اللا-احتفال

 

أضاع كورونا على برلين، وعلى ألمانيا عموماً، فرصة الاحتفال بيوبيلٍ مهم تاريخياً. فبعد الاحتفال بذكرى 30 عاماً على انهيار جدار برلين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كانت العاصمة الألمانية مدعوة لأن تكون مركزاً للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين للانتصار على النازية، فالسبت الماضي مرّت ذكرى استسلام حامية برلين إثر انتحار أدولف هتلر قبلها بيومين، وجوزيف غوبلز قبل الاستسلام بساعات قليلة؛ ويوم نشر هذا المقال، السابع من أيار، ستكون ذكرى توقيع ما تبقى من القيادة الألمانية الاستسلام رسمياً، لكن القرار لم يدخل حيّز التنفيذ حتى الحادية عشرة ونصف من مساء اليوم التالي، أي 8 أيار، وبتوقيت برلين. تالياً، تحتفل جمهوريات سوفييتية سابقة عديدة بـ «عيد النصر» في التاسع من أيار، فبسبب فرق التوقيت كانوا قد دخلوا في يومٍ جديد حين دخل الاستسلام الألماني حيّز التنفيذ.

عرسٌ ريفيٌ لابن بكر، سبعة أيام هرج قبل الزفّة...

لولا كورونا لكان من المُرجّح أن تكون روزنامة برلين هذه الأيام عاجّة بالفعاليات الفنية والثقافية والسياسية، الجماهيرية منها والنخبوية، حفلات وتجمعات جماهيرية للناس، وعروض عسكرية واستقبالات رسمية لقادة دول الحلفاء. لكن، عدا تصريحات وبيانات سياسية خفورة، وبعض الملصقات البدائية التي لصقتها جماعات يسارية وأناركية في الشوارع، لا شيء في برلين هذه الأيام يخرق رتابتها الكوروناتية، المتراوحة بين حدائق مزدحمة بالزوار الخائفين، ومتسوقين مُكممين، وسوسيوفوبيون من مختلف الأعمار يمارسون كراهيتهم للآخرين، كل الآخرين، صراخاً وشتماً وتهديداً، وهم سعداء بأن مقتهم صار يُقدَّم كمسؤولية مجتمعية حميدة.

السطور التالية هي قصاصات نابعة عن تجولٍ في هذه الأيام في مركز برلين، ساحة الـ 72 ساعة الأخيرة من المعركة (ومن الحرب العالمية الثانية في شطرها الأوروبي)؛ من مكان عبور الجيش الأحمر نحو الضفة الجنوبية لنهر شبري وفتح معركة الرايخستاغ (البرلمان) في 29 نيسان 1945؛ وحتى عمق شارع فيلهلم، حيث المستشارية القديمة وملجأ هتلر ومقر الغستابو، النقاط الأخيرة التي دخلها الجيش الأحمر يوم 2 أيار بعد توقيع الجنرال فيدلينغ استسلام حامية برلين.

حديقة الذواكر المتفجرة

تبدأ الجولة مع عبور نهر شبري من عندي جسر مولتكى (مولتكيبروكه). وهو جسر جميل هندسياً، بُني في نهاية القرن التاسع عشر، وهو من الجسور النادرة التي لم تُدمّر بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا. وقد كان هذا الجسر نقطة العبور التي نجح الجيش الأحمر السوفييتي في انتزاعها من حاميته بعد إفشال محاولة تفجيره، وذلك إثر سيطرته على كامل الضفة الشمالية للشبري خلال النصف الثاني من نيسان 1945، لينتقل عبر الجسر إلى الضفة الجنوبية يوم 29 نيسان فاتحاً معركة السيطرة على الرايخستاغ (البرلمان)، وبادئاً العدّ العكسي لإسقاط ما تبقى من مركز برلين الحكومي، وبالتالي بقايا الحكم النازي. 

بالكاد يحتاج عابر الجسر لجهد كي يقطع مئات قليلة من الأمتار للوصول إلى مبنى البرلمان، خصوصاً حين يكون قد عبر الجسر متجولاً بثياب رياضية، وليس مقتحماً بقصد احتلال وسط برلين عسكرياً. جنوب النهر في هذه المنطقة هو عبارة عن نصف دائرة يحدّها شمالاً قوس النهر، وهي مساحات خضراء مفتوحة تتخللها أبنية رسمية مثل المستشارية الفيدرالية، أي مكتب الرفيقة أنغيلا؛ والسفارة السويسرية؛ وأبنية حديثة تابعة للبرلمان؛ وفي الصدر الشرقي للمساحة الخضراء الواسعة نرى البناء التاريخي للبرلمان (رايخستاغ)، تعلوه القبّة الزجاجية التي صممها المهندس نورمن فوستر في التسعينات خلال إشرافه على تجديد المبنى وإصلاحه. 

هندسياً، ليس في التصميم النيو-نهضوي لمبنى البرلمان ما هو مميز بالمقارنة مع المتوسط الأوروبي لأبنية من هذا الصنف. لكن الشحنة التاريخية للمبنى في سياق القرن العشرين مهولة. فقد حُرق المبنى عام 1933، في «ملابسات» أكثر من مريبة، خدمت استكمال النازيين الانقضاض على السلطة وسحق كل معارضةٍ لهم. وخلال الحرب استُخدمت بقايا المبنى كمنشآت عسكرية، ليتحوّل خلال معركة برلين إلى هدفٍ استراتيجي رفع السوفييت فوقه علمهم في صورة أيقونيّة تمثل نهاية الحرب العالمية الثانية، حرفياً. بعد الحرب، وإثر تقسيم برلين، وجد المبنى نفسه في القسم الغربي، ملاصقاً للجدار الفاصل. ورُمم بشكل منقوص، وإن بقيت صفته الرسمية ممجوجة، وبالكاد يُستخدم لمناسبات ونشاطات ثانوية. لم يستعد المبنى صفته كبرلمان إلا إثر التوحيد، وحينها تقرر استكمال ترميمه، بما في ذلك القبة التي كان مكانها قد بقي خاوياً بعد الترميم الأول في الستينات. استغنى الترميم الأخير في التسعينات عن كلّ ما بُني في الترميم السابق، وبالكاد بقيت الجدران الرئيسية فقط. لكن تقرر الاستبقاء على كتاباتٍ كان الجنود السوفييت الذين سيطروا على المبنى خلال معركة برلين قد كتبوها، صوناً لذاكرة تلك المعركة ضد النازية. لكن هل تم صون الذاكرة تماماً؟ قررت السلطات الألمانية حينها، بالتنسيق مع دبلوماسيين روس، مسح الكتابات ذات الطابع العنصري، أو تلك الكتابات التفحيشية أو البذيئة، وبقيت فقط التذكارات الشخصية والشعارات المناوئة لهتلر والنازية. ذاكرة مفلترة دبلوماسياً فإذاً. 

جنوب مبنى البرلمان تمتد جادة 17 يونيو مخترقة حديقة تيرغارتِن الشاسعة من شرقها إلى غربها. وما يُرى بالعين من موقع البرلمان هو نصف الجادة الشرقي، الممتد من بوابة براندنبرغ شرقاً، وحتى عمود النصر غرباً. ولعمود النصر المُهيب هذا قصته مع الذاكرة بدوره، فقد صُمِّمَ بالأساس لتخليد ذكرى انتصار بروسيا في الحرب البروسيّة- الدنماركية عام 1864، لكن ثمة انتصارات أخرى حصلت ريثما انتهى التصميم وشُرع في البناء، انتصار على النمسا 1866، وعلى فرنسا 1871؛ فصار عمود النصر هذا صرحاً لتخليد ذاكرة انتصارات عديدة ومتلاحقة. وقد كان مكانه الأصلي مقابلاً لمبنى البرلمان، حيث الفسحة العشبية الشاسعة التي اسمها اليوم «ساحة الجمهورية» (يقصدون الجمهورية الألمانية، وليس موقعنا)، لكن النازيين نقلوه إلى مكانه الحالي وسط جادة 17 حزيران، وسط دوّار ضخم، ضمن مخططاتهم العمرانية لبرلين. ساحة عمود النصر كانت بدورها محور توغل للجيش الأحمر باتجاه البرلمان وبوابة براندنبرغ، وما بعدها باتجاه شارع فيلهيلم، وما زالت آثار الرصاص والتفجيرات واضحة على قاعدة العمود. وحين انتهت الحرب وتجمّع الحلفاء في برلين، حاول الفرنسيون استغلال تفاهماتٍ بين الحلفاء حول كيفية التعامل مع الصروح التي تُعتبر داعمة للسرديات النازية، وطالبوا بنسف عمود النصر. لكن البريطانيين، الذين لم يمثل العمود أي تجريصة بحقّهم، اعترضوا بشدة باعتبار أن العمود سابق لعام 1914، العام الذي كان الحلفاء قد توافقوا على أنه بداية إشكالية التفسيرات التاريخية للنازية. مع ذلك، تمكّن الفرنسيون من انتزاع أجزاء من جداريات قاعدة العمود تحوي تمثيلات لهزيمتهم أمام بروسيا.

وكأن هذا العمود ليس إلا بوست على فيسبوك تم التعديل عليه مراراً بعد نشره...

في منتصف المسافة بين بوابة براندنبرغ وعمود النصر، على جادة 17 يونيو، نجد نصباً مهيباً على شكل قوس، يتوسطه تمثال ضخم يمثّل جندياً سوفييتياً، وعلى أطراف القوس دبابتان ومدفعان سوفيتيان. يحيي هذا النصب ذكرى الجنود السوفييت الذين قُتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، ويُشير لمختلف القطع العسكرية والفرق والأسلحة التي شاركت في المعارك، وفي حديقته مقبرة جماعية لنحو 2000 جندي من الجيش الأحمر قُتلوا في المنطقة المحيطة بالنصب خلال معركتي الرايخستاغ ووسط برلين. وبعد بناء جدار برلين، بقي النصب في الجانب الغربي تحت السيطرة البريطانية، وإن مع تفاهمات مع السوفييت لحمايته ورعايته. وقد كانت حمايته موضوعاً مهماً لأن النصب تحوّل إلى مشهد رمزي مهم خلال الحرب الباردة، ولعل أشهر اللقطات التي يظهر فيها هي التي أُخذت خلال زيارة جون كينيدي لبرلين نهاية ربيع عام 1963، ومروره أمام النصب راكباً سيارة مكشوفة السقف، في سياق التحديات التستوسترونية المتبادلة بين الأميركيين والسوفييت عقب أزمة الصواريخ الكوبية، التي حصلت قبل تلك الزيارة ببضعة أشهر. 

في السنوات الأخيرة، وُجد نصب الجنود السوفييت القتلى خلال الحرب العالمية الثانية وسط سجال سياسي وأزمات دبلوماسية أيضاً، إضافة إلى كونه ما يزال يشكّل نقطة استقطاب لآلاف الزوار الروس ومن الدول السوفييتية السابقة. فقبل بضعة سنوات تسببت كتابات معادية للسوفييت ظهرت على النصب بأزمة بين روسيا وألمانيا، إذ اتهمت روسيا ألمانيا بالتقاعس عن حماية النصب، وقد كانت الكتابات المعادية تتهم السوفييت بأنهم «قتلة ولصوص ومغتصبون». ورغم أنه من المُحتمل جداً أن يكون مقترفو الكتابات من مسوغي النازية واعتذارييها، ولا يودّ المرء أي نوع من أنواع القضايا المشتركة مع هؤلاء بطبيعة الحال، إلا أن نصباً من حجم نصب الجنود السوفييت نفسه، على الأقل، واجب التشييد إكراماً لذاكرة الآلاف من النساء البرلينيات اللواتي اغتصبهنَّ جنود الجيش الأحمر خلال الأيام التالية للسيطرة على برلين. وقد حصلت أزمة أخيرة بخصوص النصب السوفييتي قبل نصف عقد، إذ نُظمت حملة مطالبة بإزالة الدبابتين والمدفعين من النصب في سياق أزمة دول الاتحاد الأوروبي -وألمانيا على رأسها- مع روسيا بُعيد سيطرة الأخيرة على شبه جزيرة القرم. حروبٌ للحاضر تُخاض مرة بعد مرة في الماضي، وتجد في الصروح والنُصب والتماثيل ضرباً من مستند يخضع للتحرير والشطب وإعادة الكتابة والتفسير بشكل مستمر.

جنوب جادة 17 يونيو تمتد بقية حديقة تييرغارتِن الشاسعة والجميلة، وقد كُتب الكثير عن كلِ ركنٍ من أركانها، لكن رُكنيَ المفضل هو نصب الموسيقيين الثلاث، بتهوفن وموزارت وهايدن، والبركة الواقعة أمامه. رأى هذا النصب الرخامي الكثير منذ أن شُيّد قُبيل ولادة القرن العشرين، وثمة صور متوافرة له وهو متأذٍ بشدة بُعيد معركة برلين، تحيط به حديقة محروقة ومدمرة. وقد رُمم النصب، ثم أزيل مؤقتاً أثناء حفر نفق تيرغاتن للسيارات، والذي يمرّ تحت منطقة النصب، قبل أن يُعاد مع بداية الألفية إلى مكانه. ثمة آثار رصاص وشظايا تُرى بوضوح على التماثيل، خصوصاً على صدور تمثالي بتهوفن وهايدن، لكن من محاسن أن يكون المرء تمثالاً رخامياً أن سترته، إلى حدّ كبير، مضادّة للرصاص.

اللا-صرح 

وقفتنا التالية هي النصب التذكاري للضحايا اليهود في أوروبا، جنوب بوابة براندنبرغ. ليس للموقع أهمية خاصة في سياق الحرب العالمية الثانية، عدا كونه أحد محاور محاولات السوفييت لاقتحام شارع فيلهلم (الواقع شرق النصب ببضعة أمتار لا أكثر)، انطلاقاً من تيرغاتن المطلّة غرباً بشكل مباشر على موقع النصب. كما كان الموقع إحدى الرُقع المقفرة بين البرلينين خلال الحرب الباردة، ولم يصبح موقعاً محدداً للنصب إلا في نهاية التسعينات، ليُفتتح عام 2005.

النصب عبارة عن ساحة مساحتها حوالي 19000 متر مربع، وهو مكوّن من أكثر من 2700 كتلة إسمنتية مستطيلة، متساوية جميعها في المساحة لكن متفاوتة الارتفاع بشكل متماوج، وهو الشكل المُميّز لكثيرٍ من أعمال مصمم النصب، المهندس الأميركي الشهير بيتر إيزنمان. لست خبيراً في العمارة، بل بالكاد أنجح في أن أكون مطّلعاً على مستوى الهواة المبتدئين، لكنني أعرف بعض الشيء عن إيزنمان لأنه أدار مشروعاً كارثياً، اقتصادياً وبيئياً ومجتمعياً، لتفريغ تلّ كامل وبناء «مدينة للثقافة» في إسبانيا، في سانتياغو -حيث ولدت، وحيث كنت طالباً جامعياً حين بدأ تشييد المشروع- أوائل الألفية (ذو شكل متموّج أيضاً)، وحينها قرأت الكثير عن إيزنمان وله، واطّلعت على مقابلات صحفية وأوراق أكاديمية أصدرها. وانطباعي، غير الخلاّق، عنه أن لديه من الصلف والعنجهية ما ساعده ربما على أن يخرج بهكذا مشروع جريء وخارق لأي تصورات مسبقة لصرح الضحايا اليهود في أوروبا. على المستوى الهندسي، أثار النصب، وما يزال، الكثير من الانتقادات، وقد أسهب جون برودي في سرد أغلب الانتقادات الدارجة لتصميم أيزنمان في مقال نشره في النيويوركر عام 2012. مختصر أهم الانتقادات للتصميم أنه لا يُخبر شيئاً، وهو نصب تذكاري لا يقول لك ولا حتى إشارات أولية لما يفترض أنه قائم للتذكير به: يجب أن تأتي وقد أتممت درسك في الموضوع، ولو لم يكن كذلك فستكون أمام كُتل إسمنتية لا تقول شيئاً، ويجب أن تذهب إلى زاويته الشرقية، أي عند مدخل مركز التوثيق وصالة العرض الواقعتين تحت النصب كي تجد كتابةً ما. ثمة إفراط في التجريد في تصميم إيزنمان، جعل هناك الكثير من الافتراضات حول ماذا كان يريد القول عبر هذا التصميم: هل كان يريد تشبيه النصب بمقبرة؟ هل هناك معنىً ما لعدد الكُتل الإسمنتية؟ أيزنمان نفسه نفى هذين الافتراضين، لكنه لم يتفاعل كثيراً مع تساؤلات إن كان قصده إنشاء شبه متاهة تنقل إحساساً ما بالتيه والعزلة لمن يحاول اجتيازها، وكان إيجابياً وإن غير حاسم مع افتراض أن الكُتل تمثل الآلة الصلبة، الممنهجة بيروقراطياً والمتطورة تقنياً، التي بُنيت من أجل صناعة الموت في الهولوكوست. أصحاب هذا الافتراض هم غالباً ممن مرّ عليهم نتاج حنّة آرنت، والتي يحمل الشارع الملاصق للصرح من جهته الجنوبية اسمها، بالمناسبة. 

أعتقد أن إيزنمان قد وُفِّقَ في رهانه على التجريد المفرط والتقتير الإسمنتي، وهذا رأي شخصي مبني على المشاعر المُعاشة عند كل زيارة للنصب. موضوعة الهولوكوست، وطريقة تقديمها، والسجال حولها والتيار الإنكاري وآلياته، كلها عوامل تجعل من الملائم جداً أن يكون النصب التذكاري لضحايا الهولوكوست ضرباً من اللا-صرح، وليس المقصود باللا-صرح هنا التيارات الفكرية والهندسية التي تعتبر الصروح بحد ذاتها عنفاً رمزياً له إشكالياته أكثر مما للصروح من فوائد، بل القصد أنَّ بناء صرحٍ لا يحمل أي معالم نمطية للصروح الكلاسيكية حول العالم كان خياراً موفقاً. ليس هناك ما يشير إلى أن الصروح المثقلة بالمعلومات والرموز المباشرة هي أكثر فعالية لحفظ الذاكرة، كما ليس من المنصف أن يُقال أن النصب لا يُخبر شيئاً، وخصوصاً إن استخدم كدليل على ذلك مثال سلوك الناس الاحتفالي والمرح خلال زيارات الصرح (وجون برودي اقترف ذلك في مقال النيويوركر المُدرج أعلاه): حتى معسكر اعتقال أوشفيتز اضطر لمطالبة زائريه بالانضباط سلوكياً والتوقف عن ارتكاب أفعال غير حساسة تجاه رهبة المكان... أي شيء أكثر مباشرةً ووضوحاً وإخباراً من معسكر إبادة؟ «المشكلة» في مكانٍ آخر إذاً.

وعلى كلٍ حال، من قال إن اعتيادية سلوك الناس أمام صروح الذاكرة يجب أن تُقمع، وأن تتجمد تصرفاتهم عند مقتضيات رهبة المشاهدة المباشرة للفظيع لحظة اقترافه؟ أليس استيعاب الذاكرة ضمن الحياة الطبيعية (ومن ضمنها البهجة) جزءاً من مسير الحياة اليومي، ونفعاً أكبر لحفظ الذاكرة بالتالي؟ بالتأكيد لا يشمل هذا التساؤل معسكرات الإبادة، التي ليست تماماً صروحاً للذاكرة بل شيئاً آخر، أعمق؛ لكنه بلا شك يمكن أن يشمل نصباً يشغل ساحة مركزية في مدينة عاجّة بالحياة مثل برلين.

عدا الإشكاليات التي أثارها الخيار المعماري للمهندس، طاولت الصرح انتقادات أخرى، منها ما يتعلّق بكون النصب مخصصاً لليهود دوناً عن غيرهم من الضحايا، وقد عالجت برلين هذا الموضوع عبر إشادة نُصُب أخرى للضحايا من المثليين في شرق حديقة تيرغارتن، مقابل صرح الضحايا اليهود؛ وآخر للضحايا الروما جنوب الرايخستاغ، على الجانب الآخر من جادة 17 يونيو. لكن سجالاً أعمق أثاره النصب حين خُطط له في الساحة الثقافية والفكرية الألمانية، كمثال على ذلك ما يورده شتيفان مولر-دووم في سيرة أستاذه يورغن هابرماس التي نشرها عام 2014، إذ يشير مولر- دووم إلى انتهاء صداقة هابرماس بالروائي مارتن فالسر في النصف الثاني من التسعينات، ففي حين قيّم هابرماس إيجاباً مشروع صرح الضحايا اليهود، وأشاد بمشروع أيزنمان، خصوصاً بتجريده وبطابعه اللا-صرحي؛ هاجم فالسر، ضمن مثقفين ألمان آخرين، المشروع، موجهاً انتقاده اللاذع «لأولئك الذين يلوّحون بمطرقة أوشفيتز الأخلاقية في وجوهنا»، ومركزاً نقده نحو صديقه المقرب حتى حينها، والذي صار صديقاً سابقاً منذ لحظتها.

على عكس مرافق عامة برلينية أخرى هذه الأيام، بينها تيرغارتِن الجارة، يبدو صرح الضحايا اليهود في أوروبا مقفراً بشكل مبالغ فيه خلال مروري به مقارنةً بالأيام العادية. ألحظ عائلة مكونة من أب وأم شابين وطفلتين صغيرتين يقفون أعلى إحدى الكتل في الزاوية الجنوبية الغربية، عند مصب شارع حنة آرنت في شارع إيبرت الفاصل بين الصرح وتيرغارتن، يلتقطون الصور المرِحة وهم يتقافزون من كتلة لأخرى، أي السلوك المنفّر لكثير من منتقدي الصرح. وغير بعيد عنهم أقتربُ من شابين يتحادثان بالعربية بلهجة عراقية، وأنجح في الاستماع لسخريتهم من شكل الكُتل، وتصورّهما للكتل الاسمنتية وكأنها مكوّمة تنتظر دورها لتُرفع بواسطة الروافع المنصوبة شرق الصرح هذه الأيام لخدمة تشييد بناءٍ مجاور، ونتحادث. هم حديثو العهد ببرلين، ولم يكونوا يعرفون رمزية الصرح. بعد أن عرفوا، رأى كلاهما أن شكله يشبه المقبرة. أيزنمان لا يعرف العربية باللهجة العراقية كي يسمع هذا التفسير ويغضب. للأسف.

فيلهلمشتراسه

في زمن مضى، كان اسم شارع فيلهلم (فيلهلمشتراسه) صنو القرار السياسي الألماني، فقد كان الشارع مقراً لوزارات سيادية عدّة، ومقر إقامة وعمل أهم شخصيات الامبراطورية البروسية، ثم الرايخ الثالث. وكانت الصحافة تتحدث عن فيلهلمشتراسه وكأنها ذاتٌ سياسية ذاتُ قرار وصور: «قرَّرَ فيلهلمشتراسه»، «صرّحَ فيلهلمشتراسه». ولذلك، كان الشارع هو الهدف النهائي لهجوم الجيش الأحمر على برلين، ففيه مقرّ القيادة النازية في الملجأ المحصّن بجانب مستشارية الرايخ، في منتصف هذا الشارع الطويل. فيلهلمشتراسه يبدأ شمالاً من نهر شبري، إذ تشكّل بدايته الضفة الجنوبية لجسر مارشال (مارشالبروكه). وبعد أقل من مئتين وخمسين متراً، يُلاقي فيهلمشتراسه جادة أونتر دِن ليندن العظيمة.

أونتر دِن ليندن، أو «تحت الزيزفون». جادة ضخمة وجميلة، الأهم في برلين اليوم على الصعيد العمراني. اسم الجادة بديع في الحقيقة، لكن ثمة ما يُخيّب فيها توقعات من يعرفون برلين: هناك زيزفون فعلاً. شارع باسم الزيزفون وفيه زيزفون هو شيء مُتاح لأي عاصمة، بل لأي مركز ناحية. ما يُشبه برلين هو أن يكون اسم الشارع «تحت الزيزفون» وألا تكون هناك أي زيزفونة، بل ولا أي شجرة من أي نوع، فيحتار الزائر ويسأل: أين الزيزفون إذاً؟ لترد عليه برلين: بالضبط!

مئات الصفحات الالكترونية والكتب مليئة بالمعلومات التاريخية والنصائح السياحية للتجول في أونتر دِن ليندن، الذي يبدأ من بوابة براندنبرغ وينتهي قرابة ألكسندربلاتز وبرجها التلفزيوني الشهير، مارّاً بالكثير من الصُروح والأبنية التاريخية والمتاحف التي يطول سردها، لكن ثمة إشارة خاصة ومُستحقة للأبنية الأساسية لجامعة هومبولت العريقة. لديّ صديق من دولة عربية حاز على قبول لإكمال دراسته العليا في الجامعة، وحين زار جدّه ليبشّره بالخبر السار لقي استغرابَ الجد، الذي لم يكن قد سمع بالجامعة مقارنةً بشهرة جامعات الفضاء الأنكلوساكسوني، فشرع صاحبنا يعدد لجدّه أسماء العلماء والفلاسفة الذين دَرسوا أو دَرّسوا في هومبولت، حتى وصل إلى كارل ماركس. حينها، جفل جدّ صديقنا وبادر: «ماركس؟! أعوذ بالله من الخبث والخبائث..». لـ «الخبث والخبائث» إياه تمثال مع صديقه فردريك إنجلز في حديقة على الضفة اليمنى لـ«تحت الزيزفون»، بعد اجتياز جزيرة المتاحف الشهيرة باتجاه الشرق.

بالعودة إلى فِيلهيلمشتراسه، الذي يستمر جنوباً بعد اجتيازه «تحت الزيزفون» لمسافة أكثر من كيلومترين -وإن مقطوعاً للسير في الأمتار الأولى كحماية للسفارة البريطانية- نجد شارعاً عادياً، بل يكاد يبدو شارعاً فرعياً وثانوياً مقارنةً بأبّهة «تحت الزيزفون»، أو تجارية ونخبوية فردريكشتراسه الموازي. لم يعد فِيلهيلمشتراسه إلى ألق ما قبل الحرب العالمية الثانية. فاليوم، وباستثناء وزارة المالية التي ورثت مبنى وزارة الطيران، بالكاد بقيت بعض الأبنية المرممة من تلك الفترة، وأمامها وأمام أبنية حديثة ينتمي أغلبها للنصف الثاني من القرن الماضي، وزّعت البلدية إشارات خفورة أمام المواقع القديمة لقصور ومقرات حكومية مهمة في العصور السابقة، تشرح تاريخ البناء المُختفي من ذلك المكان وتُعرّف بشخصيات مهمة ارتبطت بهذا البناء، وتقدم -إن وُجدت- صوراً ومخططات لكيف كان شكل البناء قبل أن ترث موقعه هذه الكتل الاسمنتية عديمة الشخصية، وهي أبنية سكنية بُنيت في النصف الثاني من عهد ألمانيا الشرقية، وكانت الـ «نومنكلاتورا» الحزبية تقبل على السكن هنا، بسبب مركزية المنطقة، وإشراف الطوابق العليا من الأبنية على حديقة تيرغارتِن القريبة (والتي تفتتح غرب برلين) عبر الجدار الفاصل.

لديّ هوسٌ قديم، منذ الطفولة، بالتاريخ الحربي والمعارك الكبرى، سيما تلك التي جرت في شوارع وأزقة المدن (وإن كان الأمر قد تعقّد مع الحرب في سوريا)، وأستمتعُ بمقاطعة هذه السرديات التاريخية مع الخرائط. أقضي أوقاتاً طويلة من يومي أمام خرائط، في غوغل مابس وغيرها، أُبحلق فيها بحثاً عن تحديد مواقع أو أشياء ذات أهمية هامشية أو معدومة غالباً. يُضاف إلى ذلك مهارة لا بأس بها على الاستدلال والتوجّه حين أتجول أو أسوح في مناطق أزورها للمرة الأولى، ما يجعل البحث عن نقاط معينة متعة بالنسبة لي، وهي من الأشياء القليلة التي أمتلك جَلّد وصبر قضاء وقت طويل وأنا مركّزٌ فيها. يُضاف إلى كل ما سبق ضعف عاطفي أخرق تجاه كل أشكال التداعي والاندثار، له أوجه كثيرة، يهم منها هنا، في حالة فيلهيلمشتراسه، أن إيجاد مكان بناءٍ أو صرح لم يعد موجوداً يمسّ طبقة إحساس مختلفة عن زيارة المعلم أو البناء القديم الذي ما زال موجوداً، مهما كان مهماً، ومهما كانت هذه الزيارة ممتعة ومفيدة ومبهرة. هناك جهد إضافي، «جميل»، في أن تتخيل شكل البناء الذي شغلته وزارة الخارجية التي خُططت بها أهم مجريات النصف الأول من القرن الماضي، أو شكل الشرفة التي خطب منها فردريك إيبرت للجماهير، دون أن يكون أمامك بناءٌ بروسي الطابع من القرن 19، بل كتلة إسمنتية قبيحة من إنتاج ثمانينات ألمانيا الشرقية، أسفلها بقالية، أو مطعم هندي، أو محل تصليح دراجات، أو محل هدايا وتذكارات؛ وجزء من فعل التخيل هو أن تتمكن من تحديد مكانٍ ما، بدقة، عبر حساب أمتار البُعد عن معلم آخر ما زال موجوداً كما ذُكر في مصدر ما، مثلاً. في فيلهيلمشتراسه أنت في المكان نفسه بالضبط، بالأمتار؛ لكنه «مكان» مختلف بالكامل اليوم عمّا كانه حين كان «التاريخ» هنا، يربط المكانين- المكان الأوحد نقاط علاّم من أبنية وصروح باقية، أو إشارات سياحية وتاريخية وضعتها البلدية.

عند تقاطع فِيلهلمشتراسه مع «آن دير كولوناده» نجد صرحاً معدنياً ضخماً يرسم ملامح وجه، هو نصبٌ تكريمي لجورج إلسير، وهو عامل ألماني حاول اغتيال هتلر وقياديين نازيين آخرين في محاولة تفجير حانة بيرة ضخمة في ميونخ عام 1939. وقد شُيّد هذا النصب أمام موقع مستشارية الرايخ حينها، وفي مكانٍ ما حول هذه المستشارية المندثرة، بقي دون تحديد بشكل متعمد، كان الملجأ المحصّن لهتلر، الذي عاش فيه آخر أيامه، كما يصوّر فيلم السقوط للمخرج أوليفر هيرشبيغل (2004). انتحر هتلر وحُرقت جثته في بقعة في مكانٍ ما، غير محدد بشكل متعمد هو الآخر، في هذه المنطقة، في 30 نيسان 1945، أي حين كان الجيش الأحمر السوفييتي يلامس مكان نصب الضحايا اليهود الحالي، على بعد أقل من خمسمئة متر من هنا.

إن أكملنا تجوالنا جنوباً في فِيلهيلمشتراسه بعدها، سنعبر عدّة شوارع قاطعة، أكبرها هو لايبزغرشتراسه، الذي يتوجه غرباً ليصبّ في بوتسدامر بلاتس الحديثة والفاخرة، والمُحاطة بدور السينما التي تستضيف أكبر عروض مهرجان برليناله السنوي للسينما. وقد كان برليناله هذا العام آخر مهرجان سينمائي كبير ينجح في ملء دور السينما قبل أن تفرغها جائحة الكورونا قسراً. ولكن إن توجهنا بضعة أمتار شرقاً في لايبزغرشتراسه انطلاقاً من شارع فيلهيلم، سنجد رفّ أبنية قصيرة من الطراز الإسمنتي الشرق-برليني الكالح، هي اليوم أبنية مكاتب، وفي الطابق الأول من ثانيها قاعة بست طاولات هي مكتب الجمهورية الجديد، الذي لم تُتح لنا جائحة كورونا استخدامه بعد. دون قصد مسبق، ومحكومين بالمتوافر والممكن في سوق العقارات البرلينية، نستأنف إقبال النومنكلاتورا الحزبية الشرق-ألمانية القديم على هذه المنطقة. 

بعد عبور لايبزغرشتراسه نجد على اليمين البناء الضخم لوزارة المالية -وزارة الطيران في مراحل سابقة- وهو بناء ضخم وكالح و«عنيف» حجرياً، يليق به فعلاً أن يكون وزارة مالية الآن ووزارة طيران سابقاً، وفي مدخله إحدى آخر جداريات الواقعية الاشتراكية التي تصوّر عمالاً وفلاحين وجنوداً وطلبة وهم صامدون في مسيرة الـ«سوسياليزموس». وعلى اليسار حديقة متحف الاتصالات، تليها باحة ضخمة هي قاعدة منطادٍ سياحي أزرق يراه زوار برلين وقاطنوها دوماً وهو يشرف على سماء المدينة، وقد كُتب عليه «دي فيلت» (العالم)، والساحة أيضاً موقع لعرض وتأجير سيارات ترابانت الشرق-ألمانية القديمة.

عند التقاطع التالي لفِيلهيلمشتراسه، مع زيمرشتراسه/ نيديركيرشنرشتراسه، نجد على أرض الشارع الندبة الشهيرة لمسار جدار برلين سابقاً وهي تشير لنا إلى المكان الذي كان الجدار يقسم فيه فيلهيلمشتراسه إلى قسمين شمالي وجنوبي. ولو تابعنا مسار الجدار شرقاً نحو مئتي متر فسنلاقي تشك-بوينت شارلي الشهير، ولكن قبل ذلك نجد عند التقاطع تماماً، باتجاه الغرب، بقايا للجدار لم يتم هدمها، وهي تطلّ على باحة ضخمة، أسفلها وعلى جانبها متحف «طبوغرافيا الرعب». هذه الساحة هي مكان المقرّ السابق للغستابو، جهاز الأمن النازي الرهيب.

ستتوقف جولتنا في شارع فيلهيلم عند هذه النقطة، لأن لا أماكن مهمة بشكل خاص للموضوع الذي يهمنا اليوم، ولأن التوقف عند المسار الأسبق للجدار فكرة مناسبة، ولأن المرور أمام مقرّ الغستابو مثير للرهبة حتى بعد أن صار مجرد ساحة خالية. ولكن أيضاً، بل أساساً، لأن متابعة السير تعني المرور أمام مطعم سوري مُبرلَن، قرر أن يُنشيء صيغاً مُهَبسترة للأطباق الشرقية التقليدية (بأسعار مضاعفة طبعاً، فالإبداع مُكلف). وإن كانت كل الأفكار من هذا النوع من حيث المبدأ سيئة، فإن الجريمة التي تُقترف بحق الفول في هذا المطعم، بتحويله إلى طبق هبستري يُقدَّم بارداً، هي سبب أكثر من كافٍ لتفضيل عدم المرور.

 

 

اللا-احتفال

يشكّل شعار «لن يتكرر» (Never Again) أحد أهم المنتجات الرمزية لخطاب ما بعد الحرب العالمية الثانية: ما حصل فظيع، ونتج عنه فظاعات كثيرة وأنتج فظاعاتٍ أخرى (مثل الهولوكوست)، والإنسانية تعلمت الدرس واستوعبت أن ما حصل يجب ألا يتكرر. وهذا الشعار مُساءَل باستمرار في ميادين الثقافة والفكر، وعرضة للتحليل والتفكير والتحذير، من آرنت وهابرماس وباومان وكثيرين غيرهم. هل تعلمت الإنسانية الدرس فعلاً؟ وما هو بالضبط ما لا يجب أن يتكرر؟ لقد حصل أن تم تضييق أهداف الـ «لن يتكرر» في السياسة والثقافة، فصار ما لا يجب أن يتكرر هو النازية بحرفيتها كما كانت في ثلاثينيات وأربعينات القرن، والفاشية كما مثّلها موسوليني. المُخرج الألماني ديفيد فرندت اشتغل بشكل ساخر على فكرة عودة هتلر، حرفياً، قبل سنوات في فيلمه انظروا من عاد، وهناك الكثير من القلق المشروع والمنطقي من تصاعد جماعات اليمين المتطرف في ألمانيا وغيرها، بصفتها «عودة» لما لا يمكن أن يتكرر. هذا صحيح، لكن هل هو كافٍ لوحده؟ ثمة حاجة كبيرة للعودة إلى التاريخ والذاكرة واستخلاص ما هو أكثر من منع عودة حرفية لأشياء لا يجب أن تتكرر، وأول شرط لذلك هو التعامل مع التاريخ والذاكرة بمنطق مختلف بشكل جذري عن كونها معركة فحول، سلاحها خربشات وشطوبات، وخربشات وشطوبات مضادة، على دفاتر قديمة، كما رأينا من أمثلة في جولة تيرغارتن.

أيضاً، ثمة تفكير ضروري في أن ما لا يجب أن يتكرر، ما كان يجب أن يحصل أصلاً. لقد حصل، ولا يمكن مسح تاريخ ما حصل، مهما شخبطنا على حيطان أو حطمنا صروحاً، ومن الجيد أن نشتغل على فكرة منع التكرار، لكن لمنع حصول ما لا يجب أن يحصل أولوية مشابهة، تقتضي اهتماماً سياسياً وفكرياً وثقافياً كبيراً. أعرف أن هذا كلام بديهي ووعظي إلى درجة مخجلة، لكن دعونا نلقي نظرة على التحديات الوجودية للبشرية، وللكوكب ككل، ونضعها مقابل لائحة اهتمامات وانشغالات وانفعالات الإنتلجنتسيا والنخبة السياسية الإنسانية هذه الأيام، وسنجد أسباباً للرعب لا تكفي طبوغرافيا متحف فيلهلمشتراسه الشهير لفرزها وتصنيفها.

بدل جماهير واحتفالات وقادة دول وفرق موسيقية ومسارح عملاقة مشيّدة في المناطق التي مرّت بها هذه الجولة، هناك شوارع شبه مقفرة، وأناس متعجلون ومكممون، ومطاعم ومقاهٍ وبارات مغلقة، وترقُّب. في أماكن كثيرة من العالم هناك حظر تجوال وإجراءات قصوى لوقف تفشي كورونا، كل ذلك وسط أنباء متلاحقة تضيف أرقاماً جديدة كل يوم على ملايين المصابين، ومئات الآلاف من المتوفين. نظم صحّية منهارة، واقتصاد عالمي مشلول حالياً، وسيكون الخروج من شلله معضلة كبيرة للسواد الأعظم من البشرية على المستوى المعيشي المباشر. ألا يمكن التفكير في الجمود الذي فرضه كورونا على الذكرى 75 لانتهاء الحرب العالمية الثانية بوصفه «لا- احتفال» على غرار اللا-نصب الأيزنماني الذي مررنا به؟ أي كصرخة، ما ورائية بعض الشيء ربما، لتوسيع مدارك التفكير بما لا يجب أن يتكرر، وما لا يجب أن يحصل، للإنسانية وللكوكب ككل. لا-احتفال يرمز إلى المخاطر السياسية، الاجتماعية-الاقتصادية، والفكرية، والأخلاقية، والبيئية؛ التي تحدّق بنا، وتصرخ في وجوهنا أن كورونا مجرد مثال على هشاشة الشرط البشري، رغم الطبقات المتراكمة من الغرور المتعفّن.

في برلين وفي غير برلين، ستمرّ هذه الأيام الكوروناتية العصيبة، وستزدحم الشوارع والساحات والملاعب وصالات المسرح والسينما مجدداً، وسيحتفل الناس بأشياء كثيرة، ويتشاجرون على أشياء أكثر. لكن ليكن اللا-احتفال هذا فرصة لإعادة التأكيد على أوسع تحليل لما لا يجب أن يتكرر، وأعمق تفسير وأوسع خيال لما لا يجب أن يحصل أصلاً. لكل ما لا يجب ألا يتكرر، ولكل ما لا يمكن أن يحصل..

وهذا يشمل طبق الفول الهبستري البارد أيضاً...