اللاجئون في أوروبا وصعود الشعبوية

 

مقدمة

لقد كانت أهم مبادئ الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه هي نقل بعض صلاحيات الدولة الوطنيّة الجوهرية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، والوعد بتجاوز الاختلافات الثقافيّة بين الأوروبيين. وقد نجح الاتحاد الأوربي إلى حدٍّ ما في خلق نظام متقدّم متنوع الثقافات، ما جعل منه الوجهة الأولى للاجئين السوريين خاصة خلال العامين 2014 و2015، وكانت ألمانيا وتليها السويد هما الوجهتان الرئيستان. ولكن هذا النظام يقف اليوم عاجزاً أمام مهمة احتواء الاختلافات الثقافيّة بين الأوروبيين والمهاجرين من إفريقيا والشرق الأوسط، بعد أكبر أزمة لجوء  في العالم منذ الحرب العالميّة الثانية.

ديموغرافيا اللاجئين في أوروبا

على الرغم من أنّ هذا النص يناقش أزمة اللاجئين وصعود الشعبوية في أوروبا، إلا أنّه ينبغي التنويه أولاً إلى أنّ البلدان العشرة الأولى التي تضم أكبر عدد من اللاجئين في العالم هي دول آسيوية وإفريقية. وتعتبر الأردن وتركيا وباكستان أكبر ثلاث وجهات للاجئين، في حين أنّ لبنان وإيران وأثيوبيا وكينيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشاد، هي بقيّة الدول في قائمة العشرة الأوائل. وإنّ ستة من البلدان العشرة الأوائل التي يوجد فيها أكبر عدد من اللاجئين، هي من البلدان ذات الأغلبية المسلمة.1

وقد جاء معظم اللاجئين إلى أوروبا من دول ذات أغلبية مسلمة في مناطق جنوب وشرق أوروبا، بما في ذلك الشرق الأوسط وإفريقيا. وحسب الانتماء الديني، كانت غالبية الوافدين مسلمين (بشكل أساسي من المسلمين السنّة) مع مكون صغير من الأقليات غير المسلمة (بما في ذلك الإيزيديون والآشوريين). ووفقاً لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فإنّ أكبر ثلاث جنسيات ضمن المليون لاجىء الذين وصلوا إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط بين كانون الثاني (يناير) 2015 وآذار (مارس) 2016، كانت (46.7٪) للسوريين و(20.9٪) للأفغان و(9.4٪) للعراقيين.2

جاءت أكبر مجموعات اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي من سوريا وأفغانستان إذن، وسجل عدد طالبي اللجوء من سوريا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2016 انخفاضاً لأول مرة منذ العام 2011، ووصل إلى 335،000 قياساً بـ 363،000 في عام 2015؛ وانخفضت نسبة السوريين إلى 27.8 ٪ وشكل الأفغان 15٪ والعراقيون 11٪ من إجمالي عدد المتقدمين. وأفادت وكالة الهجرة في الأمم المتحدة بأنّ إجمالي عدد المهاجرين واللاجئين الذين دخلوا أوروبا عن طريق البحر في عام 2018 حتى 14 تشرين الثاني (نوفمبر)، قد بلغ 103343 شخصاً.

 

أعداد طالبي اللجوء المسجلين في أوروبا بين عامي 2008 و2016، وتوزعهم بحسب البلدان التي جاءوا منها (يوروستات 2016)

أعداد طالبي اللجوء المسجلين في أوروبا بين عامي 2008 و2016، وتوزعهم بحسب البلدان التي جاءوا منها (يوروستات 2016)

 

النوع الاجتماعي والتركيبة العمرية للاجئين

وصل أكثر من ثمانمئة ألف مهاجر إلى أوروبا عن طريق البحر في عام 2015، ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، فقد جاء أقل  من نصفهم بقليل من سوريا، لكنّ حوالي 62٪ من إجمالي عدد المهاجرين الذين سافروا إلى أوروبا ذلك العام كانوا من الرجال. وأقل بقليل من الربع 22٪ كانوا من الأطفال، و16٪ فقط من النساء. وقد اختلفت هذه النسب بين مجموعات اللاجئين باختلاف الدول التي جاؤوا منها، ففي حين وصلت نسبة الرجال إلى النساء من مجموع اللاجئين القادمين من باكستان وبنغلادش إلى 90%، فإنّ هذه النسبة تنخفض إلى مادون الـ 60% بين اللاجئين السوريين، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 أن النزوح الجماعي للرجل إلى أجزاء من أوروبا يمكن أن يسبب مشاكل في البلدان التي يغادرونها، وفي البلدان التي يدخلونها. وقال رئيس المنظمة الدولية للهجرة في تركيا للصحيفة: «نعرف من الجانب الإيجابي أن الهجرة يمكن أن تعزّز الاقتصادات والتجارة وتؤدي إلى التبادل الثقافي... ولكن إذا أسيئت إدارتها، فإنها تصبح مشكلة للدول المستقبلة والدول التي جاء منها المهاجرون».

وحتى تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، سجلت الأمم المتحدة أكثر من 4.2 مليون لاجئ سوري في دول جوار سوريا، هي خطوة أولى على طريق اللجوء إلى بلدان أخرى غير دول الجوار، ولديها صورة ديموغرافية لحوالي نصفهم. فمن بين 2.1 مليون مسجل في مصر والعراق والأردن ولبنان، انقسموا حسب النوع الاجتماعي إلى: حوالي 50.5٪ من النساء و49.7٪ رجال، وفيما يتعلق بالتركيبة العمرية للرجال والنساء فإن (أقل بقليل من الربع لكل منهما) تتراوح أعمارهم بين 18 و59 سنة». وحسب بيانات يوروستات لعام 2017، فقد وصلت نسبة من هم دون سن الـ 18 بين اللاجئين السوريين إلى حوالي 40%.

طالبو اللجوء حسب الجنس والبلدان الأصلية (يوروستات 2016)

طالبو اللجوء حسب الجنس والبلدان الأصلية (يوروستات 2016)

طالبو اللجوء حسب العمر والبلدان الأصلية (يوروستات 2016)

طالبو اللجوء حسب العمر والبلدان الأصلية (يوروستات 2016)

تحديات الاندماج

رغم ما قامت به عدد من الدول الأوروبية، وبشكل خاص ألمانيا والسويد والنمسا، من تحسين سياسات الإدماج في سوق العمل وتنفيذ إجراءات الإدماج الإلزامي، بما في ذلك زيادة التمويل لدورات اللغة ووضع آليات لتقييم المهارات المكتسبة مسبقاً، وإعطاء الأهمية لقضايا جاذبة للتعاطف في المجتمع المحلي مثل الأطفال بدون صحبة ذويهم، وقضايا العنف المبني على الجندر بين اللاجئين. لكن مع هذا لا يوجد برنامج متكامل يأخذ بعين الاعتبار أن الاندماج الاجتماعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاندماج الاقتصادي، فاللاجئون يعانون من مشاكل اجتماعية واقتصادية على حدّ سواء، وهي تعزز بعضها بعضاً، حيث تؤثر القضايا الثقافية والاجتماعية على التكامل الاقتصادي والعكس بالعكس. ويجادل بعض المراقبين بأن أزمة اللاجئين السوريين هي قضية انسجام اجتماعي، وفي الوقت نفسه تشير منظمات متعددة إلى أن وجود سوق عمل قوي ونزيه يعزز الاندماج الاجتماعي.3

وقد تؤدي المنافسة في سوق العمل إلى صراع اجتماعي مع آثار ضارة، لذلك يجب مراعاة أن لا تؤثر سياسات إدخال اللاجئين في سوق العمل على فرص السكان الأصليين ودخولهم، فقد تزداد البطالة والمواقف السلبية تجاه اللاجئين جرّاء ذلك، وعلى الأوربيين أن يضمنوا أن الأنظمة الوطنية والمحلية تعمل بكفاءة، كما أن هناك حاجة إلى تعاون أكبر بين البلدان عبر الاتحاد الأوروبي على نطاق أوسع.

إن التحدي على المدى الطويل هو تحسين احتمالات الاندماج لأولئك الذين لديهم الحق في البقاء، ومساعدة اللاجئين على التلاؤم مع بلادهم الجديدة، وعلى أن يصبحوا أعضاء مشاركين في المجتمع.

وتشمل التحديات التي يواجهها اللاجئون في الاتحاد الأوروبي وهم يحاولون بدء حياة جديدة، نقص المهارات اللغوية وصعوبة معادلة المؤهلات الدراسية، والدين والخلفية الاجتماعية، وهي الأمور التي قد تحول دون الحصول على عمل. ولا يرى معظم اللاجئين السوريين أي احتمالية للعودة إلى بلادهم في المستقبل القريب، وبالنسبة للعديد منهم فإن فرصة الحصول على عمل وبناء حياة جديدة ضئيلة، فالمعايير التي حددتها الدول فيما يتعلق بعمالة غير المواطنين، تؤثر على قدرات هؤلاء الأفراد في الوصول إلى سوق العمل، حيث يجب عليهم أولاً تلبية المتطلبات الأساسية للبلدان المضيفة. على سبيل المثال، تعتبر ألمانيا أن «رغبة الفرد في الالتزام بأسلوب الحياة في البلد المضيف» مهمة، بينما تؤكد بريطانيا على ضرورة التحدث باللغة الرسمية. ويجعل الافتقار إلى فرص العمل اللاجئين عرضة لأن يصبحوا طبقة مستهدفة بالتمييز والاشتباه بالتطرف الديني، وإلى جانب تحديات تعلم اللغة، أو عدم وجود عمل، أو التعرض للتمييز، أو التعامل مع متاعب التثاقف والتعلم الثقافي، فإن التحدي الأهم هو الاضطرار إلى مواجهة الفقدان الثقافي.

تحدي العمل

عند تناول موضوع العمل كواحد من التحديات التي تواجه اللاجئين من الرجال والنساء في رحلة الاندماج وبدء حياة جديدة، نجد أن كثيراً ﻣﻦ اللاجئين، الرجال بشكل خاص، يختبرون التنقل الانحداري أﺛﻨﺎء عملية الاندماج، وعلى وجه الخصوص بين اللاجئين المتعلمين، من حيث أن مؤهلاتهم العلمية وتجاربهم المهنية الماضية تخسر مصداقيتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطلاقة في لغة البلد المضيف تمثل حاجزاً أمام الحصول على عمل ذي معنى، ونتيجة لذلك يعاني العديد من اللاجئين من تحديات مرتبطة بالعمل، مثل كونهم يعملون في أعمال ووظائف لا تتطلب مهارات عالية وبأجور منخفضة، أو يعملون بصفة مؤقتة، أو عاطلين كلياً عن العمل. وبالتالي، فإن عدم وجود عمل، أو العمل الجزئي، له عدد من الآثار الضارة على اللاجئين، وبخاصة الرجال، تتجاوز عدم الاستقرار المالي وفقدان الوضع الاجتماعي إلى كونها مصدراً للاكتئاب. وتصنف البطالة بين اللاجئين الرجال على أنها تهديد هائل لهويات الرجال من اللاجئين، وتقييمهم لذواتهم. 

أمّا اللاجئات النساء فإنهن يملنَ بشكل عام إلى اتباع مسار مختلف، ومقارنة بالرجال اللاجئين، غالباً ما تصل النساء إلى بلد اللجوء بمستوى تعليمي أدنى من الرجال وخبرات مهنية أقل. ففي حين أن بعض النساء اللاجئات كُنَّ يعملن في بلدانهم الأصلية قبل اللجوء، إلا أن كثيرات منهن لم يشاركن في سوق العمل الرسمي، إما طوعاً أو بسبب المعايير الثقافية. ومع ذلك، أثناء إعادة التوطين، تدخل العديد من النساء اللاجئات سوق العمل لتكميل دخل الأسرة، وتميل النساء اللاجئات بشكل عام لأن يكون لديهنَّ استعداد أكبر للالتحاق بوظائف متدنية أو وظائف منخفضة الأجر، أو للعمل في القطاع غير الرسمي. وبالنسبة لبعضنّ، ينتهي الأمر بهن إلى كونهن المعيل الوحيد عند غياب الزوج أو عندما يكون عاطلاً عن العمل بشكل مزمن. وعلى غرار الرجال اللاجئين، لا تزال الطلاقة في لغة البلد المضيف تشكل عائقاً رئيسياً أمام العمل المستقرّ للمرأة.

التمييز

وثمة تحدٍّ آخر يواجهه اللاجئون من الرجال والنساء أثناء عملية الاندماج، وهو التمييز، الذي هو فعل متعمد يؤدي إلى معاملة الأفراد بشكل غير عادل بناء على عضويتهم في مجموعات اجتماعية معينة، مثل النوع الاجتماعي والعرق والدين. والتمييز اليوم، وعلى نحو متزايد، هو أكثر دهاء ومراوغة في العديد من المجتمعات، فمقارنة بأشكال التمييز العلني الشائعة في الماضي (مثل الإساءة اللفظية أو الجسدية)، فإن أشكال التمييز الخفي هي أكثر بروزاً ولكنها أكثر مراوغة ويصعب اكتشافها، فقد يُعَدّ عدم الجلوس إلى جوار شخص بعينه في القطار أحد أشكال التمييز، وكذلك مقاطعة زميل في أحد الاجتماعات أو اللقاءات، أو افتراض أن شخصاً ما يتحدث اللغة نفسها التي تتحدثها لمجرد أنه حاصل على حق اللجوء في بلدك، أو افتراض أنه لن يتحدثها لأنه لا ينتمي إلى العرق نفسه، أو التحديق في كل من يبدو مختلفاً عنك عند مروره أو مرورها بجانبك في الشارع. كل هذه التصرفات تجعل الأشخاص الذين يتعرضون للتمييز يشعرون بأنهم مختلفون أو غرباء، أو مثيرون للريبة أو الخوف. وتتقاطع قضايا الجندر مع الثقافة في تشكيل تجارب الأفراد، وهذا التقاطع ذو أهمية خاصة عند دراسة التحديات التي يواجهها اللاجئون بسبب التمييز.4

فالنساء اللاجئات معرضات بشكل خاص للتمييز، وغالباً ما يتعرضنَ للتمييز على أساس الجنس والثقافة، وقد تكون كثير من اللاجئات قد واجهن في بلدانهن الأصلية أشكال التمييز بين الجنسين، مثل الزواج القسري، والتحرش الجنسي والاستغلال، والإساءة في المدارس وأماكن العمل. غير أن العديد من النساء اللاجئات يواصلن خلال عملية الاندماج مواجهة متاعب التمييز القائمة على أساس الجنس وغير ذلك من أشكال التمييز، وبالتالي يكون تهميشهنَّ مضاعفاً مقارنة بالرجال اللاجئين. وقد خلصت العديد من الدراسات إلى أن الرجال اللاجئين عادة ما يتمتعون بوضع اجتماعي أعلى في بلدانهم الأصلية أكثر من النساء، وأن أعمال التمييز في البلدان المضيفة تكون بمثابة تذكير بخسارة وضعهم الاجتماعي. وعندما يستوعب اللاجئون خبراتهم مع التمييز، فإنهم يطورون مشاعر انخفاض الكفاءة والتقييم الذاتي.

العلاقات الأسرية والتثاقف

غالباً ما تتغير هوية اللاجئين الثقافية وسلوكهم كلما ازداد اتصالهم بالمجتمع المضيف. إن عملية التثاقف تكون مرهقة بسبب الصدمة الثقافية الأولية، والصعوبات اللاحقة في التفاوض على الصراعات التي تنشأ عندما تتعارض الهوية والقيم والسلوكيات في ثقافة البلد الأصلي مع تلك الموجودة في الثقافة السائدة. على سبيل المثال، تتعرض اللاجئات العاملات خارج المنزل أكثر للثقافة الجديدة وبالتالي اعتماد معايير ثقافية جديدة، ولكن في الوقت نفسه، لا تزال العديد من النساء اللاتي يعملن مسؤولات بشكل أساسي عن الأسرة وتربية الأطفال. ونتيجة لذلك، فإن العديد من النساء اللاجئات عالقات مع «العبء الثلاثي»، فبالإضافة إلى العمل خارج المنزل ومواكبة المسؤوليات المنزلية، تلعب العديد من النساء اللاجئات دوراً إضافياً للوسيط الثقافي بين شركائهنّ وأطفالهنّ، خاصة فيما يتعلق بالتعارضات المرتبطة بالتثاقف. وبالنظر إلى الاختلافات بين الأهل اللاجئين وأطفالهم، يلعب الأطفال أيضاً دور الوسيط الثقافي والمترجمين اللغويين عن آبائهم؛ من الشائع أن ترى في محلات السوبر ماركت في السويد أو ألمانيا لاجئاً أو لاجئة بصحبة طفله الذي يقوم أو تقوم بمساعدته/ها على التواصل مع موظفي الصندوق أو موظفي خدمة الزبائن.

إن دور الوسيط الثقافي هو دور شائع وبشكل خاص بين الأسر التي يكون فيها مستوى مهارات الأهل في اللغة المضيفة منخفضاً، وقد يشعر بعض الآباء أن سلطتهم كأبوين قد تم تقويضها أو تحديها. علاوة على ذلك، تبينَ أن استخدام الأطفال اللاجئين كوسطاء ثقافيين يؤدي إلى زيادة الخلافات العائلية والاضطراب العاطفي بين الأطفال5. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأطفال الأكثر انفتاحاً تجاه ثقافة المجتمع المضيف، والأقل ميلاً نحو ثقافة تراثهم6.

الفجيعة الثقافية 

يأتي اللاجئون من خلفيات ثقافية متنوعة ومع هويات ثقافية تشكلت بالفعل، وهذه الهويات الثقافية تتفاعل، إذ يتواصل الناس الذين هاجروا ليس فقط مع الناس من ثقافة الأغلبية، ولكن أيضا مع المهاجرين من كل من الثقافات المتشابهة والمختلفة على حد سواء، ويمكن أن يؤدي فقدان الإنسان لبنيته الاجتماعية وثقافته إلى رد فعل حزين، فالهجرة تنطوي على فقدان المألوف، بما في ذلك اللغة (وخاصة العامية واللهجة). وقد يصل هذا الشعور بالفقدان إلى حالة من «الفجيعة الثقافية»، وهي »تجربة الشخص المُستأصَل - أو المجموعة - الناجمة عن فقدان الهياكل الاجتماعية، والقيم الثقافية والهوية الذاتية؛ الشخص - أو المجموعة - لا يزال يعيش في الماضي، وتزوره القوى الخارقة للطبيعة من الماضي أثناء النوم أو اليقظة، ويعاني من الشعور بالذنب بسبب التخلي عن الثقافة والوطن، والشعور بالألم إذا بدأت ذكريات الماضي في التلاشي، والتمسك بصور ثابتة عن الماضي (بما في ذلك الصور المؤلمة). وهذه الصور تتطفل على الحياة اليومية، وتؤدي إلى الشعور بالقلق والغضب الذي يفسد القدرة على الاستمرار في الحياة اليومية».7

اللاجئون وصعود الشعبوية

تعرف الشعبوية بأنها إيديولوجيا مركزية عائمة محورها أن المجتمع ينقسم في نهاية المطاف إلى مجموعتين متجانستين ومتعاديتين، هما «الشعب الصافي» مقابل «النخبة الفاسدة»، وتجادل بأن السياسة يجب أن تكون تعبيراً عن «القوّة العامة» (الإرادة العامة) للشعب. ولأن الشعبوية إيديولوجيا ضعيفة، فإنه يمكن تكييفها لكي تستخدم على اليسار وعلى اليمين، وهذا التعريف البسيط يعبر بفاعلية عن قابلية الشعبوية للتطريق، وميلها لربط نفسها بإيديولوجيات قوية مثل الليبرالية والاشتراكية وغيرها. إن الصراع المزعوم بين «عامة الناس» و«المؤسسة» هو أمرٌ تستخدمه الأحزاب التقليدية، وكذلك النخب الثقافية والاقتصادية والإعلامية، لكن من الناحية العملية، يمكن أيضاً أن تواجهَ إرادةُ الشعب «أعداءَ الشعب» الخارجيين. وعند مناقشة الهجرة أو اللاجئين، على سبيل المثال، يستجيب الشعبويون الأوروبيون عبر «منطق» الدفاع عن الشعب (الأصلي) ضد جماعة خارجية مشبوهة، أي المهاجرين.

في تشرين ثاني (نوفمبر)  2015، قال ترامب في إحدى تغريداته على تويتر، وتعليقاً على أزمة اللاجئين: «إذا كانوا هنا فعليهم العودة، لأننا لا نستطيع أن نستقبلهم. أنظروا إلى المهاجرين، إنهم شباب وأقوياء، لا يمكننا أن نستقبلهم والمغامرة باحتمال أن يكون الأشخاص القادمون إلى هنا، ينوون أن ينضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)». وقد تلقف مقدم البرامج شان هانيتي تغريدة ترامب تلك، وقال في برنامجه على محطة فوكس نيوز: «إنها كارثة كاملة، سيأتي الناس. لقد تحدثت إليكم عن هذا قبل أسبوعين، حين تحدثنا عن الهجرة، وكيف كان كثيرٌ من الناس المهاجرين من الشباب الأقوياء، انظروا إليهم. أنا أقول، أين النساء؟ أين الأطفال؟ نحن نأخذ أشخاصاً ليس لدينا أي فكرة عنهم، وليس لديهم هوية وليس لديهم أوراق، إنهم يزوّرون الأوراق الثبوتية... يمكن أن يكون هذا أفضل حصان طروادة».

كان مجمل عدد اللاجئين السوريين الذين وصلوا لأمريكا في العام 2015 يبلغ 1682 لاجئاً فقط؛ وقد بدأت الولايات المتحدة في عام 2015 بقبول إعادة توطين اللاجئين السوريين، وتجاوزت إدارة أوباما هدفها بقبول 10000 سوري عن طريق برنامج إعادة توطين اللاجئين في السنة المالية (السنة المالية 2016)، مقارنة بـ 36 لاجئاً في السنة المالية 2013. في المجموع، تم إعادة توطين 18،007 لاجئاً سورياً في الولايات المتحدة في الفترة بين 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 و 31 كانون الأول (ديسمبر) 20168.

وبما أن اللاجئين من المكسيك ليسوا من المسلمين، بالتالي ليسوا هم المقصودين بكلام ترامب حول( نية الانضمام إلى داعش)، فقد كان ترامب يتكلم عن اللاجئين المتجهين إلى أوروبا، وبشكل خاص رداً على سياسات أنجيلا ميركل، التي أعلنت فتح حدود ألمانيا لموجة من اللاجئين والمهاجرين، معظمهم هربوا من الحرب في سوريا، وكانت جملة ميركل المشهورة «يمكننا أن ندير هذا».

التقى دونالد ترامب مع حليفه الأجنبي الأول بعد أيام قليلة من فوزه بالرئاسة الأمريكية، لكنّ الذي حصل على الدعوة إلى برج ترامب لم يكن واحداً من أبرز رجال الدولة في العالم، بل كان نايجل فاراج، الذي كان في يوم من الأيام على هامش صناعة السياسة البريطانية، ووجد نفسه في عام 2016 واقفاً على منعطف من منعطفات التاريخ. نظّم فاراج حملة لمدة 17 عاماً من أجل مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي، وصور نفسه على أنه ذلك الفتى من الطبقة الوسطى الذي لم يكن خائفاً من الكشف عن حقائق قاسية حول فشل المشروع الأوروبي، وكان معظم حديث حملته عن «الهجرة خارج نطاق السيطرة والإسلام الراديكالي». وفي 23 حزيران (يونيو) عام 2016، صوت البريطانيون في نهاية المطاف لصالح رغبته في مغادرة الاتحاد الأوروبي، في استفتاء بريكست9.

صحيح أن الشعوبية تنتشر جزئياً من خلال التأثيرات العرضية (السياسيون في بلدٍ ما يتعلمون من نجاح الشعبوية في بلد آخر)، ولكن يبدو من الواضح بشكل متزايد أن الشعبوية يتم تصديرها عن قصد، أو بشكل أدق، أن هناك محاولات من قبل أطراف معينة لتعزيز الحظوظ الانتخابية للأحزاب الشعبوية في البلدان الأخرى.

كان ستيف بانون خبيراً استراتيجياً في البيت الأبيض، وهو مدير الأخبار السابق في بريتبارت، وكان مهندساً أساسياً لعقيدة «أمريكا أولاً» للرئيس دونالد ترامب. وبعد إجباره على ترك منصبه في البيت الأبيض، وضع نصب عينيه إشعال تلك الماركة القومية في بقية العالم، وهو يجادل بأن القوى القومية والشعبوية الملهمة جزئياً بالسيد ترامب، تستعد للمطالبة بالسلطة السياسية في العواصم من باكستان إلى اليابان إلى أستراليا، والبرازيل وكولومبيا، ويقول إنه على اتصال بهم جميعاً. يقول بانون: «نحن منفتحون للعمل... نحن منظمة غير حكومية وطنية وشعبية، ونحن عالميون». وفي زيارته لإيطاليا قال إن الشعبويين والقوميين في اليسار واليمين يمكنهم أن يضعوا العقيدة القديمة جانباً وأن يحكموا معاً ضد الهجرة، من أجل حدود قوية ومن أجل المصالح الاقتصادية للطبقة الوسطى والعمال «إذا عملوا هنا، فإن الثورة ستنتشر»10.

لقد لعبت أزمة اللاجئين دوراً رئيسياً في صعود الشعبوية، طبعاً مع عدم إغفال أسباب أخرى تتعلق بالسياسات الاقتصادية و«الاضطراب التكنولوجي». وغالباً ما يوصف العصر الحالي بأنه يشهد هجرات جماعية متزايدة، حتى لو كانت الإحصاءات الفعلية تحكي قصة أكثر دقة. لقد كان المهاجرون تاريخياً هدفاً سهلاً لحملات نشر الشعبوية، لكن تدفق اللاجئين من سوريا وسط خوف عام من الإرهاب، وضع الهجرة على قمة الأجندات السياسية في أوروبا. والرسائل المناهضة للمهاجرين حاضرة في قلب جميع الحركات والأحزاب الشعبوية واليمينية المعاصرة تقريباً. في أقصى الحالات، يُصوَّر المهاجرون على أنهم طليعة الصراعات العرقية والدينية والحضارية المروعة، على الرغم من أن مثل هذه الآراء قد يتم رفضها من قبل بقية الطيف السياسي، إلا أن تأثيرها على النقاش قد جذب مزيداً من أحزاب الوسط باتجاه المناهضين للمهاجرين.

لقد عزز قادة الأحزاب السياسية اليمينية في أوروبا العلاقات فيما بينهم، وشكل أعضاءٌ في البرلمان الأوروبي ينتمون إلى أحزاب اليمين المتطرف، بما في ذلك الجبهة الوطنية الفرنسية والبديل من أجل ألمانيا، وحزب الحرية الهولندي، معاً، مجموعة برلمانية جديدة هي «أوروبا الأمم والحرية» (ENF)، وتعهدت مختلف الأطراف في هذه المجموعة بدعم الجهود الانتخابية لبعضها بعضاً (لا سيما في مؤتمر ENF كانون الثاني (يناير) 2017 في كوبلنز، ألمانيا)11.

ينظر كثيرٌ من الشعبويين إلى المهاجرين على أنهم تهديد ثقافي واقتصادي «للناس»، ويحشدون الدعم حول السياسات المُصممة للحد من الهجرة، والحفاظ على التجانس الثقافي، والحد من الضغوط الاقتصادية التي ينتجها المهاجرون. إن المخاوف المتعلقة بتطبيق قوانين الهجرة القائمة، وقضايا دمج المهاجرين واستيعابهم في البلدان المضيفة، هي مخاوف يتم نقاشها بشكل واسع، ولكنها غالباً ما تُستغل من قبل السياسيين الشعبويين كدليل على وضع النخبة الفاسدة، والحاجة إلى إعادة تعريف الأمة. ويشعل الشعبويون الحملات الانتخابيّة في الدول الأوروبية بنقاشات الهويّة، والسؤال الرئيسي في هذه النقاشات هو: هل كانت سياسات فتح الأبواب للاجئين واجباً أم فضلاً؟

لقد تبدّدت حماسة الألمان والسويديين وغيرهم من الأوربيين الذين تجمعوا في محطات القطارات لاستقبال اللاجئين المنهكين، وتصاعدت لهجة لوم الأجانب والمسلمين وأبناء الضواحي بسبب عدم الإخلاص للتنوع الثقافي الأوروبي وقيم التسامح، أو اتهامهم بأنهم لا يقومون بما يلزم من أجل الاندماج في الثقافة الجديدة. واتهام سياسات فتح الأبواب التي ينتهجها دعاة العولمة السياسيّة والليبراليون بتعريض القيم الأوروبيّة للخطر، ووضع القطار الأوروبي على سكّة الاحتمالات المستحيلة. ويقول الشعبيون إنّ سياسات فتح الأبواب أمام الجميع لم تكن صواباً، وكان يجب انتقاء اللاجئين الذين يتم قبول طلباتهم، وأنّه من الممكن حتّى منع الهجرة تماماً من خلال بناء الجدران وإرسال الجيوش إلى حدود دول الاتحاد، فلماذا علينا فتح الأبواب؟ إن بإمكان اللاجئين السوريين والأفغان الذهاب إلى السعودية وتركيا، فهذه الدول ولاعتبارات «ثقافوية»، قد يكون عليها واجب أخلاقي أكبر تجاههم، إذ مرّ أكثر من قرنين من الزمن على آخر حربٍ خاضها السويديون الذين كافحوا لبناء ديمقراطية ليبرالية مزدهرة، وبالتالي إذا فشل السوريون في بناء دولتهم فليس هذا ذنب السويديين والألمان والطليان. ويعتبر الشعبويون أن من حقهم الطبيعي الدفاع عن أنفسهم في وجه موجات «غزو اللّاجئين».

«إن الموقف من قضايا الهجرة يقررّه الناخبون»، هذا هو الشعار الذي يرفعه الشعبويون المعارضون للهجرة، وقد أظهرت نتائج الانتخابات في العديد من الدول الأوروبية تقدّم مناهضي الهجرة وإن بنسب متفاوتة، وأجبر ضغط الأحزاب الشعبوية ميركل على إعلان نيتها الاستقالة من رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي، وها هي السويد عاجزة عن تشكيل حكومة جديدة بسبب خسارة الاشتراكيين للأغلبيّة التي تؤهلهم لتشكيل الحكومة، مع صعوبة تشكيل تحالف جديد في ظل تركيبة البرلمان الحالية. ولم تجد دول أوروبيّة حرجاً في القول إنّه يجب انتقاء اللاجئين، ليس فقط بناء على سجلّهم الجنائي أو مهاراتهم المهنيّة، بل بناء على الدين والعرق والإثنيّة. ورفضت دول مثل بولندا وسلوفاكيا والتشيك استقبال المسلمين اللاجئين من ويلات الحرب، وأغلبهم سوريّون، والإعلان عن قبول مسيحييهم فقط، بحجة صعوبة اندماج هؤلاء في محيط مسيحي صرف. وجاء «رُهاب الأجانب» برئيس الوزراء فيكتور أوربان إلى السلطة في المجر، وقال المستشار النمساوي فيرنر فايمان: «إن وضع اللاجئين في القطارات مع الاعتقاد بأنهم سيذهبون إلى مكان آخر يجلب ذكريات الفترة المظلمة في قارتنا»، وكان يتحدث بخصوص حادثة وقعت في المجر عندما استقلّ اللاجئون في بودابست قطاراً وظنوا أنهم كانوا متجهين إلى النمسا، وبدلاً من ذلك انتهى بهم الأمر في مخيم للاجئين في بيكسكي؛ التي كانت أحد مواقع الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية.

وفي الواقع، يتفق الشعبويون على أن قيم الليبراليّة والتسامح هي قيم أوروبيّة مهمة، ويتهمون مجموعات المهاجرين خاصّة من بلدان مسلمة بعدم التسامح ومعاداة المرأة والرهاب من المثلية الجنسية ومعاداة الساميّة. وبما أنّ أوروبا تفتخر بقيم التسامح والليبرالية لديها، فهي لا تستطيع أن تسمح بدخول العديد من الناس غير المتسامحين لأن هؤلاء سوف يغيرون طبيعة المجتمع، فإذا سمحت أوروبا بدخول العديد من المهاجرين من الشرق الأوسط فإن أوروبا في النهاية ستصبح شرقاً أوسطاً. ويعتقد كثيرون في أوروبا أن وجود اللاجئين يمكن أن يزيد من الإرهاب وينافس السكان الأصليين على الوظائف والمنافع الاجتماعية. وفقاً لمسح لمركز بيو للأبحاث عام 2016، ففي اليونان وإيطاليا على سبيل المثال، ذكرت أغلبية المشاركين أن بلدانهم ستكون مكاناً أسوأ للعيش فيه إذا كان هناك عدد متزايد من الأشخاص من مختلف الأعراق والمجموعات العرقية والجنسيات يعيشون فيها، ووافق معظم المشاركين في ألمانيا واليونان وإيطاليا والمملكة المتحدة على القول بأن اللاجئين سيزيدون من احتمال الإرهاب في بلدانهم.

يحكم نقاشات الهجرة الخلافُ حول تعصّب اللاجئين والخلاف حول الهويّة الأوروبية، فإذا كان صحيحاً أن معظم المهاجرين مصابون بالتعصب غير القابل للشفاء، فإن العديد من الأوروبيين الليبراليين الذين يدعمون الهجرة في الوقت الحالي سوف ينجرون إلى معارضة الهجرة والمهاجرين، وربما بشدة أكبر في المستقبل. وعلى العكس من ذلك، إذا أثبت معظم المهاجرين أنهم منفتحون في مواقفهم تجاه الدين والجنس والسياسة، فإن هذا سيؤدي إلى نزع سلاح بعض أكثر الحجج فعالية ضدّ الهجرة. لكن التسامح قيمة عالمية وليست فقط أوروبية، والسؤال بالتالي، ما هي القيم الأوروبية الفريدة التي يجب على المهاجرين تبنيها، هل هناك فعلاً قيم سويدية أو فرنسية أو ألمانية فريدة؟ «طالما أنّ الأوروبيين منقسمون بمرارة حول مسألة الهوية، فإنهم بالكاد يستطيعون اتباع سياسة واضحة حول الهجرة. وعلى العكس، بمجرد أن يعرف الأوروبيون من هم، فإن خمسمئة مليون أوروبي لا ينبغي أن يواجهوا صعوبة في استيعاب مليون لاجئ ­ أو إبعادهم»12.

خلاصة واستنتاجات

إن السياسات التي تحكم أعداد، ومواصفات، وشروط دخول اللاجئين أو المهاجرين إلى بلد ما، والمسائل المحيطة بها من تشريعات وبرامج إعادة التوطين والإدماج، باتت القضايا السياسية الأبرز على مستوى العالم بشكل عام، والاتحاد الأوروبي بشكل خاص. لكن يعتقد معظم صناع السياسات الشعبوية وعدد متزايد من المواطنين في الدول الأوروبية أنهم يعرفون لماذا يسعى اللاجئون إلى دخول دولهم، إن مستوى الحياة المتدني في الدول النامية هو الذي يدفع المهاجرين واللاجئين إلى محاولة بدء حياة جديدة في الاتحاد الأوروبي، والفهم السائد هو  أن اللاجئين يقومون بحساب الأرباح والخسائر؛ التكلفة المتوقعة للجوء مقابل العائدات المتوقعة، سواء من العمل أو من نظام الرعاية الاجتماعية. وحيث أن كفة ميزان العائدات تميل بشكل كبير وإيجابي بالنسبة لمعظم سكان العالم الثالث، فوفقاً لهذا المنطق هم يختارون بشكل عقلاني الهجرة واللجوء.

ومن التفكير النمطي السائد، أن اللاجئين في معظمهم من الرجال الشباب والأقوياء، ووجود اللاجئين يمكن أن يزيد من الإرهاب وينافس السكان الأصليين على الوظائف والمنافع الإجتماعية. لكن هذا ليس سوى فهم سطحي للواقع. وكذلك لا يمكن اختزال الموضوع إلى مجرد الخوف والعنصرية، فإلى جانب الخوف والعنصرية تنشأ الأزمات بسبب التجارب والتوقعات الفردية، وبسبب ديناميات حالة محددة، وبسبب التدريب الخاطئ وسوء الفهم. الواقع معقد أكثر مما يتصوره معظمنا. إن تمثيل المعرفة هو أمر صعب، لكن الأصعب هو تمثيل المعرفة مع احترام ما لا نعرفه. إذا فهم الجميع ذلك، فمن المحتمل أن نخرج بتصورات عن حلول13.

وبدلاً من التعاطي مع التعقيد، يميل الناس بشكل عام (لاجئين وسكان «أصليين») إلى اتباع واحدة أو أكثر من العقائد الاجتماعية. ولأن معرفتنا متداخلة مع معارف الآخرين، فإن المجتمع يصوغ معتقداتنا ومواقفنا، ومن الصعب رفض رأي يشاطره أقراننا في المجموعة نفسها، إلى درجة أننا لا نحاول في كثير من الأحيان تقييم الادعاءات استناداً إلى مزاياها، ونترك مجموعتنا تفكر بالنيابة عنا، وكلّما نظرنا أقل إلى نواقصنا وعيوبنا، كلّما أوكلنا أكثر للآخرين مهمة القيام بذلك.

إن تقدير الطبيعة المشتركة للمعرفة يجب أن يجعلنا أكثر واقعية فيما يتعلق بتحديد معتقداتنا وقيمنا. إن تقدير الطبيعة المشتركة للمعرفة يمكن أن يكشف عن التحيز في كيفية رؤيتنا للعالم، على سبيل المثال، الناس يحبون الأبطال، ونحن نمجد القوة الفردية والموهبة والمظهر الجميل، وتعجب أفلامنا وكتبنا وأحاديثنا بالشخصيات، مثل سوبرمان، والزير سالم، وأنجيلا ميركل، ونتعامل مع نيوتن كما لو أنه اكتشف قوانين الحركة في فقاعة. وكثيراً ما نُرجِعُ كل شرور العالم إلى ترامب أو بوتين أو ماكرون أو نتنياهو أو أسامة بن لادن أو يزيد بن معاوية.

يستطيع الشعبويون الحديث عن احتمالات أن يتحول اللاجئون إلى إرهابيين، أو أن ينافسوا «السكان الأصليين» على الوظائف، أو يتسببوا بانهيار نظام الرفاه الاجتماعي، أو أنهم سوف يشكلون تهديداً لثقافة الأكثرية. إن عدد الاحتمالات لا نهائي، لكن ما لا يستطيعون فعله هو تقديم تقديرات تستند إلى حقائق محددة. إن الاحتمالات المتولدة عن أبسط الأشياء التي نقوم بها بشكل يومي، مثل قيادة السيارة إلى العمل، هي بلغة الرياضيات «احتمالات فركتالية»، فما بالك بالاحتمالات على مستوى قضية مثل قضية اللاجئين. في الواقع لا أحد يستطيع أن يقدم تقديرات تستند إلى حقائق ثابتة فيما يتعلق بمعظم (إن لم يكن كلّ) مشاكل البشر اليوم، بِدءاً من قضايا الهجرة واللجوء وليس نهايةً بالاضطراب التكنولوجي. إن عدم وجود تقديرات حاسمة تستند إلى حقائق محددة هي مشكلة، لكن عدم معرفة بهذا الأمر هي المشكلة الرئيسية، وهي المفتاح الذي تستعمله الشعبوية.

هل يعني هذا أن نسلم أمرنا للنظريات الفوضوية التي ترى أنه لا يمكن التعامل مع تعقيد العالم؟ في النظام الفوضوي يمكن أن تؤدي الاختلافات البسيطة في بداية العملية إلى اختلافات هائلة في الطريق، والاستعارة الشهيرة هنا هي أن «فراشة ترفرف بجناحيها في الصين يمكن أن تؤدي إلى إعصار في الولايات المتحدة»14. الجواب هو أننا نفعل ذلك عندما نتجاهل التعقيد عن طريق المبالغة في تقدير مدى معرفتنا للكيفية التي تعمل بها الأشياء، وعندما نتوهم أننا نفهم ما يجري، وأن آراءنا مثبتة بمعرفتنا، وأن أفعالنا ترتكز إلى معتقدات مثبتة رغم أنها ليست كذلك. يتسامح الناس مع التعقيد من خلال عدم الاعتراف به، ويمكن أن نرى هذا في الحلول التي يقدمها الشعبويون وفي الشعارات التي يرفعونها مثل شعار «إعادة الأمة عظيمة من جديد»، ومن خلال حلول تتجاهل التعقيد وترتكز على استعادة «سيادة الدولة الوطنية» والحروب التجارية وإرسال الجيوش إلى الحدود.

ليس تفكك الاتحاد الأوروبي احتمالاً ماثلاً في الأفق الآن، لكن تجاهل الشعبويين قد يكون كارثياً. إن موجة النزعة القومية ترتفع بسرعة، وتعلو أصوات الدعوات إلى التجانس الثقافي وسيادة الدولة الوطنية، وهي شعارات مقنعة. فمن خلال العزف على المشاعر القومية اكتسب الشعبويون الدعم عبر أوروبا، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الأزمة يتم تغذيتها خارجياً، وبالتحديد من خلال الاستثمار في تهديد الإسلام الراديكالي وتدفق المهاجرين واللاجئين. لكن تجديد الروابط التي تربط المواطنين الأوروبيين، يتطلب إعادة صياغة التعاقد الاجتماعي لمعالجة الاستياء الحالي.

  • 1. Ten countries host half of world's refugees:(Al Jazeera Oct,2016).
  • 2. OPERATIONAL PORTAL.
  • 3. Europe's Great Challenge: Integrating Syrian Refugees:(The Rand Blog).
  • 4. Safdar Saba & Kosakowska-Berezecka, Psychology of Gender Through the Lens of Culture,Springer International Publishing AG, Switzerland 2016: 16-24.
  • 5. Safdar Saba & Kosakowska-Berezecka, Psychology of Gender Through the Lens of Culture,Springer International Publishing AG, Switzerland 2016: 16-24.
  • 6. Measurement Equivalence of the Language Brokering Scale for Chinese American Adolescents and their Parents, NCBI, 2014 Mar: 180-192.
  • 7. Dinesh Bhugra & Matthew A Becker, Migration, cultural bereavement and cultural identity, NCBI 2005 feb:18-24.
  • 8. Maya Rhodan, Are the Syrian Refugees All 'Young, Strong Men', Time, November 20, 2015.
  • 9. The Populist:(Time, BY SIMON SHUSTER).
  • 10. The Populist:(Time, BY SIMON SHUSTER).
  • 11. Leading European right-wing populists attend Koblenz meeting:(DW,1 Jan 2017).
  • 12. Yuval Noah Harari, 21 Lessons for the 21st Century, Spiegel & Grau, New York 2018: 140-157.
  • 13. Steven Sloman, Philip Fernbach, The knowledge illusion, Pan MacMillan, London 2017: 15-45.
  • 14. Steven Sloman, Philip Fernbach, The knowledge illusion, Pan MacMillan, London 2017:: 41.