً أو قليلاً. تبقى معنا الملفات التي لا نرتبها، «المفشكلة». مفشكل تعبيرٌ من المحكية السورية يلتقي فيه مُدركا الفشل والمشكلة (أي فقدان الشكل)، وهو لذلك مناسب جداً لأغراض هذه المقالة.

لكن بالتحول من استعارة المسافة إلى استعارة العمق، ننتقل من التاريخ إلى الأنثروبولوجيا، أو يتأسسُ التاريخُ أنثروبولوجياً.

 

8- ثم هناك فشلٌ للتمثيل متولد عن التقاء فشل التعبير بفشل التشكيل، أي التقاء جارحية التجارب بقصورات التراث. عبد الله العروي هو من طور مفهوماً ديناميكياً للتراث، وربط في السنّة والإصلاح بين التراث، يسميه السنّة، ومشكلات الواقع أو أزماته، يسميه الحدث. يعتقد العروي بأن «السنّة» هي فاعلية تسنين (لا يستخدم المصطلح في كتابه)، لا تكفّ عن تصفية «الحدث»، أي الأزمة أو التجربة. لدينا هنا تمثيل للتجربة يمتصها ويعطل أثرها «المُحدَث» في مخطط معطى مسبقاً لا يكف عن توكيد نفسه. أو بالأحرى لدينا هنا رفض للتمثيل ومقاومة له، يلغي ذاتية التجربة ومغايرتها. يتعلق الأمر بنفي ديناميكي للتاريخ، يحتمل أن منشأه صفة راضّة للتاريخ لا تطاق. العروي نفسه يشير إلى ذلك. يتكلم على «تاريخ تراجع وخذلان»، إلى «ضيم وهوان» أصابا «أصحاب الشرع والرسالة»، العرب. يُلمِح إلى حدث مؤلم غير مسمى، يشبه «تعرض حي لاعتداء». وعلى هذا الضوء تظهر السنّة كديناميكية احتماء استقلّت بنفسها وظلّت حية حتى بعد أن لم تعد تحمي من شيء، بل حتى بعد أن صار هذا النهج مُهلكاً. كنا ننفي التاريخ عبر السنّة، وعبر السنّة صار التاريخ الذي ننفيه ينفينا دون توقفنا عن نفيه. السنّة بهذا المعنى طلبٌ نشطٌ على الخروج من التاريخ، بل انتحارٌ جماعي.

والسؤال الذي يثيره هذه التصور الديناميكي للتراث يتصل بما إذا كان يمكن استخراج الحدث أو الاستدلال عليه من التقليد أو التراث المتاح، من السنّة؟ أي هل يمكن التعرف في التراث ككلمات على الكلوم التي أطلقت السنّة، وعلى محور التعبير الذي قلنا فوق إنه يربط بين الكلوم والكلمات؟ هذا ربما يقع خارج نطاق الدراسات التراثية، وأقرب إلى نطاق التاريخ. والمشكلة في طرح العروي، وهو مؤرخ، أننا لا نعرف الحدث الذي أطلق عملية التسنين، بل يبدو أن هذا الحدث افتراضٌ مضمرٌ في مفهوم السنّة على نحو ما قرره المفكر المغربي. أي أننا هنا حيال «دور»: السنّة تكونت حول حدث جارح لا نعرفه، ولا نستدل على الحدث من غير مفهوم السنّة ذاته. ترى ألا يُحتمل أن يكون أصل السنّة كدينامية تصفية للحدث رفضُ التمثيل، أو التفاعل بين «اعتداء» راض وبين مقاومة لتمثيل الاعتداء واستعداد مسبق للانسحاب من التجربة خوفاً من الشقاق والصراع، أي لأسباب سياسية؟ لدينا مركب حدثي معاصر ربما يساعد في تمثيل ظهور «السنّة» في أزمنة سابقة من تاريخنا. قبل جيل واحد من اليوم سقطت التجربة الشيوعية التي كانت ألهمت حماسات كبرى وحررت كثيرين من الأنانية كما حفزت كثيرين على التعبير والتمثيل. لكن منذ ما قبل السقوط كان التفكير الشيوعي يعرض منزعاً اختزالياً، يرجع بصورة تكاد تكون آلية الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية إلى «المستوى الاقتصادي»، ويرد كثرة الواقع وتنوعه وفوضاه إلى بنية تحتية أقل تنوعاً، تحوز قوة تحديدية بالغة، هي نمط إنتاج الحياة المادية. كان هذا الاختزال يسمى المنهج الماركسي أو أحياناً المنهج العلمي. وكان السقوط «ضيماً وهواناً» أصابا عموم الشيوعيين، وكنتُ منهم، فكان أن تفرَّقَ جمعنا في كل اتجاه، ومن لم يتفرقوا، وبما أنه لا جماعة بلا «سنّة»، فقد التأم اجتماعهم حول «سنّة ماركسية» (هي «المنهج العلمي» ذاته)، سنّة نافية للحدث مثل السنّة الإسلامية ومقاومةٌ للتمثيل والتغيّر مثلها، ونَزّاعةٌ إلى الثبات ومماثلة الذات إلى درجة التحجر مثلها. بيد أن هناك فريقاً ثالثاً، ينحدر منه العروي ذاته، وكثيرون منهم أيضاً كاتب هذه السطور، لم يقاوموا التمثيل والتغير عبر التمثيل، ولم يجعلوا من «المنهج» سنّة. عملوا في حقل المعنى، وحاولوا إنتاج معان من ضروب المعاناة المتجددة. مفهوم السنّة كما صاغه العروي يندرج في تصوري ضمن هذا المسعى.

القصد أن الحدث الراضّ وحده، أي سقوط الشيوعية، لا يفسر؛ وأن السنّة ربما تكون وليدة ممانعة سابقة للتمثيل فاقمها الحدث. السنّة ليست نتاج الحدث الراضّ بحد ذاته، ولكنها فاعلية إنكار، أو فعل نشط لإنكار الحدث، حال دون الاستقلال عنه وتركه يمضي.

وفي التاريخ العربي يبدو أن شيئاً مقارباً وقع: ضيق بواقع كثروي فوضوي، و«إغلاق لباب الاجتهاد» سياسي الدوافع، تفاقم بنزعات شقاق داخلية كان تفجرها متوقعاً بعد «معجزة» الفتوحات الباكرة الصاعقة، وفاقمته هذه النزعات، قبل أن تعرض رضوضاً أشد هولاً: الغزوات الصليبية والمغولية.

ويبدو أننا اليوم في مواجهة حدث مهول في جارحيته، يثير بدوره نوازع إنكار قوية بهدف الاحتماء. وقد يمكن تصوره اعتماداً على لغة العروي بالذات بأنه انفجار السنّة، بمعنيي التعبير. السنّة كعنوان لهوية جمعية (مذهب أهل السنّة والجماعة) تشهد اليوم تمزقات كبيرة، كما السنّة كآلة لطحن الحدث، تخرج منها حوادث ابتلعتها عبر الأجيال والقرون، في صورة وحوش وغيلان ومسوخ لا شكل لها ولا سنّة تضبطها. وفي مواجهة هذا الحدث، الأزمة الكبرى والكلْم العظيم، لا بد من كلمات جديدة ومن تمثيل مغاير. هذا اليومَ تحدٍّ مصيري، ويمكن أن يكون مؤسساً لسجل اكتساب جديد. إنتاج معان وتأسيس تراث/تراثات حول الحدث الجديد، وليس التمسك بتراث أخفق في تمثيل حدثه، هو ما قد يحول دون تحجر محتمل.

 

9- وفي أيٍّ من حالات فشل التمثيل الثلاثة، فشل التشكيل أو فشل التعبير أو فشلهما معاً، ننتقل من تمثيل الأزمات إلى أزمة التمثيل. الأزمة كوضع بلا شكل هي في آن موضوع التمثيل ودافعه. الشكل علاقة بين أحداث العالم وأنفسنا، وما لا شكل له هو أزمة تربكنا، تثير توترنا. التعبير والتشكيل جهد لاستيعاب الأزمة ونزع رضيتها، بما يساعد على الابتعاد عنها والشفاء منها. للتمثيل فاعلية علاجية مثلما تقدمت الإشارة، والثقافة يمكن أن تكون علاجاً لأدواء المجتمع، لأزماته وجراحه ومآسيه.

فشل التمثيل بالمقابل (سواء بفعل عدم ملامة التراث للتجارب، أو بفعل وحشية التجارب وانفلاتها من كل تراث، أو كنتيجة للتفاعل بين الاثنين)، يبقينا مع رضوضنا، مكروبين، لا نبتعد عنها ولا نتحرر منها. لا نوضبها في أشكالها ورفوفها المناسبة في خزائننا الداخلية، فلا نتملكها ولا تصير منا.

ومع تكرر الفشل يصير التفكير ذاته راضّاً، فنتجنبه أو ننفر منه. هذه تجربة متواترة، يعرف ما يشبهها كثيرون منا حين يتجنبون تناول بعض الشؤون أو سماع نشرات الأخبار أو قراءة الصحف، لأنها تصير مؤلمة أو حتى لا تطاق. نريد الانعزال عن معاناة لا نستطيع تمثيلها، أي إنتاج معنى منها. يحصل ألا نكتب عن تجاربنا المؤلمة لأن الكتابة عنها والتفكير بها مؤلمة، ثم إنها تبقى مؤلمة طالما أننا لا نمثلها، بالكتابة أو غيرها. وهكذا تأسرنا دائرة معذِّبة. يمكن لهذا أن يجعل منا حيوانات غاضبة، خطرة. بل أخطر. الحيوان يُعبِّر، وإن كان لا يشكّل. الحيوان البشري الذي لا يعبر، ولا يشكّل بطبيعة الحال (لأنه حيوان لا تراث له)، يمكن أن يقتل دون كلمة. يصبح القتل تعبيراً. وسأتناول ذلك للتو.

 

10- إن لم نستطع تمثيل تجاربنا الراضّة، وبخاصة حين يكون الفشل حدثاً جمعياً، وحين لا نمثل من تجاربنا غير القليل والأقل حدة ورضية من بينها، هذه التي نحتاج إلى تمثيلها أقل من غيرها، يدخل التمثيل في أزمة ونفشل في تمثيل أزمات نتحكم بها أفضل إن مثلناها، فتتحكم هي بنا، فنخسر الفاعلية العلاجية للثقافة كعالم تمثيل متعدد الوسائط.

فشل التمثيل مشكلة خطرة، بل بالغة الخطورة. لماذا؟ لأنه فشل للتفكير، للتعبير والتشكيل، الذي يسعف في تمثل التجارب ونزع رضيتها أو تخفيفها، وفي السداد أو الوجود الجيد والموفق، وفي تشكيل مجتمع يتحول وله تاريخ. وفي الأنسنة. نتأنسن بتمثيل تجاربنا وترتيبها في ملفات محفوظة في دواخلنا.

عبر العناية بالتشكيل والشغل على التجارب الخام نعمل على تحويلها إلى فن وفكر أرفع، أي أكثر تركيباً، ويخاطب أفضل ما فينا وجانبنا الأكثر إبداعية: التفكير. وبقدر ما إن التفكير حوارٌ مع النفس بحسب حنة آرندت، فإن المساحة التي يستصلحها التمثيل ولا يكف عن توسيعها هي المساحة التي تجول فيها أفكارنا، نفوسنا. كحوار مع النفس، التفكير يعني تضاعف النفس ويقتضيه، أن تصير لنا نفسان أو أكثر، أن نصير مجتمعاً. أن يضاف لنا ونتغير.

معلوم أن آرندت ربطت بين الشر وبين فشل الحوار مع النفس، وما يفضي إليه من ضبط أنفسنا بأنفسنا. ماذا يعني ضبط النفس؟ يعني أن إحدى نفسينا تضبط نفسنا الأخرى. هذه القوة الضابطة قد نسميها الضمير. للتفكير مفعول مؤنسِن عبر تضاعف النفس، مثلما له مفعول مُثرٍ اجتماعياً عبر التمثيل كتضاعف للعالم أو صنع عوالم موازية. إنتاج التعبير المُشكَّل، وضبط النفس بالنفس، يسعف في خفض التوتر المتولد عن معاناة العالم. دون حوار نلتصق بأنفسنا فلا نستطيع ضبطها، وتنكمش المساحة الداخلية التي هي موضع التفكير، ويضمر الضمير. أدولف آيخمان الذي درسته آرندت يجتر قوالب كلامية مكرورة لأنه يفشل في التفكير وفي مضاعفة نفسه، ومعلوم أنه تسبب بكثير من الشر (كان مسؤولاً عن نقل يهود أوروبا إلى معسكرات الاعتقال النازية التي قتل منهم فيها بين خمسة ملايين وستة). مثل ذلك ينطبق على مجاهدي المنظمات العدمية الإسلامية، وعلى الوكلاء العقديين عموماً: يعرضون استعداداً بالغاً للعنف، بقدر ما يخلو عالمهم مما يتوسط بين العناء والمعنى من مساحة تمثيل وتفكير متوسعة، أو بقدر ما إن تقتضي «السنّة» أو «المنهج» أولوية المعنى القديم الثابت على العناء المتغير، والمتناهي على اللامتناهي، ما يؤدي إلى تضييق العالم بدل توسيع «المنهج»، وما يتسبب بكثير من العناء دون معنى، ودون إحساس من قبل «المعنيين». القوالب الكلامية تُغني عن التفكير، وإن أشبعت الحاجة الاعتقادية (الحاجة إلى عالم واضح، مفرط التنظيم، يغني وضوحه المصطنع عن التفكير فيه). بالمقابل، قد يؤدي فشل التفكير بسبب قسوة التجارب إلى سكنى قوالب تعبيرية ضيقة وحشر العالم فيها. هذا من مناهج الإسلاميين أيضاً.

معلوم أن السلفية تُحكِّم قوالب كلامية مستوردة من زمن قديم، تنكر تجارب الحاضر، فلا تضيف معنى أو دلالة. ومعلوم أنها معادية للرأي، أي للتفكير. كان أبو عبد الرحمن أمين، وهو من قادة الجهاد في الجزائر في تسعينات القرن الماضي، يجمع الكتب ويحرقها، بما فيها كتب سيد قطب، لأنها تقوم على... «الفكر»، والفكر عنده «بدعة وصل حكمها إلى حد القتل سياسةً»، حسب أبو مصعب السوري (مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر). الاقتران بين معاداة التفكير وبين القتل ليس عارضاً لأن الضمير لا ينشأ هنا، ولا تتولد نفس مثيلة ضابطة.

في إطار الإسلامية المعاصرة، الكلام قلما يعني، لأنه لا يمثل ولا يضيف. المعنى لا يتولد بسبب مقاطعة الحدث أو التجربة. هذا عملياً قتل للغة العربية بحرمانها من أن تعني. تصير لغة «أجنبية»، نظاماً من الرموز يتعارف على بعضهم بتداوله فريقٌ من الناس، لكنه نظام أجنبي على تجارب أفراد هذا الفريق. اللغة العربية الإسلامية إن جاز التعبير هي لغة أجنبية على جميع متكلميها. إنها مثل العربية التي يصلي بها غير عرب، وغير قليل من العرب، يتعبد بها، لكنها لغة لا تعني، ميتة.

يقتل التكرار المعنى على نحو نعرفه حين نسرق فكرة من غيرنا: حتى حين لا يعرف أحد، نحن نعرف، نعرف أنه ليس هناك معنى مضاف، أي ليس هناك معنى. أن هناك تكراراً فحسب. السرقة تقتل المعنى من وجه آخر: فصله عن «المعاناة»، عن اختبار العالم.

 

11- الغرض مما تقدَّمَ هو القول إن التجارب الراضّة تقع على مفترق طرق، يقود واحد منها باتجاه التمثيل الذي هو إعادة إنتاج للرضوض في صور مثيلة ومغايرة (التعبير محاكاة وعبور أو تجاوز)، تُحيِّد الانفعال الخام، وتقبل الاستيعاب الاجتماعي والنفسي، وتتيح اختبار تجارب جديدة، ويقود واحد إلى الخوف من التمثيل وقتل التفكير، وباتجاه الشر والقسوة والعدمية. الضمير يتولد عن التفكير بوصفه لقاء بالنفس وحواراً مع النفس وضبطاً للنفس بالنفس. إنه قوة اجتماعية تتوفر أفضل الشروط لنموها حين نكون نحن أنفسنا مجتمعاً (ناقشتُ ذلك في مقالتي: الضمير الخارجي: في أصول الشر السياسي).

الغرض أيضاً أن التمثيل ليس شيئا كمالياً، ليس «زيادة خير»، بل هو الخير، والشرّ هو غيابه. في التمثيل نُعيد إنتاج العالم، فننفلت من «المباشرة»، ونُدخل تعدداً واجتماعيةً في أنفسنا وفي العالم من حولنا. فإذا كنا كأفراد نصير قساة أو أشراراً بفعل فشل تمثيل تجاربنا وتوسيع نفوسنا وضبطها معاً، أي بفعل فشل عملية تعددنا الذاتي، فإننا كمجتمع نستسلم للقسوة بقدر ما نفشل كمنتجين للتمثيل في صنع عوالم موازية، محاكية لعالمنا ومتجاوزة له، نتملك عبره تجاربنا وأزماتنا المباشرة. الربط بين انحطاط الثقافة وبين البربرية أو التوحش وجيهٌ جداً. فالثقافة عالمٌ من التمثيل الفني والمفهومي والأخلاقي، يفصلنا عن التجارب المؤلمة أو يساعدنا على استيعابها وتملكها، وهي سندنا في مواجهة الوحشية. المجتمع يتشكل حول تصريف الرضوض وتقاسم التجارب الراضّة، من مرض وجروح وفقدان وموت. وتساعد طقوس الدفن والعزاء والحداد في التغلب على فقد الأحبة. والمجتمع بهذا المعنى متشكل حول الثقافة كتمثيل للعالم ولتجاربنا فيه.

 

12- أبرز أمثلة فشل التمثيل تُلحظ في مجتمعات تغرق في البؤس واليأس بفعل تعرضها لرضوض وفظائع وحصار لوقت طويل، مثل كثير من بيئات الثورة في سورية، أو في جيلي مثل معتقلي سجن تدمر الذين قضوا فيها سنوات طويلة. تتخطى التجارب الراضّة قدرتنا على تمثيلها، وتمثّلها، فتقود إلى انكماشنا على أنفسنا وفقدنا الثقة بالعالم. إما نعيش ككائنات خائفة لا تختلط بغيرها، أو ينقلب بعضنا وحوشاً كاسرة، تجد في توحش العالم البيئة الأمثل لازدهارها وإدارة توحشها الخاص. وفي أخف الحالات نصير «كلبيين» (سنيكال)، لا نؤمن بشيء ولا نحترم شيئاً ونتشكك في كل شيء.

وقد يمكن التفكير فيما يخص سورية، وفي نطاق أوسع منها، في مجتمعات تفشل في التمثيل، وبالتالي في مضاعفة عالمها، بفعل فائض العنف والتجارب الراضّة. تبقى أسيرة المباشرة ورد الفعل. الفن والثقافة والإبداع ينحصر في أطر ضيقة، وتنحدر قدرته على صنع التعدد، أعني مضاعفة العلم ومضاعفة النفوس. لا يلزم أن يكون كل واحد منا تعرض لأعنف التجارب، ذلك أن مجتمعاً عومل بقسوة لأمد طويل يشكل إطاراً اجتماعياً لتجارب وتفكير حتى من لم يخبروا بأنفسهم التجارب الأقسى، يورثهم إياها مثل من عاشوها، فيدفعهم إلى الالتصاق بأنفسهم والعيش في عوالمِ ملتصقينَ مثلهم، عالم من المباشرة ورد الفعل، يخلو من كل عمق.

 

13- ومن هذا المدخل قد نرى في الوحشية على نحو ما نشهدها في سورية اليوم نتاج أزمة في التمثيل أبقت أوسع قطاعات السوريين على تماس مع جروحهم ورضاتهم. فحين يفشل التمثيل ترتد النفوس إلى شاشات سلبية للرضوض، ويقود تضيّق المسافة بين المعنى والعناء إلى أن تصير معاناتنا هي معنانا، تنمحي المسافة بيننا وبين عالم المباشرة الحيواني.

في بلدنا التمثيل «الثقافي»، الفني والمفهومي، بالصور والأصوات والخطوط والمفاهيم، محدود جداً من حيث النطاق والفاعلية لأسباب متعددة منها الجارحية المطلقة والنسبية للتجارب، أعني كون الكثير منها من الصنف القاتل أو المغلِق للنفس والمعطل للحوار مع النفس، أو تجاوز كثير آخر منها في الحدة للأشكال وأدوات التمثيل المتاحة. ويتصل بذلك أن التجارب الجارحة هي غالباً تجارب مع «الدولة»، ما يجعل تمثيلها، التعبير عنها وتشكيلها ومشاركتها مع الغير، خطراً سياسياً على الممثلين المحتملين، وما يدفع شيئاً فشيئاً هؤلاء إلى تجنبها وإلى تضيّق مساحات التفكير وتدني مستوى التمثيل. ثم إن المجتمع مفهوماً كنظام لتصريف الرضوض تعرَّضَ لرضوض تفوق قدرته على التصريف، وأخذ في الانهيار بأشكال مختلفة.

ثم أن غير قليل من التجارب الجارحة هي تجارب مع الدين الذي انقلب بدروه من تطبيب الجروح إلى جارح عام آخر. الرضّ هنا مضاعف، الأذى نفسه، ثم الحرمان من لغة للتعبير عنه بفعل كون اللغة الدينية هي لغة تشريع الأذى والحضّ عليه. الحرمان من اللغة يترك تجارب من لا يمتلكون غيرها لتمثيل تجاربهم غير ممثلة، ويتركهم هم في كرب.

هذا وضع بالغ الفرادة، وحشيٌ وخصبٌ في آن. مثلما الأزمات محرك التمثيل وموضوعه، الثورات والحروب كأزمات كبرى يمكن أن تحفز ثورات في التمثيل، في الثقافة والاجتماع، للتغلب على الرضوض، ويمكن أن تقود إلى انهيار مديد وتحجّر يُسهّل الاندراج في مجتمعات أخرى بفعل الفشل في معالجة الرضوض.

لذلك فإن التمثيل حقلٌ للمقاومة والتغيّر على نطاقنا كأفراد ومجموعات، وعلى النطاق العام، ومساهمة في التغيّر العالمي.

 

14- على مستوى مجتمعات كلية، يمكن أن نميز بين حالتين قصويين: تمثيل التجارب كلها، أي بناء عوالم محاكية ومتجاوِزة من تجاربنا، وبين اللاتمثيل، والوجود العاري، المؤلم إلى أقصى درجات الإيلام. ليست هاتان الحالتان القصويان «واقعيتين»، لكنهما ترسمان الحدود التي يبدو أن المجتمعات التاريخية تتحرك ضمنها. بعضها تمثّل أقل، فتترك كثيراً من التجارب غير مُمثلة، غير ُمتملكة بالتالي، ومؤلمة؛ ولعله يتاح لبعضها أن تمثّل كثيراً من تجاربها، فتعطي انطباعاً بالانفتاح و«الحضارة»، والغنى الفكري والثقافي.

وأقرب إلى قطب التمثيل الأقل، قد نميز بين ما لم يُمثَّل وبين ما لا يمكن تمثيله. ما لم يُمثل هو تجاربنا التي حُرمت من التمثيل، من التناول الفكري والفني والرمزي. لدينا الكثير من هذه في سورية، كُبتت ولم نتداول في شأنها. سورية ككل بلد لم يمثل فكرياً وثقافياً إلا بحدود ضيقة ولشريحة ضيقة من تجارب الناس فيه، وبقدر ما كانت الثورة جهداً من أجل التمثيل السياسي (سيجري الكلام عليه بعد قليل)، غير قليل من تعثراتها تولدت عن حرمان مديد لتجارب الأحياء من السوريين من التمثيل، وبالتالي من الرسوخ في العالم والتوجه فيه. فإذا كانت سورية بلداً مجهولاً حتى تفجر الثورة، فلأنه لم يُمثّل، لأن الناس فيه لم ينتجوا التمثيل ويعبروا عن أنفسهم ويشكلوا عوالمهم المثيلة والمتجاوِزة التي تعطي البلد تعدداً وعمقاً.

هذا دون قول عما لا يمكن تمثيله، على تجارب ومحن تتحدى التمثيل، ويعجز أمامها. وهذا حال معظم تجاربنا ما بعد الثورة لتجاوزها الحدود النسبية والمطلقة لقابلية التمثيل، ولاتساع نطاقها، وللشروط السياسية للتمثيل التي تمنع إنتاج عوالم إضافية: التعذيب، الاغتصاب، القتل، الخطف والتغييب، قطع الرؤوس وكثير غيرها تنتمي إلى مجال ما لا يمكن تمثيله، على الأقل اليوم. يُكبت داخل النفوس لا يُستدعى ويُحاوَر لشدة ما هو مؤلم، أو ينعزل المرضوضون المكروبون عن غيرهم لأن الاجتماع بالغير مؤلم بدوره.

 

15- التراوح بين التفكير والتوحش، أو بين الثقافة والعدمية، أو بين التمثيل والإبادة، يقوم في المجتمع وفي النفس الفردية على حد سواء. ليس أن بيننا، البشر عموماً، متوحشون وبيننا مفكرون، بل نحن نتحرك بين القطبين، نميل إلى أحدهما أو الآخر بحسب شروط عامة تتيح التمثيل أو لا تتيحه. فإذا كان أحد القطبين هو التوحش العام، الخروج الواسع النطاق من الثقافة كنطاق للتمثيل والحوار الذاتي (ومن السياسة كنطاق إضافي للتمثيل والحوار ضمن «الذات الاجتماعية»)، فماذا يكون القطب الآخر؟ إنه ببساطة الإنسانية، جميع الناس يمثلون تجاربهم ويفكرون، فيوسعون مساحاتهم الداخلية ويضاعفون أنفسهم، ويتأنسنون. الإنسان كائن اجتماعي ليس فقط بمعنى إلفته لغيره واجتماعه بغيره، لكن بتعدده الذاتي، أي بتكونه هو ذاته كمجتمع. لا يتشكل منا مجتمع حين لا يكون الواحد منا مجتمعاً هو ذاته، ولا يكون الواحد منا مجتمعاً حين لا يكون منتجاً لعالم آخر عبر التمثيل.

القطب الآخر هو هذه الإنسانية الاجتماعية المتعددة تعدداً مركباً، تعدد متعددين.

أتكلم على الإنسانية لأنه وإن أمكن للتأنسن أن يتحقق بمقادير متفاوتة في مجتمعات أكثر من غيرها، وفي قطاعات من هذه المجتمعات أكثر من غيرها، فإنه يبقى اليوم مهدداً بالانقلاب دون تحكم عالمي بالأزمات والرضوض. نعلم من تجاربنا الحديثة، وسورية أبلغها، أن الرضوض عالمية الإطار والمنشأ، وأن المجتمعات الجريحة أو المرضوضة بقسوة يمكن أن تتوحش، وتجتهد في أن توسع دائرة الألم والتوحش، وأن من شأن ذلك أن يقوّض قدرتنا على الأنسنة والتمثيل.

والفكرة باختصار أننا نتأنسن عبر التمثيل وإنتاج المعنى، يرتفع منسوب «المعنوي» فينا أو الفكري، أو المثالي، أي أيضاً «الروحي». يمكن تصور حالة قصوى يتحول الإنسان فيها إلى «روح»، يشف كيانه ويتخلله المعنى، ضرب من «الإنسان الكامل» الذي تكلم عليه المتصوفة المسلمون. وفي الحالة القصوى المقابلة ما سماه ابن عربي «الإنسان الحيوان»، أي الذي انحدر التمثيل وإنتاج المعنى لديه إلى الصفر، والأرجح أن مثل ذلك يتحقق عبر التكرار. هنا الإنسان جسد غليظ، مادي وآلي، مبرمج على حركات وأفعال غير شخصية تتكرر كل الوقت، وهنا المعاني ذاتها تتجمد، أو تصير عضلات وأيد باطشة. نموذجه هو الهوموإسلاميكس الذي يتطلع إلى إنتاجه بالجملة الإسلاميون: إنسان آلي لا يفكر إطلاقاً.

قد نضيف في هذا المقام حالة قصوى ثالثة، الإنسان النبات، «الفاصل» في سجون الدولة الأسدية و«المسلم» في معسكر آوشفيتز النازي ومعسكرات إبادة أخرى: الإنسان الذي لم يعد إنساناً، لم يعد يتفاعل ويتذكر، الذي يتردد المرء حتى في وصف موته بأنه موت حسب بريمو ليفى (سبق أن تناولت التضمينات السلبية لكلمة مسلم في سياق المعسكرات النازية، وسأعود إلى تناولها في مادة أخرى).

 

16- لا يناسب المقام تناول التمثيل السياسي، لكن يمكن قول أشياء قليلة على عجل. يوفر التمثيل السياسي للسكان مساحة للمداولة والنقاش، لحوار المجتمع مع نفسه، بما يترجم المعاناة الاجتماعية إلى سياسات عامة سديدة، والكلوم الاجتماعية إلى كلمات وأفعال عامة، على نحو يقلل من وقوع هذه الكلوم ويعالج ما يقع منها. قد يمكن تعريف السياسة في هذا السياق المخصوص بأنها لقاء المجتمع مع نفسه وحوار المجتمع مع نفسه عبر مساحة مضمونة للتمثيل. لزوال التمثيل فعلٌ نازعٌ للمجتمع والاجتماعية، مثلما يفضي زوال التفكير إلى نزع إنسانية الفرد.

مساحة التمثيل هذه لا تقتصر على البرلمانات أو المجالس المنتخبة، إذ أن هذه أشكال تقليدية أو تراثية (أو «سنيّة») للتمثيل السياسي إن جاز التعبير، تقع على محور التشكيل. الدولة بالذات شكل تقليدي منظم للمجتمع. هناك أشكال تعبيرية مولدة للجديد في الاجتماع والتمثيل كالأفعال الاحتجاجية، والتجارب الاجتماعية الطليعية، والثورات. يمكن التفكير في الثورات، وفي بالي الثورة السورية هنا بخاصة، كتمثيل للنفس، كجهد واسع النطاق لامتلاك للسياسة، أي للكلام العام على الكلوم الاجتماعية، وللاجتماع أو اللقاء بالغير، وللامتلاك النشط والاحتجاجي للفضاءات العامة بوصفها مساحات تمثل البلد ككل. هذا التمثيل النشط، الإبداعي، هو ما عملت الدولة الأسدية على تحطيمه منذ وقت مبكر.

فإذا كانت الثقافة علاجاً ممكناً لأمراض المجتمع، فإن السياسة كلقاء للمجتمع بنفسه هي المساحة التي تجري فيها معالجة الأمراض الاجتماعية معالجة محافظة عبر الدولة، ومعالجة هجومية عبر الأفعال الاحتجاجية والتجارب الطليعية والثورات.

 

17- مثلما يعيد التمثيل الثقافي إنتاج تجاربنا في صور تساعد على ترتيبها، على إيداعها في شكل مستقر وتوديعها، التمثيل السياسي إعادة إنتاج المجتمع لنفسه سياسياً، عبر التعبير المحاكي، وعبر التعبير المجاوز، أي النشاط المباشر والتجارب الطليعية والثورة، أي كل ما يتيح للمجتمع التضاعف والحوار مع النفس وتوسيع مساحة اجتماعيته وضبط نفسه بنفسه أو سياسة نفسه. عبر التمثيل يضاعف المجتمع ذاته، ومن دونه يقع في المباشرة والالتصاق بالذات، أو الانقسام إلى جماعات مباشرة ملتصقة بذاتها. ومثلما اللقاء مع النفس، أو التفكير، قد يصبح راضّاً فنجتنبه ونوكل أمر ضبط أنفسنا إلى ضابط خارجي، فإن الاجتماع أو اللقاء مع الغير قد يصبح راضّاً ونتجنبه. فكأننا مسلوخو الجلد، الوجود في العالم يؤذينا. كان من شأن التمثيل السياسي أن يكون جلداً لنا، يحمينا. مسلوخين سياسياً، نبتعد عن غيرنا خوفاً من الألم.

 

18- تحتشد لدينا مشكلات الثقافة كعالم تمثيل للتجارب، والسياسة كعالم تمثيل اجتماعي، وأضيف إليها الاقتصاد كعالم تمثيل للأعمال بدخول ومواقع اجتماعية. في سورية أخذت قيمة العمل تنهار منذ سبعينات القرن العشرين لمصلحة السلطة والقرابة والمال. صار العمل لا شيء والسلطة كل شيء. والسلطة قوة جرح ورضّ عامة.

وبقدر ما إن الثورة السورية جهد من أجل التمثيل الذاتي وامتلاك السياسة، فإنها من مدخل تمثيل الأعمال مدخل لتمثيل العمل أو ثورة مجتمع العمل الذي تدهورت مقدراته وقدرته على العيش في سنوت الحكم البعثي التي كانت، من وجه آخر، سنوات ظهور وصعود طبقة ضارية، شديدة الوحشية، تستخدم الدولة لجني الثروات وإضعاف العمل، كشرائح اجتماعية وكقيمة.

لا يستغني أي تفكير في التمثيل أو نظرية عامة في التمثيل عن النظر في تمثيل عالم الأعمال. نظر ماركس في التمثيل الرأسمالي للعمل، ورأى فيه استغلالاً، يُستولى فيه على «فضل القيمة» لمصلحة الرأسماليين، ويُدفع للعمال ثمن إعادة إنتاج قوة عملهم فحسب. ومنذ أيام ماركس، زكى الفكر الاشتراكي شعار: من كل حسب قدرته ولكل حسب عمله، كقانون لتمثيل العمل في المرحلة الاشتراكية، على أن يحل محله: من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته في المرحلة الشيوعية. الطرح الماركسي ضيّقٌ بعض الشيء، يردّ القيمة إلى العمل بمعنى الكدح اليومي الذي يقوم بأود الحياة البيولوجية، ويقلل من شأن الشغل المنتج لأشياء مديدة العمر، منها التكنولوجيا ذاتها ومنها الفن، وذلك حسب نقد لحنة آرندت، ويقلل من شأن أشكال أخرى للعمل أو لا يراها، منها الفعل الذي تقوم عليه السياسة. ترى الماركسية السياسة كشيء أقل شأناً من العمل المنتج للحياة المادية، بل كتكوين فوقي يتطفل عليه.

لكن في جميع معانيه، ككدح وشغل وفعل بمصطلحات آرندت، العمل غير مُمثّل في «سورية الأسد». الثورة السورية كانت ثورة لتمثيل العمل بالمعنى الواسع للكلمة.

 

19- في صوره المختلفة، التمثيل يضاعف العالم أو يكثره فيضاعف حياتنا فيه ويكثرها، يضاعف نفوسنا أيضاً ويكثرها، فيؤنسننا ويحسن اجتماعنا. الإنسان حيوان يُمثِّل، يعيد خلق عالمه عبر التمثيل، ولا يستلمه ناجزاً. وما تعطيه مجتمعاتنا المعاصرة من شعور بالضيق ناشئٌ في تصوري عن أننا لا نكثر عالمنا، مفهومياً وفنياً، ولا نكثره سياسياً عبر التمثيل السياسي. المجتمع يتضاعف حين يعبّر عن نفسه سياسياً وينتج حركاته ومنظماته وأشكال انتظامه المتنوعة. وليس هذا حالنا في عالمنا اليوم. يفاقم من الضيق أننا لا نكاد نتضاعف إلا بيولوجياً: نتكاثر عدداً في عالم لا يتكاثر لأنه بلا تمثيل، فيزداد ضيقاً.

أذكر هذه الاعتبارات السياسية والاقتصادية، فضلاً عن الثقافية، لأنها تساعد على فهم أوضاع التوحش التي نعيشها، وتحفز على ثورة في التمثيل بما يتجاوز إخراج التمثيل من الأزمة إلى ثورة في الثقافة، أعني تمثيل تجاربنا في الخروج من الوصاية/ الوصايات المتعددة، تمثيل صراعنا، وإنتاج عوالم موازية، ثقافية وسياسية واقتصادية، تكثر حيواتنا، وتوسّع مكاننا، الخارجي والداخلي. التمثيل في أشكاله المتنوعة حليفٌ للحياة ومقاومٌ للموت.

 

عتبة 1

إن أمكن تلخيص هذا النص بجملة واحدة فهي أن تمثيلنا للعالم قد يفشل بفعل قسوة تجاربنا أو صفتها الراضة (وهي قسوة سياسية أساساً في عالم اليوم)، وأن هذا فشل لما يميز الإنسان من تفكير، وفشل للأنسنة تالياً. حين يكون التفكير راضّاً والاجتماع راضاً مثله، فإننا ننحبس داخل أنفسنا منغلقين دون غيرنا، وما قد ينفتح له باب أو أبواب هو العنف. فإذا كنا نضاعف أنفسنا والعالم بتمثيل تجاربنا، فنحصل على عوالم أكثر، فإن ما يتمخض عنه العنف هو أقل من عالم واحد، أنقاض لا يتكون منها شيء متماسك.

تفجّرَ بلدنا منذ أكثر من سبع سنوات مثل بركان تتلاقى فيه مشكلات التمثيل المفهومي والفني مع مشكلات التمثيل السياسي مع مشكلات تمثيل العمل، ما يمكن أن يكون منطلقاً للتفكير في أشكال تمثيلنا للعالم وتمثّلنا له، فيما يتجاوز سورية نفسها. الحوار مع النفس اليوم هو حوار العالم، حوار فضاؤه العالم، وليس بغيره يتكون ضمير العالم.

  • 1. أستعيرُ لهذه الفقرة الأخيرة عنوان عتبة من جيورجيو أغامبين، الذي تفصل بين أبواب كتبه صفحات تسترجع ما تقدم عليها وتمهد لما بعد.